أقرب أصحاب الأئمة لم يكن لهم علم بمثل هذه النصوص

 

لو كانت هذه الأحاديث التي فيها النص من الرسول (صلى الله عليه وآله) على أسماء الأئمة وأسماء آبائهم، صحيحة فعلاً وموجودة عند الأئمة، فلماذا لم يكن لكثيرٍ من خواص أصحاب الأئمة، الذين كانوا أقرب للأئمة بكثير من رواة تلك الأحاديث، أي خبر عن هذه الأحاديث ولا أي علم بهذا الموضوع؟! فلم يكن لهم علم بالأئمة الاثني عشر، بل لم يكن لهم علم بالإمام الذي سيعقب إمامهم الحالي! إن مطالعة مختصرة لأحوال وأخبار بعض خواص أصحاب الأئمة تبين بوضوح هذه الحقيقة وفيما يلي ننقل أحوال بعضهم من كتب الحديث الشيعية الموثقة المعتبرة:

 

1) فمن جملتهم جناب "أبي حمزة الثمالي ثابت بن دينار" (أو ثابت بن أبي صفية) الممدوح من الخاص والعام في كتب رجال الخاصة والعامة والذي قال عنه حضرة الصادق: [أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه وكلقمان في زمانه]، وقد أدرك أربعة من الأئمة هم حضرات السجاد والباقر والصادق والكاظم، ومع ذلك لم يكن يعرف من هو الإمام بعد حضرة الصادق وعندما سمع بوفاة حضرة الصادق من رجل أعرابي صاح صيحة وضرب الأرض بيده وسأل الأعرابي فقال: هل سمعته أوصى وصية؟ فقال الأعرابي: أوصى لابنه عبد الله ولابنه الأخر موسى ولأبي جعفر المنصور الدوانيقي، عندئذ قال أبو حمزة: الحمد لِـلّهِ الذي لم يضلنا!(231)

 

لكن واضعي أحاديث النص أبوا إلا أن يضعوا حديثاً، فيه النص على الأئمة الاثني عشر واحداً واحداً، على لسان أبي حمزة وابنه وهو الحديث الثامن من الأحاديث التي ناقشناها والمروي في الأصل عن أبي حمزة البطائني الملعون ولكن نسبه بعضهم زورا إلى أبي حمزة الثمالي، مما سبق وبينا خطأه.

 

2) ومنهم أيضاً "أبو جعفر محمد بن علي الأحول" المعروف بمؤمن الطاق، أما مخالفوه فيسمونه: شيطان الطاق! والذي نقلت عنه مباحثات ومناظرات مع الإمام أبي حنيفة، والذي كان من الأصحاب الخاصين المقربين لحضرة زين العابدين وللإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم (عليهم السلام)، وجميع الرجاليين يذكرونه بالخير والثناء، وهو الذي نقلنا فيما سبق مباحثته مع الإمام زيد بن علي بن الحسين حول الإمامة بالنص وأنه كان يعتقد، خلافا لزيد، بأن الإمام هو الذي ينص الله تعالى عليه وأن هناك أئمة منصوص عليهم من قبل الله تعالى(232)، هذا الشخص مع كل فضيلته ومحبته لأهل بيت النبوة، لم يكن يعلم من هو الإمام بعد الإمام الصادق! كما في رجال الكشي (ص239) وخرائج الراوندي (ص 203) وإثبات الوصية للمسعودي (ص191) وبصائر الدرجات للحسن بن صفار والكافي للكليني: [عن هشام بن سالم قال: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) أَنَا وَصَاحِبُ الطَّاقِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ صَاحِبُ الأمْرِ بَعْدَ أَبِيهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ أَنَا وَصَاحِبُ الطَّاقِ وَالنَّاسُ عِنْدَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ رَوَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام أنَّهُ قَالَ: فِي الْكَبِيرِ مَا لَمْ تَكُنْ بِهِ عَاهَةٌ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَسْأَلُهُ عَمَّا كُنَّا نَسْأَلُ عَنْهُ أَبَاهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الزَّكَاةِ فِي كَمْ تَجِبُ فَقَالَ فِي مِائَتَيْنِ خَمْسَةٌ فَقُلْنَا فَفِي مِائَةٍ فَقَالَ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ فَقُلْنَا وَالله مَا تَقُولُ الْمُرْجِئَةُ هَذَا(233) قَالَ فَرَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ وَالله مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ الْمُرْجِئَةُ قَالَ فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ ضُلالاً لا نَدْرِي إِلَى أَيْنَ نَتَوَجَّهُ أَنَا وَأَبُو جَعْفَرٍ الأحْوَلُ فَقَعَدْنَا فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ بَاكِينَ حَيَارَى لا نَدْرِي إِلَى أَيْنَ نَتَوَجَّهُ وَلا مَنْ نَقْصِدُ وَنَقُولُ إِلَى الْمُرْجِئَةِ إِلَى الْقَدَرِيَّةِ إِلَى الزَّيْدِيَّةِ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى الْخَوَارِجِ... الحديث](234). فإذا كان أمثال مؤمن الطاق وهشام بن سالم، لا يعلمان مَن هو الإمام بعد الإمام الموجود؟ فمِنَ اليقين به أنه لم تكن هناك أحاديث النص، إذ لو وجدت لكانا أول من يعلم بها ولما بكيا وتحيرا بعد وفاة إمامهما!

 

ومن العجيب أيضاً أن حضرة "هشام بن سالم" هذا الذي وضعوا على لسانه أحد أحاديث النص الهامة (و هـو الحديث العاشر من الأحاديث التي ناقشناها) كان أيضاً من المتحيرين، كما أشرنا لذلك في نقدنا لمتن الحديث، والأعجب أن نفس الرواة بعينهم، سواء المتصل بالمعصوم منهم أو المنفصلين، رووا كل الحديثين! (أي حديث النص وحديث الحيرة)، حيث روى الحسن بن الصفار حديث النص عن ابن أبي عمير عن "هشام بن سالم"، وحديث الحيرة بواسطتين عن ابن أبي عمير عن "هشام بن سالم"، فما أعجب هذا التناقض!، وينبغي أن يقال أن حديث الحيرة أقوى وأرجح لأنه جاء في كل كتب الشيعة المعتمدة، في حين أن حديث النص لم يأت إلا في كتاب واحد، بالإضافة لظهور علامات الكذب عليه من عدة جهات.

 

3) أحد المتحيرين العجيبين هو جناب زرارة بن أعين الذي كان من خواص وخُلَّص أصحاب الأئمة عليهم السلام، كما جاء في رجال الكشي (ص207) وسائر كتب الرجال من رواية جميل بن دراج قال: [سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة محمد بن مسلم ويزيد بن معاوية وليث البختري وزرارة بن أعين] وفي ص 208 من رجال الكشي أيضاً: [عن أبي عبد الله أنه قال: أربعة أحب الناس إلي أحياء وأمواتا، بريد العجلي وزرارة ومحمد بن مسلم والأحول] وفيه أيضاً: [بشر المخبتين بالجنة يزيد بن معاوية وأبو بصير ليث البختري ومحمد بن مسلم وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة].

 

زرارة بن أعين هذا روى عنه الكشي حيرته بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام، كما يلي: [.. عن علي بن يقطين قال: لما كانت وفاة أبي عبد الله عليه السلام قال الناس بعبد الله بن جعفر واختلفوا، فقائل به وقائل بأبي الحسن عليه السلام (أي موسى الكاظم). فدعا زرارة ابنه عبيدا فقال: يا بني! الناس مختلفون في هذا الأمر فمن قال بعبد الله فإنما ذهب إلى الخبر الذي جاء أن الإمامة في الكبير من ولد الإمام فشد راحلتك وامض إلى المدينة حتى تأتيني بصحة الخبر، فشدَّ راحلته ومضى إلى المدينة. واعتلَّ زرارة فلما حضرته الوفاة سأل عن عبيد فقيل له إنه لم يقدم، فدعا بالمصحف فقال: اللهم إني مصدق بما جاء به نبيك محمد فيما أنزلته عليه وبينته لنا على لسانه وإني مصدق بما أنزلته عليه في هذا الجامع وإن عقيدتي وديني الذي يأتيني به عبيد ابني، وما بينته في كتابك فإن أمتني قبل هذا فهذه شهادتي على نفسي وإقراري بما يأتي به عبيد ابني وأنت الشهيد عليَّ بذلك، فمات زرارة... الحديث].

 

وروى الكشي (في ص 139) حيرة زرارة بعبارة أخرى من طريق آخر [عن نصر بن شعيب عن عمَّة زرارة قالت: لما وقع زرارة واشتد به، قال: ناوليني المصحف فناولتُهُ وفتحتُهُ فوضعتُهُ على صدره وأخذه مني ثم قال: يا عمَّة! اشهدي أن ليس لي إمام غير هذا الكتاب].

 

فنقول: لو كانت أحاديث النص على تلك الكثرة لدرجة أن يرويها حتى أبو هريرة ومعاوية واسحق بن عمار وجابر وعشرات آخرون، فكيف لم تصل لمسامع زرارة الذي كان أقرب من كل المذكورين إلى الأئمة عليهم السلام؟!

 

4) كذلك ضمن الحديث الذي رواه الكشي في رجاله (ص241) عن حيرة هشام بن سالم، ذكرت أيضاً حيرة المفضل بن عمرو وأبي بصير، مع أنهما كانا من خواص أصحاب حضرة الصادق عليه السلام، لكنهما لم يعرفا من الإمام بعد وفاة الصادق، ثم عرفا إمامة موسى الكاظم بفضل هداية هشام بن سالم لهما، هذا مع أن الكليني روى حديثين من أصل ستة عشر حديثاً، في النص على إمامة موسى بن جعفر بعد حضرة الصادق، عن نفس المفضل بن عمرو هذا!.

 

5) محمد (بن عبد الله) الطيار شخص آخر من المتحيرين من خواص أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، الذي كان الإمام الباقر يفاخر بفقهه وعلمه، ومع ذلك لم يكن يعرف الإمام بعد حضرة الصادق، وكذلك مر بفترة حيرة وتردد في معرفة الإمام واتباعه، حيث يروي الكشي قصته فيقول: [عن حمزة بن طيار عن أبيه محمد قال: جئت إلى أبي جعفر عليه السلام أستأذن عليه فلم يأذن لي وأذن لغيري! فرجعت إلى منزلي وأنا مغموم فطرحت نفسي على سرير في الدار وذهب عني النوم فجعلت أفكر وأقول أليس المرجئة تقول كذا؟ والقدرية تقول كذا؟ والحرورية تقول كذا؟ والزيدية تقول كذا؟ فيفسد عليهم قولهم (يعني يرى أنه لا يستطيع اتباعهم)، فأنا أفكر في هذا حتى نادى المنادي فإذا بالباب يدق فقلت: من هذا؟ فقال رسولٌ لأبي جعفر يقول لك أبو جعفر أجب، فأخذت ثيابي ومضيت معه فدخلت عليه فلما رآني قال يا محمد لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الحرورية ولا إلى الزيدية ولكن إلينا، إنما حجبتك لكذا وكذا، فقبلت وقلت به].

 

6) أحمد بن محمد بن خالد البرقي شخص آخر من المتحيرين من خواص أصحاب الأئمة عليهم السلام وسيأتي شرح حاله قريباً عند الكلام على الحديث الطويل المروي عنه.

 

ولو أردنا استقصاء جميع المتحيرين ممن كانوا من أصحاب الأئمة المقربين لطال بنا الكلام كثيراً لذا نكتفي بما ذكرناه ونعتقد أنه كاف لإقناع ذوي الألباب بأن أحاديث النص على ذلك النحو من التفصيل والتوضيح المسطور في كتبنا، لا أصل لها، بل من وضع الكذابين الوضاعين الغلاة، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً.

 

الهوامش:

(231) انظر: الخرائج للراوندي: ص 202، وبحار الأنوار للمجلسي: ج12/ ص136.

 

(232) راجع فقرة: "ادعاء النص لم يرد في كلمات أهل بيت النبي والأئمة من ذريته" في هذا الكتاب. (ت)

 

(233) كان عبد الله بن جعفر متهما أنه من المرجئة. (برقعي)

 

(234) أصول الكافي: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق..: ح17:ج1/ص351. (ت)