قول محققي العلماء في سليم بن قيس الهلالي وكتابه

 

زبدة القول بشأن سليم بن قيس وكتابه ما قاله ابن الغضائري: [.. وكان أصحابنا يقولون أن سليما لا يُعْرَف ولا ذُكِرَ في حديثٍ، وقد وجدتُ ذكره في مواضع من غير جهة كتابه ولا من رواية أبان بن عياش عنه، وقد ذَكَرَ ابن عقدة في رجال أمير المؤمنين عليه السلام أحاديث عنه، والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك](164)، وذلك لأن سن محمد بن أبي بكر عند وفاة أبيه، لم تكن تتجاوز السنتين وعدة أشهر، فكيف وعظ أباه وهو بهذه السن؟!(165) وأمثال تلك الأخطاء الفاضحة في هذا الكتاب كثيرة، منها أنه أورد في أحد أحاديثه التي رواها - بغرض إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر - حديثاً مطولاً يروي فيه عن علي عليه السلام أن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قال له: لست أتخوف عليك النسيان والجهل ولكن اكـتُـبُ لشركائك الذين من بعدك... فيسأله عليٌّ عليه السلام: ومن شركائي يا رسول الله؟ فيعرِّفه الرسول على الأئمة من ولده.

 

هذا الحديث، - حسبما جاء في كتاب "إثبات الهداة" للحر العاملي (ج2/ص 455) - رواه "الفضل بن شاذان" في كتابه "إثبات الرجعة" ونقله عنه الشيخ الصدوق فقال: عن سليم بن قيس أنه حدث الحسن والحسين بهذا الحديث بعد موت معاوية، فقالا: صدقت يا سليم! حدثك أمير المؤمنين ونحن جلوس.... هذا في حين أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان قد توفي قبل وفاة معاوية بعشر سنوات، إذ توفي الحسن سنة خمسين للهجرة وتوفي معاوية سنة ستين باتفاق المؤرخين، فكيف تـأتَّـى لسليم أن يعرض هذا الحديث على الحسن وأخيه بعد وفاة معاوية؟!! فهذا كاف لبيان مدى الجهل الفاضح، لواضع هذا الحديث، بالتاريخ.

 

من هنا فقد أورد العلامة الشـوشـتري في كتابه "قاموس الرجال" (ج4/ص44) نقولاً عن عدد من العلماء في ذم هذا الكتاب واعتباره موضوعا (مختلقا) من أساسه.

 

وقال الشيخ المفيد في شرحه لعقائد الصدوق (الصفحة 72): [إن هذا الكتاب غير موثوق به وقد حصل فيه تخليط وتدليس ولا يجوز العمل على أكثره فينبغي للمتديِّن أن يجتنب العمل بكل ما فيه].

 

وقال ابن أبي داود الحلي في رجاله: [سليم بن قيس الهلالي ينسب إليه الكتاب المشهور وهو موضوع بدليل أنه قال إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند موته وقال فيه إن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد وأسانيده مختلفة. لم يرو عنه إلا ابن أبي عياش، وفي الكتاب مناكير مشتهرة وما أظنه إلا موضوعاً](166).

 

أما العلامة الحلي فقد حاول في كتابه " خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" تعديل سليم بن قيس حيث قال: [و الوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في المفاسد من كتابه]، لكن "الشهيد الثاني" انتقد ذلك قائلاً فيما علقه بخطه على الخلاصة: [وأما حكمه بتعديله فلا يظهر له وجه أصلاً، ولا وافقه عليه غيره] كما قال بشأن كتابه: [في الطريق ابراهيم بن عمر الصنعاني وأبان بن أبي عياش طعن فيهما ابن الغضائري وضعَّفهما، ولا وجه للتوقُّف في الفاسد (من كتابه) بل في الكتاب (كله) لضعف سنده على ما رأيت، وعلى التنـزّل كان ينبغي أن يُقال: ورد الفاسد منه والتوقف في غيره](167).

 

والنتيجة أن الكتاب ساقط وموضوع من أصله، وعلاوة على ذلك فقد صرح علماء الرجال بأن كتاب "سليم بن قيس" لم يُرْوَ إلا من طريق رجل واحد هو "أبان بن أبي عياش"، وهو مجروح مضعَّف في كتب الرجال:

 

أ- ففي كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي (ص 16) قال: [غض: أبان بن أبي عياش ضعيف لا يُلْتَفَتُ إليه وينسِب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه].

 

ب- وضعَّفه ابن داود في كتابه "الرجال" (ص 414) بنفس تلك العبارات.

 

ج- وأورده الشيخ طه نجف أيضاً في (ص 254) من كتابه " إتقان الرجال " في عداد الضعفاء.

 

د- وقال التفرشي في "نقد الرجال" (ص 4) [أبان بن عياش تابعي ضعيف لا يُلتفت إليه ونُسِبَ وضع كتاب سليم بن قيس إليه].

 

فإن قيل: إذا كان الكتاب ضعيفاَّ ومتهافتاً لهذه الدرجة(168) فما السر في توقف بعض أكابر العلماء فيه، كما فعل العلامة الحلي وغيره، فلم يردوه مطلقا؟ فالجواب واضح: لو تخلوا عن كتاب سليم بن قيس وكتاب "الاحتجاج" للطبرسي وأمثالهما من الكتب ككتاب "إرشاد القلوب" للديلمي، وكتاب "غاية المرام" للبحراني، والمئات من أمثال هذه الكتب المليئة بالأخبار والروايات الضعيفة والموضوعة بحكم العقل والوجدان والتي علامات الوضع فيها ظاهرة، لما بقي في لديهم شيء هام يثبتون به النص الصريح أو بقية الأمور التي يدعونها. فهذه الكتب وأمثالها هي السند الأساسي والحجج القاطعة (!) للقائلين بالنص.

 

وما دمنا قد ذكرنا كتاب "إرشاد القلوب" للديلمي، فلا بأس أن نشير أيضاً إلى طرف مما رواه حول موضوع السقيفة وبيعة أبي بكر رضي الله عنه، لنرى إلى أي حد حُشِيَتْ به هذه القصة بالأكاذيب والخرافات، في أمثال هذه الكتب، فقد روى الديلمي احتجاجاً طويلاً لعليٍّ على أبي بكر لتولّيه الخلافة وصل لغاية أن قال علي لأبي بكر: [الله ورسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله حياً يقول لك إنك ظالم في أخذ حقي الذي جعله الله ورسوله لي دونك ودون المسلمين أن تسلم هذا الأمر إلي وتخلع نفسك؟ فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! وهذا يكون أن أرى رسول الله حيا بعد موته فيقول لي ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام نعم يا أبا بكر، قال: فأرني إن كان ذلك حقا...قال: تسعى إلى مسجد قبا، فلما ورداه... فإذا هما برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس في قبلة المسـجد، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه فناداه رسول الله: ارفع رأسك أيها الضليل المفتون..... ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله ورسوله عليه في المواطن الأربعة لعلي عليه السلام...قال: هل من توبة يا رسول الله؟...إلخ](169). ثم يروي أن أبا بكر رضي الله عنه ندم على تولِّيه الخلافة وقرَّر أن يذهب لمسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليعلن انسحابه منها وتسليمها لعلي فلما علم عمر بذلك أخذ يثنيه عن ذلك فقال له أبو بكر: إنك شيطاني يا عمر.... ثم أقنعه عمر أن يذهب إلى بيته بحجة الوضوء فيشرب خمرا - وهم في شهر رمضان! - ويقول شعراً ينضح بالكفر(170).... بعدها يروي قصة محاربة أشجع بن مزاحم الثقفي - الذي كان من مؤيدي أبي بكر - لعلي بصورة لا يمكن حتى لمجنون أن يصدقها، إذ يروي أن أمير المؤمنين خرج من المدينة لحيازة ضيعة له فوقعت مواجهة بينه وبين أشجع تحولت لمعركة، ولما ظهرت علائم الهزيمة على أشجع، سارع أبو بكر بإمداد أشجع في حربه لعلي بفريق من المقاتلين، لكن هذا لم يحل دون انتصار علي على أشجع وأسره له ثم فعل علي كذا وكذا... وحقا إن الإنسان ليستحي من قراءة مثل هذه الأباطيل والخزعبلات. أجل بمثل هذه الأساطير والأوهام أرادوا أن يثبتوا النص على علي، فأوهنوا بالأحرى أسس دين الإسلام، وهم لا يشعرون!

 

الهوامش:

(164) انظر "جامع الرواة " للفاضل الأردبيلي: ج 1/ ص74 (بيروت: دار الأضواء، 1403هـ). (ت).

 

(165) محمد بن أبي بكر، هو ابن "أسماء بنت عميس" التي كانت من قبل تحت جعفر بن أبي طالب، ولما استشهد جعفر في غزوة مؤتة سنة ثماني للهجرة، تزوج أبو بكر من أسماء فولدت له محمد بن أبي بكر هذا، وتوفي عنها أبو بكر في السنة الثالثة عشرة للهجرة، أي كان عمر ابنه محمد سنتين وعدة أشهر فقط، من هنا استحالة أن يعظ أباه وهو في هذه السن! (م)

 

(166) الرجال ، ابن أبي داود الحلي، المطبعة الحيدرية ، النجف، ص 249.   هذا وقد  قال زعيم الحوزة العلمية في النجف آية الله السيد أبو القاسم الخوئي عن الكتاب: [ والكتاب موضوع لا مرية فيه وعلى ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك، قال المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به وقد حصل فيه تخليط وتدليس] (معجم رجال الحديث ، السيد أبو القاسم الخوئي: قم، ج8/ ص 219) (م)

 

(167) أعيان الشيعة للعلامة السيد محسن الأمين العاملي: ج 7/ص 293 (بيروت: دار التعارف، 1403هـ) (ت)

 

(168) لمزيد من الاطلاع على فساد هذا الكتاب انظر الطبعة الأولى من كتاب"معرفة الحديث" للشيخ "محمد باقر البهبودي"، طبع "مركز انتشارات علمي وفرهنگي" ( الصفحات: 256 إلى 260) (برقعي).

 

(169) إرشاد القلوب: ج 2 / ص 58 إلى 63.

 

(170) بالإضافة لمتن الرواية الذي يشهد وحده بوضعها، فإن التاريخ أيضاً يؤكد كذبها، لأن أقصى مدة امتناع علي عن بيعة أبي بكر  ستـةُ أشهر على قول من يقول أن فاطمة لحقت بأبيها (صلى الله عليه وآله وسلم )  بعد ستة أشهر من وفاته، أو خمسةٌ وسبعون يوما على قول أكثر روايات الشيعة التي ترى أنها لحقت به بعد 75 يوما من وفاته فقط، حيث أن الجميع متفق على أن عليّاً بايع أبا بكر عقب وفاة فاطمة عليها السلام فإذا كانت وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم )، حسب رواية الشيعة، في شهر صفر، فمعنى هذا أن عليّاً بايع أبا بكر قبل رمضان  فكيف أمكن أن تقع هذه الحادثة في رمضان؟! (برقعي)