سِـِيَرُ الصحابة أيضاً مصدِّقة للآيات ومكذِّبة للروايات

 

نظرة إجمالية أو تفصيلية أيضاً على سِيَر صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تبين بوضوح أنهم كانوا أهلاً حقّاً لمديح رب العالمين وثنائه، فحياتهم المليئة بالفخار تدل على أنهم كانوا زبدة بني آدم. لقد كانوا رجالاً دخلوا في الإسلام دون أي تطميع أو تهديد من قِبَلِ مبلغ الإسلام والصادع به (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثم لم يؤثر فيهم ويصرفهم عن عقيدتهم أي ترغيب أو تهديد، بل كانوا ثابتي الأقدام على عقيدتهم كالجبال الشوامخ، وبالرغم من جميع أنواع التعذيب والآلام والاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له من قِبَلِ مخالفيهم الذين كانوا أصحاب قدرة وثروة وسلطة، حيث كان أكثر أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من طبقة الفقراء والعبيد الذين يعيشون تحت وطأة وسلطان أسيادهم المخالفين لهم في الدين، فكانوا يُهَدَّدون من قِبَلِ أسيادهم ومالكي رقابهم بالتعذيب إلى درجة الموت، وطبقا لبعض الروايات كانوا يصبون الماء الحار على أجسامهم العارية، ويجلدونهم بأسواط الحديد حتى يتفتَّت جلدهم، أو كانوا يُدخِلون رؤوسهم في الماء حتى ينقطع نفسهم، أو كانوا يخرجونهم إلى الفلوات في حر الشمس ويضعون فوق صدورهم الصخر الثقيل ويتركونه فوقهم ثم يأمرونهم بالرجوع عن الدين الذي قبلوه أو على الأقل البراءة من محمد ودينه، ولو تقية، لينقذوا أنفسهم من العذاب (فيأبون)، وكان يوقَـد لبعضهم النار ثم يُمَرُّون عليها فلا يطفئها إلا ودك (أي شحم) بدنهم.

 

خبَّاب بن الأرتّ رضي الله عنه من المسلمين الذين تحمّلوا أنواعاً من العذاب في سبيل عقيدتهم وإيمانهم بدين الإسلام، فهو من المُعَذَّبين في الله، ولعله من أكثر من تحمل العذاب، يقول عنه ابن الأثير: [خبَّاب بن الأرتّ...مولاته أم أنمار، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وممن كان يُعـَذَّب في الله تعالى كان سادس ستة في الإسلام…قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وخبَّاب وصهيب وعمار وسمية أم عمار، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم وهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس.… وقال الشعبي: إن خبّاباً صبر ولم يعط الكفار ما سألوا فجعلوا يلصقون ظهره بالرَّضَف (أي الحجارة التي حميت بالشمس أو النار) حتى ذهب لحم متنه،.. وقال أبو صالح: كان خبَّاب قيِّنا (أي حدَّاداً) يطبع السيوف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه فأُخْبِرَت مولاته بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحمَّاة فتضعها على رأسه… توفي سنة 37، قال زيد بن وهب: سرنا مع علي حين رجع من صِفِّين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال: ما هذه القبور؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن خبَّاب بن الأرتّ توفي مخرجك إلى صفين…فقال عليٌّ رضي الله عنه: رحم الله خبِّاباً، أسلم راغباً وهاجر طائعاً وعاش مجاهداً وابتُليَ في جسمه ولن يضيِّع الله أجر من أحسن عملاً...](105).

 

صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه صحابيٌّ آخر من المعذبين في الله والمهاجرين المجاهدين في سبيل الله وقد عاش إلى ما بعد وفاة رسول الله وبايع وأيد الخلفاء قبل الإمام علي عليه السلام. يقول عنه ابن الأثير في كتابه "أسد الغابة في معرفة الصحابة":

 

[وأسلم صهيب ورسول الله في دار الأرقم، بعد بضعة وثلاثين رجلاً، وكان من المستضعفين بمكة المعذبين في الله عز وجل...ولما هاجر صهيب إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، فنثل كنانته وقال يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، ووالله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء، فإن كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك فدلهم عليه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ربح البيع أبا يحيى!" فأنزل الله تعالى ﴿ ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ واللهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ ﴾ وشهد صهيب بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مجاهد قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وبلال وصهيب وخباب وعمار بن ياسر وسمية أم عمار، ثم يقول فأما النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه الله وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون (و منهم صهيب) فأُخِذُوا وأُلْبِسوا أدراع الحديد ثم أُصْهِروا في الشمس..وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه محبّاً لصهيب حسن الظن فيه حتى إنه لما ضُرِبَ أوصى أن يصلي عليه صهيبٌ بجماعة المسلمين ثلاثاً حتى يتفق أهل الشورى على من سيخلف وتوفي صهيب بالمدينة سنة ثمان وثلاثين وقيل سنة تسع وثلاثين وهو ابن 73 سنة](106).

 

وجاء في سيرة ابن هشام أيضاً:

[قال ابن اسحق: وحدَّثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير، قال قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يُعذَرون في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطِّشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: أللات والعزَّى إلـهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجُعَل (صرصار الصحراء) ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجعل إلـهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده](107).

 

لكنهم كانوا بكل شجاعة وشهامة ورشد يرفضون الانصياع لما يريده منهم أرباب القدرة والسلطان عليهم ويصيحون تحت ضربات سياط الحديد الملهبة: أشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا ورسول الله، مسجلين بذلك أسمى آيات الفخار. وبعضهم كان ذا مال وثروة ونفوذ واقتدار، لكن بسبب دخولهم في الإسلام اضطروا ليس للتخلي عن أموالهم ومكانتهم فحسب، بل لأن يغمضوا أعينهم عن الأهل والديار والوطن والأقرباء، ويهاجروا لبلاد غريبة، أيا كانت في هذه الأرض الواسعة حتى لو كانت بلاداً لا تدين بدينهم كالحبشة، مسلِّمين أنفسهم لمصير مجهول، وذلك كجعفر بن أبي طالب ومصعب بن عمير وعبد الله بن مسعود وعتبة بن غزوان رضي الله عنهم وو و...، ومع ذلك كانوا يقبلون على الهجـرة مسرورين راضين ويصرفون نظرهم عن الوطن والقرابة والأصحاب، ولا ينحرفون ذرة عن دينهم.

 

أجل هؤلاء هم الذين يذكر القرآن الكريم لنا بأفضل صورة كيفية إيمانهم وتحملهم للعذاب وتعرضهم للاضطهاد والإيذاء ويثني على تحملهم الأذى وهجرتهم في سبيله فيقول: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ.الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون ﴾ [النحل:41-42]، ويقول: ﴿ .. فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..  ﴾ [آل عمران:195]، ويقول كذلك: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر:8]، حيث يتفق جميع المفسرين بلا خلاف أن هذه الآيات نزلت في المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة.

 

ولا ننسَ ذلك الدعاء الجميل من أدعية حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليه السلام المسطور في "الصحيفة السجادية" الذي - بدلاً من اعتباره الصحابة المهاجرين والأنصار مرتدين! - يدعو فيه لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنصار ومهاجرين فيقول: اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به. ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته. والذين هجرتهم العشائر أن تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات أن سكنوا في ظل قرابته. فلا تنس اللهم لهم ما تركوا لك وفيك…و اشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ثم الأهم من ذلك أنه عليه السلام يدعو عقب ذلك للتابعين الذين ساروا على هدي أولـئك الصحابة فيقول: اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك. الذين تحروا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا على شاكلتهم. لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم، والائتمام بهداية منارهم. مكانفين مؤازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، ويتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم..(108). فأي إنسان، حتى ذلك الذي لا يؤمن ولا يعتقد بالإسلام، يمكنه أن يقبل منطقياً أن هؤلاء ارتدوا فور رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟.

 

لقد عرضنا في كتابنا هذا بتوفيق الله، بعضاً من سيرة الذين تحمّلوا أنواع المشقات واستقبلوا بصدر رحب، في سبيل المحافظة على دينهم، صنوف المصائب والبليَّات، وبقوا ثابتين مستقيمين على التضحية والوفاء إلى آخر رمق، ومع ذلك ما كان موقفهم عقب وفاة نبيهم في سقيفة بني ساعدة إلا اتباع سبيل سائر المؤمنين، ولم يتكلموا بكلمة اعتراض خلافاً لما تم، وقد اكتفينا بما ذكرنا كنموذج فقط، وإلا فإن كل أصحاب رسول الله(109) كانوا كذلك، وعانوا في صدر الإسلام المشقات وشهدوا الحروب والغزوات. هذا كان من ناحية النقل الذي يبين كذب الروايات، فلنأت الآن إلى العقل لنرى حكمه في هذه القضية؟

 

الهوامش:

(105) أسد الغابة في معرفة الصحابة: ج 2 /ص 98 -100، هذا وقد اختصر المؤلف رحمه الله وتصرف في اقتباسه من هذا المصدر فقدم وأخر، أما أنا فأوردت ما ذكره المصدر بنفس الترتيب والتفصيل. (ت)

 

(106) مختصر من أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري: ج 3 / ص 30.

 

(107) سيرة ابن هشام: ج 2/ص320، و"أُسْد الغابة" لابن الأثير الجزري، ضمن ترجمة عمار بن ياسر رضي الله عنه. (ت)

 

(108) الدعاء الرابع من أدعية الصحيفة السجادية: في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم.

 

(109) ينبغي التنبيه إلى أن مقصودنا من الأصحاب ليس "كل من رأى النبي ولو لحظة أو سمع منه" -كما هو اصطلاح المحدثين- بل المقصود خاصة النبي  صلى الله عليه وسلم  الذين لازموه ونصروه وقاموا معه في أمر الدين، كما نجد ذلك فيما يرويه ابن هشام في سيرته (ج 2/ص431) إذْ يذكر أنه لما نشب نزاع بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف فشتمه خالد فقال له رسول الله  صلى الله عليه وسلم : مهلاً يا خالد! دع عنك أصحابي! فوالله لو كان لك أحدٌ ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته هذا مع أن خالداً كان مسلماً ورأى الرسول  صلى الله عليه وسلم  وسمع منه ولكن الرسول  صلى الله عليه وسلم  ميَّزه عن أصحابه.(م).