عليٌّ إمام المسلمين بحق

 

مما لا نحتاج لتنبيه القارئ إليه أن ما ذكرناه ودللنا عليه من عدم النص والفرض الإلـهي المباشر لعليٍّ حاكماً وخليفةً سياسياً مباشراً، ليس معناه أبداً إنكار إمامة علي للمسلمين، بل هو أحق من استحق في كل التاريخ لقب خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا من جهة كونه خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنص خاص من جانب الله عز وجل، بل من جهة كونه خليفة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حقيقةً وفي واقع الأمر أي من جهة ملكات علي عليه السلام الذاتية ومناقبه الشخصية وكونه خير من تجسَّـدت به شخصية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتعاليم الإسلام، فهو إمام المسلمين بلا منازع وأولاهم بخلافة النبي انطلاقاً من مقامه الروحي والعلمي وأفضليته الدينية التي لا يرقى إليها أحد من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فعلي عليه السلام كان بلا شك أليق وأحق من جميع المسلمين بإمامة الأمة بمعنييها الروحي والسياسي، فهو الخليفة بحق، لأن الإمام في أمة الإسلام يجب أن يكون أعلم وأشجع وأتقى وأليق الأمة، وهذه الصفات كانت متوفرة في حضرته بشكلها الأتم والأكمل ولم يكن من بين الصحابة من يصل إلى درجته، حتى أنه يمكن القول بأنه لم يكن يوجد في الصحابة من ينكر ذلك الأمر، بقي أن نفسر إذا لماذا سبقه غيره من الصحابة إلى منصب الخلافة وتقدم عليه؟ بتأمل ملابسات الخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتبين أن علل ذلك يمكن تلخيصها بالأسباب التالية:

 

1- تمت بيعة السقيفة بشكلٍ مفاجئٍ وسريعٍ حتى أن عمر رضي الله عنه أقر منصفاً أكثر من مرة أن: "بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرَّها!"(127)، وأن: "من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا الذي بايعه"(128)، وعلة ذلك عدة أمور:

 

أ) كانت مدة مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قصيرة لم تتجاوز الأسبوع، وقد وجدت آثار التحسن في حاله الشريفة أكثر من مرة خلال هذه المدة بحيث أنه ما كان يُظّنُّ أن الرسول سيفارق الدنيا على أثر هذا المرض، لذا لم يكن لدى الصحابة المجال الكافي للتفكير والتدبر في الأمر برويّة.

 

 ب) وقـعت وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان فيه أربعة من الدجَّالين قد ادعوا النبوَّة في أطراف المدينة المنوَّرة وهم مسيلمة وسجاح والأسود وأبو طليحة، فلو حصل أي تردد أو تأخير في تعيين الحاكم ورئيس الجماعة المسلمة لكان من الممكن أن يجد مدّعوا النبوَّة - الذين كانوا أعداء متربصين بالإسلام- الفرصة سانحة لمحاصرة المدينة والاستيلاء عليها وقد ينجر ذلك لوقوع مذبحة للمسلمين.

 

ج) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كتب في أواخر حياته الشريفة رسائل إلى ملوك ورؤساء الدنيا حوله يدعوهم فيها إلى الإسلام، كرسائله التي كتبها لهرقل عظيم الروم في سوريا والمقوقس ملك الأقباط في مصر، وخسـرو پرويز (كسـرى) ملك الفرس، ولذلك كان هؤلاء يتحسَّبون لخطر المسلمين، فإذا عرفوا أن نبي المسلمين قد فارق الدنيا وأن أصحابه انقسموا في شأن خلافته ولا زالوا بلا قائدٍ يوحدهم، لربما سارعوا إلى الانقضاض على المدينة وإخضاع المسلمين، لذا كان (الصحابة يشعرون أنه) لا بد من الإسراع في نصب الخليفة دفعاً لهذه الأخطار المحتملة.

 

د) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال احتضاره قد جهَّز جيشاً بقيادة أسامة بن زيد وأمره بالتحرُّك نحو اليرموك، ولكن طروء وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) أوقع الجيش في ارتباك وحيرة وما عاد يعرف ماذا يتوجب عليه فعله في هذا الظرف الجديد، لذا كان لا بد من تعيين سريع لإمام وحاكم على المسلمين ليعين تكليف هذا الجيش.

 

هـ) كان المسلمون يدركون أن تعيين الرئيس الحاكم عليهم، وصاحب السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكام الإسلام، من أهم الواجبات، خاصة في تلك الظروف الحرجة والأوضاع المضطربة المذكورة(129). وهذا ما أشار إليه علي عليه السلام في رسالة جوابية كتبها لمعاوية حيث قال: [والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم أو يُقتَل، ضالاً كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، أن لا يعملوا عملاً ولا يُحْدِثوا حدثاً ولا يقدِّموا يداً أو رجلاً ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً يجمع أمرهم...](130).

 

 و) وقوع اختلاف بين المهاجرين والأنصار في إحدى الغزوات، وكذلك بين الأوس والخزرج، كان دالا على أن العصبية القبائلية لم تجف جذورها بل لا زالت ذات أثر فيهم، وهي عصبية قد تؤدي لنـزاع إذا لم يتم كبحها بسرعة، لذا كان لا بد من عدم التواني لحظة في نصب الإمام والحاكم لضبط الأمور ومنع حدوث أي صراع أو نزاع قد يضعف شوكة المسلمين، ولمواصلة تطبيق أحكام وأوامر الشريعة الإلـهية الخالدة التي لا يجوز تعطيلها حتى ولا دقيقة واحدة، من هذا المنطلق كان الصحابة في غاية العجلة لتحقيق هذا الأمر، يضاف إلى ذلك أن جماعة المهاجرين الذين كانوا قد سمعوه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الأئمة من قريش وسمعوه يوصي بالأنصار قائلا: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار(131)، وإن الأنصار كَرِشي وعيبتي.. فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم..(132)، فهموا من ذلك - كما فهم علي عليه السلام ذلك أيضاً(133)- موافقته (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن ولاية الأمر ليست فيهم بل في قريش والمهاجرين شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذلك اضطرهم ما رأوه من استعجال الأنصار في سعيهم لتنصيب خليفة من بينهم أن يتداركوا الأمر بسرعة ويمنعوهم من ذلك قبل أن يخرج الأمر عن أيديهم وينقسم المسلمون على بعضهم، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله كل خير.

 

2 - كان علي عليه السلام مشغولا بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يشارك في المشورة في السقيفة ولم يطرح نفسه لانتخاب الناس، ولعله لم يسرع في هذا الأمر لأنه ما كان يتوقع أن يعدل عنه الناس، ولربما فهم بعض الناس من عدم حضوره السقيفة أو إرساله من ينوب عنه فيها، عدم رغبته في الأمر، ولذلك لم يتعرضوا لانتخابه، ومن دون شك أنه لو كان قد طرح نفسه للخلافة من البداية واستدل على أولويته بما هو معهود من فصاحته وبلاغته المحيرة وقدرته على الإقناع لما عدل الصحابة عنه إلى غيره ولما وُجِدَ له معارض، كما مر معنا أن عددا من الأنصار لما سمعوا كلامه بعد حادثة السقيفة اعترفوا قائلين: لو سمعنا كلامك هذا من قبل لبايعناك.

 

3- لم يكن يوجد في ذلك الحين كل هذا الكم الكبير من بعض الروايات والأخبار الواهية السند التي انتشرت في الكتب في عهد متأخر بشأن المبالغات في فضائل ومناقب علي عليه السلام التي يرفعه بعضها إلى مقامات فوق بشرية أو ينسب إليه أقوالاً تجعله المتصـرّف بالكون والقائم بأفعال الله... الخ والتي نراها في بعض كتبنا اليوم، ولا كل تلك التأويلات للآيات القرآنية في حقه، ولا كان أحد يعتبر عليّاً "عين الله الناظرة ويد الله الباسطة"! ولا كان أحد قد وقع بعد في تلك الحيرة (!) التي واجهت أحد شعراء العصور التالية فقال مخاطباً عليّاً عليه السلام:

 

من اگر خداي ندانمت           متحيرم كه چه خوانمت؟؟

 

أي: إن لم أعتبرك الله                                فأنا محتار ماذا أعتبرك؟؟

 

بل كانوا يعتبرونه صحابيا من السابقين المهاجرين المجاهدين العالمين الفقهاء بالقرآن وأحكام الإسلام، ورغم أن تميزه وأفضليته لم تكن مجهولة لدى الصحابة إلا أنهم لم يكونوا ملتزمين بالضرورة بأن يكون هو الإمام حتما، ولا كان هذا التميز لدرجة تمنع بالضرورة الآخرين من ذوي الفضل والسابقة في الإسلام أن يتقدموا لهذا المنصب، ولعلهم كانوا يرجحون الشيوخ ذوي التجربة على الشباب من أصحاب الفضل والجهاد، ولذا انتخبوا غيره، ومع ذلك كان في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من يرى عليّاً أحق الناس بها لا من جهة أنه منصوص عليه من قـِبَل الله تعالى ورسوله، بل من جهة منزلته من رسول الله ومقامه في الإسلام وأعلميته بأحكام شرع الله في كل موضوع، ونفس أمير المؤمنين كان يعتبر نفسه أحق وأولى بمقام الإمامة من الآخرين، لهذه الحيثيات كما يظهر ذلك في جميع احتجاجاته أو اعتراضاته التي لا نجد فيها إشارة لموضوع نص إلـهي عليه، كما نجد ذلك واضحا فما يلي:

 

الهوامش:

(127) صحيح البخاري : كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت، حديث رقم 6328، وأحمد في مسنده، مسند العشرة المبشرين، أول مسند عمر بن الخطاب. (ت)

 

(128) انظر سيرة ابن هشام : ج4 / ص 307.

 

(129) تذكر كتب التاريخ مثل السيرة النبوية لابن هشام (ج 4/ ص 316) والكامل في التاريخ لابن الأثير أنه: "لما توفي رسول الله  ارتدت العرب واشرأبت اليهودية  والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم" وتذكر  أيضاً: "أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة".(م)

 

(130) بحار الأنوار ج 33/ ص 143، باب 16- باب كتبه إلى معاوية... .(طبعة مؤسسة الوفاء – بيروت – 1404 هـ.ق. في 110 مجلدات)

 

(131) أخرجه مسلم في صحيحه: 44- كتاب فضائل الصحابة/ حديث 172 عن زيد بن أرقم، والترمذي في جامعه: ج 5/ 3902) عن قتادة. (ت)

 

(132) أخرجه البخاري في صحيحه (63 - كتاب فضائل الأنصار/ 11 - باب قول النبي  اقبلوا من محسنهم..) ومسلم في صحيحه (44 - كتاب فضائل الصحابة / ح 176). (ت)

 

(133) جاء في الخطبة رقم 67 من نهج البلاغة أنه: لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله  عليه وآله وسلم) قال عليه السلام: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله (صلى الله  عليه وآله وسلم) وصى بأن يُحسَن إلى محسنهم ويُتَجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال عليه السلام: لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (صلى الله  عليه وآله وسلم)، فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة !. ونلاحظ هنا أيضاً أن عليّاً لم يشر في هذا المقام إلى موضوع النص عليه في غدير خم، رغم أن المقام كان يوجب الإشارة لذلك والاحتجاج به، بل كل ما قاله أنه أولى بالرسول  صلى الله عليه وسلم  لأنه إذا كانت قريش والمهاجرون شجرة الرسول فهو لب هذه الشجرة وثمرتها. ولا شك أنه لو كان عليه السلام يعتقد بأن الله تعالى نص عليه فعلا في الغدير، لقال للناس عوضا عن ذلك - من باب الأمر بالمعروف وإرشاد خلق الله وتذكير الناس بالحق وإتمام الحجة عليهم - : لماذا لم يذكروا أو لم يحتجوا بخطبة غدير خم؟ ولماذا تخلفوا عن أمر الله تعالى؟  حقا إنه غير قابل للتصديق أن يكتفي علي عليه السلام ببيان أولويته وأصلحيته، ويسكت عن بيان أمر الله تعالى ونصه (برقعي).