احتجاجات عليٍّ عَلَى أولويَّتِهِ بالخلافة ليس فيها إشارة لنصٍّ من الله عليه

 

1) خطبته الشقشقية المشهورة تفيد أن الإمام علي عليه السلام كان يرى نفسه أحق الناس بولاية أمر المسلمين والقيام بزمام أمورهم، لا من حيث أن الله أنزل فيه نصا وأمرا ملزما فرضه على الناس في ذلك، بل من حيث الفضل والعلم والفقه والمعرفة، حيث يقول: [لقد تقمَّصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلى الطير..](134) فالكلام فيها عن مقامه المعنوي وعلو كعبه، الذي لا يُرقى إليه، في الفقه والعلم، لا عن نصبٍ وتعيينٍ إلهي.

 

2) ما جاء في كلام آخر له في نهج البلاغة (قسم رسائله عليه السلام/ الرسالة رقم 62) حين قال: [فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده فوالله ما كان يُلقى في روعي ولا خطر على بالي أن العرب تزعج هذا الأمر مِن بعدِهِ مِن أهل بيته] فهو يتعجب كيف أزيحت الخلافة عن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يحتج في ذلك باختصاصه بنص خاص من الله والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الخلافة.

 

3) ما رواه ابن طاوس(135)، في كتابه "الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف (ج2/ ص411)"، والعلامة المجلسي في "البحار" (ج6/ ص 310) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: [... فسمعت علياً يقول: بايع الناس أبا بكر وأنَا والله أولى بالأمر منه، وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف...].

 

4) في رسالته التي كتبها عليه السلام إلى شيعته بعد منصرفه من النهروان وبعد مقتل محمد بن أبي بكر، وأمر بقراءتها على الناس بعد كل صلاة جمعة، كما رواها ابن طاوس في كتابه "كشف المحجَّة لثمرة المهجة"(136) وإبراهيم الثقفي(137) في كتابه "الغارات"، قال: [فلما رأيت الناس قد انثالوا على بيعة أبي بكر أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله منه ومن غيره..](138).

 

5) في خطبة له عليه السلام رواها الثقفي في "الغارات" (ج1/ص 202) والسيد ابن طاوس في "كشف المحجة" والمجلسي في البحار (ج 8/ ص 175 من طبعة تبريز أو ج30/ص 16 من طبعة بيروت جاء: ... أجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به منهم فاستلبونيه.

 

6) في نهج البلاغة أيضاً (الخطبة 74) لما بايع الناس عثمان قال: لقد علمتم أني أحق بها من غيري والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين.

 

7) ما رواه سليم بن قيس الهلالي(139) في كتابه، ضمن حديثٍ طويلٍ، عن الإمام علي عليه السلام من قوله: [.. فـوَلّـَوْا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما بينهم رجل جمع القرآن ولا يدعي أن له علما بكتاب الله وسنة نبيه وقد علموا أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه وأفقههم وأقرؤهم لكتاب الله وأقضاهم بحكم الله...]. ومثل هذا جاء أيضاً في كثير في كلماته الأخرى عليه السلام.

 

ولقد ذكرنا في كتابنا "حكومت در اسلام " (أي الحكومة في الإسلام) من الصفحة 141 إلى 149 ما جاء من كلمات الإمام علي عليه السلام حول هذا الموضوع منقولة من كتب الشيعة (الإمامية) المعتمدة، حيث تبين فيها جميعا أن الإمام كان يعتبر نفسه الأولى والأحق بهذا الأمر من الآخرين، فقط لا غير، ولم يحتجّ بنص من جانب الله أو الرسول، ولم يقل أن الخلافة حقي الإلـهي الذي أمر الله تعالى به نبيه (صلى الله عليه وآله) أن ينصِّبني فيه في غدير خم!

 

ولكن أصحاب القول بالنص ذكروا أدلة عديدة تؤيد رأيهم فيما يلي بيانها ثم الإجابة عنها:

 

الهوامش:

(134) من الجدير بالذكر أن راوي هذه الخطبة عن علي عليه السلام هو "عكرمة مولى ابن عباس" وقد قال عنه الممقاني في رجاله: قال عنه العلامة الحلي في خلاصة الرجال في القسم الثاني من كتابه المخصص للضعفاء: "إنه ليس على طريقتنا ولا من أصحابنا ولم يرد فيه توثيق." وأورد الشيخ الكليني في الكافي ضمن حديثٍ: "هذا عكرمة في الموت! (أي حاله الروائي ميت) وكان يرى رأي الخوارج." (ثم استنتج الممقاني قائلاً:) "على كل حال فكون عكرمة مولى ابن عباس منحرفا لا يحتاج إلى برهان كما نبه على ذلك السيد ابن طاووس"  انظر تنقيح المقال في أحوال الرجال للممقاني: ج2 / ص 256. وهذا ما يجعلنا نتحفظ في صحة نسبة كل هذه الخطبة لعلي عليه السلام إذ من المحتمل جدَّاً أن يكون عكرمة الخارجي - والخوارج كانوا ألدّ أعداء علي كما هو معروف وهم الذين قتلوه -  نسبها لعلي ليشوهه في نظر المسلمين ويُعرِّفه لهم على أنه كان كارها لخلافة الشيخين لدرجة أنه لولا ضعف اليد لقام ضدهم بالقوة،  في حين أن التواريخ الشيعية والسنية أثبتت أن الإمام - حفاظاً على وحدة المسلمين - بايع الخلفاء وصلى وراءهم وصاهرهم وناصرهم وناصحهم، رغم إيمانه بأولويته لهذا لمقام، هذا والله تعالى أعلم! (م)

 

(135) السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاوس الحلي، متكلم إمامي مشارك من أشهر كتبه الإقبال ومهج الدعوات. توفي 664هـ (ت)

 

(136) رواها عنه المجلسي في بحار الأنوار: تتمة كتاب الفتن، 16 - باب آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحاً وتلويحاً: ج30 / ص 7 – 26. (طبعة بيروت: مؤسسة الوفاء)

 

(137) أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال المعروف بابن هلال الثقفي الكوفي من علماء القرن الهجري الثالث، كان في أول أمره زيدياً ثم انتقل إلى القول بالإمامة، نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى أصفهان وتوفي فيها سنة  283هـ (ت)

 

(138) الغارات، أو الاستنفار والغارات: ص 202 (بيروت، دار الأضواء، 1407هـ/ 1987) (ت)

 

(139) انظر الكلام عليه وعلى كتابه المسوم بـ "أسرار آل محمد" في فقرة "قول محققي العلماء في سليم بن قيس وكتابه" في الصفحات القادمة من هذا الكتاب. (ت)