إذن ما حقيقة قصة الغدير؟

 

أحد القضايا التي يغفلها الكثيرون ولا يميلون للبحث فيها في موضوع الإمامة بالنص هو دراسة خلفية حادثة الغدير، أي الأمور التي حدثت في السنة العاشرة للهجرة وكانت الخلفية الأساسية التي أدت لواقعة الغدير، في حين أن الاطلاع على هذه الخلفية ضروري جدَّاً للفهم الصحيح لخطبة غدير خم.

 

خلاصة قصة الغدير، طبقاً لما روته كتب التاريخ الإسلامي مثل سيرة ابن هشام (ج 4/ص 274) التي هي أقدم كتب السيرة المتوفرة، وتواريخ وتفاسير الفريقين الشيعة والسنة، كتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي(115) وتفسير ابن كثير وتاريخ البداية والنهاية لابن كثير أيضاً، وكتاب مجالس المؤمنين (ج1/ص43) للقاضي نور الله الشوشتري(116) وغيرها من كتب الرواية والحديث لدى الفريقين(117)، ما يلي:

 

في السنة العاشرة للهجـرة توجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى مكة المكرمة ليؤدي مناسك الحج الإسلامي ويعلّمها الناس ولتكون فرصة يعطي فيها المسلمين الذين انضووا تحت رسالته آخر وصاياه، وأرسل (صلّى الله عليه وآله) رسائل إلى رؤساء القبائل العربية وعماله في نواحي الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى المجيء لمكة في أيام الحج ليؤدوا المناسك معه، وكان من جملة الرسائل كتابٌ بعث به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان في ذلك الحين في اليمن، حيث كان (صلّى الله عليه وآله) بعثه لجمع أموال الزكاة فيها، دعاه فيه كذلك إلى الحضور لمكة أيام الحج، فوصل الكتاب لعليٍّ وهو في اليمن أو في طريقه من اليمن إلى المدينة حاملاً أموال الزكاة، فرأى عليه السلام أنه لو أراد أن يأتي مكة بما معه من أموال بيت المال - التي كان أغلبها في ذلك الوقت من المواشي كالإبل والبقر والغنم - لما استطاع الوصول إلى الحج في الوقت المطلوب، لذا اضطر أن يوكل أمر حمل أموال الزكاة إلى الذين كانوا برفقته، كأبي بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، وينطلق بمفرده مسرعاً إلى مكة، فوصل مكة ولقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم السابع أو الثامن من ذي الحجة، وبعد أداء مناسك الحج، قـفل راجعاً إلى طريق اليمن ليكمل مهمته في حمل أموال بيت المال، فلقي القافلة وهي في طريقها إلى المدينة، ووجد بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد تصرّفا في بعض أموالها، سيما بعض الحلل اليمنية، فغضب، كما هي عادته تجاه أي تصرف شخصي ليس في محله في بيت مال المسلمين، فنهر بريدة وخالداً ووبخهم على صنيعهم، وفي بعض التواريخ أنه عليه السلام سبهم وضربهم، فكبر ذلك عليهم، لا سيما أنهما كانا من الوجهاء والأكابر في قومهما، فحملا في قلبهما بغضاً لِعَليٍّ واستعدّا للانتقام لأنفسهما فأرسلا شخصاً إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذي كان في طريق عودته من مكة إلى المدينة، وفي بعض التواريخ أنهم ذهبوا إليه بأنفسهم، واشتكوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنف وشدَّة علي معهم، إلى درجة أن بعض التواريخ تذكر أنهم سبُّوا علياً في محضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلما رأوا علامات الغضب على وجهه (صلّى الله عليه وآله) وظنوا أنه غضب لأجلهم من علي، واصلوا الشكوى بلهجة أكثر حدة، عند ذلك نهاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومنعهم من هذا الكلام وذكر طرفاً من فضائله، وكان مما قال:  "ارفعوا ألسنتكم عن علي فإنه خشن في ذات الله غير مداهن في دينه"، أو: "أيها الناس لا تشكو علياً فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يُشكَى"(118)، أو "ما لكم ولعلِيّ! علِيٌّ منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي"(119)، أو "من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه"(120).

 

لكن خالداً وبريدةَ والآخرين كانوا قد أساؤا القول من قبل بحق عليٍّ أمام الصحابة الآخرين بما فيه الكفاية، ولعلهم استمروا في ذلك حتى بعد نهي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم، مما شـوّه صورة علي في ذهن عديد من الصحابة، لا سيما أن عدداً منهم لم يكن قد تعرّف على عليٍّ بعد، فلما رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، شعر أنه لا بد من الدفاع عن شخصية حضرة عليّ البارزة المتميزة ويعرّف المسلمين بعلو مقامه وذلك قبل أن يتفرق المسلمون هنا وهناك عائدين إلى بلدانهم(121)، ثم بالإضافة لكون الدفاع عن شخصية مؤمن مسلم ممتاز أمراً لازماً وواجباً شرعاً، فإنه مما لا شك فيه أيضاً أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يميل في قلبه إلى أن يرتضي المسلمون من بعده علياً لولاية أمرهم وإمامتهم وحكمهم، لهذا كله قام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أثناء توقفه لصلاة الظهر بجوار غديرٍ يُدْعى خُـمَّاً - بإلقاء كلمة عقب الصلاة أشار فيها لدنو رحيله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولمقام أهل بيته ثم عرَّف المسلمين بذلك الجناب (أي علي) وبيّن وجوبَ موالاته ومحبته على كلّ مسلم، لكن ما قاله وبيّنه لم يكن معناه أبداً فرضَ إمارته والنصّ على خلافته بأمر الله تعالى وحكمه، وذلك للدلائل العقلية والنقلية التي سبقت والتي ستأتي إن شاء الله.

 

الهوامش:

(115) تفسير "رَوح الجَنان ورُوح الجِنان" لجمال الدين أبي الفتوح الرازي، تصحيح علي أكبر غفاري، ج4 / ص 275 إلى 277.

 

(116) السيد نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي التستري أو الشوشتري الهندي، يعرف بالشهيد الثالث، متكلم فقيه إمامي، دافع عن المذهب ورد على مبطليه في عدة كتب شهيرة، توفي مقتولا سنة 1019 هـ. (ت)

 

(117) في ذلك أحاديث مشتهرة روتها - إضافة لكتب السيرة - كتب الحديث من السنن والمسانيد، انظر مثلا: سنن الترمذي: كتاب المناقب/باب مناقب علي بن أبي طالب، والسنن الكبرى للنسائي / باب مناقب علي، ومقدمة سنن ابن ماجة / باب مناقب علي بن أبي طالب، ومسند أحمد/ مسند علي بن أبي طالب.. الخ

 

(118) انظر سيرة ابن هشام ج4/ ص 603، بتحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، طبع دار ابن كثير. وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري : ج3 / 145، ح 4656/252، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. (ت)

 

(119) أخرج نحوه الترمذي في سننه: 50- كتاب المناقب/ 20- باب مناقب علي بن أبي طالب، ح 3712، (5/632) وقال: قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: 4 / ص 437 – 438. وجملة وأنت ولي كل مؤمن بعدي) أخرجها أيضاً أبو داوود الطيالسي في مسنده: ح 2752، والنسائي في الخصائص العلوية. (ت)

 

(120) أخرجه الترمذي في سننه: 50- كتاب المناقب / 20- باب مناقب علي رضي الله عنه، ح 3713 (5/633) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم نَحْوَهُ وَأَبُو سَرِيحَةَ هُو حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق متعددة ومختلفة وعن عدد كثير من الصحابة، مثلا في:ج 1/ص 88، ورقم 670 (ط.شاكر) وعلق عليه القاضي محمد شاكر (محقق مسند أحمد) بقوله: إسناده صحيح. وكذلك في المسند في: ج1/ص 119 وهو برقم 951 (ط.شاكر)، وفي ج  1/ص 281. قلت: وقد ذكر الأئمة الحفاظ، الذين أفردوا كتباً خاصة للأحاديث المتواترة، حديثَ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" في الأحاديث المتواترة، منهم الإمام السيوطي في كتابه: "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة"، والإمام المناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير"، وشارح المواهب اللدنية، والفقيه المحدث محمد بن جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني في كتابه:"نظم المتناثر من الحديث المتواتر". (ت).

 

(121) وإلا لو كان القصد من التوقف وخطبة الغدير هو إعلان فرض الإمارة السياسية المباشرة لعلي (ع) فهناك سؤال هام يطرح نفسه تلقائيا وهو أنه لماذا لم يفعل النبي  صلى الله عليه وسلم  ذلك في خطبة حجة الوداع؟؟ وسبب السؤال هو أولا: أن خطبة حجة الوداع كان يحضرها آلاف المسلمين من مختلف أنحاء الجزيرة العربية وإعلان مثل هذا الأمر السياسي الخطير أولى أن يتم في مثل ذلك المقام، وثانيا: لأنه (ص) كان بذلك يطلع جميع أهل مكة على إمارة علي ويقيم عليهم الحجة بذلك؟! وكذلك يُطرح الإشكال والتساؤل بأنه لماذا على الأقل لم يخطب هذه الخطبة في المدينة ليطلع عليها ويسمعها جميع أهل المدينة  - الذين لعبوا الدور الأول والأساسي في تولية أبي بكر  رضي الله عنه.