تمهيـد

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وأتباعه، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

 

عقل وتفكير جميع بني الإنسان وتجربة وخبرة البشر وليس هذا فحسب بل كذلك وحي خالق العالم وتعاليم الأنبياء والمختارين تدل جميعها بأوضح بيان وأصرح لسان على وجوب الاتحاد ووحدة الكلمة واتفاق الأمة والجماعة واتفاق كل شعب ومجتمع يعيش أفراده بجوار بعضهم البعض، إذ أن بركات الاتحاد ومحاسن الاتفاق أوضح من أن تحتاج لذكر أو بيان، فأدنى ذي شعور يحكم بعظيم فائدتها وحسن عاقبتها. وقد دعا خالق العالم، في آيات متعددة من كتابه المحكم، المسلمين، للوحدة والاتحاد والاجتماع والاتفاق، فقال سبحانه في سورة الأنبياء/92: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ وفي سورة المؤمنون/52: ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ فذكّرهم بكلمة التوحيد لتتوحد كلمتهم وتتحد جماعتهم قائلا: بما أنني أنا وحدي ربكم جميعا فكونوا أنتم أيضاً أمة واحدة واعبدوني وحدي جميعا ولا تخافوا إلا إيّاي.

 

وبرغم أن هيئة ونظام الخليقة بحد ذاته دليل واضح على أن خالقها واحد، وهذه حقيقة واضحة وبرهان متقن، لكن إذا لم تكن ثمرة هذه الحقيقة ونتيجتها توحيد الكلمة والاتفاق، فإن ذلك يعتبر فقداناً كبيراً وخسارةً عظيمةً، تماثل أن نكون عمياناً ونحن بجوار بحر النور، أو عطاشى ونحن بجوار شريعة الكوثر الزلال. لقد حذرنا الحق تعالى من الاختلاف والتشتت ودعا الناس للاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن المجيد ودين الإسلام المبين فقال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران:103]، وقال كذلك: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران:105]، وقال أيضاً: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام:153]. وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام:159]، وقال كذلك: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..  ﴾ [الشورى:13-14]. وعلينا أن ننتبه أنه لما أخبرنا الله تعالى عن الكفار أنهم: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ سورة الحشر/14، فمعناه أن المؤمنين عليهم أن يعتبروا من ذلك ويكونوا على خلاف تلك الحال بأن يكونوا متَّحدي القلوب في وحدة حقيقية صادقة، عاملين بحكم قرآن رب العالمين الذي نهاهم عن التفرق وأمرهم بالاجتماع ووحدة الكلمة، لا أن يتحدوا مجرد اتحاد صوري فاقد للحقيقة والأصالة، بل أن تكون وحدتهم متجذّرةً في قلوبهم.

 

إن التفرقة في الدين مذمومةٌ إلى درجة أن قوم موسى لما عبدوا العجل بتضليل السامري، ورجع سيدنا موسى عليه السلام غاضباً وأخذ بلحية أخيه ورأسه، كان مما قاله سيدنا هارون عليه السلام معتذراً عن عدم تركهم: ﴿ .. إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلي ﴾ [طه:94]. وأخيراً فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه أن التفرق والتنازع والاختلاف في الآراء يؤدّي إلى ضعف شوكة المسلمين وذهاب عزتهم وقوتهم فقال: ﴿ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال:46].

 

ويوجد في السنة النبوية ما لا يكاد يحصى من الأحاديث الصحيحة في وجوب الالتزام بالجماعة، من جملة ذلك الحديث المشهور الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ فارقَ الجَمَاعَةَ قيْدَ شِبْرٍ فقد خلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ مِن عُنُقِهِ إلاَ أن يَرْجِعَ..(5) والحديث الآخر الذي قال فيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية(6). ومثل هذا ما جاء في الخطبة رقم 127 من نهـج البلاغة عن سيدنا مولى الموحدين وأمير المؤمنين حيث قال: والزموا السواد الأعظم فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار (أي شعار التفرقة والانشقاق) فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه أي أنني أنا نفسي أمير المؤمنين لو دعوتكم للفرقة والتحزُّب فاقتلوني! والحقيقة أن السيرة الشريفة لذلك الإمام، نفسها، أوضح دليل على وجوب ملازمة الجماعة واجتناب الفرقة، إذْ إنه عليه السلام رغم كل الحوادث المؤلمة والآلام التي تحملها، بقي دائماً ملازماً لجماعة المسلمين.

 

الهوامش:

(5) رواه بهذا اللفظ الترمذي في سننه: كتاب الأمثال / باب رقم 3 ضمن حديث طويل ورواه بألفاظ متقاربة البخاري ومسلم في صحيحهما وأبو داود في سننه وأحمد في مسنده. (ت)

 

(6) رواه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة /حديث رقم 35 والنسائي في سننه كتاب تحريم الدم / باب38، والدارمي وأحمد في مسندهما وغيرهم. (ت)