سِيَرُ الأئمة بحد ذاتها تنفي وجود أحاديث النص السابق

 

1- تبين من الفصول الماضية وثبت أن حضرة أمير المؤمنين عليه السلام لم يدَّعِ في أي مقام أو في أي ملأ من الناس، أن الله تعالى هو الذي نصبه وعينه إماماً أميراً مفترض الطاعة على المسلمين، بل إن الأمر لم يكن يعدو اعتباره نفسه أولى الأمة وأليقها وأحقها بمنصب خلافة رسول الله، كما أن اعتراضه على بيعة سقيفة بني ساعدة كان مستنده أن هذه البيعة لم تتم بمشورة جميع الأنصار والمهاجرين أو على الأقل لم تتم بمشورته هو نفسه ولا مشورة عديد من فضلاء وأجلة المهاجرين والأنصار، ومن المسلَّم أنه لو حصل ذلك لما عُدِلَ عنه إلى غيره أبداً.(217)

 

2 - كذلك خلافة الحسن بن علي المجتبى عليه السلام لم تتم بالاستناد إلى نص، سواء كان من الرسول (صلى الله عليه وآله) أو من علي عليه السلام، بل كما جاء في مروج الذهب للمسعودي وتاريخ الطبري والبداية والنهاية لابن كثير أن عليّاً لما ضربه ابن ملجم دخل عليه الناس يسألونه فقالوا: [يا أمير المؤمنين، أرأيت إن فقدناك، ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ فأجاب: لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر](218)، وأنه لما أخبر أهل الكوفة - قبل أن يضربه ابن ملجم - بشهادته كانوا يقولون له: [ألا تستخلف؟ فيقول: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله](219)، وأنه لما أخبر الحسنُ الناسَ بوفاة أبيه الجليل قام ابن عباس وقال: [إن أمير المؤمنين توفي وقد ترك لكم خلفاً فإن أحببتم خرج إليكم وإن كرهتم فلا أحد على أحد، فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا]. هذا في حين أنه لو كان لمسألة الإمامة المنصوص عليها، على النحو الذي يدَّعونه، حقيقة، للزم ووجب أن يقوم علي عليه السلام أثناء فترة حكمه التي دامت خمس سنوات، ببيان هذا الأصل الأصيل والتأكيد عليه قبل أي شيء آخر، وذلك في كل مناسبة وخطبة من خطبه البليغة، وأن يقوم ابنه الحسن المجتبى بذلك أيضاً ليعلم الناس أمر دينهم وتتم الحجة عليهم ويعرفوا أنه: أولاً: الإمامة وحكومة المسلمين منحصرة باثني عشر إمام بنص من الله تعالى عليهم لا أكثر ولا أقل (حتى لا يشتبه الأمر على عشرات الفرق التي قالت بإمامة أكثر أو أقل منهم كالشيعة الإسماعيلية والكيسانية والزيدية و.. و..) وثانياً: أنه - باستثناء إمامة الحسين بعد أخيه الحسن - لا تنتقل الإمامة إلا بنحو عامودي من الأب لابنه، وأنها - باستثناء موردين هما إسماعيل بن جعفر ومحمد بن علي الهادي - تكون للابن الأرشد بعد أبيه. وثالثاً: أن الأئمة من ولده معصومون مفترضو الطاعة... وأن... وأن...الخ.

 

ولكن كما نعلم جميعاً ليس هناك أي أثر لمثل هذه الأمور سواء في كلام علي أو كلام ابنه الحسن حتى الذي قيل في الاجتماعات الخاصة ومع المقربين، بل سنرى عن قريب أن الأئمة أنفسهم كانوا آخر من يعلم بمثل هذه الأمور!.

 

3 - أما حضرة الحسين عليه السلام فمشهور ومعروف لكل أحد أنه قبل أن يدعوه أهل الكوفة للإمامة ويبايعوا ممثله جناب مسلم بن عقيل، لم يدع لنفسه الإمامة المفترضة بنص من الله ونص من رسوله (صلى الله عليه وآله)، ولم يأت في جميع احتجاجاته وخطبه التي ألقاها بين الناس قبل وأثناء خروجه، بأي كلام عن نص على إمامته أو إمامة والده أو أخيه مِن قِبل الله عز وجل.

 

4 - بعد شهادة الحسين عليه السلام، طبقاً لاتفاق جميع التواريخ المعتبرة، قام أخوه من أبيه محمد بن علي المعروف بمحمد بن الحنفية بتولي منصب الإمامة وعرف أتباعه الذين قالوا بإمامته بالكيسانية، وكتب الملل والنحل وأحاديث الشيعة مليئة بالحديث عن هذا الأمر، كما روى "الطبرسي" في كتابه "أعلام الورى" (ص152) و"الكليني" في "الكافي" و"الطبرسي أحمد بن علي" في "الاحتجاج" كلهم عن أبي عبيدة وزرارة كلاهما عن حضرة الباقر عليه السلام قال: [لما قتل الحسين أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به وقال يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله دفع الوصية والإمامة من بعده إلى علي ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين وقد قتل أبوك ولم يوص وأنا عمك وصنو أبيك وولادتي من علي وأنا في سني وقدمي أحق بها منك في حداثتك...](220)، ومهما كان هذا الحديث مخدوش سنداً ومتناً وعقلا سيما ما ذكر فيه من تحاكم علي بن الحسين إلى الحجر الأسود ليحكم بينه وبين محمد بن الحنفية! والذي من الواضح أنه من اختلاق الوضاعين الذين لا يتورعون عن الكذب في سبيل تأييد مذهبهم، أو من وضع أشخاص أرادوا إيجاد الفرقة بين المسلمين، لكن أيا كان الأمر فإنه من مسلمات التاريخ أنه بعد شهادة الحسين وجدت الفرقة الكيسانية القائلة بإمامة محمد بن الحنفية ثم تفرعت عنها بعده عدة فرق أخرى أيضاً، ووجود هذه الفرقة وغيرها وإن كان بلا شك وليدا للصراعات السياسية والنزاعات على السلطة، لكنه بحد ذاته يتناقض مع مسألة النص أي مع وجود نص معروف على أسماء الأئمة بأعينهم، إذ لو كان ذلك معروفاً فعلاً، لما صار أحد للإيمان بإمامة محمد بن الحنفية، ومن العجيب أن نفس أولئك الذين رووا مثل الحديث السابق الذي يقول فيه "ابن الحنفية" لابن أخيه من أبيه "علي بن الحسين": [أنا عمك وصنو أبيك وولادتي من علي وأنا في سني وقدمي أحق بها منك]، ويذكرون أن المختار بن عبيدة الثقفي (قائد ثورة التوابين) وغيره، بقوا، لسنوات مديدة، يدعون لإمامة ابن الحنفية، هم أنفسهم يروون عن نفس محمد بن الحنفية ما يؤيد النص على الأئمة!، كما روى الكشي في رجاله عن أبي خالد الكابلي الذي كان يقوم بخدمة محمد بن الحنفية، أنه قال له يوماً: [جعلت فداك إن لي خدمة ومودةً وانقطاعاً، أسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا ما أخبرتني: أنت الذي فرض الله طاعتـه على خلقه؟ قال: لا، الإمام علي بن الحسـين، عليَّ وعلى كل مسـلمٍ]!

 

وأيا كان فمن الواضح تماماً أنه لم يكن عند أهل بيت النبوة نصٌّ معروفٌ صريحٌ على الإمامة والخلافة وإلا لما ادَّعى الإمامة أبداً رجل عُرِفَ بالعلم والزهد والشجاعة والتقوى كمحمد ابن الحنفية، ولتبرَّأ من الذين قالوا بإمامته، مع أنه لم يُسمَع منه أبداً أنه ردّ على القائلين بإمامته أو أنكرها، إذن فلم يكن هناك نصٌّ نبويٌ معيّنٌ يحدِّد مَن هم الأئمة.

 

الهوامش:

(217) أكد أمير المؤمنين علي عليه السلام نفسه، أكثر من مرة، أن الشورى حق المهاجرين والأنصار، من ذلك ما جاء في أحد رسائله لمعاوية (كما أوردها عنه الشريف الرضي في نهج البلاغة، الرسالة رقم 6، ورواها أيضاً نصر بن مزاحم المنقري في كتابه "صفين" ص 29) أنه عليه السلام قال: إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين الأنصار فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك  لِـلَّـهِ رضىً. قلت: وكلام أمير المؤمنين هذا تؤيده الآية القرآنية الكريمة: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ التوبة / 101، وقد وصف الله تعالى أولـئك السابقين من المهاجرين والأنصار بأنهم: ﴿ ..وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ  ﴾ الشورى/38، فإذا جلس مجموعة من أهل الجنة ليتشاوروا في أمر الإمارة واختاروا أميراً عليهم أفلن يكون ذلك حتماً رضىً  لِـلَّـه؟؟ وعلاوة على ذلك فإن عليّاً عليه السلام كان يقول: والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها (نهج البلاغة / الخطبة  رقم 196). فهل يعقل أن يكون عليا قد أمر من قبل الله تعالى بتولي منصب الخلافة، ثم يقول مقسماً بالله أنه ليس له رغبة بالخلافة ولا إربة بها؟! أليس لعليٍّ رغبة بتنفيذ أمر الله؟!  هل يصح القول مثلاً أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له رغبة ولا إربة بالنبوة بعد أن حمله الله تعالى أمانتها؟؟ والعياذ بالله. لو كان علي منصوباً حقاً من قبل الله تعالى لمنصب الخلافة والإمارة فلماذا قال - عندما هجم الناس على بيته ليبايعوه: فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها، تقولون: البيعة البيعة! قبضت كفي فبسطتموها، ونازعتكم يدي فجاذبتموها ( نهج البلاغة / الخطبة 137 و229)، في حين أنه لو كانت خلافته عليه السلام أمراً إلـهـياً، لوجب عندما وجد المقتضي لاستلامها وانتفى المانع وعاد الحق إلى صاحبه، لوجب على الأقل ألا يمتنع عنها ويظهر عدم ميله لها، هذا إن لم يجب عليه الإسراع لأخذها والقيام بأعبائها، لا أن يقول - كما روي عنه في النهج - دعوني والتمسوا غيري! أنا لكم وزيراً خيراً لكم مني أميراً، وإن تركتموني فأنا كأحدكم وأسمعكم وأطوعكم! (نهج البلاغة/الخطبة 91). ولو أن علياً عليه السلام نُصِّب فعلا من قبل الله عز وجل لأمر الخلافة، فلماذا بدلاً من تحذيره الناس صبحاً ومساء من مغبة مخالفتهم لأمر الله تعالى وتذكيرهم صبحاً ومساء بخلافته الإلـهية، وسعيه بكل جهده لإحراز الخلافة التي أمره اللهُ القيام بأعبائها، وزجره الخلفاء الذين سبقوه عن غصبهم خلافته، وإعلانه للجميع أن خلافتهم غير مشروعة ومحرمة، أو على أقل تقدير يمتنع عن تأييدها ويسكت عن مدحها، لماذا نجده عليه السلام، بشهادة آثار قدماء الإمامية، يثني على الخلفاء الذين سبقوه ويمتدح خلافتهم فيقول عن أبي بكر مثلاً: فتولى أبو بكر فقارب واقـتـصد [كشف المحجة لثمرة المهجة، سيد ابن طاووس، طبع النجف، 1370هـ، ص 177]، ويقول عن عمر مثلاً: تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيـبة [الغارات، أبو اسحـق الثقفي، ج1/ص307] ويقول عنهما كليهما في مقام آخر: أحسنا السيرة وعدلا في الأمة [كتاب وقعة صفين، ص 201]، ولماذا رضي أن يصاهره عمر في ابنته أم كلثوم [انظر منتهى الآمال، للشيخ عباس القمي، ص 186، ووسائل الشيعة: كتاب الميراث، ج17/ ص 594]، وكان يقتدي بالشيخين في الصلاة [وسائل الشيعة: كتاب الصلاة، ج 5/ ص 383] وسمى ثلاثة من أولاده بأسماء الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان [الإرشاد للشيخ المفيد، دار المفيد للطباعة، ج1/ص 354 ومنتهى الآمال، ص 188 و382]. أفتراه فعل ذلك - وهو عليه السلام إمام المتقين وأسوة المؤمنين - لكي يفضح الغاصبين ويعرف الأمة أكثر بأصول وأحكام الشريعة خاصة أصل الإمامة المنصوص عليها، ويتم الحجة عليهم في ذلك؟!  نترك الإجابة على ذلك لكل ذي إنصاف. (م)

 

(218) مروج الذهب: للمسعودي: ج2 / ص 425، وتاريخ الأمم والملوك: للطبري: ج5/ص 146-ـ 147، والبداية والنهاية: لابن كثير: ج7 / ص 327 .

 

(219) مروج الذهب: ج 2 /ص 425، والبداية والنهاية: ج 7 /ص323 إلى 324 من عدة طرق. (ت)

 

(220) وانظره أيضاً في الأصول من الكافي للكليني: كتاب الحجة: باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل في أمر  الإمامة، حديث 5، ج1/ ص 348. (ت)