العقل منكرٌ للنص

 

1- إن القول بأن الله تعالى هو الذي نصب وعيَّن الأئمَّة وفرض طاعتهم على العالمين وحرم الجنة على من لم يعرفهم أو لم يتبعهم، مع نسبة صفات الأنبياء لهم مثل أن الوحي يأتيهم وأن عند كل منهم صحيفة خاصة من الله تعالى يؤمر بالعمل بها، وأنهم شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، يأتيهم الملاك ويسمعون صوته وإن كانوا لا يرونه، وأن روح القدس الذي يكون للنبي ينتقل بعده للإمام.. الخ - كما نجد ذلك في عدد من الروايات في كتبنا الحديثية الأساسية خاصة أحاديث كتاب الحجة من كتاب أصول الكافي(110) حيث نُسِبَتْ إليهم في بعض الروايات صفات تفوق حتى صفات الأنبياء، أي لا يوجد في القرآن مثلها حتى للأنبياء أولي العزم من الرسل أصحاب التشريع، فضلاً عن الأنبياء ذوي النبوّة التبليغيّة فقط!(111) - أقول إن مثل هذا القول لا يتناسب مع قاعدة ختم النبوة التي هي موضع اتفاق جميع فرق المسلمين وإجماع الأمة قاطبة.

 

إذ إن نصبَ الله تعالى وتعيينه أئمةً بمثل تلك الخصائص التي هي من خصائص الأنبياء وفرضَ طاعتهم على كل بني الإنسان، سيكون بمثابة بعث أنبياء جدد بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل إن تلك الخصائص المذكورة للأئمة عليهم السلام أعلى وأهم من خصائص الأنبياء المبلغين الذين كانوا يبعثون لتأييد وتبليغ رسالة النبي الذي ســبقهم(112)، أو على الأقل ليست دونهم مرتبة، وهذا لا يتفق أبداً مع مبدأ ختم النبوّة، فإذا كانت العهود التي سبقت نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) احتاجت لمثل أولئك الأنبياء المبلغين بعد أنبيائهم، فإن عهد الرشد الذي وصلت إليه البشرية بعد خاتم النبيين وسد باب النبوة والرسالة نهائياً، برسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبقِ مجالاً لبعث أنبياء بعده. فإن قيل: لا أحد يعتبر أو يسمي الأئمةَ أنبياءَ، بل رواياتنا تمنع وتكره تسميتهم بذلك بشدة، قلنا إن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فالعبرة ليست بالاسم بل بالمعنى، فإذا نسبت لأولـئك الأئمة كل أوصاف الأنبياء وخصائصهم الإلـهية مثل التعيين من الله تعالى وفرض طاعتهم على العالمين ووحي الله تعالى إليهم بواسطة الملاك وروح القدس الخاص بالأنبياء وعصمتهم المطلقة وأن كل واحد منهم عنده كتاب خاص من الله تعالى يعمل به، وأن معرفتهم والإيمان بهم شرط النجاة الأبدية يوم القيامة... الخ، فهم كالأنبياء بكل معنى الكلمة وإنكار ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ.

 

وأنا أعتقد أن الذين يصرّون كل هذا الإصرار على الإمامة المنصوص عليها من الله، لم يدركوا كما يجب معنى ختم النبوة.

 

و قد ألف أحد الفضلاء المعاصرين وهو العلامة الشيخ الأستاذ "مرتضى مطهري" كتاباً قيّماً باسم "ختم النبوة" شرح فيه بشكل ممتاز فلسفة ختم النبوة - هذا رغم أنه بقي على القول بالإمامة بالنص دون أن ينتبه إلى أنها تتناقض مع لوازم نظريته ـ، ومن المفيد هنا أن ننقل بعض العبارات من كتابه ذاك، قال: إن رسالة نبي الإسلام تختلف عن رسالات سائر الأنبياء الذين سبقوه بأنها من نوع القانون لا البرنامج المفصل، أي أنها دستور عام للبشرية (ص 26). وحي هذا النبي هو في مستوى دستور كلي أبدي (ص 30). النبي الخاتم هو الذي طوى جميع المراحل ولم يبقِ - من ناحية الوحي الإلـهي - أي طريق لم يُـطرَق أو نقطة لم تُكـتَشـف (ص34). الوحي الإلـهي أعلى مظاهر الهداية وأرقى درجاتها. الوحي يتضمن إرشادات خارجة عن متناول الحس والخيال والعقل والعلم، ولذلك لا يمكن لشيء من هذه الأمور أن يحل محل الوحي. ولكن الوحي الذي له تلك الخواص هو الوحي التشريعي لا التبليغي، أما الوحي التبليغي فعلى العكس. طالما لم تصل البشرية بعد إلى درجة النضوج الكامل في العقل والعلم والمدنية بحيث يمكنها أن تقوم بنفسها بحمل رسالة الله والقيام بمهمة الدعوة والتعليم والتبليغ والتفسير والاجتهاد، فإن الحاجة للوحي التبليغي تكون لا زالت باقية. ظهور العلم والعقل وبعبارة أخرى وصول الإنسانية لمرحلة الرشد والبلوغ، ينهي تلقائياً مرحلة الوحي التبليغي، حيث يصبح العلماء هم ورثة الأنبياء (ص 47). في الواقع، أحد أركان الخاتمية هو البلوغ الاجتماعي للبشر إلى الحد الذي يصبحون معه قادرين على حفظ مواريثه العلمية والدينية والقيام بنشرها وتعليمها وتفسيرها (ص 13).

 

و إذا رأينا أن نبياً من أنبياء بني إسرائيل يقوم - بأمر الله تعالى - بتعيين "طالوت" ملكاً عليهم (البقرة/ آية 246)، وهو ما يدّعي مثله القائلون بالإمامة بالنص بالنسبة للأئمة عليهم السلام، فإنّ هذا إنّما تمّ (بالنسبة لطالوت) لأنه كان من الأمور التي - على حد قول الأستاذ مطهري ـ: لا بد أن تتم بالوحي في مرحلة طفولة البشرية (ص 87) أي المرحلة التي تكون البشرية فيها لا تزال بحاجة لكلا نوعي النبوة: التشريعي والتبليغي. فقد كانت البشرية، قبل عدة آلاف من السنين، غير متمكّنة من الحفاظ على مواريثها الدينية والعلمية ولم يكن من الممكن توقع خلاف ذلك منها (ص 12) لأنها لم تبلغ في إمكانياتها ووسائلها ورشدها الاجتماعي والسياسي والفكري إلى الحد الذي يمكنها من المحافظة على تراث الأنبياء نقياً بلا تغيير ولذا كانت التحريفات والتبديلات تظهر في تعاليم الأنبياء وكتبهم المقدسة... وبالتالي كانت تلك الكتب والتعاليم تفقد صلاحيتها لهداية الناس (ص:11). ولكن بعد نزول قوله تعالى ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر:9] انتفى الداعي الرئيس للرسالات الجديدة ولبعث أنبياء جدد (ص 12). وعلى حد قول المفكر الباكستاني محمد إقبال اللاهوري: لا يمكن للبشرية أن تبقى للأبد بمرحلة الطفولة والحاجة للإرشاد من الخارج. إلغاء الكهانة والملك الوراثي في الإسلام، والتأكيد الدائم في القرآن الكريم على العقل والتجربة، والأهمية التي أولاها ذلك الكتاب المبين للطبيعة والتاريخ كمصادر للمعرفة البشرية، كل هذا مظاهر مختلفة لفكرة واحدة هي ختم الرسالة(113).

 

لذلك نرى - في ضوء ما ذكر أعلاه - أن النص من جانب الله، على إمامة وحكم أفراد معينين، إن تم مثله قبل ختم النبوة، - مع أننا لم نجد مثل تلك الأوصاف الخارقة التي تنسَب للأئمة عليهم السلام حتى للأنبياء المبلغين السابقين! - فإنه ليس معقولا ولا يمكن أن يتم بعد ختم النبوة والرسالة بنوعيها التشريعي والتبليغي.

 

2 - إن تعيين ونصب عدد معين من الأشخاص سواء اثنا عشر أو إحدى عشر أو سبع..الخ لحكم البشرية وسياستها لمدة مئات آلاف السنين إلى يوم القيامة أمر مخالف للعقل وللمنطق ولواقع الحياة، لأن المدة التي يمكن لهؤلاء الاثني عشر شخصاً أن يعيشوا فيها ويحكموا الناس فعلا، لن تتجاوز المائتين وسبعين إلى ثلاثمائة عام! في حين أن الإسلام دين أبدي خالد، والمسلمون يحتاجون لحاكم فعلي يسوسهم وينفذ فيهم أحكام الله تعالى في جميع الأزمنة والأعصار، حيث لا يجوز تعطيل أحكام الشرع ولا لحظة واحدة. فلا بد أن يكون الشارع المقدس قد بين الطريق والمنهج الكلي في قضية الحاكم واختياره عندئذ، لأنه لا يمكن أن يترك الشرع هذا الأمر الحياتي دون أن بيان إطاره أو خطوطه العريضة الكلية للناس وهو الدين الأبدي الكامل.

 

فإذا أقر القائلون بالنص على وجود مثل هذا التعليم لكن قيدوه بما بعد انتهاء عهد ظهور الأئمة المنصوبين المنصوص عليهم، أرجعنا نحن نفس هذا التعليم إلى كل الفترة الزمنية التي تتلو رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة بلا استثناء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تفاوت في تعاليم الشرع بين فترة زمنية وفترة أخرى، أي لا يمكن أن يكون هناك تعليم خاصٌّ بالنسبة إلى جزء من الزمن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعليم آخر مختلف بالنسبة إلى بقية الزمن بعد ذلك إلى يوم القيامة، إلا بدليل، ولا دليل لدينا تقوم به الحجة القاطعة.

 

3 - النص من جانب الله تعالى على أشخاص معينين بأسمائهم ليكونوا حكاماً زمنيين على الناس، في العصر الذي بلغت فيه البشرية سن الرشد وختمت به النبوات وحُفِظ فيه الكتاب السماوي الخالد بلا تغيير أو تبديل أو زيادة أو نقصان، أمر لا ينسجم مع فلسفة التشريع وهدف الخلق الذي هو ابتلاء الناس وامتحانهم. فقد صار على المسلمين الآن أن يديروا مجتمعاتهم بأنفسهم ويُمْـتَـحنوا في مدى التزامهم بالعمل بمشيئة الله وتعاليم كتابه. عليهم - بالرجوع إلى أوامر الشرع المقدس ونواهيه - أن ينتخبوا رئيسهم وأن يميزوا بين الصالح والطالح وبين المتقي والفاجر، ثم يكونوا رقباء عليه يطيعوه ويعينوه إذا أصاب ويسددوه ويقوموه إذا انحرف، أما إذا عين الله تعالى فرداً أو أفراداً مخصوصين لحكم وسياسة المسلمين على الدوام، فإن كل فلسفة ابتلاء الناس وامتحانهم وفتنتهم هذه تبطل، وتصبح كل أوامر ونواهي الشرع التي تبين من تجب طاعته ومن يتوجب عصيانه، بلا معنى، حيث يخرج الاختيار من يد الفرد والجماعة عندما يتوجب عليهم الطاعة العمياء للقائد الحاكم الذي له القدرة، بسلطته، على إجبار الناس على تنفيذ أقواله واتباع أوامره، خاصة أن القائلين بالنص يعتقدون أن المنصوص عليهم معصومون مطلقاً فلا مجال للسؤال والنقاش عند إطاعة أوامرهم. هذا في حين أننا نرى أن في القرآن الكريم آيات عديدة تحدد من تجب طاعته ومن تجب معصيته:

 

فأوَّلاً: ليس في القرآن الكريم أمر بالطاعة المطلقة إلا لِـلَّـه ورسوله فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿ قل أطيعوا الله والرسول...  ﴾ [آل عمران:32]، ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله...  ﴾ [النساء:64]، ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله...  ﴾ [النساء:80]. أما ما عدا الله تعالى ورسوله فطاعته مشروطة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [النساء:59].

 

وثانيا: حددت كثير من الآيات صفات من تجب طاعته كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ...  ﴾ [التوبة:100]، ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ ﴾ [يونس:35]، ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ [لقمان:15]، ﴿ وَقَالَ الَّذِي ءَامَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر:38]. ونحوها من الآيات الكريمة.

 

في حين بينت آيات عديدة أخرى صفات من تجب معصيتهم وتحرم طاعتهم، مثل: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ [الأعراف:142]، ﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف:28]، ﴿ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ﴾ [الشعراء:151-152]، ﴿ ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ﴾ [الجاثية:18]، ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَو تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ. وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ [القلم:8-13]، ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَو كَفُورًا ﴾ [الإنسان:24]، ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء:115].

 

فلو كان ثمة أئمة حكامٌ منصوصٌ عليهم ومعصومون، وبالتالي الوحيدون الذين تجب طاعتهم المطلقة على المؤمنين، لقال الشارع عليكم طاعة فلان وفلان فقط، ولما كان هناك حاجة لمثل تلك الأوامر والنواهي الكلية! في حين أن هذه التعاليم تعتبر دستوراً تسترشد به الأمة في تعيينها لحاكمها، وتميّز به بين اللائق لهذا المقام ومن لا يليق به، أي أن زمن المسؤولية ابتدأ مع ابتداء عهد ختم النبوَّة، وفي الواقع إن الإسلام لديه حسن ظن بالبشرية أكثر من القائلين بالإمامة المنصوصة(114).

 

4 - لم يكن لأي نبي من الأنبياء السابقين ولا في أي شريعة من الشرائع الإلـهية الماضية أوصياءُ منصوصٌ عليهم للإمامة والحكم، معصومون يجب على الأمة طاعتهم تعبداً وديانةً. والادعاء بأن لكل نبيٍّ وصيٌّ نصَّ عليه ليخلفه في شأن الحكم واستلام زمام الأمور ادعاء عار من الحقيقة ولا أساس له، ولا غرو فمثل هذا لو حصل يكون، كما أوضحنا سالفاً، نقضاً للغرض المراد من وراء تشريع الشرائع، أعني امتحان الناس واختبارهم، إذ يسلب من الناس (المحكومين) مجال الاختيار والتمييز بين الصواب والخطأ في كل فعل وأمر، والقرآن المجيد والعقل السليم لا يصدقان مثل هذا الادعاء، كما لا يوجد في التاريخ ما يؤيده.

 

نعم يمكن للنبي أن يعين وصياً أو أوصياء للقيام بأمور شخصية خاصّة مثل غسله وكفنه ودفن جثمانه وأداء ديونه أو القيام بشأن عياله وأولاده الصغار ونحو ذلك، أما تعيين وصي ليكون إماماً وحاكماً ورئيس سلطة مفروضاً من الله ويحكم بأمر الله، فهذا - في تصورنا ورأينا - ما لا يفعله لأنه لا ينسجم مع جوهر الدين القائم على الامتحان الإلـهي للعباد.

 

5- فور وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام المهاجرون والأنصار، دون إضاعة للوقت، بالاجتماع في سقيفة بني ساعدة لتعيين الرئيس الذي سيكون حاكما عليهم، وأخذوا يتناقشون ويتشاورون لتحقيق هذا الغرض مما يفيد أن هذا الأمر سبيله، في نظرهم، هو البحث والتشاور، وأن إقامة الحاكم هو بلا شك واجب شرعي ضروري على المسلمين، ولم يأت خلال المناقشات، كما بينا، أي ذكر لكون الحاكم لا يُختار بل هو منصوص عليه من الله، ومن البديهي أنه لو كان للحكومة أي ارتباط بالنص والتعيين الإلـهي، لوقعت الإشارة لذلك ولذكَّر به البعض على الأقل، مع أن أحداً لم يتكلم بمثل هذا أبداً، ولا أحد طلب من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينصب لهم الحاكم بنفسه لأنهم كانوا يدركون أن هذا مناف لأصل التكليف.

 

6- في تاريخ الأديان السماوية، وجدت حالات قليلة لحكام عينهم الله تعالى نفسه للحكم في ظروف محددة معينة، مثال ذلك تعيين الله تعالى لطالوت ملكاً على بني إسرائيل، ليقودهم في محاربة الوثنيين الذين كانوا لا يتوقفون عن شن الغارات عليهم ويخرجونهم من ديارهم ويقتلون أبناءهم.. كما أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة (انظر الآيات: 246 إلى 251). ولكن طالوت الملك على الرغم من أن الله تعالى اصطفاه لهم لما أوتي من بسطة في العلم والجسم، إلا أنه لم يكن معصوماً، بل عندما قَتـلَ داودُ جالوتَ، وكان طالوتُ قد وعد من قَتل جالوت أن ينكحه ابنته، لكن بعد أن صارت لداود شعبية وأصبح محبوباً في بني إسرائيل خشي طالوت منه على ملكه فسعى في قتله فعلم داود ذلك ففر منه... إلى آخر ما جاء في التواريخ التي ذكرت هذه القصة. فتبين أنه بالنسبة لذلك الحاكم الذي ابتدأ تعيينه ونصبه بأمر من الله لم تكن هناك عصمة مطلقة!

 

أما بالنسبة لتواريخ سائر الأمم والشعوب من أتباع الأديان غير السماوية فقد حصلت ادعاءات للحكم بأمر الله وبتعيينٍ منه بل اعتبرت بعض الشعوب حكامها ممثلين لِـلَّهِ تعالى في الأرض أو ظل الله في أرضه، يحكمون بإرادته وأمره وتجري في عروقهم دماء زرقاء تختلف عن دماء سائر البشر، مثل فراعنة مصر وملوك فارس وأباطرة اليونان والرومان، وأباطرة اليابان والصين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الشمس ووارثي سلطان الله على الدنيا (و أن الملك حقهم الإلهي) تتوارثه ذريتهم جيلا بعد جيل، وهذا النوع من الحكم أطلق عليه اسم الحكم الثيوقراطي. وإذا كان مثل هذا النوع من الحكم الثيوقراطي من الممكن أن يلقى قبولا في العصور القديمة والقرون الوسطى وعهود الظلام والجهل القديمة، أما اليوم وبفضل نور الدين والعلم وتقدم البشر في الحقوق الاجتماعية والإنسانية، لم يعد لمثل هذه الادعاءات رونق ولا قبول، سيما أن الناس رأت كيف أنه عندما يصبح المُلْكُ مطلقاً ووراثياً فإنه يتحول إلى آلة فساد واستبداد ويأتي إليه من لا يتصف بالصفات الضرورية للحاكم كالعلم والعدل والمساواة والنـزاهة والاستقامة وحسن التدبير والشجاعة.

 

الهوامش:

(110) كحديث أن الأئمة عليهم السلام: ..شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 221 فما بعد)، وأنهم: مُحدَّثون يسمعون صوت الملاك ولكنهم لا يرون ولا يعاينون الملاك (المصدر السابق: ج1 / 176 - 177)، وأنهم: خزان علم الله وتراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض.. (المصدر السابق: ج1 / ص 269 - 270)، وأن: روح القدس به حمل النبوة فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام.. (المصدر السابق: ج1 /ص 270 فما بعد)، وإن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوة وروح الشهوة…فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى… (المصدر السابق: ج1 / ص 271 فما بعد). وأن: الأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلوا إلا بعهد من الله عز وجل لا يتجاوزونه، وأن الله عز وجل أنزل على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا قبل وفاته فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النخبة من أهلك… علي بن أبي طالب وولده عليهم السلام، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب كل إمام يفك خاتما ويعمل بما فيه ثم يدفعه لمن بعده فيفك خاتما ويعمل بما فيه … الحديث (المصدر السابق: ج1 / ص 279 فما بعد، الحديث 1 و4) . بل في حديث صريح منسوب للإمام الصادق عليه السلام: الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي، فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله). (المصدر السابق: ج1 / ص 270). (م)

 

(111) كالأحاديث التي تصف علم الأئمة عليهم السلام بأنهم: يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 260)، وأنهم: يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (المصدر السابق: ج1 / ص 255 فما بعد)،  وأن: الإمام لا يخفى عليه كلام (لغة) أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح.. (المصدر السابق: ج1 / ص 285)، وأن: عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها (المصدر السابق: ج1 / ص 227)،  وأن: أعمال العباد تعرض عليهم في الصباح والمساء.. المصدر السابق: ج1 / ص 219 فما بعد)،  وأن: عندهم ألواح موسى وعصاه وقميص آدم (الذي ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيراً) وخاتم سليمان (الذي كان يسخّر به الجن والشياطين).. (المصدر السابق: ج1 / ص 231 - 232). أو الأحاديث التي تصف خلقتهم بأوصاف خارجة عن أوصاف سائر البشر مثل أن: للإمام عشر علامات: يولد مطهرا مختوناً وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، ولا يجنب، تنام عينيه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره وابتلاعه … الحديث (أصول الكافي: كتاب الحجة /باب مواليد الأئمة عليهم السلام، حديث رقم 8، ج1/ص 385 فما بعد)، ورواية أخرى أن الإمام: إذا وقع من بطن أمه وقع واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم للهِ أنزله من السماء إلى الأرض، وأما رفع رأسه إلى السماء فإن منادياً ينادي من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان، اثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك، أنت صفوتي من خلقي وموضع سري وعيبة علمي وأميني على وحيي وخليفتي في أرضي... فيجيبه (الإمام المولود) واضعاً يديه رافعاً رأسه إلى السماء: {شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} آل عمران/ 18 (المصدر السابق نفس الكتاب والباب: حديث رقم 1)، وأن الإمام يمكن أن يقوم بالحجة وهو ابن ثلاث سنين! (المصدر السابق: ج1 /ص321، الأحاديث 10 و13)، وأن: الله خلقهم من نور عظمته وخلقت أبدانهم من طينة مخزونة لم يخلق منه أحد إلا الأنبياء .. الحديث (المصدر السابق: ج1 / ص 389). (م)

 

(112) أي مثل كثير من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يبعثوا برسالة أو كتاب جديد، بل كانوا على شريعة التوراة وإنما بعثوا للهداية وإرشاد الخلق وإحياء التوراة والعمل بالدين ونصرته، مثل يوشع بن نون وصموئيل وحزقيل ودانيال و... وزكريا ويحيى ومئات الأنبياء الذين كان يبعث العشرات منهم أحيانا في نفس الوقت. (ت)

 

(113) كل ما ذكر بين المعقوفتين في الصفحات الثلاث الأخيرة  اقتباسات من كتاب "ختم النبوة" للأستاذ العلامة الشيخ مرتضى مطهري، نشر دار صدرى، طهران.

 

(114) أرجو أن ينتبه القراء جيداً إلى هذه النقطة، فكما يقول الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري: لقد كان وضع البشر في الأدوار السابقة يشبه تلميذ المدرسة الذي يُعطى كتاباً ليتعلَّم منه، فإذا به يحوله إلى مزق بعد عدد قليل من الأيام!، أما البشرية في العهد الإسلامي (عهد ختم النبوة) فتشبه العالم كبير السن الذي يعتني بكتبه ويحفظها غاية الحفظ، رغم رجوعه المتكرر إليها.  انتهى من  كتاب ختم النبوة للأستاذ المرحوم مرتضى مطهري، ص 49. (م).