أسباب وبواعث اختلاف وتفرّق الأمّة الإسلاميّة

 

أهم وأعظم علة لتفرّق المسلمين وانشقاقهم، وسبب وقوع الاختلاف والخصومة فيما بينهم، مسألة خلافة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). لقد نشأت بذور هذا الاختلاف في صدر الإسلام في الأيام الأولى التي تلت رحلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونمى وقوي فيما بعد بواسطة جهل المسلمين وتعصبهم وتحريك أعداء الإسلام، إلى أن اشتدَّ في القرون التالية قرناً بعد قرن حتى جعل المسلمين أعداء ألدّاء في مواجهة بعضهم البعض وأدى إلى مشاهد مشينة من الحرب والجدال والخصام والاقتتال سوَّدت صحائف التاريخ بالعار إلى الحد الذي أصبحت فيه فرق المسلمين أقدر على الاختلاط والعشرة مع اليهود والنصارى منها على التعايش مع بعضها البعض مع أنهم بنص كتابهم السماوي أخوة متساوون.

 

ورغم أن غباراً غليظاً مغطياً للحقيقة أوجدته قرون من الجدال والاقتتال، أصبح مانعاً كبيراً وصعباً يحول دون إظهار وجه الحقيقة كما ينبغي وتعرُّف كل فرقة على الأخرى وإعادة المياه إلى مجاريها فيما بينهم، لكننا بعون الله سنقوم بمحاولتنا وسعينا في هذا الطريق مستخدمين كل ما أتيح لنا من طاقة مادية ومعنوية، عسى أن ننير بفضل الله سراجاً نيِّراً في هذا الطريق المظلم الضيق، ونطلع إخواننا المؤمنين، الذين يطلبون الحق ويبحثون عن الحقيقة إلى ما هدانا الله إليه بفضله ورحمته، عسى أن يعودوا لأنفسهم بعد هذا الزمن الطويل وبعد اطلاعهم على حيل وسياسة الأعداء وتذوقهم لمرارة كل تلك البلايا والمصائب التي حلت بهم نتيجة تلك الاختلافات، فيسيروا إلى الأمام نحو العزة والسعادة والشوكة والسيادة ويستعيدوا وحدتهم فيكونوا مصداقاً للآية الكريمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ ﴾. أما لو لم تؤثر فيهم - لا سمح الله - صخب السيول الجرّارة لكل حوادث التاريخ هذه ولا الأمواج المهلكة لكل أعاصير القرون والعصور هذه، وما تحويه من صفير الإنذار والتحذيرات الصريحة، بل استمرت العصبيَّات الجاهلية والتفرقة القومية والعنصرية التي تغذيها الأهواء ووساوس الشيطان ودسائس الأعداء الماكرين تعمل عملها في إضلالهم، فإننا سنكون معذورين لدى ربنا سبحانه وتعالى بكتابة هذا الكتاب ومأجورين إن شاء الله على سعينا لهذا الهدف وما سنلقاه من آلام نتيجة الاتهامات والسب والبهتان والافتراء بحقِّنا: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف:164].