تمحيص سند خطبة الغديرالطويلة

 

يروي الطبرسي في كتابه "الاحتجاج" بقوله: حدثني.. ويذكر سلسلة مشايخ إجازته إلى قوله:[قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني قال حدثنا محمد بن خالد الطيالسي قال حدثني سيف بن عميره وصالح بن عقبة جميعا عن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعـفر محمد بن علي عليه السلام...... ويسوق الحديث الطويل (الذي يقع في 29 صفحة مع الحواشي!) عن جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)](173).

 

فلنبدأ ببيان الحال التعيسة لمحمد بن موسى الهمداني:

 

1- قال التفرشي في "نقد الرجال" (ص336): [محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلوِّ وكان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث. (غض) ضعيف يروي عن الضعفاء].

 

2- في "تنقيح المقال" للممقاني (ج3/ ص 194)، ضمن بيانه لحال الرجل قال عنه أنه وضع كتابا باسم زيد النرسي وضع فيه أحاديث كثيرة!.

 

3- في قاموس الرجال للعلامة التستري (ج 8/ ص 409)، بعد أن بين حاله خلص إلى القول: [فضعفه اتفاقي، قال به ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح وفهرست الطوسي والنجاشي وابن الغضائري].

 

4- وأورده ابن داود الحلي في (ص 512 من) "رجاله" في القسم الثاني المخصص للمجروحين والمجهولين وذمه بوضع الحديث والغلو.

 

5- وقال النجاشي في (ص 60 من كتابه) "الرجال": [محمد بن موسى الهمداني ضعَّفه القميُّون بالغلوِّ وكان ابن الوليد يقول إنه كان يضع الحديث].

 

6- أورده الشيخ طه نجف أيضاً في "إتقان المقال" (ص 260) ضمن قسم الضعفاء والغلاة، واعتبره الميرزا الاسترآبادي في "منهج المقال" (ص 327) غالياً وضاعا للحديث، وقال أن الشيخ الصدوق ضعفه. كما اعتبره الأردبيلي في "جامع الرواة" (ج2/ ص 205) من الضعفاء.

 

أما عن سيف بن عميره:

1- فقد نقل الممقاني في تنقيح المقال (ج2/ص 79) عن الشهيد الثاني تضعيفه. وقال عنه أيضاً: [و من موضع من كشف الرموز أنه مظنون وعن موضع آخر أنه مطعون فيه وملعون]

 

 2- وأورده الشيخ طه نجف في "اتقان المقال" (ص 299) مع الضعفاء.

 

 وأما صالح بن عقبة:

1- فأورده العلامة الحلي في خلاصته (ص 230) في القسم الثاني الخاص بالضعفاء وقال: [صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان، روى عن أبي عبد الله كذَّاب غال لا يُلْتَفَتُ إليه].

 

2- وأورده ابن داود في الرجال (ص 462) في قسم المجروحين والمجهولين وقال عنه: [ليس حديثه بشيء، كذاب غال كثير المناكير]. وهكذا وصفوه في سائر كتب الرجال بأنه [غال كذاب لا يُـلتَـفَت إليه..].

 

إذن لا ريب في أن خطبة الغدير الطويلة المفصلة هذه رواية موضوعة مكذوبة من اختراع الغلاة الوضَّاعين. هذا من ناحية السند أما من ناحية المتن فهناك قرائن قاطعة أخرى على وضعها نوجزها فيما يلي:

 

1- كما قلنا إذا كان حديث [عمار تقتله الفئة الباغية] قد هز بشدة حتى أصحاب معاوية حتى كاد جيشه يتصدع، وحتى خشي معاوية أن ينقض عليه بعض جنده، فاستطاع بمكره وحيلته أن يقلب الحقائق ويزعم لهم أن عليّاً هو الذي قتل عماراً لأنه أخرجه معه إلى المعركة رغم كبر سنه الذي كان يتجاوز التسعين!! واستطاع بهذه الحيلة أن يخمد الشغب، فإنه من المحال أن يكون هناك نصٌّ صريحٌ وواضحٌ - مثل هذه الخطبة - على علي بالإمارة وولاية الأمر ثم يهمله مثل أولئك الصحابة ولا يعتنوا به أدنى اعتناء لا لشيء إلا لأجل أبي بكر الذي لم يكن يملك عدّةً ولا عدداً لتحقيق مقصده بالقوة، بل كان عليٌّ أكثر منه عشيرةً ولم يكن أدنى منه مالاً وقوةً، فيعدلوا عناداً عمَّن نصبه لهم ربهم تبارك وتعالى ويعهدوا بمنصبه لآخر، قَسماً بالله إنها لتهمة كبيرة وسوء ظن عظيم أن يُنسَب مثل هذا الأمر لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) المجاهدين الصابرين الأنصار المهاجرين.

 

2- لم يحصل أن استنبط واستنتج أي شخص من حديث الغدير وسائر الأحاديث، التي تستدل بها الإمامية، خلال كل النصف الأول من القرن الهجري الأول على الأقل، النصَّ النبويَّ على علي إماماً وحاكما بأمر الله، ولا يمكنك أن تجد أي حديث صحيح يبين استناد نفس أمير المؤمنين عليه السلام إلى قضية النص ولا استناد أي من أولاده خلال النصف الأول من القرن الأول، بل كان علي يرى، استنادا إلى مناقبه وعلمه وعظيم بلائه في الإسلام وشدة قربه والتصاقه بالرسول (صلى الله عليه وآله) الذي لا يدانيه فيه أحد،و هذه أهم نقطة في الأمر،أنه أولى وأحق الناس بمقام خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمامة المسلمين، وتلك بالضبط كانت عقيدة أنصاره ومحبيه الميَّالين إليه من الصحابة، وعليه، فلو كان هناك نص صريح في نصب الله تعالى لعلي إماماً لاستند إليه قطعا أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وشيعة علي ومحبيه، وعلى الأقل لاستند إليه علي نفسه، في حين أن شيئاً من هذا لم يحصل، ولا يوجد مثل هذا الادعاء أو المطالبة في تمام ما نقل إلينا من احتجاجات لعلي وأنصاره بعد بيعة أبي بكر. نعم، لما أدت الصراعات السياسية فيما بعد إلى نشوء فرق عديدة كالكيسانية والمرجئة والخطابية والراوندية...إلخ بدأنا نجد أمثال هذه الروايات الصريحة - التي أكثرها مكذوب وموضوع - في النص على عليّ والاستناد إليها لإثبات إمامته المنصوص عليها من قبل الله عز وجل.

 

3- إن المطالعة الدقيقة والخالية من التعصب للتواريخ الإسلامية تبين أنه في ذلك الزمن، كان أهم ما يستند إليه الذين يرون أنفسهم أحق وأليق وأولى بالخلافة، موضوع النسب والقبيلة أو مقدار الصلة والقرب العائلي أو القبلي من شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا نجد أبا بكر رضي الله عنه يستند، للرد على منافسه سعد بن عبادة، إلى الحديث المعروف "الأئمة من قريش"، وهو في تصوري حديث إخباري وليس إنشائياً أي أنه يخبر فقط عما سيحصل لا أنه يأمر بذلك، وإلا لكان فيه نوع من التأييد للعصبية القبلية والقومية، ولذا فإن عمر رضي الله عنه وهو الصديق الوفي لأبي بكر رضي الله عنه، كذّب صحة هذا الحديث (أو دلالته على انحصار الإمامة بقريش وأحقيتها به) عندما قال عند وفاته أنه لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لما عدل عنه، مع أن سالماً هذا ليس بقرشي. ونفس الأمر سار عليه الخلفاء الأمويون والعباسيون الذين حكموا المسلمين سنوات طويلة في ادعائهم أحقيتهم بالخلافة. والأعجب من ذلك أن بعض الأحاديث الشيعية أيضاً كانت تنظر للخلافة ومن أحق بها، من زاوية القرابة أو الانتماء العائلي إلى أرومة رسول الله صلى الله عليه وآله! فمن ذلك ما ورد في نهج البلاغة (خطبة67/ص98) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما سمع احتجاج أبي بكر رضي الله عنه على الأنصار بحديث "الأئمة من قريش" قال: [احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة!]، وكذلك ما ورد في النهج أيضاً (باب الحكم: حكمة رقم190/ص503) وغيره من كتب السيرة والتاريخ أن علياً عليه السلام قال معلقا على احتجاج أبي بكر رضي الله عنه على الأنصار:

 

 فـإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

 

           فكيف بهذا والمُشـيرون غُـيَّبُ؟

 

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

 

           فغـيرك أولـى بالنبـي وأقـربُ

 

وورد في كتاب إثبات الوصية للمؤرخ المسعودي، كما ذكره المجلسي في بحار الأنوار (ج 8/ص 58)، ما يلي: [واتصل الخبر بأمير المؤمنين بعد فراغه من غسل رسول الله وتحنيطه وتكفينه وتجهيزه ودفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة وأبي بن كعب وجماعة نحو أربعين رجلا، فقام خطيباً: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق قريش بها وإن لا تكن في قريش فالأنصار على دعواهم! ثم اعتزل الناس ودخل بيته.] وبناءً عليه فإما أن تكون القرابة هي المعيار فعليٌّ أقرب القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وإما ألا تكون، فإذن ادعاء الأنصار، في منطق أمير المؤمنين عليه السلام، ادعاء في محله لأن الوطن وطنهم ودين الإسلام إنما قوي وارتفعت رايته بدارهم وبفضل إيوائهم ونصرتهم له بالأنفس والأموال.

 

وهذه الحجة أيضاً نشاهدها في منطق شيعة أمير المؤمنين عليه السلام - حسبما تنقله كتب الشيعة - كما مر معنا في احتجاج عمار على أبي بكر حيث قال: [إن أهل بيت نبيكم أولى به وأحق بإرثه... وقد علمتم أن بني هاشم أحق بهذا الأمر فيكم!](174).

 

 هذا ولكن لما كانت مسألة التميز أو التعصب العشائري والقبائلي من آثار الجاهلية التي أبطلها الإسلام بقوله تعالى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ وبقوله صلى الله عليه وسلم لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى(175)، كما سيأتي شرحه إن شاء الله، لذا لا مجال في الإسلام للحكم الوراثي والعائلي، فكل ادعاء من هذا القبيل ادعاء في غير محله ولا يؤيده العقل ولا النقل.

 

الهوامش:

(173) الاحتجاج: ج 1 / ص 133 - 162.

 

(174) لو تأملنا كلام هذا الإمام الهمام بعمق، بعيداً عن أي تعصب طائفي، لأدركنا أنه عليه السلام لم يرد من كلامه تقرير مبدأ كون القرابة والوراثة هي الأصل في موضوع تعيين الحاكم والخليفة، بقدر ما أراد، كما سبق أن أوضحناه،  أن يرد على حجة المهاجرين ويبين أن طريقتهم العجولة في نصب الإمام، قبل اكتمال مجلس أهل الحل والعقد، لم تكن بالطريقة الصحيحة والسليمة، فكأنه أراد أن يقول إذا كانت مجرد القرشية والقرابة من الرسول هي المعيار في تعيين الإمام فلقد كنت أولى الناس بذلك لأنني علاوة على كوني من قريش ومن بني هاشم: أسرة النبي وأشرف بطون قريش وأكرم من بني تيم بن مرة، فإن لي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرابة نسبية وسببية وكنت أقرب الناس إليه: ربيت في حجره منذ نعومة أظفاري وتعلمت وتربيت على يديه منذ صغري، فإذا كان الهدف من الشجرة هو ثمرتها فكيف احتج المهاجرون بأنهم شجرة النبي وأضاعوا ثمرة هذه الشجرة ؟! وأما حديث "الأئمة من قريـش" فمعناه أن الإمام سيكون من قريش وليس معناه أن القرشيين فقط لهم الحق في تعيين الخليفة دون سائر أهل الحل والعقد من المسلمين لاسيما الأنصار، كما أنني أنا من قريش أيضاً فلماذا لم أُسـتَـشَـر في الأمر وتم دوني ؟!  فهدف الإمام من اعتراضه ذاك هو في الحقيقة بيان أن تعيين الخليفة ينبغي ألا يتم إلا بتشاور ورضا جميع أهل الحل والعقد من كبار ووجهاء المسلمين لا أن يفتئت البعض بالأمر بسرعة دون مشورة وحضور البقية. (م)

 

(175) رواه أبو نعيم الأصبهاني في الحلية عن جابر  رضي الله عنه ، قال: خطبنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وسط أيام التشريق في حجة الوداع، فقال: "يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد ألا إن ربكم واحد، ألا لا فضل لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلغت؟"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فليبلغ الشاهد الغائب". وكذلك رواه بلفظ قريب منه المتقي الهندي في كنز العمال: ج3/699، حديث رقم 8502، وعزاه إلى ابن النجار.