بيعة أمير المؤمنين عليٍّ لأبي بكرٍ كما يرويها ابن قتيبة

 

ينقل ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة" مبايعة الإمام علي لأبي بكر رضي الله عنه على النحو التالي: يقول: ... ثم إن علياً كرَّم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لأخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً؟ ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الأمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلباً لك شطره(44) واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً. ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه(45). فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو عبيدة الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا ابن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقدر على هذا الأمر منك، وأشد احتمالاً واضطلاعا به، فسلِّم لأبي بكر رضي الله عنه هذا الأمر فإنك إن تعش ويطُلْ بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، وقـعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به، لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لَفِينا فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعَتْهُ الأنصار منك قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه، ما اختلف عليك اثنان(46). وخرج عليٌّ كرَّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلاً في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجكِ وابن عمكِ سبق إلينا قبل أبي بكر رضي الله عنه ما عدلنا عنه، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم(47).

 

هذه هي قصة سقيفة بني ساعدة كما روتها كتب السيرة والتواريخ الإسلامية القديمة المعتمدة، ولا خلاف لها فيما روته كتب الشيعة القديمة اللهم إلا النذر اليسير، وليس في أي منها أي ذكر لغدير خم ولا لاحتجاج الإمام علي به!، إلى أن ظهر ذلك في كتاب شيعيّ (متأخر) هو كتاب "الاحتجاج على أهل اللجاج" للطبرسي(48) ضمن رواية، تتضمن خطأ تاريخيا واضحا، حيث يقول: [...فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطَّأ الأرض لأبي بكر رضي الله عنه وقالت جماعة الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمِعَتْهُ منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر رضي الله عنه ما اختلف فيك اثنان، فقال علي عليه السلام: يا هؤلاء! أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، وأخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحدا يسمو له، وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحل ما استحللتموه، ولا علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك يوم غدير خُم لأحد حجة، ولا لقائل مقالا، فأُنشِدُ اللهَ رجلا سمع النبيَّ يوم غدير خم يقول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله" أن يشهد الآن بما سمع. قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً(49) بذلك وكنت ممن سمع القول من رسول الله فكتمتُ الشهادة يومئذ فدعا علِيٌّ علَيَّ فذهب بصري](50).

 

قلتُ: نسبة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام بقضية غدير خم، الذي رواه زيد بن أرقم، إلى عهد أبي بكر، أمر يخالف التواريخ المسلّمة التي يبدو أن واضع هذه الرواية كان عديم الاطلاع عليها، فقد ذكرت المصادر التاريخية الموثقة - (كما جاء ذلك مفصلاً في بحار الأنوار:ج22/ص32، والجزء الأول من كتاب الغدير) - أن استشهاد علي بواقعة الغدير وكتمان أو عدم كتمان زيد بن أرقم(51)، إنما حدث في رحبة الكوفة بعد ثلاثين عاما (من قصة السقيفة) في زمن خلافة أمير المؤمنين أثناء نزاعه مع معاوية، بهدف إثبات أن الحق معه وليس مع معاوية (لا بهدف إثبات النص الإلهي على خلافته!) وبهدف تشجيع المؤمنين على النهوض في قتال ابن أبي سفيان الذي نصب الحرب لعلي بغير حق، فذكَّرهم بواقعة الغدير كدليل وشاهد نبوي قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بنصرته وموالاته ومعاداة من عاداه وحاربه: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و...وليس لهذا أي علاقة بموضوع النص على علي بالخلافة من قِبَلِ الله تعالى.

 

هذا بالإضافة إلى أن كتاب "الاحتجاج" الذي ذكر في تلك الرواية الضعيفة(52) أن اثني عشر بدرياً قاموا وشهدوا بما استشهدهم عليه أمير المؤمنين، ذكر رواية أخرى تخالفها حيث تبين احتجاج أولئك الاثني عشر (على أبي بكر) دون أن يأت في كلام أي واحد منهم أي ذكر أو احتجاج بغدير خم بل كل ما جاء في كلامهم أنهم بعد استئذانهم من أمير المؤمنين بالكلام قالو له: "يا أمير المؤمنين! تركت حقا أنت أحق به وأولى منه لأنا سمعنا رسول الله يقول: "علي مع الحق والحق مع علي" وهذه الجملة بحد ذاتها لا تؤدي الغرض ولا تثبت النص على عليٍّ بالإمامة، بل أكثر ما يفيده ظاهرها أنه أكثر استحقاقاً ولياقةً بذلك المنصب من أي أحدٍ آخر.

 

الهوامش:

(44) أي افعل فعلا يكون لك منه نصيب فأنت تبايعه اليوم ليبايعك غدا. (ت)

 

(45) أرى أن هذا القَسَمَ المنسوب لعليٍّ  - في هذه الرواية التي يرويها ابن قتيبة - لا يصحّ ولعلّه من سهو الرواة أو تخليطاتهم. أولاً: لأنه لم يرو أحدٌ أن علياً لما بايع أبا بكر في النهاية، كفَّر عن يمينه، وثانياً وهو الأهم: أن هناك رواياتٌ موثَّقةٌ متعددةٌ تؤكّد أنه كان هناك عهدٌ من عليٍّ (ع) لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  على أنه في حال حصول نزاع حول إمارة المسلمين أن يرضى علي ويبايع من رضيه أكثرية المسلمين وبايعوه. من ذلك ما ورد عن علي أنه قال متحدثاً عن بيعته لأبي بكر: .. فنظرتُ في أمري فإذا طاعتي قد سَبَقَتْ بيعتي وإذا الميثاقُ في عنقي لغيري  الخطبة رقم 37 من نهج البلاغة. وفي شرحه لكلام الإمام علي (ع) هذا - في كتابه "كشف المحجة"، طبع النجف - يروي السيد ابن طاووس (من مشاهير علماء الإمامية) عن علي (ع) حديثاً يقول فيه: لقد أتاني رهطٌ منهم ابنا سعيد والمقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والزبير بن العوام والبراء بن الغازب (العازب) يعرضون النصر عليَّ، فقلت لهم إن عندي من نبي الله  صلى الله عليه وسلم  عهداً وله إليَّ وصيَّة ولست أخالف ما أمرني به، وفي الكتاب نفسه، وكذلك في مستدرك نهج البلاغة (الباب الثاني، ص 30) جاء عن علي (ع) أنه قال: وقد كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  عهد إلي عهداً فقال: يا ابن أبي طالب! لك ولاء أمتي، فإن ولَّوْك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم في أمرهم وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه، فإن الله يجعل لك مخرجاً. وكذلك يروي ابن بكار في "الأخبار الموفقيات" إشارةَ الفضل بن العباس لهذا العهد، خلال حديث يعرب فيه عن استيائه وعدم رضائه عن إعراض الناس عن بيعة علي، فيقول: لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسداً منهم لنا وحقداً علينا، وإنا لنعلم أن عند صاحبنا عهد هو ينتهي إليه. وبناء عليه فلا يمكن أن يُقْسِمَ الإمامُ على أمر يخالف عهده للنبي  صلى الله عليه وسلم  !  أما سبب تأخر الإمام عن البيعة لأبي بكر فسببه أن الصحابة استعجلوا في رأيه في هذا الأمر ولم يؤدوه على نحو المطلوب - ولعل الظروف العصيبة التي تلت انتقال النبي  صلى الله عليه وسلم  وخشية شر المرتدين كالأسود العنسي ومسيلمة  والدهشة لوفاته  صلى الله عليه وسلم  وخشية وقوع فرقة بين الأنصار والمهاجرين، هي التي أدت لهذا الاستعجال حتى كانت البيعة السريعة لأبي بكر "فلتةً" كما وصفها  عمر - إذ كان من الواجب أن يشارك في هذا الأمر الخطير جميع كبار الصحابة وأصحاب السابقة في الإسلام لا سيما آل النبي  صلى الله عليه وسلم  الذين في صدرهم الإمام علي ( عليه السلام ) نفسه، وأن لا تتم البيعة إلا بمشورتهم ورأيهم حتى تكون مشروعيتها كاملةً وتمنع القيل والقال، ولهذا فإن امتناع الإمام عن البيعة في البداية كان اعتراضاً على الطريقة التي تمت فيها وتنبيهاً على عيبها وتوجيهاً لضرورة اتباع المشورة الكاملة والإجماع للبيعة الصحيحة، ثم إن الإمام بايع بعد ذلك فرأب الصدع وببيعته أتم النقص الذي حصل وأكمل مشروعية خلافة أبي بكر على نحو تام. والحقيقة أن أمير المؤمنين علياً  عليه السلام  كان شديد الإصرار على رعاية مبدأ الرضا والشورى الكاملة كمبدأ أساسي لمشروعية الحكم، لذلك لما قُتِلَ عثمان وانهال الناس عليه ليبايعوه، فإنه - بدلاً من ذكر أي شيء عن كونه منصوصاً عليه من الله -  قال لهم: .. فإن بيعتي لا تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا المسلمين.. (انظر تاريخ الطبري، طبعة دار التراث، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج4/ص 427، وتاريخ ابن أعثم الكوفي: ص 161)، ثم قال لهم قبل أن يبايعوه: ..فأمهلوا تجتمع الناس ويشاورون.. (تاريخ الطبري: 4/433)، وبدلاً من الإشارة إلى أن الإمامة السياسية مقامٌ إلهيٌّ غير مفوّض لانتخاب العامة قال: إنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا (انظر بحار الأنوار للمجلسي: ج8 / ص 272، طبع تبريز، والإرشاد للشيخ المفيد: ص 115، طبع 1320، وكتاب مستدرك نهج البلاغة، ص 88) . وقال كذلك: أيها الناس عن ملأٍ وأُذُنٍ أمْرُكُم هذا، ليس لأحد حق إلا من أمَّرتم ( تاريخ الطبري: 4/435، الكامل لابن الأثير: 4/ 127، وبحار الأنوار  للمجلسي: ج8/ص367) (م)

 

(46) إضافةً إلى عدم احتجاج حضرة أمير المؤمنين بحديث غدير خم، فإن كلام الأنصار هذا نفسه لدليل واضح أن لا أحد منهم كان يرى في خطبة غدير خم نصباً ونصَّاً إلهياً على إمارة وخلافة علي (ع)، وإلا فمن الواضح من كلامهم أنه لم تكن لديهم عداوةٌ خاصةٌ ضدَّ عليٍّ تجعلهم يكتمون ذلك النص الإلهي المزعوم ويتعمَّدون تجاهله، بل من الواضح من كلامهم وموقفهم هذا أنهم مالوا بعد تمام البيعة إلى أن يكونوا قد بايعوا علياً بدلاً من أبي بكر، مما يوضح أنهم لم يكونوا يأبون إمارة علي ولا كان عندهم إصرار على عدم انتخابه (م).

 

(47) الإمامة والسياسة، ج 1/ ص 18. (ت)

 

(48) الطبرسي هذا هو: الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفى حوالي سنة 620 هـ (غير الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان الشهير.) (ت)

 

(49) سنرى فيما بعد ما يدل بكل وضوح على أن عدداً من هؤلاء الشهود، خاصةً خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم بن التيهان و... لم يكونوا يعتقدون بالنص الإلـهي على حكومة عليٍّ ولا كانوا يعتبرون هذا الحديث دالاً على ذلك. انظر تفصيل ذلك في فقرة "عودة لكتاب الاحتجاج ونقد رواياته" من هذا الكتاب.

 

(50) الاحتجاج على أهل اللجاج، ج 1/ص 96 (طبعة النجف، عام 1386هـ/1966م). (ت)

 

(51) جمع الأميني في الجزء الأول من كتابه الغدير، روايات استشهاد أمير المؤمنين بواقعة الغدير: والرواية الثالثة والحادية عشرة منها لا تتضمن كتمان زيد بن أرقم في حين تتضمن باقي الروايات ذلك. هذا ومن الجدير بالذكر أن بعض رواة هذه الأخبار لم يكونوا من المعتقدين بالنص على علي، وذلك مثل "ابن عقدة" الذي كان زيدي المذهب ولم يذكر هذه الرواية إلا كشاهد من الشواهد على أفضليته (عليه السلام) فقط. (م)

 

(52) انظر: فقرة "عودة لكتاب الاحتجاج ونقد رواياته" القادمة في هذا الكتاب لترى دلائل ضعف هذه الرواية.