فرق الشيعة بعد وفاة الإمام محمد الباقر عليه السلام

 

وبقي سائر أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الباقر على القول بإمامته حتى توفي سنة 114 هـ، فلما توفي افترقت فرقته فرقتين:

 

1- فرقةٌ منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب الخارج بالمدينة المقتول بها، وزعموا أنه القائم المهدي وأنه الإمام، وأنكروا قتله وموته، وقالوا هو حي لم يمت مقيم في جبل يقال له العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة نجد الحائر على يسار الطريق، فهو عندهم مقيم فيه حتى يخرج.

 

2- والفرقة الأخرى نزلت إلى القول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد فلم يزل يأتيه على إمامته أيام حياته، غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه إسماعيل ثم مات إسماعيل في حياة أبيه رجع بعضهم عن إمامته وقالوا: كذبنا جعفر ولم يكن إماماً، لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون، وحكوا عن جعفر أنه قال: إن الله بدا له في إمامة إسماعيل فأنكروا البداء والمشية من الله، وقالوا هذا باطل لا يجوز ومالوا إلى مقالة البترية ومقالة سليمان بن جرير.

 

وسليمان بن جرير هو الذي قال لأصحابه لهذا السبب: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما على كذب من أئمتهم أبداً وهما القول: بالبداء وإجازة التقية، فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلَّم من قِبَلِ الله ما عُلِّمَتْه الأنبياء، وإن لم يكن ذلك الشيء قالوا: بدا لله في ذلك فلم يُكَوِّنه! وأما التقيّة فلما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوهم فيها وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوه وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة وشهور متباينة.. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه وأنكروه عليهم، فقالت أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا لأن ذلك إلينا ونحن أعلم بما يصلحنا وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم وكف عدونا وعدوكم عنا وعنكم، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف حق من باطل؟ فمال إلى سليمان بن جرير لهذا القول جماعة من أصحاب جعفر وتركوا القول بإمامة جعفر.