شبهات المخالفين على الأدلة التي ذكرناها والإجابة عليها

 

(قال بعض الأخباريين)(140): السبب في عدم وجود آيات قرآنية صريحة في القرآن الكريم في النص الصريح على إمامة وإمارة علي السياسية وخلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن مخالفي إمامة الإمام حذفوا تلك الآيات وأسقطوا كتابتها لمَّا دونوا القرآن!

 

والجواب: وهل كان القرآن الكريم وآياته ملكاً خاصاً ومنحصراً بيد رقباء ومنافسي الإمام علي حتى يتمكنوا من التصرف به كما يشاؤون فيَحْذِفون أو يسقطون كتابة بعض الآيات؟؟ وأين كان بقية المسلمين الذين يتلون آيات الله آناء الليل وأطراف النهار؟ ألم يكن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) يتلو كل ما يتنَزَّل عليه من آيات على مسامع المسلمين الحاضرين، سواء في مكة أو المدينة، ثم يبلِّغها لمن كان غائباً، تنفيذاً لأمر الله تعالى له بإبلاغ ما أنزله إليه، ليس للعرب فقط بل للعالمين، كما قال سبحانه في سورة الأنعام/ 19: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ..  ﴾ أو قال في سورة المائدة/67: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾؟

 

فكانت آيات القرآن الكريم تُتْلى على مسامع الآلاف من المسلمين، وليس هذا فحسب، بل كان المسلمون أيضاً مأمورين بأن يتلوا القرآن بأنفسهم في الليل والنهار، وفي صلواتهم الخمس، كما قال سبحانه: ﴿ فاقرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر:29]، هذا وقد استجاب المؤمنون لهذا النداء الإلـهي فكانوا كما وصفهم الله: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ...  ﴾ [البقرة:121]، وبناءً عليه فإن الآيات القرآنية التي كانت تُسمَع وتُتْلَى من قبل الآلاف وعلى مدار 23 عاماً، لن يستطيع أحد أن يتصرف بها، كما أنه من المستحيل أن تتعرض تلك الآيات بهذه السرعة للنسيان بحيث يتمكّن عدد من الأشـخاص من إسـقاطها وحذفـها دون أن يلتـفت إلى ذلك الآخرون؟! إن العقل والمنطق يؤكدان استحالة حدوث مثل هذا الأمر وعدم انسجامه مع وقائع الأمور.

 

وعلاوةً على ما سبق، ألم يضمن ربُّ العالمين ومُنْزِلُ القرآن المبين حفظَ كتابه وصيانَتَه من الضياع أو التغيير والتبديل حين قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9]؟؟ فهل نصدِّق قول الله تعالى الذي أنزل القرآن وأكَّد أنه سيحفظه أم قول ذلك المتعصب الجاهل الذي يدعي أن آيات من القرآن حُذِفَت وأسقطت؟؟ وبالمناسبة فإن صيانة القرآن وحفظه من أي نقص هو أمر مجمع عليه لدى العلماء الأصوليين من الشيعة الإمامية الذين يؤكدون أن القرآن الذي أنزل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نفس هذا الذي بين الدفتين الآن لم يُنْقَص منه حرف ولم يُزَد فيه حرف.

 

هذا وأقر بعضهم بأنه لم تنزل في القرآن أية آية تتعلق بِـ"الإمامة المنصوص عليها" وأن الأئمة الاثني عشر ليس لهم ذكر صريح مباشر في القرآن، وأن القرآن مصون من أي زيادة أو نقصان، إلا أنه زعم أن علة وسبب عدم وجود أي إشارة لهم في القرآن هي أنهم لو ذكروا في كتاب الله لقام أعداء الأئمة بحذف تلك الآيات من القرآن ولوقع التحريف في القرآن الكريم، ولذا لم تذكر أسماء الأئمة حفاظاً على القرآن من أن تمسه يد التحريف!

 

وهذا أيضاً تفسير غير مقبول وغير معقول، فكيف نقرأ قوله تعالى ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام:38]، ثم نقبل أن القرآن ترك ذكر أصل من أصول الدين وبيان أئمة المسلمين الذين معرفتهم شرط للنجاة يوم الدين، مهما كانت أسباب ذلك؟! ثم هل ينطبق ذلك الادعاء، مع الإيمان بالله تعالى القادر على كل شيء؟! أليس في قدرة الله تعالى أن يذكر الإمامة والأئمة في كتابه وبنفس الوقت يصون كتابه من تدخل الأعداء ويحفظه. هل يعقل أن الله تعالى القادر المتعال الفعال لما يشاء يضطر لترك أمر يريده ويغير مشيئته خوفا من العمل المحتمل لبعض عباده الضعفاء؟!

 

 الهوامش:

(140) قمت بترتيب هذا الباب واختيار عناوين مناسبة له إذْ كان  غير مرتب وبدون عناوين. (ت)