ادّعاء النصّ على عليٍّ لم يَرِدْ في كلمات آل بيت النبيّ وذريته

 

لم يأت أبداً في أقوال أولئك الذين عرفوا بالتقوى والعلم والفضل من بين أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبناء أعمامه وأحفاده وذريته، مثل هذا الادعاء بأن عليّاً عليه السلام قد نُصِبَ إماماً على الأمة من قِبَلِ الله تعالى ورسوله، فقد مر معنا (ص127من هذا الكتاب) قول الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام: [لو كان النبي أراد خلافته لقال: أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، (ثم أضاف): أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليّاً لأجل هذا الأمر ولم يُقْـدِم عليٌّ كرَّم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً].

 

ومرّ أيضاً قبل صفحتين قول أمير المؤمنين نفسه، حسبما أورده المسعودي في كتابه "إثبات الوصية"، أنه عليه السلام، لما سمع أن الناس بايعوا أبا بكر رضي الله عنه قال: [إن تكن الإمامة في قريش فأنا أحق قريش وإن لم تكن في قريش فالأنصار على دعواهم]، واعتزل الناس دون أن يذكر أي بيان أو احتجاج آخر! فهل وظيفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى ورسوله هي أن يذهب ويعتزل في بيته دون أن يقوم بأي دعوة أو مطالبة؟! وكما ذكرنا سابقاً في رواية قيس بن عباد أن حضرة علي قال: [والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه ولم أترك ابن أبي قحافة يرقى درجة واحدة من منبره!].

 

وأورد الكشي في رجاله (ص 164 من طبعة النجف) قصة نقاشٍ وقع بين مؤمن الطاق وزيد بن علي يدل على أنه لم يكن في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بشيء اسمه الإمامة المنصوص عليها من الله، قال: [إن مؤمن الطاق قيل له: ما جرى بينك وبين زيد بن علي في محضر أبي عبد الله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي! بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماماً مـفترض الطاعة! قال: قلت نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم. قال (أي زيد): وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبرِّدها بيده ثم يلقمنيها، أفترى يشفق علي من حر اللقمة ولا يشفق علي من حر النار؟](176)، أي أن زيداً رضي الله عنه يؤكد أن والده لم يخبره بموضوع وجود إمام مفترض الطاعة من الله! مما يفيد أن زيداً كان يرى في علي إماماً في الحلال والحرام فحسب، أي أنه إذا قضى بشيء من أحكام الشرع كان ذلك حجة يجب على المؤمنين العمل بها باعتباره كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحكام الحلال والحرام.

 

وهذا المعنى جاء أيضاً في رواية طويلة أوردها فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره (ص 181 طبع النجف) فيما يلي نصها:

 

[قال: حدثنا أحمد بن القاسم معنعنا: عن أبي خالد الواسطي قال: قال أبو هاشم الرماني - وهو قاسم بن كثير!(177) - لزيد بن علي: يا أبا الحسين بأبي أنت وأمي هل كان علي صلوات الله عليه مفترض الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فضرب رأسه ورقَّ لذكر رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ثم رفع رأسه فقال: يا أبا هاشم كان رسول الله صلى الله عليه وآله نبياً مرسلاً فلم يكن أحد من الخلائق بمنزلته في شيء من الأشياء إلا أنه كان من الله للنبي قال: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [الحشر:7] وقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ [النساء:80]، وكان في علي أشياء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان علي صلوات الله عليه من بعده إمام المسلمين في حلالهم وحرامهم وفي السنة عن نبي الله وفي كتاب الله، فما جاء به عليٌّ من الحلال والحرام أو من سنة أو من كتاب فرد الراد على علي وزعم أنه ليس من الله ولا رسوله كان الراد على عليٍّ كافرا، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله على ذلك شهيدا، ثم كان الحسن والحسين فوالله ما ادعيا منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله ولا كان القول من رسول الله فيهما ما قال في علي غير أنه قال: "سيدي شباب أهل الجنة" فهما كما سمى رسول الله كانا إمامي المسلمين أيهما أخذت منه حلالك وحرامك وبيعتك فلم يزالا كذلك حتى قُبِضا شهيدين، ثم كنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعدهما ولدهما ولد الحسن والحسين، فوالله ما ادعى أحد منا منزلتهما من رسول الله ولا كان القول من رسول الله فينا ما قال في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام، غير أنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، يحق مودتنا وموالاتنا ونصرتنا على كل مسلم، غير أنا أئمتكم في حلالكم وحرامكم يحق علينا أن نجتهد لكم ويحق عليكم أن لا تدعوا أمرنا من دوننا، فوالله ما ادعاها أحد منا لا من ولد الحسن ولا من ولد الحسين أن فينا إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين. فوالله ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه الله إليه وما ادعاها محمد بن علي فيما صحبته من الدنيا حتى قبضه الله إليه فما ادعاها ابن أخي من بعده لا والله ولكنكم قوم تكذبون.

 

فالإمام يا أبا هاشم منا المفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين: الخارج بسيفه، الداعي إلى كتاب الله وسنة نبيه، الظاهر على ذلك، الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين متكئ فراشه مرجئ على حجته مغلق عنه أبوابه يجري عليه أحكام الظلمة فإنا لا نعرف هذا يا أبا هاشم](178).

 

هذا هو الكلام المتين والبرهان المبين الذي تفضل به جناب زيد بن علي بن الحسين عليه السلام الذي يرى أن عليّاً إنما هو إمام المسلمين في بيان أحكام الإسلام من الحلال والحرام، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه ذلك كله (بالإضافة لما اختصه الله تعالى به من فهم متميز خاص للقرآن وفقهه) فما بينه من أحكام الشريعة وجب على المسلمين الأخذ به، ونجد هذا واضحا في تاريخ الخلفاء الراشدين سيما أبي بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه اللذان كانا يرجعان إليه ويستفسران رأيه في كل مسألة عويصة تعرض عليهما فلا يعدلان عن رأيه أبداً فكانا يعتبرانه إماماً لهما في العلم والدين إلى الحد الذي اشتهر عن عمر رضي الله عنه أنه قال في أكثر من سبعين موردا: [لولا علي لهلك عمر] وكان كثيرا ما يقول: [لا أبـقانـي الله بعـدك يا أبا الحسن!](179)، وفي نظر جناب زيد أن الحسن والحسين أيضاً كانا إمامين طوال مدة حياتهما بمعنى كون كل منهما قدوة ومرجع للناس في بيان الحلال والحرام، وكذلك كان كل واحد من علماء أهل البيت: سواء علي بن الحسين (زين العابدين) أم الحسن بن الحسن أم محمد بن علي (الباقر) أم عبد الله بن الحسن بن الحسن (الكامل) أم زيد بن علي أم محمد بن عبد الله (النفس الزكية)، إماماً ومرجعا للناس في عصره في الإرشاد وبيان الأحكام، وهذا هو المعنى الصحيح لحديث الثقلين: [إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي]، وبهذا المنطق فقط يمكن حل جميع الاختلافات الدينية بين المسلمين وإعادة المياه إلى مجاريها وتحويل العداوة والبغضاء إلى الأخوَّة والاتفاق، لا بسبِّ أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) والخلفاء أو سب واتهام سائر الفرق الإسلامية!

 

إنني لا أتصور أنه يوجد بين المسلمين أحد ممن يرجو النجاة لنفسه من عقبات يوم القيامة مَنْ يرفض هذا المنطق - إلا من كان في قلبه مرض أو غرض ـ، فمَن مِن المسلمين يمكنه أن ينكر فضائل علي عليه السلام مع كل تلك الأحاديث النبوية التي صدرت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) طوال مدة حياته في حقه؟ من الذي يمكنه أن ينكر جهاد ذلك الإمام الهمام وسيرته التي كلها تضحيات في سبيل نصرة الإسلام وإعلاء كلمته؟ في حين أنه لا توجد مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية إلا وكان لعلي دور مؤثر في تقدمها وعلو شأنها، وإن سيرته العطرة مليئة بالمواقف البطولية الخالدة والأعمال العظيمة المحيرة، والقطرات التي بقيت من بحر علمه في عرضه لحقائق تعاليم الإسلام للناس، تعتبر لوحدها محيطات لا حد لها يمكن ليس لأمة الإسلام فحسب بل للمجتمع البشري أن يفخر بها ويتخذها نبراساً لحياته يسير على ضوئها لأجل تحقيق سعادة الدنيا والآخرة، فإذا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يثني عليه ويبين رفيع مقامه في كل مناسبة ومقام ويعرِّفه للمسلمين كرمز للعلم والتقوى والصلاح والفلاح والأخلاق الإسلامية، ويعتبره أهلا للإمامة وقيادة المسلمين، فإن هذا لا يعني أنه (صلى الله عليه وآله) نصبه بنص تعييني وأمر إلهي للخلافة وحكم المسلمين بعد رسول الله أو نَصَبَ أولاده حكَّاماً على المسلمين إلى يوم القيامة، بحيث لو رجع المسلمون إلى غيره في أمر الحكومة والسياسـة واعتبروه أهلاً لإدارة أمورهم السياسية وأطاعوه مادام ملتزماً بتطبيق أحكام القرآن والسنة كانوا من أهل النار أجمعين، إماماً ومأمومين!

 

نعم لو وجد من أهل بيت النبي وعترته من كان أفضل أهل زمانه في العلم والفضل والتقوى والشجاعة والدراية فمن البديهي أنه يكون أولى وأحق من أي أحد سواه بإمامة المسلمين وسياستهم، وعلى الناس أن ينتخبوه، طواعية من أنفسهم، لهذا المقام، وفي الغالب ما يحصل هذا فعلاً لأن طبيعة الناس وميلهم ونفوسهم تتجه لاحترام رسول دينها ونبي شريعتها وأهل بيته وذريته، وإذا شاهدنا عدول الناس لحد ما عن عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الإسلام فلهذا علل سبقت الإشارة لها، لكن مع ذلك نجد في تاريخ الإسلام أنه كلما قام رجل من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته يدعو لإقامة الحق والعدل والقضاء على الجور الظلم والحكم بالكتاب والسنة، التف حوله المسلمون من كل حدب وصوب وقاموا معه وجاهدوا تحت إمرته حكام الوقت، كقيام العشرات من آل علي من ذرية الحسن أو ذرية الحسين عليهما السلام، وآل جعفر ضد خلفاء بني أمية وبني العباس مما تكفل كتاب "مقاتل الطالبيين" ببيان قصة جهادهم وإمامتهم، وحتى هذا اليوم عندما يقوم رجل من المنتسبين للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحفاد علي وفاطمة عليهم السلام لعزل الظلمة وإقامة حكم القرآن ويكون أهلاً للإمامة والحكم والقيادة، فإن أكثر المسلمين يؤيدونه ويقومون معه وينصرونه رغم أن أكثرهم يجهل كثيراً من تعاليم الإسلام، إذْ أصبح القليل من المسلمين في يومنا هذا له معرفة صحيحة بأحكام الدين، ودخلت في هذا الدين - خلال السنين الطويلة التي مرَّت على الإسلام منذ ظهوره وحتى اليوم - أغراض وأمراض من الصديق والعدو وتراكمت طبقات كثيفة من غبار الأوهام والخرافات والبدع على الوجه النوراني للإسلام فغطته، فلم يعد يدرك حقائقه النقية الناصعة إلا القليل ممن هداهم الله: ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾.

 

فإمامة علي بمعنى كونه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد رحلته، في بيان أحكام الحلال والحرام وفي كونه مرجع الخاص والعام في الإرشاد والهداية ومعرفة أحكام الشرع، لا يمكن أن ينكرها أي مسلم منصف ومؤمن بالله ورسوله ومطلع على تاريخ الإسلام وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومثل هذا المقام والمنصب لا يمكن الاستيلاء عليه واغتصابه من صاحبه الأصلي بالقوة! لأن العلم والمعرفة والفضل والتقوى أمور لا يمكن غصبها والاستيلاء عليها، فهذه الإمامة لم يغصبها أحد من علي وآله، وهكذا كان الذين فاقوا أقرانهم في العلم والفضل والتقوى من أولاد وأحفاد علي، أئمةَ الناس في عصرهم ومرجع الخاص والعام في بيان أحكام الدين ومعرفة حلال شرع الله وحرامه.

 

وإذا رأينا رجالاً من أمثال فقهاء المدينة السبعة في عهد حضرة الإمام السجاد عليه السلام، أو أمثال مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان بن ثابت ومحمد ابن إدريس الشافعي وابن أبي ليلى (رحمهم الله تعالى جميعاً)، في زمن حضرات الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام، قد اشتهروا بالعلم والفقه وصاروا مراجع جمهور المسلمين في أحكام الشرع والدين، فإن علة ذلك أولاً: فضلهم وعلمهم وتقواهم بلا شك، فكل واحد منهم كان حقيقة ذا علم وفضل وتقوى، وكل من كان كذلك لا بد أن يحوز توجه الناس وإقبالهم ومحبتهم، فيشتهر ويـُقَلَّد.

 

وعلة ذلك ثانياً: سياسة خلفاء بني العباس الذين كانوا يشعرون بالخطر من شخصيات أولاد علي التي تشكل، في الواقع وفي أنظار المسلمين، خير منافس لهم، أكثر من أي شخصية إسلامية أخرى، مثل حضرات الباقر والصادق وعبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) والحسين بن علي شهيد الفخ ومحمد بن جعفر، حيث كان كل واحد من أولئك الأعلام من أفضل أهل عصره في العلم والفقه والتقوى مع الشجاعة والقوة في الحق واللياقة بمنصب إمامة المسلمين أكثر من أي أحد، مما كان يجعل قلوب الكثيرين تميل لإمارتهم وخلافتهم، بل بعضهم بويع فعلاً بالإمامة من الخاص والعام، وقام ونهض (لإحياء حكم القرآن وإقامة عدل الإسلام)، لذا كان الخلفاء العباسيون يضيقون عليهم ويضطهدونهم ولا يسمحون لهم بالحرية التي تجعل الناس يلتفون حولهم، ويسعون بشتى الوسائل في إخماد ذكرهم والتعتيم عليهم، في حين أعطوا الآخرين الحرية ومجال الشهرة بل روجوا لهم وعهدوا لهم أو لتلاميذهم بالمناصب، لأمنهم من عدم طمعهم في الحكم والزعامة، وحتى لو طمح منهم طامح فإنه لن يجد من يلتف حوله وينصره في طلبه الإمامة، لأن شهرة حديث [الأئمة من قريش] لم تترك مجالا لأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة الفقهاء ممن لم يكن بقرشي(180).

 

ومن هذا المنطلق أيضاً قرر الخلفاء العباسيون (أو أيدوا) مبدأ العول والتعصيب في فقه المواريث ليثبتوا أن العباس كان وارث النبي فيثبتوا بهذا أنهم الخلفاء الشرعيون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)!(181).

 

ولهذا نال فقه الآخرين وآراؤهم من الشهرة والرواج بين المسلمين ما لم ينله فقه أئمة العترة عليهم السلام، ومع ذلك قيض الله تعالى لهم في كل عصر أتباعا محبين وتلاميذ أذكياء من الباحثين عن الحقيقة غير الآبهين في سبيلها بالأخطار، ممن كان يرجع في فهم دينه وأخذ أحكام شرعه إلى أولاد علي لا يعدل عنهم إلى غيرهم، فحفظوا من فقههم وبياناتهم آلاف الأحاديث وملؤوا آلاف الدفاتر، التي لا تزال توجد إلى اليوم في متناول المسلمين وتحوز انتباه العام والخاص، مما جعل الغلاة وأعداء الإسلام يستغلون شهرة ومرجعية أولئك الأئمة ويروون عنهم كذبا آلاف الروايات مما شوه صورتهم في أنظار الناس، الأمر الذي حان الوقت للبدء بسرعة في إصلاحه.

 

والحاصل أن أئمة العترة كانوا أئمة الناس في الفقه والدين وفي بيان الحلال والحرام (وفي قيادة الأرواح إلى الله عز وجل)، والرد عليهم، من هذه الزاوية، رد على الله ورسوله، وحتى الفقهاء الأربعة وغيرهم رجعوا إليهم وأخذوا عنهم العلم.

 

الهوامش:

(176) رجال الكشي، ص164 (طبعة النجف). أو اختيار معرفة الرجال، طبعة مشهد: ص 187، الحديث 329.

 

(177) أبو هاشم الرماني الواسطي اسمه يحيى توفي سنة 122 وقيل 145هـ. ، وأما قاسم بن كثير فكنيته أبو هاشم ونسبته الخارفي الهمداني بياع السابري روى عنه سفيان الثوري، لهما ترجمة في التهذيب وهما ثقتان.(ت)

 

(178) تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (و هو من أعلام الغيبة الصغرى ومعاصر للمحدث الكليني  والحافظ ابن عقدة، قيل أنه كان زيدياً) ص 474 - 475 (من الطبعة التي حققها محمد كاظم، طبع طهران،1410ه/ 1990). (ت)

 

(179) كان علي من الناصحين للخليفتين أيى بكر وعمر وكانا يعملان بمشورته، فمن ذلك أخذ أبي بكر برأي علي في موضوع مبدأ التأريخ الإسلامي بهجرة النبي  صلى الله عليه وسلم ، كما أن عمر عمل بنصح ومشورة علي له في موضوع شخوصه لحرب الفرس وحرب الروم (انظر نهج البلاغة، الخطبتين: 134 ، و146). ولو رجعنا إلى كتاب مسند زيد بن علي عليهما السلام لوجدنا عدداً من الروايات يقر فيها  الخليفة الثاني بأن عليا أعلم منه ويرجع إليه في حل كثير من الأمور، بل يحتاط في الإجابة على سؤال رغم أنه سمع جواب مثله من النبي  صلى الله عليه وسلم  بنفسه ولكنه مع ذلك يعهد بالإجابة عن السؤال إلى علي (ع). (انظر مثلاً الحديث السادس في باب الحيض والاستحاضة، من كتاب الطهارة، والحديث الثالث في باب جزاء الصيد من كتاب الحج) (برقعي)

 

(180) لم يكن الأئمة الأربعة أيضاً راضون عن خلفاء عصرهم من بني العباس، فأحمد بن حنبل أمضى سنوات طويلة في سجونهم مع ضربه بالسياط لحد فقدان الوعي بسبب رأي كلامي اختلف فيه مع المأمون. ومالك اعتقل بسبب تأييده لثورة العلويين بقيادة النفس الزكية وإفتائه بجواز نقض البيعة التي تؤخذ بالإكراه، وقد ضرب بالسياط حتى خلعت كتفه!!، كما روى عن الإمام الصادق (ع) في كتابه الموطأ. وكذلك "الشافعي" كان محباً ومؤيدا لآل علي (ع) حتى اتهم بالتعاون معهم في اليمن واعتقل لأجل ذلك. وأشعاره في حب علي وآل النبي مشهورة يعرفها العام والخاص. أما تأييد الإمام أبي حنيفة لثورات العلويين في عصره، والذي يدل على أنه كان يراهم أولى الأمة بالخلافة ولم يكن يرى مشروعية خلافة الخلفاء في عصره، فأشهر من أن يذكر، مما حدا ببعض المؤرخين أن يعتبره شيعياً في ولائه السياسي، وقد سجن أبو حنيفة، بسبب أرائه تلك، عدة مرات، في زمن المنصور الدوانيقي ورفض أن يستلم أي منصب من المناصب التي عرضت عليه في عهده حتى توفي آخر الأمر وهو في سجن المنصور. (برقعي)

 

(181) تعتمد المذاهب السنية الأربعة قاعدتي التعصيب والعول في الإرث، أما التعصيب فهو أن يُعْطَى ما يتبقى من التركة، بعد أن يأخذ كل ذي فرض فرضه، لأّوْلى عصبة ذكر، وهم الأبناء ثم الآباء ثم الإخوة ثم أبناءهم ثم الأعمام ثم أولاد العم، والعباسيون وافقهم هذا الرأي حيث أنه لما لم يكن لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  أبناء (ذكور) ولا آباء أو إخوة، كان ورثته وعصبته هم أعمامه (العباس) وأبناء عمه (العباسيون)! أما في الفقه الجعفري فلا تعصيب أصلاً بل يأخذ أصحاب الفروض من الطبقة الواحدة فقط كل التركة ولو كانت بنتا واحدة فقط، فرضاً ثم ردَّاً. (ت)