بسم الله الرحمن الرحيم

 

طريق النجاة من شر الغلاة

 

الـجـــزء الـثـــالـــث بـحـــث حـــول

الشفاعة وحقيقتها

 

ويليــه الـجـــزء الـرابـــع بـحـــث حـــول

الغلو والغلاة

 

كتبه (بالفارسية) المرحوم الأستاذ

حيدر علي قلمداران القُمِّي

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سعــد مـحمــود رسـتـــم

 


 

 

 

 

 

 

 

P


 

مقدِّمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه وحده نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، ففي الستينات من القرن الماضي (الميلادي) قبل حوالي أربعين عاماً ونيِّف نشر أحد الغلاة المتطرفين من المنتسبين إلى العلم من الشيعة الإمامية ويُدْعَى آية الله العظمى السيد أبو الفضل النبوي، في قم/ايران، كتاباً (بالفارسية) سمَّاه «اُمرايِ هستي» (أي أمراء الكون) طرح فيه نظرية الولاية التكوينية المطلقة للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الاثني عشر من آله عليهم السلام، واعتبر أن الله جعلهم أمراءَ العالَم ومدبري شؤونه ومقسمي أرزاق العباد والقَيِّمِين على شؤونهم... وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم.. وأنهم شفعاء شيعتهم ومخلصو مواليهم يوم القيامة وغلا في مفهوم الشفاعة حتى وكأنها صكٌّ حتميٌّ في الغفران لكل من انتسب إلى الأئمة واعتبر نفسه من شيعتهم وأقر بلسانه بولايتهم مهما كانت أعماله وأفعاله حتى ولو لم يقم بشيء من حقوق الله وانتهك حقوق العباد، ومات مصرّاً على كبائر الذنوب وظلمٍ وموبقاتٍ تبلغ عنان السماء!!

فقام أحد أعلام الاعتدال من الشيعة الجعفرية، الأستاذ الفاضل «حيدر علي قلمداران القُمِّيّ» فردّ عليه ردَّاً شاملاً مبيِّناً مخالفة أقواله للقرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة وتعاليم أئمة العترة النبوية، فألف كتاباً بالفارسية من خمسة مباحث أسماه «راه نجات از شرِّ غلاة» (أي طريق النجاة من شر الغُلاة) ضمَّنه المباحث التالية

1.«بحث در اختصاص علم غيب به خدا» أي بحث في اختصاص علم الغيب بالله.

2.«بحث در ولايت وحقيقت آن» أي بحث في الولاية وحقيقتها.

3.«بحث در شفاعت وحقيقت آن» أي البحث في الشفاعة وحقيقتها.

4.«بحث در باره غلاة» أي البحث حول الغلاة.

5.«بحث در باره زيارت» أي البحث حول زيارة المراقد.

ولم يتمكَّن من طبع كتابه جملةً واحدةً، نظراً لما أوجده حراس الخرافات والغلو من عراقيل أمامه فاضطرَّ إلى طباعة كلِّ بحث سِرّاً وعلى حدة في بعض مطابع المدن والبلدات المجاورة لمدينته قم. ثم أعاد عام 1979م. طباعة البحثين الثالث والرابع أي (بحث شفاعت) و(بحث غلوّ) في كتاب واحد، وهاأنذا أقدم للقراء الكرام ترجمة الكتاب أي ترجمة هذين البحثين، بعد أن ترجمتُ فيما سبق بحث الزيارة (أي زيارة المراقد).

ولا بد في هذا المقام من توضيح بعض النقاط حول موضوع الشفاعة:

من المعلوم أن الشفاعة من الموضوعات التي اختلفت فيها وجهات نظر المسلمين منذ قديم الزمان فمع أن الكلَّ أثبتها يوم القيامة إلا أنهم اختلفوا في مستحقِّها فكان الناس فيه أقساماً:

1- قسمٌ غلا في إثباتها وجعلها متاحةً ومضمونةً يقيناً لكلِّ عاصٍٍ ولو مات مُصِرَّاً على كبائر الإثم والفواحش منتهكاً لحقوق اللهِ والعباد، ومن هؤلاء المرجئة الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة ولم يجعلوا الأعمال جزءاً من مفهوم الإيمان، كما أن منهم غلاة الشيعة الإمامية وغلاة الصوفية، الذين استندوا في إثباتهم مثلَ هذا المفهوم المغالي للشفاعة إلى عديد من الروايات والأخبار (الضعيفة)، وفتحوا بذلك الباب واسعاً أمام المجرمين والعصاة كي يستمروا مرتاحين في شهواتهم وآثامهم متكلين على هذه الشفاعة الحتميَّة التي ستأخذهم -فقط لأنهم بالاسم من أمة محمد أو من شيعة الأئمة من آل الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) - إلى جنات الرضوان، ولو لم يعملوا خيراً قط وماتوا مصرين على كل الموبقات والجرائم وكبائر والإثم والفواحش!.

2- وقسمٌ ضيَّقها إلى حدِّ أنه نفاها عن العاصين المذنبين، وجعلها للمؤمنين الصالحين التائبين فقط، لزيادة درجاتهم ورفع منزلتهم في الجنة، تفضُّلاً من الله عليهم، ومن هؤلاء الوعيدية أي المعتزلة والخوارج، ويمثّلهم في عصرنا الشيعة الزيدية والإباضية.

3- وقسم توسط في الأمر فقال إنّ من مات مصرّاً على الكبائر أَمْرُهُ موكولٌ إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه، مع قولهم أنه في الأصل مستحقٌّ للعذاب ومتعرِّضٌ للوعيد بحسب نصوص الكتاب والسنة، فأثبتوا الشفاعة يوم القيامة للمذنبين وللتائبين وحتى لأهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر لهم بإذنه، مع قولهم بأن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر فَإِنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ الْبَشَرِ يُؤَثِّر على المشفوع إليه ويُغيِّر قراره ويحمله على تغيير حكمه، في حين أن اللهَ تعالى لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فهو الذي يأمر أولاً بالشفاعة فَالْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ، فَلَا يُؤثِّرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِوَجْهٍ. فَسَيِّدُ الشُّفَعَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا سَجَدَ وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ اللهُ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاسْأَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَحُدُّ لَهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ»، فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِـلَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِـلَّهِ ﴾ [آل عِمْرَانَ:154]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عِمْرَانَ:128]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الْأَعْرَاف:54]، فلا يشفع أحدٌ لأحدٍ إلا بإذنه جلَّ وعزَّ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء:28].

وبهذا جعلوا أمرَ الشفاعة والغفران موكولاً كلَّه إلى الله فلم يُيْـئِسُوا الناس من رحمته الواسعة القريبة من المحسنين، كما لم يطمِّعُوهم بغفرانه الحتمي ويؤمِّنوهم من مكر الله على نحوٍ يجرِّئُهُم على الاسترسال في المعاصي والكبائر دون توبة، بل يبقى العبد بين الخوف والرجاء، وهذا هو مذهب المعتدلين المحققين من الشيعة وأهل السنة، الذي يستندون فيه إلى عدد من الأحاديث الصحيحة.

وقد ذهب المؤلف قلمداران في بعض مناحي بحثه حول الشفاعة إلى نحو هذا الموقف، بيد أنه نظراً إلى كثرة ما وجده في كتب الروايات لدى الشيعة الإمامية من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والأخبار الملفَّقة العجيبة والممجوجة في موضوع شفاعة النبي والأئمة وفاطمة (عليهم السلام) والتي جُلُّ رواتها من الغلاة والكذابين، حسب ما تُبَـيِّنُهُ كتبُ علم الرجال الشيعية ذاتها، تكوَّنت لديه ردَّةُ فعلٍ فأنكر جميع أحاديث الشفاعة، واقتصر على مفهومها القرآني فحسب، فرأى أن القرآن الكريم يؤكِّد أن يوم الدين يومٌ لا يُغْنِي فيه مولىً عن مَولىً شيئاً وَأنَّه يومٌ لا بَيْعٌ فيه وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ، وأنَّ الشَّفَاعَةَ لِـلَّهِ جميعاً، وأنه لا يقوم بها إلا من أَذِنَ اللهُ له القيام بها بحق من ارتضاه الله، وهم المؤمنون الموحدون التائبون، إذ لا شك أن الله لا يرتضي أهل الشرك ولا أهل الكبائر المجرمين المصرين على آثامهم، فلما كانت الشفاعةُ لِـلَّهِ جميعاً فدور النبي والأولياء فيها دورٌ تشريفيٌّ لإظهار فضلهم ومقامهم فحسب، وليس فيها أي حتمٍ على الله ولا استقلالٌ بها -أي لم يعطِ الله ُ تعالى بها أحداً (شيكاً على بياض) كما يُقال- ولا فيها ثَنْيٌ لِـلَّهِ عن حكمه، ولا إلغاءٌ لإنذاراته ووعيده، ورأى أن شفاعة النبي والملائكة والمؤمنين هي استغفارهم الذي أمرهم اللهُ تعالى أن يطلبوه للمؤمنين خلال حياتهم في عالم الدنيا، والذي لن يَنْتَفِعَ منه يوم القيامة إلا الصادقون في إيمانهم المسلمون لِـلَّهِ في حياتهم، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فالأمر أوَّلاً وآخراً موكولٌ لربِّ العزَّةِ والجلال، الذي بيَّن أنَّ ٍ كُلَّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، وأنه ليس بأمانِيِّنا ولا أمانيِّ أهل الكتاب بل مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً. وقد اقترب المؤلّف في بعض ما ذهب إليه- إلى حدٍّ ما - مِنْ مذهب الوعيدية من المعتزلة والشيعة الزيدية أيضاً.

وقد تأكَّد للمؤلِّف هذا المفهوم للشفاعة من مطالعته لعديد من الأحاديث الواردة عن النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الهداة من أهل بيته الكرام عليهم السلام، ذكرها في هذا الكتاب، أكدوا فيها بأكثر العبارات صراحةً أنهم لن يغنوا عن أتباعهم شيئاً وأن لا نجاة لمسلمٍ يوم القيامة إلا بالتقوى والورع والعمل الصالح.

وخلاصة القول أن المؤلف اجتهد مخلصاً فيما طرحه من رأيٍ حول المفهوم الصحيح للشفاعة، وقد حالفه الصواب في نواحٍٍ كثيرةٍ وربّما جانبه الصواب في نواحٍ أخرى، ولا حرج في ذلك، فالمجتهد مأجورٌ إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ، ما دام له دليلٌ مسوِّغٌ فيما يذهب إليه من قَول.

هذا وترجمتنا للكتاب لا تعني طبعاً بالضرورة أننا نتفق معه في كل جزئيةٍ مما قاله، وإن كنا نوافقه في المفهوم العام للموضوع، وفي رفض الروايات المكذوبة والأحاديث الموضوعة التي تزكم رائحة الوضع فيها الأنوف، وما تطرحه من شفاعةٍ استقلاليَّةٍ حتميَّةٍ واسعةٍ مبنية على مجرَّد المحبّة القلبية والولاء اللساني للأئمة من آل الرسول - عليهم السلام - فتشمل كل مُدَّعٍ للإسلام والتشيُّع بلسانه مهما كانت أعماله، حتى ولو كان ممن مات مصرّاً بغير توبة على كبائرَ كالجبال الراسيات!!، لأن مثل ذلك المفهوم للشفاعة - كما يقول المؤلف - يقضي على كل إنذارات القرآن ويلغي جميع آيات الوعيد ويناقض مئات الأخبار النبوية الصحيحة التي تضمَّنت الوعيد الأكيد لفاعلي كثير من كبائر الآثام المصرّين على أنواع من الموبقات وأصنافٍ من الفواحش والظلم، كما أن ذلك المفهوم يُفْقِدُ المعنى من إرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع وفرض الأحكام.

هذا ما أردت توضيحه في هذه المقدمة، أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منا هذا العمل، ويعفو عما بدر منا فيه من خطأ وزلل، إنه وليُّ التوفيق، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

 

المترجم

 

 

+                +                 +


 

صورة لغلاف الكتاب باللغة الفارسية


 

+                +                 +

 

 

 

بـحـــث حـــول
الشفـاعة وحقيقتها

 

الجزء الثالث من كتاب طريق النجاة من شر الغلاة

 

 

كتبه (بالفارسية) المرحوم الأستاذ

حيدر علي قلمداران القُمِّي

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سعــد مـحمــود رسـتـــم

 


 

 

 

مقدمة المؤلِّف

 

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين.

قبل عدة سنوات ألفتُ كتابي «راه نجات از شرِّ غُلاة» (أي طريق النجاة من شر الغلاة) وأعطيته لإحدى المطابع في قم لطباعته إلا أنه مع الأسف بسبب الإعاقات والموانع التي كانت مُتَوَقَّعة في مثل ذلك المحيط لم تكتمل طباعته فاضطررتُ إلى تقسيم الكتاب إلى أجزاء وطباعة كل قسم على حدة في مطابع متعددة لبعض البلدات المجاورة، والكتاب الحالي هو القسم المتعلق ببحث الشفاعة من كتابنا المذكور أعني «راه نجات از شرِّ غُلاة» أُقدِّمُهُ اليوم بعون الله تعالى لطالبي الحق والحقيقة آملاً أن يكون سبباً لليقظة والهداية في مجتمعنا الضال، إذ إننا نعلم أن السبب الأصلي والأهم لنفور جيل الشباب من مسائل الدين والإيمان هو انتشار الخرافات واتساع الموهومات التي تُرَوَّج بين الناس باسم حقائق الدين، وأهم تلك الموهومات هو موضوع الشفاعة التي جَرَّأَ مفهومُها الخاطئ هذا الشعبَ على ارتكاب أنواع الفسق والفجور والفساد إلى درجة أن الإنسان يرى أحياناً أن لو كان هذا المجتمع عديم الدين بنحو كامل لربما كانت تحجزه فطرته عن الآثام على نحو أفضل من مثل هذا الدين المشوَّه والمذهب المُحَرَّف الذي لم يَبْقَ في نظام حياته حدٌّ ولا سدٌّ بسبب الغرور بمفهوم الشفاعة الخاطئ الذي انتشر وراج إلى درجة لم تبقِ لكثيرٍ من أفراد هذا المجتمع إسلاماً بل إنسانيةً!.

إن فائدة الدين هي أن يحفظ لأفراد المجتمع أرواحهم وأموالهم وأعراضهم ويجعلها في أمان ويحدِّد لكل إنسان حدّاً يقف عنده وينتفع به بالمقدار الذي يفيد مجتمعه. ولكن لسوء الحظ إذا لم تُبْقِ الموهوماتُ لشخصٍ عقلاً إلى درجة تجعله غير قادر على أن يُقارِن مجتمعه بالمجتمعات المتقدمة الراقية، عندئذٍ لن يفهم في أي جهنم يعيش! وعلى أي حال سنقدم للقرّاء الكرام شرحاً واضحاً لحقيقة مسألة الشفاعة في الشريعة الإسلامية كما يبينها القرآن الكريم. وبالله التوفيق.

 

حيدر علي قلمداران

محرّم الحرام 1392 هـ ق


 

تـمـهيـد

إن مسألة الشفاعة اتَّسعت كل هذا الاتساع في شعبنا بسبب ترويجها المتواصل مِنْ قِبَلِ خطباءٍ أغلبهم عديم الاطلاع على حقائق الدين وغير واقفٍ على حدود الشرع المبين، بل مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ! ومع ذلك يتصدّرون بغير حقٍّ لمقام ورثة الأنبياء والمرسلين ومنبر الدعاة إلى الدين، فيضلُّون الناسَ بخرافاتهم التي ينشرونها صباح مساء تحت اسم قراءة المآتم في مجالس العزاء، ويَجْمَعُون وهم ممتلئون ذنوباً من رأسهم إلى أخمص أقدامهم عوامَ الناس حولهم فيضلُّونهم بما يبُثُّونه فيهم من الأحاديث الموضوعة والروايات المكذوبة والأخبار الملفَّقة التي تسوقهم إلى هاوية الهلاك عندما تسهِّل لهم (بشكل غير مباشر) ارتكاب الآثام والمعاصي.

وإذا دقَّقنا في الأمر علمنا أن هؤلاء الذين يفتحون باب الشفاعة على مصراعيه بهذا الاتساع الكبير أمام الناس ليس لهم من دافع نفسي إلى ذلك سوى إغواء الشيطان، وأنهم لمّا كانوا ملطَّخين بالآثام والذنوب فإنهم يريدون بخطابهم ذاك أن يوجدوا لأنفسهم شركاء ورفقاء كي لا يشعروا بالوحشة والوحدة في طريق آثامهم ومصائبهم بل يسوقون آخرين إلى مثل وضعهم لعل الله إذا رأى أن هذا الأمر قد عمّت به البلوى واشترك فيه الكلّ يصرف النظر عن عذابهم ويعفو عنهم جميعاً!!

والعلة الأخرى لهذه الدعوة إلى الشفاعة (بمفهومها الخاطئ) هي استجلاب رضا وسرور السامعين والحصول على بذل مالهم والاستفادة منهم.

وإضافةً إلى ما ذُكر فإن مسألة الشفاعة بمفهومها الخاطئ قد وجدت طريقها، على نحو واسع للأسف، إلى كتب الحديث والروايات ولم يسلم من ذلك حتى أفراد مشهورين ومحترمين ذكروا مثل ذلك المفهوم في كتبهم التي ألَّفوها وتركوها لنا، وصارت مع الأسف مستمسكاً لأعوان الشيطان ودليلاً محكماً يرجعون إليه، كما نجد على سبيل المثال في أحد الكتب الفقهية المعروفة التي دوَّنها فقيهٌ مشهورٌ جليل القدر روايةً عجيبةً مَرْوِيَّةً بلا سندٍ ولا مصدرٍ تقول إنه رُوْيَ أنَّ امرأة كانت تزني ثم تحرق أولادها الذين يأتون من الزنا خشية الفضيحة! ولم يكن يعلم بهذا الفعل الشنيع سوى أمها فلمّا ماتت تلك الزانية وأرادوا دفنها لفظتها الأرض، وَمَهْمَا حاولوا دفنها في بقع أخرى واجهوا المشكلة نفسها، فذهب أهلُها في النهاية إلى إمام الوقت عليه السلام وعرضوا عليه الواقعة، فطلب أمَّها - التي كانت لا تزال حيَّة - وسألها عن القضية فكشفت له حقيقة ما كانت تصنعه ابنَـتُها، فأمر بأن يُوضع في قبرها مقدارٌ من تربة قبر الحسين عليه السلام وبهذا قبلتها الأرض وخُفِّف عنها!!(1).

وهناك شيخٌ معروفٌ آخر ذكر في أحد كتبه التي ألفها في هذا العصر، لينشر بزعمه معارف الإسلام ويوضِّح معالم الدين!! حكايةً لا نعلم من أين أتى بها عن قصَّة امرأةٍ كانت تُسْكِرُ ابنَها كي يزني بها وكان الابن يفعل ذلك على الدوام!! ولكن بعد موتها رؤوا تلك المرأة في أعلى درجات الجنة! فلمّا سألوها مستغربين قالت: كنتُ أصلي على النبي وآله سبع مرات في اليوم!!.

وتوجد مئات من مثل هذه الأباطيل والحكايات التي لا أساس لها نسمعها في مجالسنا الدينية! هذا في حين أنه لو رجعنا إلى القرآن الكريم لرأينا أن مثل هذه الشفاعة المزعومة بهذه الصورة لا وجود لها من الأساس وأن لا سلطة ولا حكم يوم القيامة إلا لِـلَّهِ الواحد الأحد القهَّار، وأن لا نجاة لإنسان إلا بإيمانه وعمله الصالح، كما أننا لو عدنا إلى العقل والوجدان لا يمكننا أبداً أن نصدِّق أن النبيَّ الذي أرسله ربّ العالمين لإصلاح الناس وهداية العباد، وَبَعَثَهُ بشريعةٍ محكمةِ البنيان وقوانين حكيمة؛ يعلّم الناس مثل هذا المفهوم عن الشفاعة الذي يقتلع كل تلك التعاليم من جذورها!.

في رأينا إن علة الانحطاط والذلّ الذي يعاني منه الشرق لاسيما المسلمون وخاصة الإيرانيون منهم(2) هو أننا لا نحترم أي قانون أو قواعد ثابتة فيما بيننا ومثل هذا المرض استفحل إلى درجة أصبح علاجه فيها مستعصياً وأحد أسباب ذلك هو الغرور بذلك المفهوم للشفاعة الذي يهدم حريم أحكام الشريعة ولا يبقي حرمةً لأي حَدٍّ ولا قانون، ولا ريب أن الشعب الذي يُبْتَلى بمثل هذا النمط من الاعتقاد يقع في خسران عظيم.

لذا ندعو القرَّاء الكِرام إلى مطالعة هذه الرسالة المختصرة ليَرَوْا ما هي حقيقة مسألة الشفاعة التي أوقع فهمها الخاطئ كل هذا الخسران والانحطاط في مجتمعنا وما هو أساسها وحقيقتها في الشريعة الإسلامية؟! وما توفيقي إلا بالله.

إن الشفاعة التي تروج اليوم في ذهن عامة الناس هي أن أولياء الله المقربين إليه كالنبيّ والأئمة الكرام من آله عليه وعليهم السلام سيشفعون، بما لهم من الجاه والحظوة عند الله، لجميع العصاة من أتباعهم يوم القيامة ويأخذونهم رغم كل معاصيهم وجرائمهم وآثامهم إلى أعلى درجات الجنان! ويحققون لهم آمالهم ورغباتهم في هذه الدنيا أيضاً. ومثل هذه الشفاعة مستقاة من مفهوم الواسطة والتشفع لدى السلاطين الجبارين والحكام المستبدين الذين يعفون أحياناً عن مجرم مفسد واجب القتل لشفاعة بعض الشفعاء من أقارب السلطان له، أو لتدخُّل أحباب ذلك الحاكم المستبد الجبار لأجل أن يعفو عن صديقهم الذي ارتكب جرائم تستوجب العقاب، فيعفو الحاكم عنه لأجل خاطرهم، لا بل قد يقرِّب الحاكم أحياناً ذلك المجرم المذنب ويمنحه مقاماً في بلاطه، وقد يُعطيه منصباً راقياً كالوزارة والإمارة رغم عدم استحقاقه لها، في حين يُبعد أفراداً صالحين وكفؤ من تلك المناصب لا لشيء إلا لأنهم ليسوا من معارف السلطان وليس لديهم من يقربهم إليه ويشفع لهم عنده!!

أجل إن مثل هذه العقيدة في الشفاعة إنما تنبع من تلك الأنظمة البعيدة عن العدل والإنصاف والغريبة عن الشرع. فالشعب الذي لا يسود فيه العدل والإنصاف والعقل والوجدان ولا قيمة فيه للصدق والأهلية بل أموره كلها تعتمد على المحسوبيّات والوساطات والشفعاء والذي لا ينال المناصب والمقامات لديه إلا من يجيد التملّق والإطراء ومدح الجبارين والسلاطين، من الطبيعي أن يتصور أن الأمر عند عتبة الذات الأحديّة والرب الخالق سيكون على هذا النحو وتلك الكيفية!

أسأل الله أن يوفقني من خلال هذه الرسالة لبيان حقيقة الشفاعة كما هي ليعرف الذين يتصورون أنهم سيستفيدون من تملّقهم وتوسلهم إلى شفعائهم الموهومين أنهم لن يصلوا إلى أي شيء، وأن لا نجاةَ ولا فلاحَ أمام الله العالم بالغيب والشهادة ومالك يوم الدين إلا بالصدق والاستقامة، وما من شيء يقرّب إليه إلا العبودية الحقّة لذاته العليَّة، عسى أن ينجو مجتمعنا بفضل انتشار هذه الحقائق من الذلّ والانحطاط وأن تعود الأمة أو على الأقل أجيالها القادمة إلى مجد وعظمة مسلمي الصدر الأول الذين كانوا بعيدين عن مثل تلك العقائد السخيفة والأفكار المنحرفة، ويشدوا الهمة والعزم على العمل والسعي إلى رضوان الله، ومن الله التوفيق وعليه التكلان وهو المستعان.

 

حيدر علي قلمداران

 

+                +                 +


 

موضوع الشفاعة وحقيقته

قلنا إن الدافع إلى الغلوّ في الأئمّة كان في البدء سعي أعداء الإسلام لنشر وإشاعة تلك الأفكار بين المسلمين لإضعاف دينهم، ثم تلقَّف ذلك أرباب الفسق والفجور من المسلمين الغافلين المنهمكين في شهواتهم فقاموا بنشر تلك الأفكار وترويجها لأنّها وافقت هواهم في ارتكاب المنكرات وانتهاك المحرَّمات التي كانوا لا يجترئون عليها خوفاً من تهديد آيات القرآن ووعيدها، فوجدوا في تلك الأفكار ملاذاً من تلك الإنذارات ومن هنا اتسع باب الشفاعة بين المسلمين، ووصل الأمر إلى التضحية بكل أحكام الإسلام في مذبح الشفاعة والغلوّ والولاية، وكان ذلك باباً فتحه الشيطان في الأمم السالفة والأديان المنسوخة قبل آلاف السنين من ظهور الإسلام ورأينا نتائجه! فمثلاً في الديانة النصرانية أخذ موضوع حب المسيح وعبادته أهميةً أساسيةً جعلتهم يروّجون أن حبَّ المسيح والإيمان به وبفدائه لهم، كافٍ للنجاة يوم الحساب، وأن النجاة لا تعتمد على الأعمال، مما أسقط أهمية التكاليف وأعطاهم حرية في ارتكاب الفسق والفجور، فلم يبق احترامٌ لشيء من الشريعة التي أبلغها الأنبياء منذ آدم وحتى ذلك العهد، وهكذا روّج بولس في رسائله أن حبّ المسيح أصبح بديلاً عن الأحكام، وأن شفاعته بفدائه هي الذخيرة يوم القيامة للأنام. واحتجوا لذلك بأن الإنسان غير قادر على أن يطلب حاجاته من الله تعالى مباشرةً بل لا بد له من واسطة وشفيع يطلب له حاجاته من الله بطريقته التي يعرفها، على عكس الإسلام الذي يعلِّمُ أن لا واسطة بين العبد والربّ وأن على العبد أن يطلب ما يريده من الله مباشرةً كما يقول سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]. أما بولس فإنه يقول في رسالته إلى أهالي روما (الإصحاح 8/الفقرة 26): «وَكَذَلِكَ الرُّوحُ أَيْضاً يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلَكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا!.». وهكذا جعلوا في تعاليم المسيح أن المؤمنين لا بد لهم من واسطة وشفيع بينهم وبين الله وأن هذه الواسطة لا بد أن تكون ذات صلة خاصة بالله وأن يكون لها مقام الفداء! ولما كان القانون الإلـهي يقتضي أن من يأثم فعليه تقديم الكفَّارات والقرابين لِـلَّه ليغفر الله له ما ارتكبه، فإن الواسطة أي المسيح هو الكفارة وهو القربان الذي جاء ليفدي الناس ويخلّصهم ويصالحهم مع الله ففُوِّض إليه مقام الشفاعة لأنه فدى نفسه لأجل الخليقة!! هكذا كان يعلِّم بولس مثلما جاء في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (الإصحاح 2/الفقرة 5-6): «فَإِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، وَالْوَسِيطُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الإِنْسَانُ الْمَسِيحُ يَسُوعُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عِوَضاً عَنِ الْجَمِيعِ!.».

أما الإسلام فرغم كل ما بذله من سعيٍ في سدّ باب الشفاعة الشركية إلا أن الأهواء النفسية والغرور الشيطاني وإغواء الأعداء وطمع الفسّاق والفجّار عملت عملها من جديد لتفتح ذلك الباب بأوسع مجال أمام المسلمين.

لقد عرف أعداء الإسلام أن هذا الدين اعتلى شأنه وقوي أمره بفضل أسسه القويمة المأخوذة من الإيمان بالله واليوم الآخر والمستمدة من كتابه السماوي العظيم وقرآنه المجيد الذي يعتبر أن: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر:38]، وأن: ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور:21]، و﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ﴾ [النجم:39-41]، ويرى أن سبيل دخول الجنة إنما يكون بتقديم الأنفس والأموال رخيصة في سبيل الله فيقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:111]، ويستنكر على من يظن أن دخول الجنة رخيص متاح بلا عمل ولا تحمّل مشقّاتٍ، وصبر على المكاره فيقول: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ [البقرة:214]، ويقول: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142]، ويؤكد بأوضح بيان وأصرح كلام أن لا أمل لمن كذَّب بآيات الله واستكبر عنها بدخول الجنة والنجاة من النار فيقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف:40-41].

فمثل هذه الإنذارات وأصناف الوعيد إذا سمعها الإنسان ليس من الله بل حتى من سلطان دنيوي لا يملك شيئاً إلا ما ملَّكه الله، فإنه لا يغمض له جفن ولا يستطيع النوم خوفاً منها، فما بالك إذا كان قائلها رب العالمين ومالك رقاب العباد يوم الدين؟! لذا لما كان المسلمون الأوائل يسمعون تلك الآيات مباشرةً من رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) ويوقنون بأنه بعد رحيلهم من هذه الدنيا ليس أمامهم يوم القيامة إلا أحد مكانين: ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى:7]، كانوا يقدّمون النفس والمال على طبق الإخلاص لأجل تحصيل رضا الله ودخول جنة رضوانه ونيل نعمه التي لا تزول يحدوهم الخوف والرجاء في سوق السعادة الأبدية، وكان نتيجة تلك العقيدة أن بذل المسلمون كل جهد لنشر الإسلام في أنحاء العالم سواء في زمن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) أو زمن الخلفاء الراشدين من بعده ولم يبخلوا بتقديم الروح والمال بكل شوق ورضا عندما تَطَلَّب الأمر منهم ذلك، وكانت ثمرة ذلك أن أضاء نور الإسلام جوانب العالم خلال نصف قرن من الزمن وملأت عدالته أطراف الدنيا وأخرج الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور التوحيد والعلم، وأسس حكومة العدل والنظام الأحسن الذي لم يكن يدر في خلد مخلوق قبل ذلك.

ولكن عندما اختلط المسلمون -نتيجةً لاتساع رقعة الإسلام- بأرباب الملل والنحل والأديان التي كانت قبل الإسلام وكانت مشوبة بالخرافات والموهومات، بدأت تسري إلى عقول وقلوب بعضهم بعض العقائد الباطلة والآراء الكاسدة لتلك الأمم، كما نَشُطَ أعداء الإسلام ببثِّ خرافاتهم وأوهام أديانهم التي كانت مسؤولة عن هزيمتهم أمام الإسلام، بين المسلمين، سعياً منهم إلى إيقاف مدّ الإسلام، واحتالوا لذلك حيلاً شتى فدخلت الأفكار اليهودية (أي الإسرائيليات) والنصرانية والمجوسية بواسطة أشخاص مشبوهين أمثال «كعب الأحبار» و«وهب بن منبه» و«عبد الله بن سبأ» ومن المتأخرين أمثال «الحافظ رجب البرسي» الغالي وغيرهم الذين يبدو أنهم كانوا يحنُّون إلى مذاهبهم السابقة فدسُّوا أفكارها المليئة بالغلوّ بالأنبياء والصالحين بين المسلمين ونسبوها إلى أئمّة الإسلام، ووضعوا على ألسنتهم أحاديث بهذا الصدد وجعلوا الحصول على الجنة رخيصاً يكفي فيه أداء بعض الصلوات وقراءة بعض الأدعية وصيام بعض الأيام وزيارة مراقد الأئمة ونحو ذلك، وأن هذه ستُورث فاعلها القصور والحور وتجعله جليساً للأنبياء والأئمة ولو كان خالي الوفاض من الأعمال الصالحة وخفيف الميزان من الخير والصلاح.

وبهذا تمكنوا من إيقاف المسلمين عن النشاط والحركة والبذل والتضحية لنشر الإسلام وحفظ حدوده وتشريعاته، وثانياً جرّؤوا العوام على ارتكاب المعاصي والفسق والفجور، الأمر الذي يشكِّل أفضل وسيلة لهلاك الأمم وذهاب ريحها وأوقعوا المسلمين في ذلك فيما وقع فيه أسلافهم من الأمم كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [آل عمران:23-24].

ألم يكن اليهود كذلك؟ ألم يدّع النصارى عن المسيح مثل ذلك وأنه تكفي محبة المسيح وولايته والإيمان به للنجاة يوم القيامة بدلاً من تجشم عناء الأعمال والالتزام بالشرع والأحكام المنزلة من عند الله؟!.

إن هؤلاء لا يدركون أن ولاية النبي والإمام التي تفيد المسلم هي تلك الولاية والنصرة التي كانت في حال حياتهم وكانت منشأً للجهاد والنصرة والتضحيات والبذل في ركاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ أو الإمام، أي كانت ولايةً تستتبع العمل وليست مجرد محبّة قلبيَّة خالية وكلامية! خاصَّةً إذا كانت محبةً لهم بعد وفاتهم التي لا تستتبع أعمالاً وخيراً، فليت شعري ما هي الأعمال العظيمة التي يقوم بها اليوم مدعو التشيّع لعليّ الذين يدّعون ولاءه ويفتخرون به؟ لمّا كان ذلك الإمام الهمام حيّاً وكان بحاجة إلى نصرة الناس لم يبذل له الولاء إلا قليلون وتقاعس عنه الكثيرون فما هي فائدة ادعاء الولاية اليوم وما الأعمال التي يستتبعها هذا الادعاء؟! ألم يقل رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) وهو يبيّن ولاية عليّ ويأخذ بها العهد على الناس: «...اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ اللَّهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ»(3)؟ فهل مراد النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ من الولاية هنا مجرد ولاية قلبية دون عمل؟!

إذن مسألة الولاية والشفاعة التي يُكثر القوم من التشبث بها اليوم ليست بعيدة عن مسألة محبة وشفاعة المسيح التي تشبَّث بها النصارى، ولا شك أن هذه العقيدة إن لم يكن النصارى قد أدخلوها بين المسلمين فعلى الأقل أيَّدوها وقوَّوْها إذ إنها تفتح أمام العامة مجال المعصية والفسق والفجور الذي ستكون نتيجته الحتمية الضعف والأسر للأمم الأخرى. وهكذا بدأ التوسع في مفهوم الشفاعة وانتشاره بصورة واسعة وجعل أئمة أهل البيت شفعاء الناس يوم القيامة إلى الحدّ الذي أصبحوا فيه تالين لِـلَّهِ والعياذ بالله تعالى!

إن مسلمي الصدر الأول كانوا يؤمنون بأن خالق العالم هو وحده صاحب القدرة والإرادة والمشيئة وأنه أكّد في عشرات من آيات كتابه أنه ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [الجاثية:15] وأنه ما خلق الناس عبثاً وأن كل إنسان سيجني حتماً نتائج ما كسبته يداه كما قال ربهم سبحانه: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [الجاثية:21-22].

 ولمّا كان وعيد الله وإنذاراته تتصدع لها القلوب فلا بُدّ من اللجوء إلى قوة موازية ليصبح الإنسان في أمان منها لأن الضعيف ليس بإمكانه أن يقاوم القوي، لذا لم يكن في ذهنهم أبداً اتخاذ أولياء من دون الله واللجوء إلى ما سواه أي إلى ما يسميه العوام اليوم «عزيز كردهء خدا» أي الأعزّاء لدى الله، أي الذين لديهم حظوة ومعزّة وجاه عند الله يمكنهم من خلالها أن يؤثروا على إرادة الله ويشفعوا لهم عنده ويحموهم من قوانينه وسننه الإلهية!

أمَّا المسلمون اللاحقون فوسّعوا مفهوم الشفاعة إلى درجة أصبح فيها أداء عمل سهل بإمكانه أن يؤمّنهم من كل تلك الإنذارات الإلهية ويضمن لهم الجنان والنعيم الأبدي، وبعبارة أخرى صار هذا المفهوم الجديد للشفاعة بمثابة نسخ كل الشريعة الإلهية وإلغاء فائدتها، وهو بالضبط ما يريده أعداء الإسلام.

إن مفهوم الشفاعة الجديد والمنحرف يبتني على استبدال السعي والمجاهدات والتضحيات والصبر على المكاره والأعمال الصالحة التي مرّ ذكرها باستعطاف قلب إنسانٍ مخلوق، من خلال مدحه وإطرائه وقراءة أنواع الثناء عليه وتملّقه والتمسّح بأعتابه - أو بالأحرى بأعتاب قبره - وطلب الشفاعة منه، فإذا فعل الإنسان ذلك نال شفاعته ولم يَعُد بحاجةٍ إلى التقيُّد بالحلال والحرام وإجراء الأحكام، وصار في غنىً عن بذل الروح والمال للدفاع عن حدود الإسلام وثغوره وعن مال المسلمين وعرضهم، والجهاد لأجل نشر راية الدين وتقديم الروح العزيزة في سبيل من هو أعزّ منها أي دين الله، لأن كل ذلك يمكن استبداله بعدّة قطرات من الدموع وبالدعاء والثناء والمحبة لعدد من أولياء الله المخلوقين مثله، محبَّة ليس لها أي انعكاس على صعيد العمل والالتزام لأن المحبوب فيها قد رحل عن الدنيا ولم يَعُدْ له أمرٌ ولا نهيٌ ولا إمكانيةَ أن يَطْلُبَ من مُحِبِّهِ شيئاً! أجل لقد وصل أعداء الإسلام إلى منتهى أملهم بأيسر طريق، ألم يحققوا بهذا الأمر مرادهم؟

1- لقد أغمدوا سيف الجهاد الذي كان برقه يذهب بأبصار الطواغيت وأعداء دين الله ويسقط عروشهم ويفتح الباب لدخول الناس فوجاً فوجاً في دين الله. إذ إنه عندما فُتِح للمسلمين باب الولاية بذلك الشكل والشفاعة بتلك الصورة، قُتلت فيهم روح البذل والبسالة فاستراح أعداء المسلمين من سيطرة الإسلام وحققوا بهذا انتقامهم من هذا الدين.

2- المسلمون الذين ما كانوا يجترئون أبداً على ارتكاب الإثم وإشاعة الفسق والفجور أصبحوا بفضل الاعتماد على شفاعة أولياء الله والاطمئنان إلى أن بإمكانهم بفضلها النجاة من النار والوصول إلى أعلى درجات الجنان بمجرد القيام ببعض الأعمال المبتدعة، لا يشعرون بالحرج إن ألمّوا بأنواع المعاصي والذنوب حتى الكبائر، وهذا ما نجده في كثير من بلدان العالم الإسلامي حيث انتشر التحلل من الدين وعدم احترام نظامه وتشريعاته، خاصة في بلادنا حيث نجد عدم اهتمام كثير من الناس بحدود الله وأوامره حتى أصبحنا أسوأ بكثير من عديدٍ من أمم العالم، هذا رغم أن مذهب شيعة أهل البيت يؤكد على التقوى ويوصي بالورع أكثر من أي مذهب إسلامي آخر. ولكن للأسف انتشر بينهم مفهوم الشفاعة المنحرف هذا، بسبب الدسائس المغرضة ودعايات السوء الشيطانية ووجود الغلوّ والغلاة بكثرة بين الشيعة أكثر من انتشارهم لدى سائر المذاهب وأشدّ، وذلك لأسباب كثيرة منها أنه بهذا الطريق يستطيع دعاة هذا المذهب المغالين أن يكرّسوا الانشقاق عن سائر المسلمين ويحاصروا مساعي الوحدة الإسلامية، ولا نستبعد أن يكون لأعداء الإسلام والدول الاستعمارية أياد خبيثة تدفع العلماء المغالين لكتابة كتب تفرّق بين طوائف المسلمين وتعمّق النزاع بينهم وتدفعهم لتشكيل مجالس تُبَثُّ فيها أفكار طائفية مفرّقة بما يحقق تمزّق المسلمين وبالتالي ضعفهم فيمكن السيادة عليهم حسب قاعدة «فرّق تسُد».

ونجد أنه عندما يقوم رجال مصلحون وينهض مفكرون إسلاميون نابهون لإصلاح هذا الخلل ورأب الصدع والسعي إلى الوحدة الإسلامية، يقوم أولئك العلماء الغلاة وأيادي الاستعمار المشبوهين بتوجيه التُهم إليهم وغالباً ما تؤثّر دعاياتهم المغرضة وتعرقل جهود المصلحين الإصلاحية.

 

+                +                 +


 

من أسباب نشر كتب الغلاة وترويج عقائد أهل الغلوّ

كلنا يعلم أن بعض شيوخ(4) الخليج الفارسي والجزيرة العربية الأثرياء أصبح لديهم، بفضل الثراء الذي لا حد له الذي نالوه بفضل اكتشاف النفط، قصوراً عظيمة وحريماً فيه أعداد من النساء حتى قيل إن بعض ملوكهم لما توفي أخيراً(5) خلّف أكثر من خمسين امرأةً، ومن المعلوم أن الزواج من أكثر من أربع نساء غير ممكن في الشرع، لاسيما أنه ليس لدى المسلمين من غير الشيعة الإمامية نكاح متعة، إذ يرى جميع المسلمين حرمته ويمنعوه، - بل حتى بعض فقهاء الشيعة الإمامية مثل الشهيد الثاني واستناداً إلى أحاديث واردة عن الصادِقَيْن كما في قرب الإسناد (ص 159 و161) لا يجيز الجمع بين أكثر من أربع نساء تحت أي عنوان سواء بنكاح دائم أم منقطع-، فإذا كان الأمر كذلك فلا يبقى مجالٌ لتأمين ذلك العدد من النساء إلا موضوع الإماء وما ملكت اليمين، ورغم أن الاسترقاق وبيع وشراء العبيد والإماء قد ولَّى منذ عهد بعيد، وأصبح ممنوعاً في العالم ويُعَدُّ من الجرائم، إلا أن هذا الأمر يتم بصورة سرية بين بعض شيوخ مشيخات الخليج، ولما لم يكن بالإمكان أخذ الإماء من أهل الكتاب لأن معظمهم اليوم أصبح لهم دول قوية واستقلال ومَنَعة، فلا يبقى إلا أخذهن من المشركين الذين حتى لو لم يكونوا محاربين فإنهم في نظر الإسلام وفقهاء العامة لا حرمة لهم ويمكن تأمين الإماء منهم.

لذا فإن إيران الشيعية الواقعة إلى جوار دول الخليج الفارسي تشكل منبعاً جيداً لأولئك الرؤساء والشيوخ لملء حريمهم، ولهذا نجد أن عدداً من تجار البشر في القرن العشرين يأتون كل عام إلى بلاد إيران ليخدعوا الفتيات ويصطادوهن لبيعهن في سوق النخاسة لأولـئك الشيوخ الأثرياء ويحصِّلوا من هذه التجارة أموالاً طائلةً، وأحياناً يتم هذا الخداع بصورة شرعية إذ يأتي مثلاً بعض الشباب من العرب أو من الإيرانيين ويخطب فتاةً بحجة أنه يرغب الزواج منها، ولكنه في باطن الأمر يعدها للبيع لأمراء البلدان العربية أصحاب الحريم!

فمن هذه الجهة، فإنه إضافةً إلى هدف الاستعمار المعروف الذي يسعى على الدوام إلى إثارة العداوة الطائفية بين الشيعة والسنة وجعلهم يصطفون في مواجهة بعضهم البعض عن طريق نشر الرطب واليابس من الكتب التي من شأنها أن تثير الاختلاف والتفرقة، وغالباً ما تُطبع أعدادٌ كبيرةٌ جداً من أمثال تلك الكتب التي تثير التفرقة وتؤجج العداوة والبغضاء وتجد للأسف استقبالاً لدى كثيرٍ من القراء، أقول إضافة إلى هذا الأمر فإن أولئك الأمراء الأثرياء العرب الباحثين عن الإماء، لهم مصلحة أيضاً في نشر كتب الغلاة من الشيعة بل يموّل بعضهم أحياناً نشرَ مثل تلك الآراء المفرطة في الغلوّ خاصَّةً كُتُباً مثل «امراء هستي وتجلي ولايت» (أي أمراء الكون وتجلي الولاية)، ومثل «عِلْمِ اِمام» (أي علم الإمام)، وأمثالها من الكتب الطافحة بالغلوّ والتي تشكل دليلاً جيداً لتكفير الشيعة واعتبارهم مشركين وبالتالي يصبح شراء بناتهن بوصفهن إماء مُبَرَّراً وأمراً مباحاً وحلالاً.

والعجب أنه كلما قام بعض الواعين الحريصين على مصلحة الأمة بالسعي لرفع الاختلاف وتقريب فريقي المسلمين الكبيرين الشيعة والسنة من بعضهما، قامت أبواق الاستعمار وشياطينُه المأمورون بتنفيذ مخططاته ومؤامراته باتهام دعاة التصحيح والإصلاح بأنهم وهابيون يتقاضون أجرهم من ابن سعود أو من حكومة مصر في حين أن الأمر ليس كذلك بل لو قيض للمذكورين أن ينشروا كتباً حول الشيعة فلن ينشروا سوى كتب من أمثال «أمراء هستي» (أي أمراء الكون)، أو «تجلي ولايت» (أي تجلي الولاية) وأمثالها من كتب الغلوّ المفرط التي ستكون مفيدة لمن يريد دليلاً جيداً على اعتبار جميع الشيعة مشركين واستباحة التصرف بأموالهم وناموسهم واتخاذ بناتهم سبايا وشراء فتياتهم من العراق وإيران كإماء يملؤون بهن قسم الحريم في قصورهم ويشبعون بهن شهواتهم وغرائزهم!

ومنذ أكثر من مئة عام كان لدينا نماذج لمثل أولـئك المشجعين على نشر أمثال تلك الكتب المغالية من بين بعض حكام أهل السنة، فقد قام حاكم بغداد زمن العثمانيين «عبد الباقي العمري» -وهو من أهل السنة- بتشجيع وحثّ السيد «كاظم الرشتي»(6) -الذي كان من أشد غلاة الشيعة غلوَّاً وصاحب كتاب «شرح القصيدة» وشارح «الخطبة التَّطْنَجِيَّة»(7) المكذوبة والطافحة بالغلوّ المحض- على نشر تلك الكتب! كما فعل ذلك أيضاً «علي رضا باشا» والي بغداد، لأنهم كانوا يعرفون أنه بانتشار مثل تلك الكتب سيجدون المبرر للهجوم على إيران واستباحة دماء أهلها وسبي نسائها وبناتها، والتاريخ القديم والمعاصر خير شاهد على ما نقول!

 

 

+                +                 +

 


 

نظرة تاريخية إلى مفهوم الشفاعة لدى الأمم السابقة

موضوع الشفاعة ذو سوابق تاريخية عريقة في الأمم الماضية والأديان الباطلة، إذ نجد هذا الموضوع في العقائد الأسطورية للإغريق وفي الديانة الزردشتية وفي الأديان المصرية القديمة وفي بابل وفي الديانة النصرانية وأخيراً لدى مشركي الحجاز وعُبّاد الأصنام العرب الذين كان لعقيدة الشفاعة لديهم أهميةٌ بالغةٌ وجذورٌ عميقةٌ بل تمثِّل هذه العقيدةُ الركيزةُ الأساسيةُ في ديانتهم الشركيّة.

وعلَّة ذلك أنه بعد إيمان البشر بوجود إلهٍ عظيمٍ كانوا يتصوّرون وجود آلهةٍ خاضعةٍ له ولكلٍّ منهم منصبٌ ودورٌ عُهد إليه في تسيير شؤون أمور العالم، فهو يقوم بتدبير شأن من شؤون الخليقة، فكان أولئك الوثنيون يصرفون وجوه العبادة والتذلل إلى تلك الآلهة، فمثلاً يطلبون -في أيام القحط- المطرَ من إله المطر، ويقدّمون له القرابين لرفع غضبه، ويقدّمون لإله النهر والبحار القرابين التي كانت أحياناً فتيات جميلات يرمون بهنَّ في نهر النيل جلباً لرضا إلهه وتفادياً لغضبه الذي يؤدي إلى طغيان مائه وطوفانه.

وهكذا كان هناك إلهٌ للحرب وإلهٌ للسلام..الخ، إلى أن جاء دين زردشت فعدّل الأمر ودعا إلى الإيمان بمدبِّرٍ واحدٍ للكون وصانعٍ للعالم «يزدان» وأن هناك إلهاً ثانياً هو إله الشرِّ «اَهريمن» والذي هو مصدر الشرور في العالم (الذي سيخضع لإله الخير في النهاية)، وبذلك أُحيلت جميع الآلهة الأخرى إلى التقاعد وتحوّلوا إلى ملائكة يعملون برتق وفتق أمور العالم بأمر (يزدان).

كما تطوّرت أساطير الإغريق حول الآلهة من خلال انتشار آراء الفلاسفة اليونانيين القدماء وتحوَّلت إلى القول بالعقول العشرة والأفلاك التسعة، وتلك الآلهة والملائكة والعقول والأفلاك رغم أنها أخلت مكناها -فيما بعد- لِـلَّهِ الواحد العظيم وأصبحت خاضعة لرئاسته إلا أنها بقيت محتفظة في مقامها الاختصاصي بنوع من الاستقلال لأن أساطير اليونانيين كانت تَعْتَبِرُ أن مبدأ الوجود الأول الذي فاضت عنه سائر الكائنات هو على درجة من التجرُّد والتعالي تجعله أرفع شأناً وأجلّ مرتبةً من أن يهتمّ بأمور الخليقة السُفلى ويشتغل بقضاياها من إحياء وإماتة ورزق وعطاء وسائر أمور وجزئيات العالم، لا بل يجلّ عن إدراك تلك الجزئيات! ولذلك فمثل هذه الأمور كانت من مسؤولية الملائكة والآلهة الصغيرة أو الوسطاء والشفعاء الذين ينبغي على الناس أن يتجهوا من خلالهم إلى الإله الكبير، لذا كان الناس الجاهلون في خوف ورجاء دائمَين من إعراض وإقبال تلك الآلهة، وقد ترك هذا أثره في مفهوم التشفُّع بالملائكة لدى عرب الجاهلية المشركين الذين كانوا يتصوَّرون تلك الملائكة العظام بوصفها بنات الله فيعبدونها رجاء منهم أن تشفع لهم عند الله وتقرّبهم إلى الله زُلْفَى، وقد نقلت لنا كتب أخبار وقصص العرب طرفاً من تلك العقائد فمثلاً يذكر الآلوسي في كتابه «بلوغ الأرب» (ص253/ج2) أن العرب كانوا يعتقدون أن حملة العرش أربع ملائكة كل واحد منها بشكل كائن ذي روح والذي في صورة آدم هو الذي يشفع للبشر والذي على شكل نسر هو الذي يشفع للطير!.

فمسألة شفاعة الملائكة ذات تاريخ قديم في الأديان الماضية، ولما وُجدت الأنظمة الملكية بين البشر ونشأت مؤسسةُ السلطنة والرئاسة وتقريبُ الأفراد وإبعادُهم ومكافأتُهم وعقابُهم، ثم تتطور الأمر إلى أن الأشخاص الذين كان السلطان أو رئيس العشيرة أو القبيلة يغضب عليهم يلتجئون إلى أقرباء وأعزّاء وحاشية السلطان أو الرئيس ويستفيدون من جاهه لدى السلطان ليحميهم من غضبه وسخطه، كانت النتيجة الحتمية لذلك أن تقع محبة الشفيع في قلب المتشفِّع فيكرمه ويخدمه.

فمنشأ الاعتقاد بهذه الشفاعة هو التعوّد على ما اعتاده البشر في أنظمة السلاطين الجبّارين الذين لديهم أشخاص مُدَلَّلُون ومُقَرَّبُون منهم يمكن لمن ارتكب إثماً واستحقَّ عقاباً أن يلجأ إليهم لينقذوه من غضب السلطان ويرفعوا عنه عقابه.

هذه العقيدة ذاتها سرت إلى المتدينين الذين تصور عوامُّهم أن الآلهة الصغيرة أو الأوثان المعبودة أو الملائكة العظام أو الأنبياء والأولياء لهم معزّة واحترام وجاه لدى الله على نحو يمكِّنهم من التوسط لديه والتأثير عليه ليغيِّر حكمه ويرفع عقابه، لذا لا بد من اللجوء إلى هؤلاء الشفعاء عند القحط والغلاء والتوسل إليهم ليشفعوا لمحبيهم وعابديهم عند الله حتى يرفع عنهم ذلك البلاء!. وكانت مثل تلك الشفاعة تُطْلَبُ في بادئ الأمر لأجل الأمور الدنيوية وإصلاح أمور المعاش ولم تكن لأجل الأمور الأخروية لأن عرب الجاهلية المشركين، الذين كان لموضوع الشفاعة في دينهم - كما ذكرنا - أهمية بالغة وانتشار واسع، لم يكونوا يؤمنون بالمعاد، فكانوا يعبدون الأصنام رجاء نفعها لهم في الدنيا وكشفها الضر عنهم ويبررون ذلك بأنها شفعائهم عند الله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس:18].

هذا وقد جاء في التواريخ المعتبرة أن منشأ عبادة الأصنام بين عرب الجاهلية يعود إلى «عَمْرَو بْنَ لُحَيّ» الذي كان من طبقة الأشراف في مكة و«خَرَجَ مِنْ مَكّةَ إلَى الشّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ فَلَمّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ - وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ، وَيُقَالُ عِمْلِيقُ بْنُ لَاوِذْ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ - رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا، فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا، ونَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا، فَقَالَ لَهُمْ أَفَلَا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَمًا فَأَسِيرَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ، فَيَعْبُدُوهُ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ «هُبَلُ» فَقَدِمَ بِهِ مَكّةَ، فَنَصَبَهُ وَأَمَرَ النّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ.»(8)، واستمر ذلك إلى الحدِّ الذي انتظر فيه المشركون وتمنَّوا من حضرة النبيِّ محمِّدٍ رسولِ الله أن يوافق على عبادة أصنامهم لأن شفاعتها مرجوَّة! كما هو مسطور في قصة «الغرانيق» حين نطق الشيطان بجملة «تلك الغرانيق العلا وإنَّ شفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجى» في إشارة إلى آلهتهم اللات والعُزَّى ومناة، ففضح الله إلقاء الشيطان(9)، فهذا يبين أن المشركين إنما كانوا يطلبون من تلك الأصنام الشفاعة في تيسير أمور حياتهم وتحسين شؤون معاشهم وكشف الضرّ والبلاء عنهم.

والأمر ذاته كان لدى المجوس في عقيدتهم بالملائكة الذين كانوا ينتظرون منهم الشفاعة والترّحم ليُمطر الله على الناس المطر وينبت الزرع والثمر، وكانت النصرانية هي الدين الوحيد الذي يتحدث عن الحياة بعد الموت ودخول ملكوت السماء، ومع ذلك فقد طرح موضوع الشفاعة أيضاً فيه بكل قوة ولكن بصورة مختلفة.

فآيات الشفاعة في القرآن التي تبيِّن أن الشفاعة موقوفة على إذن الله ومنوطة بمشيئته كثيرٌ منها يشير إلى تلك الشفاعة التي كانت الأمم الماضية لاسيما عرب الجاهلية يؤمنون بها لأجل حاجاتهم في الدنيا وإصلاح أمور معاشهم وذلك كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة:255] حيث جاءت هذه الجملة بعد قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة:255]، فلم يأتِ هنا كلامٌ عن الآخرة حتى يكون هدف الشفاعة غفران الذنوب فيها، وكذلك قوله تعالى: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [يس:23-24].

فهذه الآيات تنفي الشفاعة بمعنى قدرة غير الله على تدبير أمور السماء والأرض وإيصال الضرّ والنفع بدون إذن الله أي تلك الشفاعة ذاتها والتوسل والتوسط ذاته الذي كان الزردشتيون وأتباع الفلاسفة القائلون بالعقول العشرة ينتظرونه من الملائكة، وأهل الجاهلية ينتظرونه من أصنامهم وآلهتهم الملائكة أيضاً.

نعم إن القرآن الكريم يُصدِّقُ حقيقةَ أن الملائكة أُوكل إليها القيام ببعض شؤون الخليقة، مثل ملك الموت المأمور بتوفي نفوس العباد كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [السجدة:11]. أو قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ﴾ [الأنعام:61]، ومثل الملائكة التي أوكل إليها تدبير بعض الأوامر كما في قوله سبحانه: ﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ [النازعات:5]، أو قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴾ [الانفطار:10]، وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق:4]، ولكن أياً من هؤلاء الملائكة لا يمكنهم التصرف في الكون والمكان دون إذن من رب العالمين، وأكثرهم لا تصرف له أصلاً في أمور الخليقة كما نقرأ في سورة النجم قوله تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26] فالخطاب في هذه الآية موجه في الواقع إلى عُبّاد الأصنام الذين أشارت الآيات التي قبلها إلى أنهم كانوا يعبدون الملائكة وينحتون أصناماً على شكلها الذي يتصورونه وذلك في قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم:19-23]، كما أنها ذات علاقة بالشفاعة العامة والاستغفار الذي تقوم به الملائكة للمؤمنين.

وبعد أن ينفي اللهُ سبحانه وتعالى الشفاعةَ عن الملائكة إلا لمن يأذن له ويأمره بها بحق من يرتضيه، يقول عقب ذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم:27-28]، وهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة هم ذاتهم الذين وصفتهم الآية التالية من السورة ذاتها في قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [النجم:29]، فلم يكونوا يتوقعون من الملائكة الشفاعة في أمور الآخرة بل كانوا يظنون أنهم يشفعون لهم في أمور الدنيا وأحوال المعيشة. وقد ذمّهم الله تعالى بسبب اعتقادهم بتلك العقيدة وبيّن لهم أنه لا يوجد كائنٌ أياً كان يمكنه أن يتدخل - بدون إذن الله وأمره - في أمور الدنيا والآخرة. ويقول سبحانه في سورة الزمر: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزمر:43-44]، أي لا يجوز لأي إنسان أن يتّخذ شفيعاً فيتوجه إليه بالعابدة والدعاء من دون الله لأنَّ مُلْكَ السموات والأرض له وحده، وبالتالي فالتصرف بهما له وحده ولا يملك سواه حق التصرف فيهما، ثم يقول بعد ذلك مباشرة ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر:45]، ففي هذه الآية الأخيرة يظهر بكل وضوح وجلاء أن الوثنيين المشركين المستشفعين بالملائكة لم يكونوا يؤمنون بالآخرة وبالتالي فإن استشفاعهم بالملائكة كان لأجل الأمور الدنيوية.

وقد أجاب الله على هؤلاء بقوله: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزمر:44] فلمّا كان الملك والملكوت والسموات والأرض بيد الله وحده إذ هو خالق الكلّ ومدبِّر الكلّ فلا يحقّ لأحد أن يتطفَّل ويتدخَّل في ملكه تعالى ولمّا كان الأمر كذلك، فدعاءُ أيِّ كائنٍ سوى الله والاستمداد منه بحجة طلب الشفاعة منه شركٌ وعمل ضالٌّ ولا يغني عن صاحبه شيئاً إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه....

وإذا كان فريقٌ من الوثنيِّين يؤمنون ببقاء الأرواح بعد الموت فإنَّ كثيراً منهم ما كانوا يعتقدون بوجود حساب وكتاب وثواب وعقاب حتى يلتجئوا إلى الشفاعة لأجلها. إِذَنْ فالشفاعة في مذهب الوثنيِّين المشركين كانت منحصرة في الأمور الدنيوية، وهي شفاعة نفاها الله أو جعلها موقوفة على إذنه، فإذا كان لبعض الملائكة وظائف في عالم الكون بإذن الله وبأمره فإنهم لا يملكون فعل ذلك إلا ضمن أمره وإذنه واستناداً إلى حوله وقوته.

أما الشفاعة بشأن الجزاء الأخرويّ فلا توجد في القرآن المجيد أيّ آية أو جملة تدل بصراحة على وقوع شفاعة إنسان من بني آدم لأيِّ إنسان آخر يوم القيامة، بل على العكس تنفي آيات القرآن بشكل صريح وواضح أن يُغْنِيَ شخصٌ عن آخر شيئاً مطلقاً يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ [الدخان:41].

وكما يكرر تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ [البقرة:48]. ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ [البقرة:123]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254].

ولاحظ أن الآية الأخيرة تبتدئ بقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة:104] ثم تنفي كل صور الشفاعة والوساطة يوم القيامة ﴿ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ ﴾ [البقرة:254] مما يُبْطِلُ بشكل قاطع دعوى الذين يتصوَّرون أن نفيَ الشفاعة خاصٌّ بالشفاعة للكفار وعبّاد الأصنام أمّا المؤمنين فسيتمتَّعون يوم القيامة بشفاعة مستجدّة أخرويَّة.

ويؤكِّد هذا قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام:51] فلا شكِّ أن الذين يخافون أن يُحْشَرُوا إلى ربِّهم هم من المؤمنين الموحِّدين، ومع ذلك بيَّن تعالى بكل وضوح أنه ليس لديهم ذلك اليوم -أي يوم القيامة - وليٌّ ولا شفيعٌ.

 ويدلُّ عليه كذلك قوله تعالى بعدها: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ [الأنعام:70]. ففي كل تلك الآيات تم نفي الشفاعة بشأن الإنقاذ من العذاب الأخروي المستحق على نحو لم يترك لطامعٍ أيَّ مطمعٍ وعلى نحوٍ يجعل المؤمنين يائسين من هذا الباب كلياً.

نعم إن ما يتمسك به مدّعو الشفاعة بشأن الجزاء الأخرويّ هو ما جاء من استثناء عقب بعضِ الآيات القرآنية النافية للشفاعة كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ [مريم:86-87]، مع أن هذه الآية ذاتها تنفي الشفاعة، لأن الاستثناء الذي جاء في آخرها هو إما استثناء منقطعٌ والكلام بعده مستأنف معناه: لا يملكون الشفاعة ولا أحد ينقذهم ولا ينجو أحدٌ إلا من كان لديه عهدٌ عند اللهُ أن ينقذه من العذاب. وهذا العهد هو الذي قطعه الله على نفسه لأبناء آدم أن ينقذ من النار كلَّ من كان منهم موحداً صالحاً مُتَّبِعاً لهداية رُسُلِهِ فقال: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [يس:61](10).

أو يكون الاستثناء حقيقياً والمقصود به أنه إذا كان لدى المجرمين عهد فهذا سينقذهم ولكن لا وجود لمثل هذا العهد، وفي هذا إشارة إلى العهد الذي يدعيه المؤمِّلُون بالنجاة دون وجه حق وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة البقرة حين قال: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:80] أي أنه لو كان لكم عند الله عهدٌ بأنكم مهما عصيتم وارتكبتم من الآثام فإن الأنبياء والأولياء والملائكة سيشفعون لكم فتغفر لكم ذنوبكم ولا تُعذبون إلا أياماً معدودة، فإن الله سيفي بعهده ولكن الله لم يعط أحداً مثل هذا العهد.

والواقع أن القرآن الكريم ردّ مسألة الشفاعة (بمعنى التدخل في الآخرة لرفع العذاب عن مستحقيه) ردّاً شديداً كما بينَّاه إلى حدّ أنه لمّا نقل لنا قول الكفار في تبريرهم عبادة الملائكة بوصفها شفعاءهم عند الله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [يونس:18]، ردَّ ادعاءهم فوراً بقوله: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس:18]، أي أن الله تعالى لم يضع في ملكه نظام وجود شفعاء يتوسطون لرفع العقاب عن مستحقيه..... وهذا مَثَلُه كمثل من يخبرك بأن الشخص الفلاني شريك لك في بيتك وأثاثك فتجيبه وأنت الأعلم بأمور ممتلكاتك بأن لا علم لك بذلك! ثم يبين تعالى أنه منزه عن اتخاذ الشركاء مما يُنبئُ أن من يعبد سواه بوصفه من الشفعاء قد ارتكب الشرك وجعل لِـلَّه شركاء في أمره. وهذا عين ما يقع فيه جُهَّال الشيعة وغلاتهم بأئمتهم وبعض أتباع المذاهب الأخرى برؤسائهم الدينين.

 

+                +                 +

 


 

حقيقة الشفاعة الصحيحة ومفهومها في الكتاب والسنة

تُبَيِّنُ بعضُ الآيات الكريمة في القرآن أن أمر الشفاعة موكول إلى إذن الله الذي يأذن بها بحق من رضي عنه أي المؤمنين الموحدين وفي هذا الصدد يقول تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه:109] ونلاحظ أن كلمة تنفع فعل مضارع في حين كلمة أذن فعل ماضي أي أن الشفاعة لا تنفع في ذلك اليوم (أي يوم القيامة) إلا بحق الأشخاص الذين أذن لهم الله تعالى من قبل ورضي قولهم. وفي سورة سبأ يقول تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [سبأ:22-23] حيث يؤكد تعالى في هذه الآية أيضاً أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن سبق أن أَذِنَ له بها، ويوضح تعالى في موضع آخر مَنْ هُم هؤلاء الذين أَذِنَ لهم بالشفاعة فيقول: ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف:86] ونحوه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء:26-28]

أي أن الشفاعة إنما أذن بها الله بها لمن شهد بالحق ورضي قوله ممن يعلم حدود الشفاعة ووظائفها، وممن لا يسبق الله تعالى بالقول بل يعمل بأمره وينفذ مشيئته فلا يشفع إلا لمن أراد الله منه أن يشفع له، وهم من ارتضاه الله تعالى، ومن الواضح تماماً أن الذين يرتضيهم الله هم عباده المؤمنون الموحدون الخائفون منه الذين أسلموا له ووطَّنوا أنفسهم وبنوا حياتهم على أن يطيعوا أوامره وينتهوا عن نواهيه!

فإن قيل لقد نفت الآيات المذكورة سابقاً الشفاعة يوم القيامة وهنا أثبتتها ضمن الإذن الإلهي للشافع والرضا بشأن المشفوع له، فهل ثمة اختلاف وتناقض في هذا الأمر؟!

قلنا: لا تناقض في ذلك على الإطلاق وسنوضح هذا الأمر بالاستعانة بتوجيهات القرآن الكريم وهدايته التي تشكل مدد العقل والوجدان السليم إن شاء الله.

ذكرنا فيما سبق أن كتابنا السماوي المجيد لا توجد فيه حتى آية واحدة أو إشارة واحدة إلى «شفاعة» تحصل يوم القيامة من إنسان من بني آدم - نبيّ أو غير نبيّ- لإنسان أو أناس آخرين بهدف رفع الجزاء الأخروي أو تخفيفه، وكل الآيات التي وردت فيها كلمة «الشفاعة»- سواء كانت تثبتها أو تنفيها - ناظرةٌ إلى شفاعة الأصنام التي كانت آلهة معبودة للمشركين أو إلى الملائكة المدبِّرة لشؤون الخلق والمتصرِّفة بأمور السموات والأرض طبقاً لأمر الله ومشيئته، وهاتان الطائفتان (الأصنام المعبودة والملائكة) كلاهما ليس من الإنس؛ فبالتأمل الدقيق والتعمّق في آيات القرآن الكريمة يتبين أنه لم تأت كلمة «الشفاعة» أومشتقاتها في الكلام عن إنسان «يشفع» يوم القيامة لإنسان آخر لينقذه من العذاب، والآيات الوحيدة التي يمكننا أن نستنبط منها شفاعة إنسان لإنسان آخر هي الآيات التي ورد فيها استغفار المؤمن للمؤمنين سواء كان المؤمنُ المستغفِرُ نبياً أو غير نبيّ، فشفاعة الإنسان للإنسان هي هذا الأمر فقط! وحتى شفاعة الملائكة أيضاً هي في الواقع استغفار للمؤمنين أي طلبٌ لمغفرة ذنوبهم والرحمة بهم.

وهذا المعنى يدل عليه - إضافة إلى العقل والوجدان - صريح آيات الكتاب كما سيأتي بيانه، ونصوص الأحاديث الصحيحة التي رواها الفريقان كما يلي:

1- جاء في كتاب «الأمالي» للشيخ الصدوق عليه الرحمة بسنده «عن الحسين بن علوان عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عن آبائه قال قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ: ما من مؤمن أو مؤمنة مضى من أول الدهر أو هو آت إلى يوم القيامة إلا وهم شفعاء لمن يقول في دعائه: «اللهم اغفِر للمؤمنين والمؤمنات». وإن العبد ليؤمر به إلى النار يوم القيامة فيسحب فيقول المؤمنون والمؤمنات: يا ربنا! هذا الذي كان يدعو لنا فشفِّعْنا فيه فيشفِّعُهُم الله فيه فينجو.»(11). فشفاعة المؤمنين لبعضهم بعضاً هي استغفارهم لبعضهم بعضاً ومنه استغفار المؤمن لأربعين مؤمن في صلاة الليل أي شفاعته لأربعين مؤمن، كما جاء استحباب ذلك في الأخبار.

2- وروى الصدوق في «علل الشرائع» و«عيون أخبار الرضا» عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا عليه السلام قال: «فإن قيل فَلِمَ أُمِرُوا بالصلاة على الميت؟ قيل ليشفعوا له ويدعوا له بالمغفرة لأنه لم يكن في وقت من الأوقات أحوج إلى الشفاعة فيه والطلبة والدعاء والاستغفار من تلك الساعة..»(12)

أجل لمّا أصبح الميت في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة وكان المؤمنون الأحياء عالمين بأعماله وأخلاقه فإنهم يسألون له المغفرة والرحمة فهذا هو مقصود حضرة الإمام من الشفاعة أي أن حسن الأعمال دافع لاستغفار المؤمنين له.

3- ويقول المرحوم «الطريحيّ» في «مجمع البحرين» ذيل كلمة «شفاعة»: المراد بالشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم.

وفي حديث الصلاة على الميت «وإن كان المستضعف بسبيلٍ منكَ فاستغفرْ له على وجه الشفاعة منك لا على وجه الوَلاية.». ويقصد بالمستضعف غير الشيعيّ أي أنك تستغفر له لأنه مسلم فتشفع له بهذا الاستغفار.

4- ويروي الملّا الفيض الكاشاني في تفسير «الصافي» ذيل تفسيره للآية الكريمة ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ [النساء:85] حديثاً من أصول الكافي عن حضرة زين العابدين بن علي بن الحسين عليهم السلام يؤيد المعنى الذي ذكرناه للشفاعة بأنها الاستغفار.

5- ويروي الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه»، في بَاب الصَّلَاةِ عَلَى المَيِّتِ حديثاً عن الصادق عليه السلام هو ذلك الحديث ذاته الذي أشار إليه الطريحيّ بأنَّ الشفاعة هي دعاء المؤمنين لبعضهم بعضاً، جاء فيه: «..وَإِنْ كَانَ المُسْتَضْعَفُ مِنْكَ بِسَبِيلٍ فَاسْتَغْفِرْ لَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّفَاعَةِ مِنْكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَلَايَةِ»(13).

6- ويروي الشيخ «الكُلَيْنِيُّ» في كتاب «الكافي»/بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ، بسنده «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ هَذِهِ النَّفْسَ وَأَنْتَ أَمَتَّهَا تَعْلَمُ سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا أَتَيْنَاكَ شَافِعِينَ فِيهَا فَشَفِّعْنَا اللَّهُمَّ وَلِّهَا مَنْ تَوَلَّتْ وَاحْشُرْهَا مَعَ مَنْ أَحَبَّتْ.»(14).

7- وفي الكتاب ذاته، بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِ وَعَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ بسنده «عَنْ ثَابِتٍ أَبِي الْمِقْدَامِ قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فَإِذَا بِجَنَازَةٍ لِقَوْمٍ مِنْ جِيرَتِهِ فَحَضَرَهَا وَكُنْتُ قَرِيباً مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ هَذِهِ النُّفُوسَ وَأَنْتَ تُمِيتُهَا وَأَنْتَ تُحْيِيهَا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسَرَائِرِهَا وَعَلَانِيَتِهَا مِنَّا وَمُسْتَقَرِّهَا وَمُسْتَوْدَعِهَا اللَّهُمَّ وَهَذَا عَبْدُكَ وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُ شَرّاً وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ وَقَدْ جِئْنَاكَ شَافِعِينَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَوْجِباً فَشَفِّعْنَا فِيهِ وَاحْشُرْهُ مَعَ مَنْ كَانَ يَتَوَلَّاهُ»(15).

8- ويروي صاحب «جواهر الكلام» في كتاب الصلاة نقلاً عن «من لا يحضره الفقيه»/باب الصلاة على الميت حديثاً عن حضرة الإمام الباقر عليه السلام يقول فيه: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أُعْطِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرْبَعَ شَفَاعَاتٍ ولَمْ يَقُلْ شَيْئاً إِلَّا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَلَكَ مِثْلُ ذَلِكَ»(16).

9- ويقول العلامة الحليّ رحمة الله عليه في «تذكرة الفقهاء» (ص45): «والصلاة على الميِّت استغفارٌ وشفاعةٌ»، ويؤيِّدُ ذلك الحديثُ الذي أورده المرحوم الشهيد الأول في كتابه «الذكرى» عن الإمام الرضا عليه السلام قال: «إمَامُكَ شفيعُك إلى الله عزّ وجلّ فلا تجعل شفيعَك سفيهاً ولا فاسقاً».

10- ويروي المرحوم الحاج النوري الطبرسيّ في «مستدرَك الوسائل» (ج2/ص292): «الشَّرِيفُ الزَّاهِدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّعَازِي، بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ يَقُولُ: لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَيَشْفَعُونَ فِيهِ إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ».

تلك كانت عشرة روايات من كتب الحديث لدينا تشعر بأن شفاعة المؤمنين بحق بعضهم بعضاً وشفاعة النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلهِ) بحق الأمّة هي الاستغفار الذي يتم في هذه الدنيا ويتجسّم في الآخرة فينتفع منه المشفوع له، وهناك أحاديث أخرى كثيرةٌ تدلّ على هذا المعنى نكتفي بما ذكرناه، وقد جاءت روايات في كتب العامّة في نفس المعنى وسنذكر فيما يلي نماذج منها ليتيقَّن القارئُ أن الشفاعة التي تنفع في الآخرة هي الشفاعة ذاتها التي تتم بحق شخص في هذه الدنيا ويستحقها ذلك الشخص:

1- أخرج مسلم في صحيحه: «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ أَوْ بِعُسْفَانَ فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ النَّاسِ قَالَ فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدْ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: تَقُولُ هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَخْرِجُوهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ باللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللهُ فِيهِ»(17).

2- وأخرج النسائي في السنن بسنده: «عَنْ أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً يَشْفَعُونَ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ. قَالَ سَلَّامٌ فَحَدَّثْتُ بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم»(18).

3- وأخرج مسلم في صحيحه بسنده «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ. قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ فَقَالَ حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم»(19).

4- وأخرج النسائي في سننه بسنده «عن إِسْحَقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكَّارٍ الْحَكَمُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَبُو الْمَلِيحِ عَلَى جَنَازَةٍ فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَلْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ قَالَ أَبُو الْمَلِيحِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ وَهُوَ ابْنُ سَلِيطٍ عَنْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ مَيْمُونَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: أَخْبَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ النَّاسِ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ، فَسَأَلْتُ أَبَا الْمَلِيحِ عَنْ الْأُمَّةِ فَقَالَ أَرْبَعُونَ». ورواه كذلك الإمام أحمد في مسنده: ج6/ص 331 و334.

5- وأخرج ابن ماجه في سننه والإمام أحمد في مسنده بسندهما «عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هَلَكَ ابْنٌ لِعَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لِي: يَا كُرَيْبُ! قُمْ فَانْظُرْ هَلْ اجْتَمَعَ لِابْنِي أَحَدٌ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ: وَيْحَكَ كَمْ تَرَاهُمْ أَرْبَعِينَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ هُمْ أَكْثَرُ. قَالَ: فَاخْرُجُوا بِابْنِيَّ فَأَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ مُؤْمِنٍ يَشْفَعُونَ لِمُؤْمِنٍ إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللهُ»(20).

فهذه الأحاديث التي يتفق عليها جميع أئمة الحديث من أهل الإسلام تُظهر أن الشفاعة هي الاستغفار الذي يؤديه المؤمنون لشخص مؤمن لاسيما أثناء صلاة الجنازة على الميت وذلك لأنهم في الدنيا يشهدون أعمال بعضهم البعض ويفرّقون إلى حد ما بين الصالح والطالح فيطلبون الغفران والرحمة لمن يجدوه أهلاً لذلك أي يشفعون له.

ولقد تفطَّن إلى ذلك العلامة فخر الدين الرازي - من علماء العامَّة- في تفسيره الكبير «مفاتيح الغيب» (ج1/ص35) فقال: «قوله تعالى لمحمد : ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات ﴾ [محمد: 19] دلَّت الآية على أنه تعالى أمَرَ محمداً بأن يستغفرَ لكلِّ المؤمنين والمؤمنات......... ولا معنى للشفاعة إلا هذا»، أي فذلك الاستغفار الذي أمر الله تعالى به نبيَّه هو شفاعته للمؤمنين.

وهذه الحقيقة تؤيدها وتبيِّنُها الروايات الواردة عن أئمة الإسلام: فقد روى المرحوم الشيخ الطوسي في تفسيره القيّم «التِبيان» (ج1/ص443، طبع طهران): ذيل تفسيره للآية الكريمة سورة النساء التي تقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء:64]: «.... وذكر الحسن في هذه الآية: أن اثني عشر رجلاً من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق وائتمروا به فيما بينهم، فأخبره الله بذلك، وقد دخلوا على رسول الله، فقال رسول الله: إن اثني عشر رجلاً من المنافقين اجتمعوا على أمرٍ من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فليقم أولئك فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى اشفع لهم. فلم يقم أحد!. فقال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): ألا تقومون؟ مراراً. ثم قال: قم يا فلان وأنت يا فلان، فقالوا يا رسول الله! نحن نستغفر الله ونتوب إليه، فاشفع لنا. قال الآن أنا كنت في أول أمركم أطيب نفساً بالشفاعة، وكان الله تعالى أسرع إلى الإجابة أخرجوا عني، فأُخْرِجُوا عنه حتى لم يرهم.»(21)

فهذه القصَّة دليلٌ واضحٌ على أن الشفاعة هي الاستغفار، وليس في الآخرة بل الاستغفار في هذه الدنيا، كما تشير إليه بعض الأحاديث الشريفة، لا بل تصرّح بأن نبيَّ الإسلام (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) إنما يشفع للمؤمنين الذين رضي الله عنهم في الدنيا وليس يوم القيامة وإن كانت نتيجة تلك الشفاعة ستعود فائدتها إلى المشفوع له يوم القيامة، ومن جملة ذلك ما رواه علي بن إبراهيم القمي (أستاذ الكُلَيْنِيّ) في تفسيره ذيل تفسيره لقوله تعالى ﴿ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ بسنده عن الإمام عليه السلام أنه قال: «قال لا يشفع أحدٌ من أنبياء الله ورسله يوم القيامة حتى يأذن الله له إلا رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) فإن الله قد أذن له في الشفاعة من قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمة من ولده، ثم بعد ذلك للأنبياء عليهم السلام»(22). وسنوضح هذه النقطة أكثر فيما بعد إن شاء الله.

وهناك نوعان من الشفاعة في القرآن الكريم كلاهما يتم بالطبع بإذن الله تعالى:

1- الشفاعة في الأمور الطبيعية وشؤون الخليقة التي تتم بواسطة القوى التي أوْكَلَ اللهُ تعالى إليها بعض المهام في تدبير شؤون العالم، مثل الإحياء والإماتة والمطر والقحط والوفرة والمرض والصحة وغيرها، وهي الشفاعة ذاتها التي كان يعتقد بها المشركون والوثنِيُّون ويلتمسونها من أوثانهم وملائكتهم والموجودات الروحانية والسماوية حيث يطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند الله ليعينهم في القضايا المذكورة، وعلى كل حال مثل تلك التصرفات للملائكة وقوى العالم الروحاني رغم أنها موجودة في عالم الإمكان إلا أنها لا تتصرف في شؤون الكائنات إلا بإذن خالق البريات وأمره كما مرَّ معنا في الآيات سابقة الذكر (فلا يجوز دعائها لأجل ذلك بل يجب أن يُدعى الله وحده الذي بيده ملكوت كل شيء).

2- الشفاعة في أمور الآخرة أي في غفران الذنوب والتجاوز عن السيئات ورفع الدرجات يوم القيامة، والقرآن ينفي حصول مثل هذه «الشفاعة» بهذا اللفظ والمسمَّى يوم القيامة ويؤكد مراراً أنَّ يومَ المحشر يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلّةٌ ولا شفاعةٌ كما جاء في عديد من الآيات التي سبق ذكر بعضها.

نعم يذكر القرآن شفاعةً يمكنها أن تنفع بعض المؤمنين يوم القيامة وهم المؤمنون الذين رضي الله عنهم وأَذِنَ بأن يُشفع لهم، لذا يقوم النبيُّ أو الملائكة بالاستغفار للمؤمنين حال حياتهم في هذه الدنيا مما ينفعهم في الآخرة وينجيهم من عذابٍ موعودٍ أو يخففه عنهم، أو يوجب رفع درجاتهم في الجنة، ولكن مثل هذه الشفاعة مشروطة بثلاثة شروط وتعتمد على ثلاثة أصول:

- الشرط الأول: أن يكون المشفوع له من المؤمنين لأن الاستغفار لغير المؤمنين لا فائدة منه إطلاقاً كما جاء في قوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة:80]، وقوله سبحانه: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة:113].

- الشرط الثاني: أن يكون المشفوع له -إضافةً إلى كونه مسلماً ومؤمناً - مستحقاً للشفاعة ولائقاً بها وبالتالي أن يرتضيه الله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ كما قال سبحانه: ﴿ ...وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء:28] و﴿ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طـه:109].

- الشرط الثالث: أن هذه الشفاعة موقوفةٌ على إذن الله تعالى ومشيئته كما أشارت إليه الآية الأخيرة وكما تشير إليه آيات عديدة أخرى كقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ... ﴾ [سبأ:23].

فالشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا من تحققت فيه الشروط الثلاث المذكورة.

أما الأصول الثلاثة لشفاعة النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لأفراد الأمة أو شفاعة المؤمنين لبعضهم البعض فهي: (1) المؤمن           (2) المأذون بالشفاعة           (3) مورد الشفاعة

الأصل الأول: الإيمان، أي إيمان المشفوع له، وتدل عليه آياتٌ عديدةٌ كقوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ [محمد:19]، وقوله سبحانه: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ [آل عمران:159]، وقوله عزَّ من قائل: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور:62] وقوله تعالى: ﴿ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ﴾ [الممتحنة:12]، وقوله تعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة:103].

وفي مقابل ذلك نهى الله نبيه عن الاستغفار للمشركين أو الكفار والمنافقين كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة:113]، وقوله تعالى قبل ذلك في السورة ذاتها: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة:84].

وأما الأصل الثاني والثالث فقد دلت عليهما الآيات المذكورة ذاتها لأن إِذْنَ اللهِ تعالى هو أمره لنبيه بالاستغفار للمؤمنين وأمره للمؤمنين بالاستغفار لإخوانهم والمؤمن لا بد أن يكون مرضياً من الله وقابلاً للشفاعة ومستحقاً لها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أنه في كل موضع في القرآن الكريم أُوكل فيه أمر الشفاعة لإذن الله جاءت لفظة الإذن بصيغة الفعل الماضي أي «أَذِنَ» حتى لو كانت كلمة «شفع» أو «نفعها» بالمضارع، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه:109] و﴿ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [سبأ:23].

فالآيتان تدلان أن الشفاعة لا تنفع إلا لمن سبق له الإذن من الله وهذه هي الحقيقة ذاتها التي بيناها من أن الشفاعة هي التي أَذِنَ اللهُ بها وأَمَرَ بها خلال الحياة الدنيا وقام بها النبي والمؤمنون وظهر نفعها في الآخرة، وإلا فإن حصول شفاعة متجدِّدة يوم القيامة بتلك الصورة التي تصورها المغرورون لا وجود لها. هذا ومن الجدير بالذكر أنه ربما تمت مثل هذه الشفاعة في الدنيا مِنْ قِبَلِ النبيِّ أو المؤمنين أو الملائكة لأشخاصٍ ظاهرهم غير باطنهم أي ما كانوا جديرين بها، فهؤلاء لن ينتفعوا بها يوم القيامة، كما جاء في عدد من آيات الكتاب الحكيم كقوله تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر:48] وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ [البقرة:123]، وقوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة:80]، وقوله عز من قائل: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المنافقون:6].

إذَنْ من الممكن أن يستغفر النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) والمؤمنون لمن ظاهره الإيمان دون أن يعلموا ما في باطنه من الكفر، فمثل هذا الاستغفار والشفاعة لن تجدي ذلك المنافق نفعاً كما لم تجدِ شفاعة نوح عليه السلام لابنه ولا شفاعة إبراهيم عليه السلام لأبيه (قبل أن يتبين له موته على الكفر فيتبرأ منه).

وكما ذكرنا سابقاً لم يأتِ في كتاب الله تصريحٌ واضحٌ ولا حتى لمرة واحدة بأن عمل «الشفاعة» سيقوم به، يوم القيامة، إنسانٌ من بني آدم - أيَّاً كان- للناس الآخرين، بل كل ما جاء من ذكر لكلمة «الشفاعة» إنما كان الكلام فيه عن الملائكة سواء كان التشفّع لأجل الأمور الدنيوية أو يوم القيامة للأمور الأخروية. وتوضيح ذلك كما يلي:

ذكرنا سابقاً الآيات القرآنية الكريمة التي تثبت شفاعة الملائكة في أمور الخليقة وأما شفاعتهم في أمور المعاد والآخرة فقد جاءت في القرآن الكريم آياتٌ تؤيد تلك الشفاعة كقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء:26-28]، وقوله تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26].

فالشاهد أن لفظة «الشفاعة» لم تأت في القرآن الكريم إلا للملائكة سواء كانت شفاعتهم في أمور الخليقة أم في أمور يوم القيامة مع العلم أن كلا النوعين من الشفاعة موقوف على الإذن السابق لله تعالى ومشيئة ربّ العالمين.

وشفاعة الملائكة في أمور الآخرة هي استغفارهم للمؤمنين وليس كما يظنه المشركون الغلاة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر:7]، وقوله سبحانه: ﴿ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الشورى:5].

فالتَشَفُّعُ يتمُّ بواسطة الاستغفار وطلب العفو والرحمة. وهنا تجدر الإشارة إلى نقطتين:

الأولى: أن شفاعة الملائكة لأهل الأرض نابعة من فطرة الملائكة التي هي الخير المحض فلا تريد الملائكة لأهل العالم إلا كل خير وصلاح وهناك عدة روايات تؤيد هذا المعنى.

الثانية: أنَّ الملائكةَ المقربين من الله مثلَ حملة العرش والذين هم حول العرش، لا يستغفرون إلا للمؤمنين أما الملائكةُ الآخرونُ فيستغفرونَ لعامَّة أهل الأرض رغم أن استغفارهم هذا لن ينفع إلا من ارتضاهم الله من العباد وهو المعنى الذي يُستَنبط من الآية 26 من سورة النجم: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26] ومن قوله تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر:48].

وإذا اتضحت هاتان النقطتان فإنَّ هناك عدة أمور تنتج عنهما هي التالية:

1- لا وجود أبداً للشفاعة بذلك المعنى الذي يعتقده الغلاة يوم القيامة من أن النبي أو الإمام سيحتم على الله يوم القيامة بما له من الجاه العظيم عنده سبحانه، فيشفع للمجرمين والعصاة المصرين على كبائر الآثام والمستحقين لوعيد الله وعذابه ويضمن لهم بذلك رفع العذاب وينقذهم من نتائج أعمالهم، بل حتى شفاعة الصالحين لا تتم في مثل ذلك اليوم إذا لم تكن قد تمّت من قبل، أي إذا لم يكن قد أذن الله بها من قبل! وما جاء خلاف ذلك من روايات وأخبار فهو من نسج خيال الوضاعين الذين أغوتهم شياطين الإنس والجن ليجرِّئوا المجرمين والمترفين على معصية الله وتجاوز حدوده ويسوقوا أمة الإسلام بذلك إلى مهاوي الذل والهوان كما حصل ذلك فعلاً!.

2- استُعملت كلمة الشفاعة في القرآن الكريم -سواء كانت الشفاعة يوم المعاد أو الشفاعة في أمور الدنيا- بشأن الملائكة الذين وظَّفهم الله تعالى بالقيام ببعض أمور الخليقة والطبيعة، وهؤلاء لا يمكنهم أن يقوموا بعمل من الأعمال التي أوكلت إليهم دون إذن ومشيئة من الله ودون حول الله وقوته فليس لهم استقلال في أي أمر من الأمور ولا لهم اعتماد على إرادتهم المستقلة في أي شيء من الأشياء.

وأما شفاعتهم في أمر الآخرة فهو الاستغفار للمؤمنين أو لعامة أهل الأرض الذي يتم في الحياة الدنيا وأمره موكولٌ إلى الله إن شاء قبله وإن شاء لم يقبله.

3- لا توجد في القرآن الكريم آيةٌ تنصُّ بصراحةٍ على وجود شفاعة الإنسان للإنسان يوم القيامة وفائدتها له، سواء كان الشفيع نبياً أو إماماً أو مؤمناً، بل إن آيات الكتاب تنكر مثل هذه الشفاعة وتؤكد أن ذلك اليوم لا تملك فيه نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمرُ يومئذٍ لِـلَّهِ وحدَه وأن ذلك اليوم لا تنفعُ فيه شفاعةٌ ولا يغني فيه أحدٌ عن أحدٍ بل كلُّ نفسٍ ستكونُ رهينةً لأعمالها التي كسبتها في هذه الحياة الدنيا، وإذا أردنا أن نستنبط من القرآن الكريم إرادة خير وتشفُّع يقوم به إنسان لإنسان آخر فسنجد أنه الاستغفار الذي قام به النبيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لبعض المؤمنين من أمته عملاً بأمر الله تعالى أو هو استغفار المؤمن للمؤمن وطلب الرحمة له في هذه الدنيا التي هي دار عمل ومحل عبادة وطاعة، أما غير ذلك فلا يجرؤ أحد يوم القيامة على الكلام أمام الله تعالى وحمله على تغيير حكمه وثنيه عن إنزال ما أوجبه من عذاب على مستحقيه من العباد كُلٌّ بحسب أعماله، كيف وهو يعلم أنه لن تنفع أحد شفاعةٌ ولن يُؤخذ من أحدٍ فديةٌ ولا هم يُستعتبون، بل كل امرئ سيكون مشغولاً بنفسه وغافلاً عن غيره.

4- ليس قبولُ الله ِ تعالى للشفاعةِ والاستغفارِ الذي تقوم به الملائكة أو النبيُّ والمؤمنون للآخرين ليس حتمياً إلا إذا وقع على مستحقه أي كان المشفوع له مؤمناً صادق الإيمان مرضياً من الله، وذلك لأن الملائكة حاملي العرش وكذلك الأنبياء والمؤمنين لا يعلمون على نحو اليقين أن من يستغفرون لهم مؤمنون مرضيون من الله، خاصة أن الملائكة حسب فطرتهم ملهمون إلى الخير المحض فلا يظهر منهم إلا تمني كل خير لكل أهل الأرض، على عكس الشياطين الأشرار بطبيعتهم فلا يريدون لأهل الأرض إلا الشرّ والسوء، فاستغفار أولئك الملائكة مَثَلُهُ مثل مطر الرحمة الذي يهطل على الأرض ولكن لا تنتفع منه إلا الأرض الخصبة كذلك استغفارهم لا ينتفع منه إلا من كان جديراً به وقابلاً له، وكذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ الذي أكد لنا القرآنُ الكريمُ أنه لا يعلم الغيب ولا يعلم جميع المنافقين من أهل المدينة وما حولها كما قال سبحانه: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [التوبة:101]، قد يستغفر لأناس مردوا على النفاق لكن شفاعته هذه لن تفيدهم شيئاً لأنهم ليسوا ممن ارتضاه الله.

5- إن هذه الشفاعة الصحيحة التي أوضحناها تستلزم أن يسعى كل مؤمن يرجو الخلاص يوم القيامة للإكثار ما استطاع من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة لكي يستحق استغفار الملائكة والمؤمنين ويكون جديراً بشفاعتهم وطلبهم من الله تعالى الرحمة له ولكي يقبل الله تعالى استغفارهم وشفاعتهم في حقِّه ويتغمده برحمته ومغفرته.

6- ومثل هذه الشفاعة هي في الحقيقة نتيجةٌ لعمل الإنسان ذاته الذي يصبح من خلال تكراره للأعمال الصالحة ومداومته على الأخلاق الفاضلة مستحقاً لنيل مثل هذا الفيض وذلك خلافاً للشفاعة بمفهومها الخاطئ التي تورث الغرور والتي يتصور صاحبها أنَّ تقرّبه ومغالاته بحق النبي أو الإمام ستنيله شفاعتهما التي ستقبل حتماً ولو كان المشفوع له من الآثمين المجرمين الذين لم يكونوا يراعون لِـلَّهِ حرمةً ولا يتورَّعون عن الكبائر والموبقات وماتوا مصرِّينَ عليها، والذين مصيرهم الذي يستحقونه في الأساس أن يكونوا حطباً لجهنَّم! فلعمري ما ظنّ أولئك إلا غرورٌ من الشيطان.

7- إن شفاعة الملائكة والنبي والمؤمنين التي وصفناها بأنها الاستغفارُ للمؤمنين في الدنيا، تتجسم يوم القيامة الذي تتجسم فيه الأعمال، فيظهر الشفعاء والمشفوع لهم في عرصات القيامة، سواء الذين قُبلت الشفاعة فيهم أو الذين لم تقبل، وهنا يتحسر المنافقون والمجرمون الفاجرون على عدم قبول شفاعة النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) والمؤمنين بشأنهم وهو ما تشير إليه الآية التي سبق وأوردناها من سورة المدثر في قوله تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر:48].

لقد ظهر مما بيناه وأوضحناه أن الشفاعة الرائجة اليوم على ألسنة وأفواه خطباء المنابر لا أساس لها من الحقيقة وهي الغرور الشيطاني ذاته الذي كان في الأديان الباطلة المنسوخة قبل الإسلام كاليهودية والمسيحية وغيرها والتي روجها الشيطان بين أتباعها ليضلهم عن سبيل الله واتبع سننها كثيرون في أمة الإسلام وكانت نتيجة ذلك ما نعلمه ونشهده من ذلّة وانحطاط نتيجة لإتباع الشهوات وتعدي حدود الله والتخلف عن أوامره وانتهاك محرماته مما هو مشهود بين المسلمين عامة وبين الشيعة خاصة الذين راج فيهم كثيراً هذا المفهوم المنحرف للشفاعة الذي يورث الغرور.

إن الشفاعة التي جاءت في الإسلام وبينها القرآن لا تجرِّئ أحداً على المعصية ولا تورثه الغرور وليس هذا فحسب بل هي بحد ذاتها أفضل دافع ووسيلة مؤثرة للقيام بالأعمال الصالحة والتخلق بالأخلاق الفاضلة التي تجعل المؤمن مستحقاً لدعاء إخوانه المؤمنين له بالمغفرة والرحمة والذي يتقبله الله ويساعده إن كانت أعماله الصالحة غير كافية للنجاة من العذاب أو يساعده في رفع درجاته في الجنة.

والنقطة ذات الأهمية البالغة التي تستحق الانتباه الدقيق من القرَّاء الكرام هي ما ذكرناه أنه كلما ذُكرت الشفاعة في يوم القيامة جاء معها كلمة «أَذِنَ» بصيغة فعل الماضي أي أنه لا بد أن يكون الإذن بالشفاعة قد تمَّ إعطاؤه سابقاً حتى ينتفع بها المؤمن وبالتالي فإن ما ينتظره المؤمن يوم القيامة هو «نفع الشفاعة» وليس «وقوع الشفاعة» والآيات الكريمة تدلُّ على هذا المعنى بوضوح وتصرّح بأنه لن تحصل يوم القيامة شفاعةٌ ولو وقعت -على سبيل فرض المحال- فلن تفيد ولن تُقبَل، وإنما قلنا على سبيل فرض المحال لأن القرآن قرنها بأعمال هي من المحالات ليبيِّنَ لنا أنه حتى وقوع المحالات لن يكون نافعاً ولا مقبولاً، فقرن عدم نفعها بعدم نفع إعطاء الفدية ولا نفع تقديم كل ما لدى الإنسان من مال ولو كان الدنيا وما فيها وبعدم نفع صداقة الخلّان، فقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ [البقرة:48] وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254]، وقال: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ [الأنعام:70]. فمن الواضح أنه لا يوجد يوم القيامة تقديم فدية ولا عدل حتى يقبل أو لا يقبل، ومثله قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء:88-89] مع أنه لا مال يوم القيامة ولا بنون يمكن تقديمهم حتى ينتفع بذلك الإنسان أو لا ينتفع، أي أن الله يريد أن يقول حتى لو كان هناك بفرض المحال مالٌ أو بنون يوم القيامة أو مجالٌ لتقديم فِدْيَة أو الافتداء بتقديم أموال لدنيا وما فيها أو الاستفادة من شفاعة صديق خليل فإنها لن تنفع ولن تُقبل.

والشفاعة الوحيدة التي تنفع وتُقبل هي أن يرى الله تعال عبده في الدنيا قد قام بالأعمال الصالحة التي جعلته مرضياً عند الله عندئذ تستغفر له الملائكة والأنبياء والمؤمنون أي يطلبون له الغفران والرحمة، وهذا الاستغفار هو الشفاعة التي ستنفعه يوم القيامة وتُوجب غفران سيئاته أو رفع درجاته وأكبر دليل على ذلك هو مجيء الإذن الإلهي بصيغة الماضي أي أنه أعطى الإذن للشفاعة -أي الاستغفار- في الدنيا فظهرت نفعها يوم القيامة.

هنا قد يأتي سؤال أنه قد ورد في بعض آيات القرآن لفظ الإذن بالشفاعة أو الشفاعة نفسها بصيغة المضارع كقوله تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26] وقوله سبحانه: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء:28]، فهنا نقول:

فهذه الشفاعات خاصة بالملائكة وهي مستمرة نظراً إلى استمرار توالد بني البشر وتناسلهم على الدوام، مثلما هو استغفار الملائكة للمؤمنين الذي جاء بصيغة المضارع لأنه مستمر، فليس الأمر مربوطاً بالشفاعة بشأن الجزاء يوم القيامة، فلا تناقض ولا اختلاف في آيات الكتاب لمن تأمل من أولي الألباب، بل مطالب القرآن يؤيد بعضها بعضاً ويعضد بعضها الآخر، كالبناء الرفيع المنيع الذي أتقنته يد الخالق ومشيئته، وشاهدته قوة العقل والفهم لدى كل مؤمن واعٍ فقال: تبارك الله رب العالمين. فشفاعة النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) مثل رسالته: بشارةٌ وإنذارٌ، ينتفع بها من عمل لها واستحقَّها وإن الله بعباده لخبير بصير.

 

+                +                 +


 

اعتراضٌ والإجابةُ عنه

يتمسّك بعض القائلين بحصول الشفاعة ووقوعها يوم القيامة بمفهوم المخالفة للآيات التي جاء فيها أن الكفار والمجرمين يتحسّرون يوم القيامة على حرمانهم من الشفيع كما جاء في سورة الشعراء: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ [الشعراء:101]، وكما جاء في سورة غافر: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر:18]، أو يتحسرون على عدم انتفاعهم بشفاعة الشفعاء، كما جاء في سورة المدثر: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر:48]، أو على عدم وجود شفعاء لهم كما في قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأعراف:53].

فيقولون أن هذه الآيات تدل بمفهوم المخالفة على أن هناك شفاعة للمؤمنين حُرم منها الكافرون، مع أن المتأمل لتلك الآيات ونظائرها يدرك أنه لا مجال لمفهوم المخالفة فيها، ألا نلاحظ أنهم تمنوا أن يكون لهم حميمٌ يُطاعُ، فهل هذا يدل على أن للمؤمنين حميمٌ يُطاع؟ ونلاحظ أنهم تمنوا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا ليعملوا غير ما كانوا يعملون فهل هذا يعني أن أهل الإيمان يمكن أن يردوا إلى الدنيا؟

إن نفي فائدة الصديق الحميم ونفي أن يغني شخصٌ عن آخر يوم القيامة عامٌّ لكل الناس وليس خاصاً بالكافرين، ألم يقل الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ [المعارج:8-10] ثم قال بعدها: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ﴾ [المعارج:11-15].

 فهل هذه الإنذارات خاصّة بالكفار فقط؟! ألم يقل الله تعالى عن جميع الناس يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس:34-37].

فهذه الأمور والأحوال تقع للجميع، وتلك الآمال والأمنيات التي يتمناها الآثمون ويرجون أن يكون لهم شفيع أو حميم مطاع أمنيات مستحيلة لأنه لن يكون هناك يوم القيامة لا شفيعٌ يَشْفَع ولا حميمٌ يَنْفَع ولا فديةٌ تفيد ولا عدلٌ يُؤخذ. وليس أوضح دلالة على ذلك ولا أصرح من قوله تعالى الذي جاء مكرراً في كتابه خطاباً للمؤمنين: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة:132]، ويقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254].

ويسلم بعض المعترضين ولكن يقول إن أقصى ما تفيده الآيات المذكورة أن هناك شفاعة يوم القيامة ولكنها لن تقبل ولن تنفع. ونقول لهؤلاء إن تلك الآيات التي نفت قبول الشفاعة وفائدتها نفت كذلك قبول العدل (الفدية) وفائدتها، فكلاهما على حدٍّ سواء لن يكون موجوداً ولا حاصلاً يوم القيامة، إذ من البديهي أن لا أحد يقدر على تقديم فدية يوم القيامة ولذلك يتمنى المجرم أن يتمَّ تقديم شخص آخر بدلاً منه فديةً عنه، حتى ولو كان ذلك الآخر أعزّ الناس إليه مثل أبنائه أو زوجته وإخوته: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ ﴾ [المعارج:11-13]، والآية التالية من سورة الحديد تصرح بانتفاء أي فدية في ذلك اليوم: ﴿ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحديد:15]، كما تصرح آيات عديدة بأنه -على فرض المحال- لو أوتي الظالمون أموال الأرض كلها لافتدوا بها أنفسهم ولكن ذلك لن يفيدهم شيئاً كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [يونس:54]، وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [الرعد:18]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة:36].

فكما أنه لا مجال لتقديم فدية ولن تنفع لو قُدِّمت فكذلك كلمة الشفاعة التي جاءت مجاورة لها ومنفية مثلها لا مجال لوجودها، ولو وجدت على فرض المحال فلن تنفع لذا يقول سبحانه: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254].

فبهذا البيان يتَّضح كيف أنه لا يوجد أي تناقض في آيات القرآن الكريم. والشفاعة بالصورة التي بينَّاها موجودةٌ وصحيحةٌ عقلاً ونقلاً، أما القائلون بوجود شفاعةٍ جديدةٍ تحصل يوم القيامة بشأن رفع العذاب الأخروي عن مستحقِّيه، فإنهم يقعون في تناقض صريح فمن ناحية يجدون في القرآن نفياً واضحاً وصريحاً للشفاعة، كما يجدون وقفَ الشفاعة على إذن الله، ومن الناحية الأخرى يريدون أن يستنبطوا من أمل الكافرين المجرمين بشفيعٍ يساعدهم -استناداً إلى مفهوم المخالفة- إلى أن المؤمنين سيكون لهم شفيع يساعدهم، وبالتالي يفتحون باب سوق الشفاعة للعصاة المجرمين على مصراعيه! وتناقضهم الآخر هو أنهم من جهة يُقِرُّون بوعيد الله للمجرمين والفاجرين والظالمين بالعذاب المهين، ولكن من الجهة الأخرى يفتحون باب الشفاعة لهم بذلك المعنى وذلك الاتّساع فتذهب كل تلك الإنذارات أدراج الرياح وتصبح حبراً على ورق ويتمّ هدم بناء الدين العظيم الذي بناه الشارع المقدّس وأحكم بنيانه بأحكامه وقوانينه من أساسه!! إن هؤلاء سيُفاجَؤُون يوم القيامة بذهاب آمالهم أدراج الرياح فيصيحون: ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ [الشعراء:100-101]، وعندئذٍ سيُقَال لهم: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام:94].

+                +                 +

 

الأئمَّة المعصومون ينفون الشفاعة عن أنفسهم
ويحصرون النجاة بالتقوى والورع

عمدةُ مستند القائلين بالشفاعة الأخروية، التي ستقع يوم القيامة من قِبَل النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) والأئمَّة عليهم السلام، وغيرهم من المؤمنين، ومستمسكهم مجموعةٌ من الأحاديث الضعيفة والموضوعة المنسوبة إلى النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) أو الأئمَّة المعصومين عليهم السلام وسنقوم لاحقاً بتمحيص تلك الأحاديث وبيان حالها سنداً ومتناً بالاستفادة من كتب الرجال، هذا رغم أن مثل تلك الأحاديث المتضمنة لمطالب تعارض بوضوح كتاب الله تعالى يجب أن يُضرب بها عرض الحائط طبقاً لتعاليم الأئمَّة عليهم السلام أنفسهم، مهما كان حال سندها.

ولكن قبل تمحيص تلك الأحاديث نبدأ بذكر مجموعة من الأحاديث المروية عن الأئمَّة الأطهار سلام الله عليهم ينفون فيها الشفاعة بذلك المفهوم عن أنفسهم ويؤكدون أنهم لن يُغْنُوا يوم القيامة عن أحدٍ شيئاً، وأن النجاة في ذلك اليوم العسير لن تكون إلا لمن تحلَّى بالتقوى والورع والعمل الصالح. ومن الجدير بالذكر أن هذه الأحاديث توافق تعاليم القرآن تماماً فهي صحيحة من هذه الجهة بغض النظر عن حال أسانيدها (الذي قد يكون مخدوشاً):

1- روى الشيخ الطوسي عليه الرحمة في كتابه «الأمالي» بسنده عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال لخَيْثَمَةَ: «أَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّهُ لَنْ يُنَالَ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِعَمَلٍ وَأَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَبْلِغْ شِيعَتَنَا أَنَّهُمْ إذَا قَامُوْا بِمَا أُمِرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ.»(23).

2- وروى الطبرسي في «مشكوة الأنوار» (ص 32)، والمجلسي في «بحار الأنوار» (ج 67/ص 309) نقلاً عن دعائم الإسلام، بسندهم عن الفُضَيْل عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «قال لي: يا فُضَيْل! أبْلِغْ من لقيتَ مِنْ مَوَالِينَا عنَّا السَّلام وَقُلْ لَهمْ إنِّي لا أُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ شيئاً إلا بالوَرَع فَاحْفَظُوا ألْسِنَتَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَعَلَيْكُمْ بالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.».

3- وروى الشيخُ الكُلَيْنِيُّ في «الروضة» من كتاب «الكافي» بالسند عن الإمام الصادق عليه السلام: «... واعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ ونَهَى لِيُطَاعَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ولِيُنْتَهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ، فَمَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ فَقَدْ أَطَاعَهُ وقَدْ أَدْرَكَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَهُ ومَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ فَقَدْ عَصَاهُ فَإِنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَكَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَنْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ إِلَّا طَاعَتُهُمْ لَهُ فَاجْتَهِدُوا فِي طَاعَةِ اللهِ إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقّاً...

(إلى قوله): وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ يُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ شَيْئاً لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَنْ دُونَ ذَلِكَ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ تَنْفَعَهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ عِنْدَ اللهِ فَلْيَطْلُبْ إِلَى اللهِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ»(24).

4- قال الشيخ الطوسي -رحمة الله عليه - في تفسيره القَيِّم «التبيان» (ج 8/ص67)، لدى تفسيره لقوله تعالى ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء:214]: «وقيل: ذَكِّر عشيرتَك الأقربين أي عَرِّفْهُم إنَّكَ لا تُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللهِ شيئاً إن عَصَوْهُ... وقد فعل (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) ذلك». قلت وقد جاء في ذلك الحديث المشهور الذي رواه الفريقان بصور مختلفة: «أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء:214] قَامَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ! يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللهِ لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللهِ شَيْئاً! سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا. يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللهِ شَيْئاً! سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ.. الحديث» (25).

وهذه العبارة أي قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «لَا أُغْنِي عَنْكُمَا مِنْ اللهِ شَيْئاً» مؤيّدة لما ورد في القرآن الكريم مِنْ أنَّ نَبِيَّـيْ الله نوحاً ولوطاً عليهما السلام لم يغنيا عن زوجتيهما شيئاً لما خانت كلٌّ منهما زوجها ولم تتَّبع سبيل الحق، فقال سبحانه: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾ [التحريم:10].

5- روى الشيخُ الطوسيُّ في كتابه «الأمالي» بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال «خدمتُ سيدَنا الإمامَ أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام ثماني عشرة سنة، فلما أردتُ الخروج ودَّعْتُهُ، وقلتُ أَفِدْنِي. فقال: بعد ثماني عشرة سنة يا جابر؟! قلت: نعم إنكُم بَحْرٌ لا يَنْزِفُ وَلا يُبْلَغُ قَعْرُهُ. فقال: يَا جَابِرُ! بلِّغْ شيعتي عَنِّي السَّلامَ، وَأَعْلِمْهُمْ أنَّهُ لا قَرَابَةَ بَيْنَنَا وبَيْنَ اللهِ عزَّ وَجَلَّ، وَلا يُتَقَرَّبُ إليْهِ إلا بِالطَّاعَةِ لَهُ. يَا جَابِرُ! مَنْ أطَاعَ اللهَ وأحَبَّنا فهو وَلِيُّنَا، وَمَنْ عَصَى اللهَ لم يَنْفَعْهُ حُبُّنَا، يَا جَابِرُ! مَنْ هذا الذي يسألُ اللهَ فَلَمْ يُعْطِهِ، أو تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكْفِهِ، أوْ وَثَقَ بِهِ فَلَمْ يُنْجِهِ؟...»(26).

6- وروى الكُلَيْنِيُّ في كتاب «الكافي» بسنده عن أَبِي جَعْفَرٍ الباقر عليه السلام قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ! كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَيَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! مَا الْغَالِي؟ قَالَ: قَوْمٌ يَقُولُونَ فِينَا مَا لَا نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ أُولَئِكَ مِنَّا وَلَسْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَمَا التَّالِي؟ قَالَ: المُرتَادُ يُرِيدُ الْخَيْرَ يُبَلِّغُهُ الْخَيْرَ يُؤْجَرُ عَلَيْه. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: وَاللهِِ مَا مَعَنَا مِنَ اللهِ بَرَاءَةٌ وَلَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللهِ قَرَابَةٌ وَلَا لَنَا عَلَى اللهِ حُجَّةٌ وَلَا نَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً لِـلَّهِ تَنْفَعُهُ وَلَايَتُنَا وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِـلَّهِ لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا. وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا! وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا!»(27).

7- وروى الشيخُ الكُلَيْنِيُّ في «الروضةِ» مِنْ كتاب «الكافي» صحيفةَ الإمامِ عليِّ بنِ الحُسَين زين العابدين عليهم السلام التي رواها عنه أبو حمزة الثمالي، فذكر فيها:

«...وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَبِيدُ اللهِ ونَحْنُ مَعَكُمْ يَحْكُمُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ سَيِّدٌ حَاكِمٌ غَداً، وَهُوَ مُوقِفُكُمْ وَمُسَائِلُكُمْ فَأَعِدُّوا الْجَوَابَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَالمُسَاءَلَةِ وَالْعَرْضِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، ﴿ يَوْمَئِذٍ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يُصَدِّقُ يَوْمَئِذٍ كَاذِباً وَلَا يُكَذِّبُ صَادِقاً وَلَا يَرُدُّ عُذْرَ مُسْتَحِقٍّ وَلَا يَعْذِرُ غَيْرَ مَعْذُورٍ، لَهُ الحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ بِالرُّسُلِ وَالْأَوْصِيَاءِ بَعْدَ الرُّسُلِ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاسْتَقْبِلُوا فِي إِصْلَاحِ أَنْفُسِكُمْ وَطَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ مَنْ تَوَلَّوْنَهُ فِيهَا...»(28).

8- وروى أبو الفضل علي بن الحسن الطبرسي(29) في كتابه «مشكاة الأنوار» عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «وَاللهِِ مَا مَعَنَا مِنَ اللهِ بَرَاءَةٌ وَمَا بَيْنَنَا وبَيْنَ اللهِ قَرَابَةٌ وَلَا لَنَا عَلَى اللهِ حُجَّةٌ ولَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً نَفَعَتْهُ وَلَايَتُنَا وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِـلَّهِ لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا»(30).

9- وروى الشيخ الصدوق - عليه الرحمة - في كتابه «صفات الشيعة» بسنده عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «لما فتح رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) مكة قام على الصفا فقال: يا بني هاشم! يا بني عبد المطلب! إني رسول الله إليكم وإني شفيق عليكم، لا تقولوا إن محمدَّاً منَّا فوالله ما أوليائي منكم ولا من غيركم إلا المتقون، ألا فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة! ألا وإني قد أعذرت فيما بيني وبينكم وفيما بين الله عز وجل وبينكم وإن لي عملي ولكم عملكم!»(31).

10 - وروى الشيخ الصدوق في كتابه «صفات الشيعة» أيضاً بسنده عن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر (أي الإمام الباقر عليه السلام): «يا جابر! أيكتفي من اتَّخذَ التشيُّع أن يقول بحبِّنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتُنا إلا من اتَّقَى اللهَ وأطاعه، وما كانوا يُعرَفون إلا بالتواضع والتخشُّع وأداء الأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبرِّ بالوالدين والتعهُّد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكفِّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. قال جابر: يا ابن رسول الله! ما نعرف أحداً بهذه الصفة! فقال لي: يا جابر! لا تذهبنَّ بك المذاهب حسب الرجل أن يقول أحب علياً وأتولاه! فلو قال إني أحب رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) ورسول الله خيرٌ من عليٍّ ثم لا يتَّبِعُ سيرَته ولا يعمل بِسُنَّتِهِ ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ليس بين الله وبين أحد قرابةٌ، أحبُّ العباد إلى الله وَأكرمهم عليه: أتقاهم له وَأعْمَلُهُم بطاعته. يا جابر! ما يَتقرَّبُ العبد إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، ما معنا براءةٌ من النار ولا على الله لأحد منكم حجةٌ، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليٌّ ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوٌّ ولا تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع»(32).

كانت تلك عشر روايات تنطبق مضامينها مع آيات القرآن الكريمة ومع حكم العقل والوجدان ولهذا أوردناها دون بحث في رجالها وأسانيدها عملاً بقول النبي والأئمة عليهم السلام: «فَمَا وَافَقَ القُرْآنَ فَخُذُوهُ» وقد اكتفينا بما ذكر رغم وجود أحاديث عديدة أخرى في هذا المجال واللبيب من الإشارة يفهم، أما الجاهل المعاند فلم تكفِهِ توراةُ موسى وعصاه ولا إنجيل عيسى ومعجزاته! فكم حري بأمة الإسلام وخاصّةً شيعة آل خير الأنام أن يرجعوا إلى أنفسهم ويعودوا إلى جادّة الحق والصواب وينقذوا أنفسهم من شر الدجالين والشياطين والكاذبين الغلاة الذين أوقعوا كل ذلك الخسران في دنيا المسلمين وآخرتهم، وإلا فسينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج:11].

 

+                +                 +


 

تمحيص أحاديث الشفاعة وبيان ضعفها

سيقول الذين لا علم له بدسائس الوضّاعين: إذن ما هي قصة كل أحاديث شفاعة الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) والأئمَّة - عليهم السلام- يوم القيامة تلك التي نسمعها ليل نهار من خطباء المنابر وقرّاء مجلس العزاء والمآتم والمدّاحين في كل محفل ومجلس بل نجدها في كل قصيدة وشعر والتي يبلغ اتساعها درجة يمكن معها حتى لأمثال شِمْر بن ذي الجوشن وسِنان(33) أن ينال الغفران وجنَّة الرضوان نتيجةً لشفاعة الأئمَّة عليهم السلام؟!

لذا سنمحِّصُ فيما يلي أهمَّ أحاديث الشفاعة كما جاءت في أوسع كتب الحديث والرواية لدى الشيعة الإمامية وأكثرها تفصيلاً أي كتاب «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي (رحمه الله) والتي أوردها في الجزء الثالث المخصَّص للمعاد ضمن بابٍ خاصٍّ عنوانه (باب الشفاعة) (34) (ونجده في المجلد الثامن من الطبعة الحديثة)، ونضعها أمام القراء الكرام المنصفين وسليمي الفطرة ليروا بأم أعينهم أي تشويه لدين الله أحدثه محَرِّفو الكتاب ومخرِّبُو سنة سيد المرسلين وأي مصابٍ جللٍٍ أوقعوه بحقائق الإسلام الناصعة.

ومعظم تلك الأحاديث التي أوردها المجلسي إنما نقلها عن كتاب «تفسير العياشي» وهو تفسير مختصر بالمأثور ألفه «محمد بن مسعود العياشي» (المتوفى سنة 320 هـ) اعتمد فيه فقط على روايات وآثار منقولة عن الأئمَّة من آل النبي عليهم السلام، مع أن علماء الرجال قالوا بشكل عام عن «العياشي» أنه «يروي عن الضعفاء كثيراً» وأنه من أصحاب «علي بن الحسن بن فضال» الذي بيّنّا في كتابنا عن «الزكاة» حاله الوخيمة التي يتَّضح منها أنه من أسوأ رواة الحديث وأكثرهم كذباً، وقد كان من قبل فطحيّ المذهب ثم أصبح يقول بإمامة جعفر الكذاب وله في تخريب الشريعة سهم وافر ومن أراد تفصيل حاله فليرجع إلى كتابنا «الزكاة» ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما قاله فيه الفقيه «محمد بن إدريس» صاحب كتاب «السرائر» -الذي يُعَدُّ من كبار علماء الشيعة- حيث قال: «علي بن فضّال ملعونٌ ورأس كل ضلال هو وأبوه».

وبمعزل عن ذلك توجد في تفسير العياشي مطالبٌ لا يمكن لأي مسلم يؤمن بالقرآن ولا لأي شيعيٍّ من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام أن يقبل بها أو يصدّقها، فقد أورد المجلسي في الجزء الثامن من بحار الأنوار (ص45-47) نقلاً عن تفسير العياشي عن خيثمة - وهو ذاته الذي مرّ قبل صفحات روايته عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه خاطبه قائلاً: «أبلغ شيعتنا أنا لا نغني عنهم من الله شيئاً» - روايةً طويلةً هي التالية:

«عن خيثمة الجعفي قال كنت عند جعفر بن محمد عليه السلام أنا ومفضل بن عمر ليلاً ليس عنده أحد غيرنا فقال له مفضل الجعفي: جُعِلْتُ فِدَاكَ! حدِّثْنا حديثاً نُسَرُّ به، قال: نعم! إذا كان يوم القيامة حشر الله الخلائق في صعيدٍ واحدٍ حفاةً عراةً غرلاً. قال فقلت: جُعِلْتُ فِدَاكَ! ما الغُرْلُ؟ قال: كما خُلِقُوا أوَّلَ مرَّةٍ، فيقفون حتى يلجمهم العرق فيقولون ليت الله يحكم بيننا ولو إلى النار، يرون أن في النار راحة فيما هم فيه!، ثم يأتون آدم فيقولون: أنت أبونا وأنت نبيٌّ فاسأل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار فيقول آدم: لست بصاحبكم خلقني ربي بيده وحملني على عرشه وأسجد لي ملائكته ثم أمرني فعصيته ولكني أدلكم على ابني الصديق الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم كلّما كذّبوا اشتدّ تصديقه نوح قال فيأتون نوحا فيقولون: سل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، قال فيقول: لست بصاحبكم إني قلت إن ابني من أهلي! ولكني أدلكم على من اتخذه الله خليلاً في دار الدنيا ائتوا إبراهيم. قال: فيأتون إبراهيم فيقول: لست بصاحبكم إني قلت إِنِّي سَقِيمٌ... (وهكذا ينتقلون إلى موسى ثم إلى عيسى وكلاهما يعتذر ويقول لست بصاحبكم حتى يَصِلُوْنَ إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) قال فيقولون: يا محمد! سل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار! قال فيقول: نعم أنا صاحبكم فيأتي دار الرحمن وهي عدن وإن بابها سعته بعد ما بين المشرق والمغرب فيحرّك حلقة من الحلق فَيُقَال: من هذا؟؟ وهو أعلم به، فيقول: أنا محمد. فيُقَال: افتحوا له، قال: فيفتح لي قال فإذا نظرت إلى ربي مجَّدْتُهُ تمجيداً لم يُمَجِّدْهُ أحدٌ كان قبلي ولا يُمَجِّدْهُ أحدٌ كان بعدي، ثم أَخِرُّ ساجداً فيقول: يا محمد! ارفع رأسك وقل يُسمع قولُك واشفَعْ تُشَّفَعْ وَسَلْ تُعْطَ. قال: فإذا رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى ربي مجَّدْتُهُ تمجيداً أفضل من الأول..... (ويتكرر الأمر ذاته مرتين أخريين إلى أن يقول له الرّبُّ في الثالثة) فيقول: نعم يا محمد! قال: ثم يؤتى بناقة من ياقوت أحمر وزمامها زبرجد أخضر حتى أركبها ثم آتي المقام المحمود حتى أقضي عليه وهو تَلٌّ من مسك أذفر بحيال العرش ثم يدعى إبراهيم فيحمل على مثلها فيجي‏ء حتى يقف عن يمين رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) ثم رفع رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) يده فضرب على كتف علي بن أبي طالب ثم قال: ثم تؤتى والله بمثلها فتحمل عليه.......... (إلى قوله): وكأني بكما معي ثم يؤتى بنا فيجلس على العرش ربُّنا ويؤتى بالكتب فنرجع فنشهد على عدونا ونشفع لمن كان من شيعتنا مرهقاً. قال قلت: جُعلتُ فداك! فما المرهق؟ قال: المذنب. فأما الذين اتقوا من شيعتنا فقد نجَّاهم اللهُ بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ... الحديث»(35).

لاحظ أيها القارئ اللبيب تلك العبارات التي وضعنا تحتها خط التي وردت في ذلك الحديث الذي رواه العياشيّ والتي تخالف أصول مذهب الشيعة بل تخالف ضروريات الإسلام: فأيُّ مؤمن يمكنه أن يقبل بمثل هذه الموهومات والأباطيل مثل أن الله تعالى ساكنٌ في منزلٍ له بابٌ وله حلقتان!!... والنبيُّ يقرع عليه الباب فيخرج الربّ فيراه الرسول!!... ويحصل بينهما ذلك الردّ والبدل والحديث!!... ويجلس الربّ على العرش ويقرأ الكتب!!...إلى آخر تلك التُرَّهات، ومن الجدير بالذكر أن العياشيّ لمّا كان في أول عمره من العامة(36) ثم صار بعد ذلك من الشيعة فإنّ في أحاديثه آثاراً كثيرةً من تسنُّنه السابق.

وجزءٌ آخر من أحاديث الشفاعة يوجد في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وهذا التفسير- كما يعلم المطَّلعون وكما بيناه فيما سبق- كتابٌ غيرُ موثوقٍ على الإطلاق بل لا يوجد بين الكتب الشيعيّة كتابٌ أكثرُ فقداناً للاعتبار والثقة وأكثر امتلاءً بالأوهام والتُرَّهات والأباطيل من ذلك التفسير!.

 وجزء آخر من أحاديث الشفاعة نقله المجلسي من كتب أخرى مثل كتاب «الكافي» للكلينيّ، أو بعض كتب الشيخ الصدوق أو كتاب «كنز الفوائد» للكراجكيّ(37)، مثل الحديث الذي جاء فيه «إن إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم» الذي يُعتبر من أهم مستندات الغلاة أمثال آية الله العظمى(!!) أبي الفضل النبوي صاحب كتاب «أمراء هستي» (أي أمراء الكون)، وفيما يلي نص الحديث:

روى الكُلَيْنِيُّ في «الكافي» (باب تفسير قوله تعالى: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً ج 8/ص 162) عن سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ سَعْدَانَ عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ «كُنْتُ قَاعِداً مَعَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عليه السلام والنَّاسُ فِي الطَّوَافِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ: يَا سَمَاعَةُ! إِلَيْنَا إِيَابُ هَذَا الْخَلْقِ وعَلَيْنَا حِسَابُهُمْ فَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ ذَنْبٍ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ حَتَمْنَا عَلَى اللهِ فِي تَرْكِهِ لَنَا فَأَجَابَنَا إِلَى ذَلِكَ ومَا كَانَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ النَّاسِ اسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْهُمْ وأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وعَوَّضَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ».

فَمَتْنُ هذا الحديث يعارضُ كتابَ اللهِ ودين الإسلام معارضةً صريحةً ويخالفُ العقلَ والوجدان بل يجتث الدين وأحكامه ويقتلعه من جذوره! ويشجع الناس على الهرج والمرج ويسوقهم إلى الفجور والوحشية، وألفُ رحمةٍ على البابا وصكوك غفرانه أمام مثل هذا الحديث! لأن صكوك الغفران -على الأقل- تمنح الجنة للمجرمين والفاسقين الذين دفعوا أموالاً، أما هذا الحديث فيفتح باب الجنة على مصراعيه للمجرمين الفاجرين مجاناً وبلا أي مقابل!! إن هذا الحديث حتى لو كان سنده من أصح الأسانيد يجب أن يُضرب به عرض الحائط، ولكن لحسن الحظ أو لسوئه فإنه حديث مخدوش من حيث السند والرجال.

هذا وجملة «حَتَمْنَا عَلَى اللهِ فِي تَرْكِهِ لَنَا» فيها من الوقاحة وسوء الأدب مع الله ما لا يخفى على أحد، فأيُّ كائن يملك أن يحتم على الله ويجبره على أمر؟! (لاحظ أن الحتم في اللغة الأمر الواجب الذي لا يمكن إسقاطه). فيلزم من هذا الحديث أن الإنسان الذي ضيَّع حقوق الله فلم يُصَلِّ ولم يَصُمْ ولم يحجَّ ولم يجاهد ولم يَقُمْ بشيء من العبادات وارتكب كل نوع من أنواع المعاصي الشخصيَّة من شرب الخمر والزنا واللواط وأمثالها ممن ليس فيه أكل حق الناس، سَيَحْتُمُ الأئمّةُ على اللهِ أن يكل تلك الأمور إليهم وهم سيعفون شيعتهم من تبعاتها!! وأما ما كان من حقوق العباد فهذا أيضاً سيستوهبه الأئمَّة منهم!! أهكذا يكون الحساب يوم القيامة؟! وهل يمكن لأئمّة الهدى عليهم السلام الذين نهضوا لأجل هداية الناس وصلاح أمرهم وأفنوا أعمارهم للترويج لدين نبي الإسلام (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) أن ينطقوا بمثل هذا الكلام الذي يقضي على كل أتعاب ذلك النبي الكريم ويذهب بها أدراج الرياح؟! هل يمكن لعاقل أن يصدق مثل هذا الكلام؟ وأي شيء في هذا الحديث يوافق كتاب الله؟ وما معنى عرض الأحاديث على الكاتب ورفض ما يخالفه منها؟ أي كتاب وأي عقل وأي وجدان يمكنه أن يصدق مثل ذلك الحديث؟!.

أما من ناحية السند فصحيح أن هذا الكتاب ورد في «الكافي» أي أول وأهم كتب حديث الشيعة (الإمامية) إلا أن ذلك الكتاب الذي يضم ستة عشر ألف حديث، تسعة أعشاره -حسب تشخيص العلامة المجلسي في كتابه «مرآة العقول»- أحاديث ساقطة عن درجة الصحة، هذا من الناحية العامة، وأما من ناحية السند الخاص لهذا الحديث فأول رواته هو «سهل» وهو «سهل بن زياد الآدمي الرازي أبو سعيد» الذي يعتبره علماء الرجال من أصحاب حضرة الإمام الجواد عليه السلام ويقول عنه النجاشي في رجاله (ص140، طبع طهران): «سهل بن زياد أبو علي الآدمي كان ضعيفاً في الحديث غير مُعتَمَدٍ فيه وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب وأخرجه من قم إلى الريّ».

وقال عنه الشيخ الطوسي عليه الرحمة في «الاستبصار»: «إن أبا سعيد الآدميَّ ضعيفٌ جداً عند نُقّاد الأخبار».

وقال الغضائري عنه كما جاء في تنقيح المقال للمامقاني (ج2/ص75): «سهل بن زياد الآدميّ الرازيّ كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والدين، وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه من قم وأظهر البراءة منه والرواية عنه ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل».

واعتبره الفضل بن شاذان أيضاً أحمقاً، كما اعتبره بن داوود في رجاله (ص460) ضعيفاً وفاسد الرواية ومن أهل الغلو والكذب، وكذلك وصفه مير مصطفى التفرشي في «نقد الرجال» بمثل تلك الأوصاف. فهذا هو حال أول رواة ذلك الحديث الشريف جداً!!

وقد روى سهل حديثه هذا عن «محمد بن سنان» وفيما يلي بيان حاله:

أ) قال النجاشي في رجاله (ص252): «هو رجل ضعيف جداً لا يعوّل عليه ويُلتفت إلى ما تفرّد به وكان الفضل بن شاذان يقول لا أستحل أن أروي أحاديث محمد بن سنان».

ب) وروى الشيخ أبو عمرو الكشيّ في رجاله (ص332) عن أيوب بن نوح أنه كان يقول: «لا أستحل أن أروي أحاديث محمد بن سنان»، وفي صفحة 427 روى حمدويه بن نصير عن أيوب بن نوح أن «محمد بن سنان» قال حين وفاته: «كل ما حدثتكم به لم أسمعه من أحد بل وجدته!».

ج) وقال عنه الشيخ الطوسي في «الفهرست» (ص143): «له كُتُبٌ وقد طُعِنَ عليه وضُعِّفَ. وكُتُبُه مثل كتب الحسين بن سعيد على عددها وله كتاب النوادر وجميع ما رواه إلا ما كان فيها من تخليط أو غلوّ...».

د) وقال عنه العلامة الحلي في رجاله (ص251): «محمد بن سنان...وقد اختلف علماؤنا في شأنه فالشيخ المفيد رضي الله عنه قال إنه ثقة وأما الشيخ الطوسي رحمه الله فإنه ضعَّفَه وكذا قال النجاشي، وابن الغضائري قال: إنه ضعيف غال لا يُلتَفَتُ إليه. وروى الكشي فيه قدحاً عظيماً وأثنى عليه أيضاً! والوجه عندي التوقُّف فيما يرويه فإن الفضل بن شاذان رحمه الله قال في بعض كتبه: إن من الكذابين المشهورين ابن سنان..».

هـ) وأورده ابن داوود في رجاله (ص505) في قسم الضعفاء وقال: «إن محمد بن سنان كان يقول: «لا ترووا عني مما حدثتُ شيئاً، فإنما هي كتب اشتريتها من السوق!» ثم قال: والغالب على حديثه الفساد وعلماء الرجال متفقون على أنه من الكذابين.».

ومحمد بن سنان هذا روى حديثه عن «سعدان»، الذي قال عنه المامقاني في تنقيح المقال (ص23): «أهمله في الخلاصة والذخيرة والبُلغة وغيرها ولم يتعرضوا له أصلاً وفي موضع من الذخيرة: إنه ضعيفٌ وفي موضع آخر منه غير موثوق في كتب الرجال».

والأخير روى حديثه عن «سماعة بن مهران» الذي اعتبره الشيخ الصدوق في كتابه «من لا يحضره الفقيه» باب ما يجب على مَن أفطر أو جامع في شهر رمضان، واقفياً، في حين اعتبره بعض علماء الرجال فطحيّاً فاسد المذهب. كما أورده بن داوود في رجاله (ص460) ضمن الضعفاء والمجروحين. هذا ويذكر ابن الغضائري والنجاشي أنه تُوفي في زمان حياة الإمام الصادق عليه السلام سنة 145هـ. وبالتالي فإن روايته لهذا الحديث عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام افتراءٌ على الإمام لا أساس له من الصحة وكذبٌ محضٌ!!.

أجل بمثل هذه الأحاديث الباطلة قام ذلك الملقب بآية الله العظمى ونظراؤه إلى محاربة القرآن وعقد في كتابه «أمراء هستي» (أي أمراء الكون) باباً تحت عنوان «التصرف في الكون والمكان وتدبير عالم الإمكان في ولاية الأئمَّة»!، وباباً آخر فتح فيه باب شفاعة الأئمَّة يوم القيامة على مصراعيه أمام الفسّاق والفجّار! وصوَّر أئمة الشيعة من آل الرسول الذين كانوا من أخلص عباد الله الصالحين وأكثرهم تواضعاً وكأنهم آلهة والعياذ بالله مهيمنين وحاكمين على ربّ العالمين، وأظهر مذهب شيعة أهل البيت وكأنه مذهب مملوءٌ بالشرك!.

ولعلك أيها القارئ العزيز تتصور أن ذلك الحديث الذي مرّ سابقاً والذي جاء فيه أن الرسول قرع بيت الله وفتح له فشاهده...الخ هو فريد في بطلانه وموهوماته وخرافيته خلافاً لسائر أحاديث الشفاعة التي تتمتع بالصحة والثقة، لذا سأضطر إلى أن أذكر جميع أحاديث الشفاعة واحداً واحداً، كما أوردها «المَجْلِسيُّ» ضمن «باب الشفاعة» من موضوع «المعاد» في كتابه «بحار الأنوار»، وأمحّصها من حيث السند لكي يتبين لك أن كل تلك الأحاديث واهنةٌ بل ساقطةٌ سنداً وغير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها، هذا رغم أنه عندما يكون متن الحديث باطلاً ومخالفاً لصريح آيات القرآن الكريم فأياً كان سنده حتى ولو كان -على فرض المحال- مسموعاً من المعصوم مباشرةً فلا يجوز إلا أن يُضرب به عرض الحائط طبقاً لوصية الأئمَّة عليهم السلام أنفسهم إضافة إلى حكم القرآن والعقل والوجدان.

وفيما يلي نذكر كل تلك الأحاديث التي أوردها المجلسي في باب الشفاعة ويبلغ عددها حدود ستين حديثاً دون التقيّد بأرقامها لأن بعضها ليس بحديث وبعضها مكرر:

الحديث الأول: منقول عن كتاب «الخصال» للشيخ الصدوق، رواه عن رواة العامة مثل أبي الحسن طاهر بن محمد بن يونس عن محمد بن عثمان بن الهروي وإلى أنس بن مالك وكلهم رواة لا نجد لهم ذكراً في كتب رجال الشيعة، وأمّا أنس بن مالك فقد كان بشهادة التاريخ من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ولأجل تحقيق الحال راجعوا كتاب تنقيح المقال (ج1/ص154) ومضمون الحديث أن لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا وقَدْ سَأَلَ سُؤالاً وَقَدْ أخْبَأْتُ دَعْوَتِي لِشَفَاعَتي لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

الحديث الثاني: لا علاقة له بالشفاعة فلا حاجة لمناقشة سنده.

الحديث الثالث: نقله المجلسي عن كتاب «الخصال» للشيخ الصدوق ومضمونه أن أمير المؤمنين قال: لا تُعَنُّونَا في الطلب والشفاعة لكم يوم القيامة فيما قدمتم.

والصدوق رواه عن محمد بن عيسى اليقطيني والقاسم بن يحيى وكلاهما ضعيف وغالٍ.

الحديث الرابع: جاء في سنده إبراهيم بن هاشم الذي لم توثقه كتب الرجال، وهو رواه عن علي بن معبد الذي قال عنه في تنقيح المقال (ج2/ص309): «لم يُنَصّ فيه بالتوثيق ولا مُدِح» وفي (الصفحة 110) اعتبره إمامياً مجهولاً.

الحديث الخامس: هو رأي الصدوق وليس حديثاً.

الحديث السادس: أورده عن كتاب «الأمالي» للشيخ الصدوق بسنده عن «أبي قلابة عبد الملك بن محمد» وهو رجل لا ذكر له ولا أثر في كتب الرجال. وهو رواه «عن غانم بن الحسن السعدي» وهو أيضاً اسمٌ بلا مسمّى، وهو رواه «عن مسلم بن خالد المكي» الذي اعتبره صاحب تنقيح المقال (في ص214 وص149) من المجاهيل.

ومضمون الحديث أن فاطمة عليها السلام قالت لرسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «يا أبتاه أين ألقاك يوم الموقف الأعظم ويوم الأهوال ويوم الفزع الأكبر؟ قال: يا فاطمة عند باب الجنة ومعي لواء الحمد وأنا الشفيع لأمتي إلى ربي. قالت: يا أبتاه! فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني على الحوض وأنا أسقي أمتي. قالت: يا أبتاه! إن لم ألقك هناك؟ قال: القيني على الصراط وأنا قائم أقول ربِّ سلِّم أمّتي. قالت: فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني وأنا عند الميزان أقول ربِّ سلِّم أمّتي. قالت: فإن لم ألقك هناك؟ قال: القيني على شفير جهنم أمنع شررها ولهبها عن أمتي. فاستبشرت فاطمة بذلك صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها!».

 الحديث السابع: نقله المجلسي عن تفسير القميّ عن ابن محبوب عن زرعة عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، و«زرعة» طبقاً لما صرح به الشيخ الطوسي في رجاله (ص350) كان واقفياً، وأورده ابن داوود أيضاً في رجاله (ص453) في عداد المجروحين والضعفاء، وكذا فعل العلامة الحلي الذي أورده في القسم الثاني من رجاله المخصَّص للضعفاء (ص244). وقد روى زرعة حديثه عن «سماعة» الذي بيّنا حاله فيما سبق حيث ذكرنا أنه كان واقفيّاً. أما متن الحديث فهو مشابه للحديث الذي رواه العياشي في تفسيره والذي يذكر انتقال الناس من نبي إلى آخر طلباً للشفاعة إلى أن يأتون رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ)... الخ.

الحديث الثامن: نقله المجلسي عن تفسير القمي عن محمد بن أبي عمير عن معاوية وهشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وأمي وعمي وأخ كان لي في الجاهلية.».

وأقول: لمّا كان هذا المتن لا يتناسب مع المطلب الذي نحن في صدده فلا حاجة بنا إلى مناقشة سنده.

الحديث التاسع: نقله المجلسي عن تفسير علي بن إبراهيم القمي أيضاً عن جعفر بن أحمد عن عبيد الله بن موسى عن ابن البطائني عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله ﴿ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ﴾ قال: «لا يشفع ولا يشفع لهم ولا يشفعون إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً إلا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده فهو العهد عند الله.... الخبر».

قلت: في سنده ابن البطائني وهو إما علي بن حمزة البطائني أو ابنه الحسن بن علي بن حمزة، فإن كان الأول فقد قال عنه ابن الغضائري: «علي بن حمزة لعنه الله أصل الوقف وأشدّ الخلق عداوةً للمولى «يعني الرضا عليه السلام»»، وأورد صاحب تنقيح المقال (ج2/ص261) عشرات الأحاديث في ذمه. وأغلب الظن أنه هو. أما إن كان ابنه أي الحسن بن علي بن حمزة فقد قال الغضائري عنه: «الحسن بن علي بن حمزة البطائني مولى الأنصار أبو محمد، واقفي بن واقفي، ضعيف في نفسه». وقال عنه الكشي: «الحسن بن علي بن حمزة كذّاب». وأوضح صاحب تنقيح المقال حاله الوخيمة (ج1/ص290). ولذلك فإنَّ مثل هذا الرجل لا يستحق السماع.

الحديث العاشر: نقله المجلسي عن أمالي الصدوق وعن كتاب «بشارة المصطفى» بسندهما عن سلمة بن الخطاب عن الحسين بن سعيد عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الله بن صباح عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فتغشاهم ظلمة شديدة فيضجون إلى ربهم ويقولون يا رب اكشف عنا هذه الظلمة قال: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم قد أضاء أرض القيامة، فيقول أهل الجمع: فهؤلاء أنبياء الله، فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بأنبياء فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة، فيجيئهم النداء من عند الله ما هؤلاء بملائكة، فيقول أهل الجمع: هؤلاء شهداء فيجيئهم النداء من عند الله ما هؤلاء بشهداء. فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع! سلوهم من أنتم فيقول الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويُّون نحن ذريّة محمد رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) نحن أولاد عليٍّ وليِّ اللهِ نحن المخصوصون بكرامة الله نحن الآمنون المطمئنُّون فيجيئهم النداء من عند الله عز وجل اشفعوا في محبِّيكم وأهل مودّتكم وشيعتكم فيشفعون فيُشَفَّعُون».

قلت في سنده «سلمة بن الخطاب» قال عنه النجاشي في رجاله (ص142): «كان ضعيفاً في حديثه»، وأورده العلامة الحليّ في القسم الثاني من خلاصته (ص104) واعتبره من الضعفاء، وكذلك أورده ابن داوود في القسم الثاني من رجاله (ص458) المخصص للضعفاء والمجروحين وقال: «كان ضعيفاً في حديثه». كما اعتبره التفرشي في نقد الرجال (ص157) ضعيفاً، وفي «تحرير الطاووسي» ذُكر أنه كان واقفياً. وبقية رجال السند مجاهيل لذا الحديث غير معتبر ولا موثوق.

الحديث الحادي عشر: نقله المجلسي عن كتاب «علل الشرائع» للشيخ الصدوق الذي رواه بسنده عن أبيه عن محمد العطار عن جعفر بن محمد بن مالك عن أحمد بن مدين عن محمد بن عمار عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «شيعتُنا من نور الله خلقوا، وإليه يعودون، والله إنكم لملحقون بنا يوم القيامة وإنا لنَشْفَعُ فَنُشَفَّعُ ووالله إنكم لَتَشْفَعُونَ فَتُشَفَّعُونَ، وما من رجل منكم إلا وسترفع له نار عن شماله وجنة عن يمينه فيُدْخِلُ أحِبَّاءَه الجنَّةَ وأعداءَه النَّارَ».

قلتُ: في سنده «جعفر بن محمد بن مالك» الذي قال عنه النجاشي رحمه الله في رجاله: «كان ضعيفاً في الحديث وكان أحمد بن الحسين يقول عنه: كان يضع الحديث وضعاً، ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال كان أيضاً فاسد المذهب والرواية».

وقد روى هذا الوضّاع حديثاً عمن أسماه «أحمد بن مدين» الذي لا نجد له ذكراً في كتب الرجال فيبدو أنه من مخترعاته ومثله الراوي التالي في سلسلة السند أي «محمد بن عمار» (انظر تنقيح المقال: ج3/ص162).

الحديث الثاني عشر: نقله المجلسي عن كتاب «الأمالي» للصدوق عن ابن المتوكل عن محمد العطار عن ابن أبي الخطاب عن النضر بن شعيب عن القلانسي عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «إذا قمت المقام المحمود تشفَّعت في أصحاب الكبائر من أمّتي فَيُشَفِّعُني الله فيهم، والله لا تشفَّعْتُ فيمن آذى ذُرِّيَّتي».

قلت: «النضر بن شعيب» قال عنه المامقاني في تنقيح المقال (ج3/ص272) أنه مجهول، وكذلك اعتبره الشهيد الثاني رحمة الله عليه مجهولاً، وأما سائر رواة الحديث فكلُّهم مجاهيل لذا فالحديث ساقط من الاعتبار.

الحديث الثالث عشر: رواه المجلسي نقلاً عن «الأمالي» للشيخ الصدوق بسنده عن القطّان عن السكري عن الجوهري عن محمد بن عمارة عن أبيه قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: «من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا المعراج والمساءلة في القبر والشفاعة».

قلت: أحمد بن القطان طبقاً لما ذكره المامقاني في تنقيح المقال (ج1/ص56) عن السيد صدر الدين وحواشيه في منتهى المقال عاميٌّ. وأما السكري فليس له اسم في كتب الرجال، و«محمد بن عمارة» مجهول الحال (كما في تنقيح المقال: ج3/ص164) وكذلك أبوه (ج2/ص322) لذا فالحديث ساقط عن الاعتبار.

الحديث الرابع عشر: نقله المجلسي عن تفسير القمي بسنده عن أبيه عن ابن محبوب عن أبي أسامة عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام قالا: «والله لنشفعنّ والله لنشفعنَّ في المذنبين من شيعتنا حتى تقول أعداؤنا إذا رأوا ذلك فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ!».

قلت: ليس في سند الحديث إلا راوٍ واحد هو أبو أسامة الذي هو «زيد الشحّام» اعتبره ابن الغضائري وإسحاق بن علي بن عمّان وغيرهما ضعيفاً وأشار بن داود في رجاله (ص164) إلى أنه كان واقفياً. وعلى أيِّ حال طالما أن بقيّة رجال السند بين أبي أسامة والإمام الصادق عليه السلام مفقودون فالحديث مرسل أو منقطع وساقط من الاعتبار.

الحديث الخامس عشر: نقله المجلسي عن «تفسير علي بن إبراهيم القمي» قال: «حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار عن أبي العباس المكبر قال دخل مولى لامرأة علي بن الحسين صلوات الله عليهما على أبي جعفر عليه السلام يُقال له: أبو أيمن، فقال: يا أبا جعفر! تَغُرُّونَ الناسَ وتقولونَ شفاعةُ محمَّدٍ شفاعةُ محمَّدٍ! فغضب أبو جعفر عليه السلام حتى تربَّد وجهه ثم قال: ويحك يا أبا أيمن! أغرَّك أن عف بطنك وفرجك! أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) ويلك! فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار؟! ثم قال: ما أحدٌ من الأوَّلين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) يوم القيامة. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: إن لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ الشفاعة في أمته ولنا شفاعة في شيعتنا ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم. ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر وإن المؤمن ليشفع حتى لخادمه ويقول يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد».

قلتُ: في سنده «معاوية بن عمار» الذي جاء في «تنقيح المقال» (ج3/ص324) أنه «مختل العقل»، وفي قاموس الرجال (ج9/ص42) قال عنه «علي بن أحمد العقيقي» الذي يُعَدُّ من كبار علماء الرجال: «لم يكن معاوية بن عمار عند أصحابنا مستقيماً، كان ضعيف العقل متهماً في حديثه».

وروى عن «أبي العبّاس المكبر» ولا نعلم من هو، وأياً كان فقد روى معاوية بن عمار هذا الحديث في سن الشيخوخة ولا شك أنه رواه في الوقت الذي بدأ فيه يخرف ويفقد حواسه!.

الحديث السادس عشر: يكفي في بطلانه أن من رواته «محمد بن سنان» الغالي والكذَّاب المشهور الذي بيَّـنَّا أحواله فيما سبق.

الحديث السابع عشر: نقله المجلسي عن كتاب «الخصال» للشيخ الصدوق الذي رواه بسنده عن علي بن الحكم عن أبان عن محمد بن الفضل الزرقي عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: «إن للجنة ثمانية أبواب بابٌ يدخل منه النبيُّون والصدِّيقون وبابٌ يدخل منه الشهداء والصالحون وخمسة أبوابٍ يدخل منه شيعتنا ومحبُّونا فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول: ربِّ سلِّم شيعتي ومحبِّيَّ وأنصاري ومن تولّاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش: قد أجيبت دعوتك وشُفِّعْتَ في شيعتك ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني و..و.. الحديث».

قلتُ: أما «علي بن الحكم» فهو مجهول الحال في كتب الرجال وكذلك «أبان»، وأما «محمد بن الفضل الزرقي» فاعتبره الشيخ الطوسي في رجاله (ص360) ضعيفاً، واتهمهم في موضع آخر (ص389) بالغلوّ. وكذلك اعتبره العلامة الحلي في خلاصته (ص250) ضعيفاً. واعتبره التفرشي في نقد الرجال (ص327) ضعيفاً وغالياً.

الحديث الثامن عشر: نقله المجلسي عن كتاب «الأمالي» للشيخ الطوسي بسنده عن الفحّام عن المنصوري عن عمّ أبيه عن أبي الحسن العسكري عن آبائه عليهم السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام سمعت النبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) يقول: «إذا حُشِرَ الناسُ يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول الله! إن الله جلَّ اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك فكافهم بما شئت. فأقول: يا ربِّ الجنة فأبَوِّؤُهم منها حيث شئتُ، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به».

 أقول في أول سنده «الفحام عن المنصوري» وكلاهما مجهول الحال لا ذكر له في كتب علم الرجال لا بجرح ولا بتعديل، فالحديث مجهول، وراجع في ذلك تنقيح المقال (ج1/ص310).

الحديث التاسع عشر: نقله المجلسي عن كتاب «الأمالي» للشيخ الطوسي بسنده «عن الحفار عن إسماعيل بن علي الدعبلي عن محمد بن إبراهيم بن كثير قال دخلنا على أبي نواس الحسن بن هاني نعوده في مرضه الذي مات فيه فقال له عيسى بن موسى الهاشمي: يا أبا علي! أنت في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة وبينك وبين الله هنات فتب إلى الله عز وجل. قال أبو نواس: سنّدوني فلما استوى جالساً قال: إياي تخوفني بالله؟ وقد حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «لكلِّ نبيٍّ شفاعةٌ وأنا خبَّأْتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة»، أفترى لا أكون منهم؟؟».

قلتُ: في بداية سند هذا الحديث إسماعيل بن علي الدعبلي عن محمد بن إبراهيم بن كثير، وكلاهما لا ذكر له في كتب الرجال، والراوي التالي هو أبو نواس الشاعر الفاجر الذي كان له ألف ليلة وليلة وأنشد: صلى الإله على لوط وشيعته.

والغريب أن لا أحد من رواة هذه الرواية إمام معصوم، رغم أن حمّاد بن سلمة مُدح في كتاب «ميزان الاعتدال»، وثابت البناني أيضاً اسم مشترك بين عدة شخصيات، ولكن لمّا كانت الرواية منقولة عن أبي نواس الشاعر الفاسق المعروف بشرب الخمر واللواط وكان مضمون روايته أيضاً مخالفاً للقرآن المجيد ولروح الإسلام ولتعاليم جميع الأنبياء فالحديث ساقط من أساسه، ولعمري إذا كان مرتكبو الكبائر سينالون شفاعة النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) رغم اقترافهم الموبقات والكبائر فما هي فائدة الدين والشريعة؟ وبالمناسبة سنذكر لاحقاً مزيداً مما جاء بشان أبي نواس الذي لم يكن يؤمن بالقيامة ونكتفي هنا في مذمته بأن نذكر أن حضرة الإمام الهادي عليه السلام كان يطلق عليه لقب أبي نواس الباطل.

الحديث العشرون: نقله المجلسي عن كتاب «عيون أخبار الرضا» للصدوق قال: «أحمد بن أبي جعفر البيهقي عن علي بن جعفر المدني عن علي بن محمد بن مهرويه القزويني عن داود بن سليمان عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): إذا كان يوم القيامة وُلِّينا حسابَ شيعتنا فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عز وجل حكمنا فيها فأجابنا ومن كانت مظلمته بينه وفيما بين الناس استوهبناها فوهبت لنا ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح!».

إن متن هذا الحديث مؤداه أن عالم الخليقة ونظامه رهينٌ لإرادة أخلّاء الله وأحبابه!!، وهذا المتن يذكّرنا بمتن الحديث الذي رواه صاحب كتاب «أمراء الكون» مع فارق أن الحديث هنا منسوب إلى الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) وهناك منسوب إلى حضرة الإمام الكاظم، ورُواة الحديث من الإمام الرضا حتى أمير المؤمنين من المعصومين، فما أعظمه من سند يستفيد منه المغرورون المخربون لدين الإسلام إذ يفتح الباب للاجتراء على كل معصية مما يخرب الدين أكثر من فعل مئة ألف جندي.

أما حال رجال سنده فإن «أحمد بن أبي جعفر البيهقي» و«علي بن جعفر البيهقي» و«علي بن جعفر المدني» لا ذكر لهم في كتب الرجال، بل هناك ذكر للرواة التالين فقط أي «علي بن مهرويه القزويني» الذي اعتبره المامقاني في تنقيح المقال مجهول الحال، و«داوود بن سليمان» الذي اعتبره الوحيد البهبهاني(38) (ج1/ص410) (39) عامياً. والواقع أن علي بن مهرويه أيضاً من رواة العامة، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني في «ميزان الاعتدال» (ج2/ص8) بشأنه ما نصُّه:

«داود بن سليمان الجرجاني الغازي: عن علي بن موسى الرضا وغيره كذَّبه يحيى ابن معين ولم يعرفه أبو حاتم وبكل حال فهو شيخٌ كذَّابٌ له نسخة موضوعة عن علي بن موسى الرضا رواها علي بن محمد بن جهرويه القزويني الصدوق عنه قال: حدثنا علي بن موسى أخبرنا أبي عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: "اختنوا أولادكم يوم السابع فإنه أطهر... (وذكر الحديث بطوله وهو ركيك اللفظ) وبه: "أربعة أنا أشفع لهم يوم القيامة ولو أتوني بذنب أهل الأرض: الضارب بسيفه أمام ذريتي والقاضي لهم حوائجهم والساعي لهم في حوائجهم عندما اضطروا إليه والمحب لهم بقلبه ولسانه".»

قلتُ: فمن هذا يظهر أن تلك الرواية هي مما أتحفنا به الشيخ الصدوق عليه الرحمة نقلاً عن العامة أو بالأحرى عن الكذابين منهم ولمّا كان «داوود بن سليمان» هذا من المخالفين للشيعة ولأهل البيت فلا عجب أن ينسب مثل تلك الرسالة المشحونة بالكذب إلى الإمام الرضا عليه السلام لكي يشوّه صورة مذهب الشيعة وأئمتهم! وإلا فلو صحّ ذلك الحديث لم يبقَ هناك معنىً لبعثة الرسل وإنزال الكتب! ومن الجهة الأخرى أيُّ قرابةٍ ونَسَبٍ بين الله تعالى والشيعة مما لا يوجد مثله بين الله وبقية عباده؟! فهل هناك ضلالٌ أوضح من ذلك، ولا ندري ربما كانت هناك أيادٍ نصرانية خفيّة وراء دسّ مثل هذا الحديث.

الحديث الواحد والعشرون: هو حديث لا سند له ومتنه مطابق لمتن الحديث الرابع الذي مرّ.

الحديث الثاني والعشرون: (وهو الحديث رقم 26 في الطبعة الجديدة لبحار الأنوار) رواه المجلسي نقلاً عن كتاب «ثواب الأعمال» بسنده عن أبي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن أبي ولاد عن ميسر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمرّ به الرجل له المعرفة به في الدنيا وقد أمر به إلى النار والملك ينطلق به قال فيقول له: يا فلان أغثني فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا وأسعفك في الحاجة تطلبها مني فهل عندك اليوم مكافاة؟ فيقول المؤمن للملك الموكل به: خلِّ سبيله، قال: فيسمع الله قول المؤمن فيأمر الملك أن يجيز قول المؤمن فيخلي سبيله!».

قلت في سنده: «أبو ولّاد» (حفص بن يونس) وهو عن «ميسّر» وكلاهما مجهول الحال كما جاء في تنقيح المقال (ج1/ص356) و(ج3/ص 264).

الحديث الثالث والعشرون: نقله المجلسي عن كتاب «ثواب الأعمال» أيضاً بسنده عن أبي عن سعد عن ابن عيسى عن محمد بن خالد عن النضر عن يحيى الحلبي عن أبي المغراء عن أبي بصير عن علي الصائغ قال قال أبو عبد الله عليه السلام: «إن المؤمن ليشفع لحميمه إلا أن يكون ناصباً، ولو أن ناصباً شفع له كلُّ نبيٍّ مرسل وملك مقرب ما شُفِّعوا».

قلتُ: في سنده «محمد بن خالد» قال عنه ابن الغضائري كما جاء في تنقيح المقال (ج3/ص113): «محمد بن خالد البرقي، حديثه يُعرف ويُنكر، ويروي عن الضعفاء ويعتمد على المراسيل». وأورده ابن داود في رجاله (ص503) في عداد المجروحين والمجهولين وعدّه من الضعفاء في القسم الثاني من كتابه.

أما من ناحية متنه فلو قُصد بتلك الشفاعة الشفاعة في الدنيا (بمعنى الدعاء والاستغفار وطلب الرحمة للمشفوع له) لما كان في متنه إشكال، أما إن قُصد حصول ذلك في الآخرة فلا يصحّ كما أسلفنا.

الحديث الرابع والعشرون: (وهو الحديث رقم 28 في الطبعة الجديدة) نقله المجلسي عن كتاب المحاسن للبرقي بسنده عن أبيه عن سعدان بن مسلم عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وقالَ صَواباً قال: «نحن والله المأذون لهم في ذلك اليوم والقائلون صواباً. قلتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! وما تقولون قال نمجِّد ربَّنا ونصلي على نبينا ونَشْفَعُ لشيعتنا فلا يردُّنا ربُّنا».

قلتُ: «سعدان بن مسلم» اعتبره علماء الرجال مهملاً وقالوا أنه ضعيف وغير موثوق. و«معاوية بن وهب» مجهول الحال (انظر تنقيح المقال ج3/ص226).

الحديث الخامس والعشرون: وهو مرويٌ أيضاً عن سعدان المذكور في الحديث السابق ومتنه مشابه لمتن الحديث السابق. وقد ذكرنا مراراً أن الشفاعة بمعنى استغفار الملائكة والأنبياء والأولياء للمؤمنين في الدنيا شفاعة صحيحة ثابتة.

الحديث السادس والعشرون: متنه كمتن الحديث الرابع والعشرين بيد أن في سنده محمد بن الفضل الذي بينا ضعفه وغلوه في التعليق على الحديث السابع عشر.

الحديث السابع والعشرون: وهو عن محمد بن الفضل أيضاً. ومتنه أن محمد بن الفضل سأل أبا عبد الله عليه السلام عن قوله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ فقال نحن أولئك الشافعون!.

الحديث الثامن والعشرون: نقله المجلسي عن المحاسن للبرقي أيضا بلفظ: «أبي عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام إن لنا جاراً من الخوارج يقول إن محمداً يوم القيامة همُّه نفسُه فكيف يشفع؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو يحتاج إلى شفاعة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) يوم القيامة».

قلت: «القاسم بن محمد» طبقاً لما صرح به علماء الرجال، واقفيٌّ، ولم يوثقه أحد، وردّ جميع الفقهاء روايته وطعنوا به. وأمّا «علي بن أبي حمزة» فهو ذلك الملعون ذاته الذي تكلمنا عنه في تعليقنا على الحديث الثامن.

الحديث التاسع والعشرون: عن كتاب «المحاسن» للبرقي أيضاً: «أبي عن حمزة بن عبد الله عن ابن عميرة عن أبي حمزة قال قال أبو جعفر عليه السلام: إن لرسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) شفاعة.».

في سنده «حمزة بن عبد الله» لا ذكر له في كتب الرجال، ورواه عن «ابن عميرة» قد جاء في فصل الكنى (ص28) من كتاب تنقيح المقال: لم أعرف اسمه ولا حاله!.

الحديث الثلاثون: عن كتاب «المحاسن» للبرقي أيضاً: «ابن محبوب عن أبان عن أسد بن إسماعيل عن جابر بن يزيد قال قال أبو جعفر ع يا جابر لا تستعن بعدونا في حاجة ولا تستعطه ولا تسأله شربة ماء إنه ليمر به المؤمن في النار فيقول يا مؤمن ألست فعلت بك كذا وكذا؟ فيستحيي منه فيستنقذه من النار، فإنما سمي المؤمن مؤمناً لأنه يؤمن على الله فيؤمن فيجيز أمانه».

قلتُ: في سنده أبان عن «أسد بن إسماعيل» والأخير مجهول الحال كما جاء في «تنقيح المقال» (ج1/ص7) فضلاً عن أن متن الحديث لا علاقة له بتلك الشفاعة الواسعة المدّعاة.

الحديث الواحد والثلاثون: نقله عن كتاب «المحاسن» للبرقي أيضاً: «أبي عن فضالة عن حسين بن عثمان عن أبي حمزة أنه قال: للنبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) شفاعةٌ في أمته ولنا شفاعةٌ في شيعتنا ولشيعتنا شفاعةٌ في أهل بيتهم».

قلتُ: هذا الحديث من كلام أبي حمزة فهو ليس مرفوعاً إلى المعصوم فلا حجة فيه. وعلى كل حال فشفاعة النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لأمته ثابتة ولكن بمعنى استغفاره لهم وطلبه الرحمة لهم.

الحديث الثاني والثلاثون: نقله المجلسي عن كتاب «المناقب» لابن شهرآشوب كالتالي: «علي بن الجعد عن شعبة عن قتادة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله تعالى فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ قال يعني ما تنفع كفار مكة شفاعة الشافعين ثم قال أول من يشفع يوم القيامة في أمته رسول الله وأول من يشفع في أهل بيته وولده أمير المؤمنين وأول من يشفع في الروم المسلمين صهيب وأول من يشفع في مؤمني الحبشة بلال!».

قلت: جميع رواة سند الحديث من العامة (أهل السنة) وهو موقوف على ابن عباس وليس من كلام المعصوم.

الحديث الثالث والثلاثون والرابع والثلاثون: أيضاً منقولان عن العامة ومضمونهما بعيد عن الشفاعة المدعاة ولا يعارض ما ذكرناه.

الحديث الخامس والثلاثون: منقول عن «التفسير» المنسوب للإمام الحسن العسكري الذي سبق وبينا أنه كتاب منحول وغير موثوق بل ضعيف ومكذوب.

الحديث السادس والثلاثون: ومضمونه مشابه لحديث الشفاعة الطويل المنقول عن «تفسير العياشي» والذي فيه أن رسول الله يقرع حلقة باب بيت الله فيخرج الله ويسأل مَن بالباب...الخ. مما سبق بيان بطلانه عقلاً وشرعاً.

الأحاديث 37-38-39 كلها منقولة كلها عن تفسير العياشي دون سند فلا حجة فيها ولا تستحق الاعتناء.

الحديث الأربعون: (وهو الحديث رقم 53 في الطبعة الجديدة): نقله المجلسي عن كتاب «بشارة المصطفى» بالسند التالي: يحيى بن محمد بن الحسن الجواني عن جامع بن أحمد الدهستاني عن علي بن الحسن بن العباس الصندلي عن أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي عن يعقوب بن أحمد السري عن محمد بن عبد الله بن محمد عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عليه السلام عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «أربعةٌ أنا لهم شفيعٌ يوم القيامة المكرِم لذريِّتي والقاضي لهم حوائجهم والساعي في أمورهم ما اضطروا إليه والمحب لهم بقلبه ولسانه عند ما اضطروا».

قلتُ: رواة الحديث بدأً من يحيى بن محمد الجواني وانتهاءً بيعقوب بن أحمد السري كلهم مجهولون وليس لهم ذكر في كتب رجال الشيعة، والأخير يرويه عن «محمد بن عبد الله بن محمد» وهو إن لم يكن مجهولاً فلا بد أنه «محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله» الذي اعتبره النجاشي ضعيفاً. والراوي التالي «عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه» وأبوه أي (أحمد بن عامر الطائي) قال عنه المامقاني في تنقيح المقال (ج1/ص63): مجهول الحال. وأحمد هذا روى الحديث عن عامر بن سليمان بن صالح وهو شخص مجهول لا ذكر له في كتب الرجال. فهذا الحديث فاسد السند ساقط من الاعتبار من جميع الجهات.

الحديث الواحد والأربعون (أو رقم 54 في الطبعة الجديدة): نقله المجلسي عن «كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة» كما يلي: «محمد بن العباس عن أحمد بن هوذة عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا فما كان سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم وما كان للآدميين سألنا الله أن يعوضهم بدله فهو لهم وما كان لنا فهو لهم ثم قرأ: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ».

قلتُ: «محمد بن العباس» و«أحمد بن هوذة» كلاهما مجهول الحال (انظر تنقيح المقال: ج3/ص135 وج1/ص99). و«إبراهيم بن إسحاق» اعتبره الشيخ الطوسي في رجاله (ص451) ضعيفاً، وقال الشيخ الطوسي في الفهرست (ص29): «إبراهيم بن إسحاق أبو الإسحاق النهاوندي كان ضعيفاً في حديثه متهماً في دينه». وقال العلامة في القسم الثاني من خلاصته (ص198): «إبراهيم بن إسحاق... كان ضعيفاً في دينه وفي مذهبه ارتفاع، وأمره مختلط، لا أعمل على شيء مما يرويه».

والراوي التالي هو «عبد الله بن حماد» قال عنه ابن الغضائري: «عبد الله بن حماد أبو محمد الأنصاري نزل قم، لم يروِ عن أحد من الأئمَّة وحديثه يُعرف تارة ويُنكر أخرى.».

والراوي الأخير هو «عبد الله بن سنان» وهو خازن مكتبة أبو جعفر المنصور الدوانيقي.

فهذا هو سند الحديث الذي استدل به المدعو آية الله العظمى (!) أبو الفضل النبوي في كتابه «أمراء الكون» على أن إياب الخلق إلى الأئمَّة وحسابهم عليهم!!

الحديث الثاني والأربعون (أو رقم 55 في الطبعة الجديدة): متنه كالحديث السابق وسنده مشترك معه في بدايته إلا أنه يصل في آخره إلى «محمد بن جعفر» عن أبيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وقد عرفنا حال الرواة من بداية السند وحتى عبد الله بن حماد، وبقي أن نتعرف على حال «محمد بن جعفر»:

ذكر الشيخ المفيد في كتابه «الإرشاد» أن «محمد بن جعفر» كان يرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف(40)، وقد خرج بذاته على المأمون في مكة سنة 199هـ، ودعا إلى نفسه وتسمَّى بأمير المؤمنين وبويع له بالخلافة، واتبعته الزيدية الجارودية، فخرج لقتاله عيسى الجلودي ففرق جمعه وأخذه وأنفذه إلى المأمون...(41). وجاء في كتاب «كشف الغمّة بمعرفة الأئمَّة» لعلي بن عيسى الإربلي، في الحديث عن موسى بن جعفر ما نصُّه: «ومات (الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام) في حبس (هارون) الرشيد وقيل سعى به جماعة من أهل بيته منهم محمد بن جعفر بن محمد أخوه ومحمد بن إسماعيل بن جعفر ابن أخيه والله أعلم»(42).

 وروى الشيخ الصدوق في «عيون أخبار الرضا»: «عن علي بن جعفر قال جاءني محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد وذَكَرَ لي أنَّ محمد بن جعفر دخل على هارون الرشيد فسلَّم عليه بالخلافة ثم قال له: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت أخي موسى بن جعفر عليه السلام يُسَلَّمُ عليه بالخلافة!»(43). وفي «عيون أخبار الرضا» أيضاً، كما في «الإرشاد» أنه: «لما خرج محمد بن جعفر بمكة ودعا لنفسه ويسمى بأمير المؤمنين وبويع له بالخلافة ودخل عليه أبو الحسن الرضا عليه السلام فقال: يا عم! لا تكذِّب أباك وأخاك فإن هذا الأمر لا يتم.». وفي موضع آخر من «عيون أخبار الرضا» روى الصدوق بالسند عن عمير بن يزيد قال: كنتُ عند أبي الحسن الرضا عليه السلام فذُكِرَ «محمد بن جعفر بن محمد» فقال: «إني جعلتُ على نفسي أن لا يُظِلَّني وإيَّاه سَقْفُ بَيْتٍ!».

 فهذا هو حال «محمد بن جعفر» يُضاف إلى حال الرواة السابقين للسند الذي شرحناه فيما سبق!.

الحديث الثالث والأربعون: (وهو رقم 58 في الطبعة الجديدة): نقله المجلسي عن كتاب «علل الشرائع» للشيخ الصدوق بسنده التالي: «ابن المتوكل عن سعد عن ابن عيسى عن ابن سنان عن مسكان عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لفاطمةَ وَقْفَةٌ على باب جهنم، فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كل رجل مؤمن أو كافر، فيؤمر بمحب قد كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ إلى النار، فتقرأ بين عينيه محبَّاً فتقول: إلهي وسيدي! سميتني فاطمة وفطمت بي من تولاني وتولى ذريتي من النار ووعدك الحق وأنت لا تخلف الميعاد فيقول الله عز وجل: صدقت يا فاطمة إني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد وإنما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفعك ليتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك مني ومكانتك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمنا فجذبت بيده وأدخلته الجنة!».

قلت: يكفي في بيان وضعه واختلاقه أن في سنده «ابن سنان» الذي هو محمد بن سنان الضعيف الغالي الذي سبق بيان حاله.

الحديث الرابع والأربعون: (وهو رقم 59 في الطبعة الجديدة): نقله المجلسي عن كتاب «تفسير فرات بن إبراهيم» قال: «سهل بن أحمد الدينوري بإسناده عن الصادق عليه السلام قال قال جابر لأبي جعفر عليه السلام جُعِلْتُ فِدَاكَ! يا ابن رسول الله! حدثني بحديث في فضل جدتك فاطمة إذا أنا حدثت به الشيعة فرحوا بذلك، قال أبو جعفر عليه السلام حدثني أبي عن جدي عن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) قال: إذا كان يوم القيامة نصب للأنبياء والرسل منابر من نور فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة (ويذكر أنه يُنْصَبُ لعليٍّ منبرٌ وللحسنين منبرٌ و.. و.. حتى يقول): فيقول الله تعالى يا أهل الجمع إني قد جعلت الكرم لمحمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة يا أهل الجمع طأطئوا الرؤوس وغُضوا الأبصار فإن هذه فاطمة تسير إلى الجنة فيأتيها جبرئيل بناقة من نوق الجنة مدبحة الجنبين خطامها من اللؤلؤ الرطب عليها رحل من المرجان فتناخ بين يديها فتركبها فيبعث الله مائة ألف ملك ليسيروا عن يمينها ويبعث إليها مائة ألف ملك عن يسارها ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتى يصيروها على باب الجنة فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت فيقول الله يا بنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتي فتقول يا رب أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم فيقول الله يا بنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك أو لأحد من ذريتك خذي بيده فأدخليه الجنة...الحديث بطوله».

قلت: لم يذكر المجلسي تفصيل السند المشار إليه وكل ما ذكر هو الراوي «سهل بن أحمد الدينوري»، وهذا كاف لمعرفة كذب الحديث، لأن «سهل بن أحمد» هذا قال عنه ابن الغضائري - كما ذكر المامقاني في تنقيح المقال (ج2/ص74)-: «كان يضع الأحاديث ويروي عن المجاهيل!»، كما عرفي العقيقي بأنه: «كان واقفيّاً غالياً». وهكذا جاء تضعيفه وجرحه بالوضع الغلو في جميع كتب الرجال، فابن داود الحلي مثلاً أورده في قسم الضعفاء من رجاله (ص 460)، والتفرشي قال عنه في «نقد الرجال» (ص 164) أنه هو الذي وضع التفسير المنسوب إلى الإمام، وانظر أيضاً قاموس الرجال للتُسْتَرِيّ (ج5/ص 32).

 الحديث الخامس والأربعون: نقله المجلسي عن كتاب «الأمالي» للشيخ الطوسي عن المفيد عن ابن قولويه عن الحميري عن أبيه عن البرقي عن التفليسي عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام قال: «يا فضل إنما سمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن على الله فيجيز الله أمانه ثم قال أ ما سمعت الله يقول في أعدائكم إذا رأوا شفاعة الرجل منكم لصديقه يوم القيامة فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ».

والتفليسي لقب «بشر بن بيان» الذي اعتبره في تنقيح المقال (ج1/ص172) مجهولاً وذكر في صفحة 20 أنه لا وجود له. وإن كان المراد من التفليسي «بيان بن حموان» فهو أيضاً مجهول كما في (ج1/ص185) من تنقيح المقال. وإن كان المراد منه «شريف بن سابق» فهو حسب قول الغضائري ضعيف ومضطرب الأمر، وعلى قول صاحب تنقيح المقال (ج2/ص84): «كلهم يتسالمون على ضعف الرجل».

الحديث السادس والأربعون: عن الكافي للكليني: «علي عن أبيه عن ابن فضال عن حفص المؤذن عن أبي عبد الله عليه السلام في رسالته إلى أصحابه قال: واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك فمن سره أن ينفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه».

قلت: متن هذا الحديث صحيح موافق للقرآن ولما بيناه من حقيقة الشفاعة.

الحديث السابع والأربعون: حديثٌ طويلٌ جداً أورده المجلسي نقلاً عن «تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي» بلا سند عن ابن عباس، ولمّا كان فاقداً للسند فلا حجة فيه. ومضمونه يحكي عن قدوم فاطمة عليها السلام إلى أرض المحشر على نحو مخصوص..الخ.

الحديث الثامن والأربعون: نقله المجلسي عن كتاب «علل الشرائع»: «أبي عن أحمد بن إدريس عن حنان قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا تسألوهم فتكلِّفُونا قضاء حوائجهم يوم القيامة».

قلت: في سند هذا الحديث «حنان بن سدير» الذي تذكر كتب الرجال أنه كان واقفياً (رجال الكشي ص465) وذكره ابن داود في رجاله مع المجهولين والمجروحين والضعفاء (ص450) كما اعتبره العلامة (ص218) واقفياً ونقل عن الشيخ الطوسي قوله: «إنه ثقة، وعندي في روايته توقُّفٌ...»، ولا ندري أن الجملة الثانية، أي التوقف في روايته، هي رأي الطوسي أم قول العلامة والأظهر أنها قول الطوسي.

واعتبره النجاشي عليه الرحمة في رجاله (ص113) غير ثبت.

وقال عنه صاحب تنقيح المقال (ج1/ص381): «حنان ضعيف لأنه كيساني»، وقال جميع علماء الرجال أن حناناً لم يدرك الإمام الباقر عليه السلام ومع ذلك فإنه روى هذا الحديث بصيغة: «سمعتُ أبا جعفر عليه السلام» مما يبين أن حديثه كذب من أساسه.

الحديث التاسع والأربعون: سنده كسابقه ومتنه شبيه به فلا اعتبار له.

الحديث الخمسون: نقله المجلسي عن كتاب «الأمالي» للشيخ الطوسي: «ابن عبدون عن ابن الزبير عن علي بن الحسن بن فضال عن العباس بن عامر عن أحمد بن رزق عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لا تستخفوا بشيعة علي فإن الرجل منهم ليشفع لعدد ربيعة ومضر».

قلت: ابن عبدون هو (أحمد بن عبد الواحد) الذي قال عنه المامقاني في تنقيح المقال (ج1/ص66): «لم يرد في الرجل توثيق صحيح». وأما «ابن الزبير» فقد اعتبره الوحيد البهبهاني غالياً. والأخير روى عن «علي بن الحسن بن الفضال» وهو من أسوء رجال الحديث سمعةً وقد سبق أن بينا حاله. وسائر رجال السند مجهولون لا ذكر لهم في كتب الرجال. وبالتالي فهذا الحديث واه من حيث السند بل من أوهن الأحاديث وأضعفها ثقةً.

الحديث الواحد والخمسون: من تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي «معنعناً عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال: نزلت هذه الآية فينا وفي شيعتنا قوله تعالى فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ وذلك أن الله تعالى يفضلنا ويفضل شيعتنا حتى إنا لنشفع ويشفعون فإذا رأى ذلك من ليس منهم قالوا فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ»

 هذا الحديث كما هو ظاهر مروي هنا بدون سند ولكنه جاء في تفسير القمي (ص473 من الطبعة القديمة) مسنداً عن إبراهيم بن هاشم عن الحسن بن محبوب عن أبي أسامة عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

وأبو أسامة هو زيد الشحّام الممدوح لدى أكثر أرباب الرجال ولكن الغضائري اعتبره ضعيفاً، وإبراهيم بن هاشم لم يوثقه كثير من علماء الرجال.

الحديث الثاني والخمسون: (وهو حديث رقم 70 في الطبعة الجديدة) نقله المجلسي عن «الكافي» للكُلَيْني قال: «محمد بن يحيى عن ابن عيسى عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن عمر بن أبان عن عبد الحميد الوابشي عن أبي جعفر عليه السلام قال قلت له: إن لنا جاراً ينتهك المحارم كلَّها حتى أنه ليترك الصلاة فضلاً عن غيرها، فقال: سبحان الله وأعظم ذلك ألا أخبركم بمن هو شرٌّ منه؟ قلت: بلى! قال: الناصب لنا شرٌّ منه، أما إنه ليس من عبد يُذْكَر عنده أهل البيت فيرقُّ لذكرنا إلا مسحت الملائكة ظهره وغفر له ذنوبه كلها إلا أن يجي‏ء بذنب يخرجه من الإيمان، وإن الشفاعة لمقبولةٌ وما تُقبَل في ناصب، وإن المؤمن ليشفع لجاره وما له حسنة! فيقول: يا ربِّ! جاري كان يكف عني الأذى، فيُشَفَّع فيه، فيقول الله تبارك وتعالى: أنا ربك وأنا أحق من كافى عنك فيدخله الجنة وما له من حسنة! وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنساناً، فعند ذلك يقول أهل النار فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ».

 قلت: أحد رواته «عليُّ بن فضال» الذي عرفناه فيما سبق، وبقية رواته مجهولون ومهملون. أما متنه فيمكن فهمه على نحو يتفق مع مفهوم الشفاعة الشرعية الذي سنشرحه لاحقاً.

الحديث الثالث والخمسون: هو الحديث التشبيهي الفاضح ذاته الذي استند إليه آية الله أبو الفضل النبوي وقد بينا ضعفه فيما سبق.

الحديث الرابع والخمسون: عن تفسير فرات بن إبراهيم: «محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا عن بشر بن شريح البصري قال: قلت لمحمد بن علي عليه السلام: أيَّةُ آيةٍ في كتاب الله أرجى؟ قال: ما يقول فيها قومك؟ قال قلت: يقولون يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. قال: لكنا أهل البيت لا نقول ذلك! قال قلت: فأيُّ شي‏ء تقولون فيها؟ قال نقول: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، الشفاعة والله الشفاعة والله الشفاعة».

قلتُ: إذا كان الراوي «محمد بن القاسم» هو «محمد بن القاسم الأسترآبادي» فهو كذاب متروك الحديث لأن الغضائري قال عنه - كما في تنقيح المقال: «ضعيف كذَّاب، وهو الذي وضع التفسير المنسوب إلى الإمام». أما إذا كان «محمد بن القاسم بن عبيد» فهو مجهول وكذلك الراوي الذي بعده أعني «بشر بن شريح»، فالحديث ساقط من الاعتبار لأن في سنده مجاهيل لا ذكر لهم في كتب الرجال. ومن الجدير بالذكر أن اسم «بشر» جاء في «تفسير فرات الكوفي» باسم «نشر» وهو أيضا مجهول!

الحديث الخامس والخمسون: منقول عن التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري الذي بينا فيما سبق أنّه كتاب موضوع مكذوب.

الحديث السادس والخمسون: من كتاب «صفات الشيعة» للصدوق رحمه الله بإسناده عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لكلِّ مؤمنٍ خمس ساعات يوم القيامة يشفع فيها.».

قلت: عمّارٌ الساباطيُّ كان فطحيَّ المذهب، قال عنه صاحب «كاشف الرموز»: «عمَّارٌ فطحيٌّ لا أعمل على روايته». وقال عنه الشيخ الطوسي في الرواية التي أوردها حول السهو في صلاة المغرب: «هو فطحيٌّ ملعونٌ من الكلاب الممطورة».

الحديث السابع والخمسون: عن كتاب «دعوات الراوندي»: عن سماعة بن مهران قال قال أبو الحسن عليه السلام: «إذا كانت لك حاجة إلى الله فقل اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي فإن لهما عندك شأنا من الشأن وقدراً من القدر فبحقّ ذلك الشأن وذلك القدر أن تصلّي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا، فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ ولا مؤمنٌ ممتحنٌ إلا وهو يحتاج إليهما في ذلك اليوم.».

قلتُ: قال الشيخ الصدوق: «أنا لا أفتي برواية سماعة بن مهران». ثم إن سماعة هذا مات عام 145هـ زمن الإمام الصادق عليه السلام، ومع ذلك فإنه يروي هذه الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام الذي ولد عام 148هـ! فهذا يدلُّ إما على الانقطاع في السند أو كذب في الرواية. وكلاهما يجعل السند ضعيفاً لا يمكن الوثوق به.

الحديث الثامن والخمسون: منقولٌ من غير سند عن «التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري» الذي ذكرنا مراراً أنه كتابٌ منحولٌ موضوعٌ، فضلاً عن أن متن الحديث الطويل يتضمَّن مطالب واضحة البطلان تنضح منها علامات الوضع، كحكايته عن رجل من شيعة عليٍّ يأتي يوم القيامة وقد وضع له في كفّة سيئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرواسي والبحار السيارة وليس عنده حسنة واحدة! (وليت شعري كيف يُعَدُّ مثل هذا المجرم الأثيم من شيعة علي؟!)، ومع ذلك تُغْفَرُ له كل ذنوبه عندما يَهَبُهُ عليٌّ عليه السلام ثواب نَفَسٍ من أنفاسه ليلة مبيته في فراش النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ)!! وغير ذلك من التّرَّهات غير المستغربة من مثل ذلك الحديث الملفَّق المكذوب.

الحديث التاسع والخمسون: منقول عن تفسير العياشي «عن أسباط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قوله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، قال: الصَّرْفُ النافلة والعدل الفريضة».

قلتُ: بيّنّا فيما سبق أن العياشي ضعيف في الرواية، فضلاً عن أن موضوع هذه الرواية لا علاقة له بمسألة الشفاعة التي نتكلم عنها.

الحديث الستون: منقول كذلك عن تفسير العياشي عن أبان بن تغلب قال: «سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيشفع فيهم حتى يبقى خادمه فيقول فيرفع سبابتيه يا رب خويدمي كان يقيني الحرّ والبرد فيشفع فيه».

قلتُ: فيه ما في سابقه من ضعف العيّاشي، فضلاً عن الانقطاع في سنده فلا تقوم به حجة. أما متنه فإذا فهمنا الشفاعة هنا على معنى استغفار المؤمن لأخيه الذي يحبّه فلا إشكال في هذا، لأنه هو المعنى الصحيح للشفاعة كما بيّنّا.

تلك كانت عمدة أحاديث الشفاعة التي جمَّعها المجلسي من كتب الرواية المختلفة في كتابه «بحار الأنوار»/باب الشفاعة، - وقد اكتفينا بستين منها لأن بعضها الآخر ليس بحديث والبعض لا سند له-، وكما لاحظنا لا يوجد بينها حديث صحيح واحد، كما أن كثيراً منها يتضمن قصصاً وخيالات عجيبة ملفَّقة مِنْ نَسْجِ خَيَالِ رُوَاةٍ مُضِلَّين دجَّالين أغواهم الشيطان فأبعدوا الناس بأكاذيبهم هذه عن كتاب الله وجعلوا دين الله مهجوراً وأغفلوا عن إنذارات رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) فجعلوها عديمة الفائدة والأثر فيهم بما أمّلوهم من هذه الشفاعة لمن ذنوبه وكبائره كالجبال الرواسي والبحار السيارة وليس له حسنة قط! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 

+                +                 +


 

الشفاعة عند الله لا تُقاس على الشفاعة عند سلاطين الدنيا

بيَّنَّا فيما سبق للقرَّاء الكرام أنَّ الشفاعة بمعنى توسُّط شخص مقرَّب ذي حظوة ومنزلةٍ لدى سلطانٍ حاكمٍ لأجل تخفيف العقاب أو العفو والسماح عن شخص مجرم ارتكب ما يستوجب العقاب، كان عادةً رائجةً زَمَنَ السلاطين الجبارين والمستبدين المتكبرين، ونقول: إن مثل هذا النمط من الشفاعة لا يمكن أن يوجد في نظام عالم الوجود الخاضع بشكل مطلق لإرادة ومشيئة رب العالمين، بل القول بمثله فيه نوع من الجهل بالله والتجرُّؤ على ساحة ربوبِيَّتِهِ المقدّسة، فقياس الشفاعة لديه على الشفاعة لدى سلاطين الدنيا قياس مع الفارق الكبير، بل قياس أمر على آخر لا علاقة له به.

فالقول بشفاعةٍ بمعنى قيام النبي أو الإمام بالتدخل والتوسط لدى الله تعالى لحمله على تغيير حكمه والرحمة بحق شخص قد أجرم إما لتخفيف العقاب عنه أو رفعه كليةً والسماح عنه، فيه نوع من الجهل بالله والوقاحة وإساءة الأدب بحق ذاته العلية وتشبيهه بسلاطين عالم الدنيا، مما لا تقره شريعة الإسلام المطهّرة. ولذا فقد جاء في كتاب «البداية والنهاية» للحافظ أبي الفداء ابن كثير الدمشقي (ج1/ص11): «...... عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله! جهدت الأنفس وجاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا فإنّا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ويحك أتدري ما تقول؟؟» وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يُسبِّح حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: «ويحك إنه لا يُسْتَشْفَعُ بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك»...».

وفيما يلي نذكر أهم خصائص الشفاعة التي تتم عند السلاطين الجبارين في الدنيا لنرى كيف أن مثل هذه المواصفات لا تنسجم ولا يمكن أن يُقال بمثلها بحق الباري تبارك وتعالى:

1) المجرم يرتكب أعماله في غيبة السلطان الحاكم الذي لم يكن مطلعاً عليه أثناء ارتكابه لجرائمه.

2) عندما يصل الأمر إلى محضر السلطان الحاكم ويتضح لديه ما عمله المجرم فإنه يصدر أمراً بمجازاته وعقابه وليس لهذا الجزاء قاعدة ثابتة وإنما يخضع لهوى السلطان وما يراه من المصلحة!.

3) عندما يتوسل مرتكب الجرم بصاحب الجاه والحظوة لدى السلطان ويرجوه أن يشفع له عند السلطان فإن صاحب الجاه إذا عرف أن هذه الشفاعة فيها نفع له أكبر من ثِقَل ترجّي السلطان فإنه يشفع وإلا لو شعر أن شفاعته لن تفيده مادياً ولا معنوياً فإنه يأبى الشفاعة.

4) الشفيع الذي يتدخل ويتوسط للمجرم لدى السلطان عادةً ما يقدم للسلطان أعذاراً وتبريرات لما فعله المشفوع له، أو يبين له أن من يشفع لأجله لم يرتكب في الواقع ذلك الجرم المنسوب له، أو أنه ارتكبه جهلاً منه ودون قصد أو عن غير عمد، أو يبين للسلطان أن هذا المشفوع له وإن أجرم إلا أنه في مقابل ذلك له إيجابيات فيها فائدة للسلطان وحكمه، فالأَوْلى العفو عنه والاستفادة منه، فعندئذ يقتنع السلطان ويقبل الشفاعة ويعفو عن المشفوع له.

5) قبول السلطان لشفاعة الشفيع ينجم عادة عن عدم اطلاعه الكامل على ما فعله المشفوع له واحتماله القوي أو يقينه بأن ما يقوله الشفيع حول عدم تقصير المجرم أو استحقاقه العفو صحيح، أو أنه يقبل شفاعة الشفيع كي لا يخيب أمله ولا يغضبه، إذ قد يكون لرفض شفاعته آثار وتبعات سلبية تضر بالسلطان لذا فإنه يقبل وساطته تجنباً لتلك التبعات.

 6) نتيجة مثل هذه الشفاعة تكون عادةً نجاة المجرم من العقاب المستحق عليه وبالتالي فإن الشفيع الذي نجح في مسعاه يحظى لدى الناس باحترامٍ أكثر من السلطان إذْ يشعر الناس أنهم مدينون له وأنه يستحق التذلل له أكثر من السلطان، لأنهم سيدركون أن السلطان ليس مبسوط اليد في بلاده تماماً وأن هناك من يؤثر على أحكامه وقدرته...

لذا فإن المجرمين في مثل هذه الحالة يرضون عن الشفيع أكثر من رضاهم عن السلطان وتقع محبة الشفيع في قلوبهم أكثر لأنه هو الذي حال دون تنفيذ العقاب بحقهم!

والآن أيها القارئ الكريم ضع هذه النقاط الست للشفاعة أمامك وقارنها بإرادة خالق العالم ومشيئته المطلقة وقدرته وسلطانه التي لا حدّ لها، وانظر هل من الممكن القول بمثل ذلك المفهوم للشفاعة بحق الباري عزّ وجلّ؟

هل الله تعالى غير مطلع على أفعال عباده؟ هل نظام الخليقة قائم على الهوى أم على السنن والقوانين الإلهية التي لا تتخلّف؟ هل يحتاج العباد لوسطاء وشفعاء لمخاطبة الله تعالى مع أنه القائل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186].

وهل الشفعاء الذين اخترعهم الغلاة والجاهلون لأجل يوم القيامة بحاجة إلى المجرمين والاستفادة منهم؟ وهل هم أرحم بخلق الله من الله تعالى!؟ هذا مع أنه حتى النبي محمد والإمام علي عليهما السلام اللذَين يعتقد أولئك القوم أنهما رحماء بأتباعهم ومحبين حباً جمّاً لشيعتهم، مهما بلغ مقدار محبتهما وشفقتهما لن يكون أكثر من قطرة في بحر رحمة الله ومحبته لعباده.

وهل يمكن للشفعاء أياً كانوا أن يُثْنُوا اللهَ عن حكمٍ اتخذه وَيَحْمِلُوهُ على تغييره؟! وهل الله تعالى يحسب حساباً للشفعاء ويخشى عدم إرضائهم!؟

إن القول بأي واحد مما سبق كفر وجهل بالله، تعالى الله عما يقول الجاهلون.

والخطأ الآخر في مسألة الشفاعة هو أن القائلين بها على ذلك النحو يتصورون أن نتيجة الشفاعة هي النجاة من عذاب جهنم ودخول الجنة، مثلما يحصل في الدنيا إذ أنه يحصل في الدنيا أحياناً أن المجرم الذي يستحق العقاب يتم العفو عنه بعد شفاعة الشفيع صاحب المنزلة لدى صاحب السلطة، فينجو من العقاب، وليس هذا فحسب بل قد يحظى بالتقرُّب من السلطان فيصبح من جلسائه وذوي المقام لديه، وهذا وإن كان وقوعه في الدنيا قليلاً لكنه يحصل أحياناً خاصةً عندما يكون المجرم صاحب كفاءات وملكات بارزة وشخصيّة قويّة، فيقربه السلطان بعد عفوه عنه وقد يعطيه منصباً وزارياً أو قد يرتقي به إلى أعلى من ذلك.

ولكن مثل هذا التصوّر للشفاعة لا مكان له مطلقاً في يوم المحشر لأن العذاب أو الثواب المستحقان على العبد هنالك نتيجة حتميّة ودقيقة لأعماله وللياقته وشخصيته فإن كان معذباً فلأجل ملكاته الخبيثة التي تكوَّنَت في نفسه نتيجة أعماله، ومثل هذا لو سيق فرضاً إلى جنّات الفردوس فلن يتلذذ بشيء منها، مثله مثل المريض الذي فقد كل إحساس في جهازه الهضمي نتيجة عطب في ذلك الجهاز إذا أعطوه طعاماً لذيذاً ليأكله لن يشعر بطعمه ولن يتلذذ به، أو مثل الرجل العنين والعجوز الذي فقد كل قواه الجنسية حتى لم يبق له حسّ اللمس ولا البصر ما عساه أن يستفيد من رؤية الحور العين وكيف سيتمتّع بهنّ؟ إن الشفاعة لا يمكن أن تضفي على المشفوع له كمالاً آنيّاً في ساعة واحدة وتبدِّلَ ملكاته السيئة بكمالٍ ورقيٍّ معنويٍّ يتمتَّعُ فيه بنعيمِ جنَّةِ الرضوان، وينطبق عليه مثل الشاعر بابا طاهر الذي يقول: (أمسيتُ كردياً وأصبحتُ عربياً)! فليس في كون الله مثل هذه الطفرات. إن إدراك مقام الرضوان الإلهي والسعادة والنعيم الأخروي يحتاج إلى مقام العبادة والرياضة ولا يمكن تحصيل تلك الكمالات إلا في الدنيا كما قال أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام: «وإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسَابَ وغَداً حِسَابٌ ولا عَمَلَ».

إن دين الإسلام لا يؤمن بالتناسخ والحياة الجديدة على الأرض بعد الموت كما في البوذية والبرهمية فلا يمكن تحصيل مقام القرب والعروج نحو الذات الأحدية في فرص الحياة الجديدة المتكررة بعد الموت بل هذه الحياة الدنيا هي فرصة الإنسان الوحيدة لتحصيل الكمالات وتهذيب النفس والقرب من الله كما قال الشاعر:

چه رفتى از جهان يكباره رفتى              دگر هرگز بعالم در نيفتي

أي: إذا رحلت عن العالم رحلت نهائياً ولن تعود بعدها أبداً إلى الدنيا ثانيةً.

قال تعالى: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم:39] وقال: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون:99-100].

إن المقام الأخروي هو الدرجة نفسها التي وصل إليها الإنسان في هذا العالم ولا يمكن أن تحصل خلال لحظة بسبب الشفاعة!.

وإذا كانت المقامات والمراتب العلمية في الدنيا لا يمكن الحصول عليها بغتة وفي لحظة عن طريق هبتها لشخص بل لا بد من سهر الليالي وتعب السنوات وبذل الجدّ والاجتهاد للوصول إلى تلك المراتب، فإنَّ تحصيل المراتب المعنوية والدرجات الأخروية أكثر أهمية وصعوبة من تلك المراتب العلمية في الدنيا، ولا بدّ للحصول عليها من سنوات طويلة من العبادات وجهاد النفس ورياضتها، وهذا ما تدل عليه آيات كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى:

 ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام:132]

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ [النجم:39]

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء:19-21].

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأحقاف:19]

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة:11].

﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه:75-76].

والآيات التي تدل على هذا المعنى وأن درجات الجنة وإدراك لذاتها على قدر تزكية النفس وكمالاتها ومقدار السعي إلى الآخرة الذي قام به العبد في الدنيا وعلى قدر درجة العلم بالله التي اكتسبها العبد في الدنيا كثيرة وهي كلها تؤكد بوضوح ما ذكرناه بأن عالم الخليقة ليس اعتباطياً ولا طفرات فيه، وحساب الآخرة أدق بكثير من حساب الدنيا، فإذا كان تقسيم الأرزاق في هذه الدنيا بتقدير من الله فإنَّ مصير الإنسان في عالم الآخرة رهين بسعيه وأعماله وما كسبته يداه:

﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور:21].

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر:38].

فحتى لو فرضنا وجود شفاعة أخروية بالمعنى الذي يقولونه فلا يمكن الوصول عن طريقها إلى الدرجات العالية في الجنة التي لا تحصل إلا بطي مقامات الإنسانية بواسطة العبادات والمجاهدات. إن هذا الكمال لا بدّ أن يحصل في نفس الإنسان بواسطة العلم والعرفان والإسلام والإيمان والإحسان ولا يحصل في لحظة.

 ومن العجب كيف يغفل الإنسان العاقل عن نفسه وعن الهدف من خلقه، مع أنه في هذه الدنيا كلما حصّل مقاماً لم يقتنع به وسعى إلى إحراز مقام أعلى وأفضل، هذا مع أن مقامات الدنيا، أياً كانت، فهي فانية وزائلة ولا تعادل شيئاً بالنسبة للآخرة، ولكن ذلك الإنسان بدلاً من سعيه إلى كسب المقامات الأخروية التي تورثه السعادة الأبدية التي لا تزول يغرّ نفسه بشفاعة من ذلك النوع والمفهوم الذي لا أساس له من الصحة لا عقلاً ولا شرعاً بل هو من أوهام وخيالات الغافلين ودسائس ومكر أعداء الإسلام الذين قادوا المسلمين إلى وضعهم التعيس الذي نراه!

إننا اليوم لا نرى أحكام الإسلام التي فيها قوام حياة المسلمين وعزّتهم مطبقة بينهم، لاسيما فريضة الدفاع عن حياض الدين والجهاد وإقامة الحكومة الإسلامية واتحاد المسلمين، بل نرى أعمالاً وبدعاً اخترعها الغلاة والدجّالون واعتبروها من أفضل الأعمال في حين أن ضررها واضح للعيان، قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف:103-104].

فحقيقة الشفاعة هي ما ذكرناه من قبل من أن الملائكة المجبولين على حبّ الخير وإرادته للمؤمنين، يستغفرون لهم كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر:7]، وبعضهم يطلب الخير لجميع أهل الأرض ويستغفرون لهم كما قال تعالى: ﴿ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الشورى:5]، ولكن هذا الاستغفار والشفاعة بحق أهل الأرض لن ينفع جميع الناس بل لن ينتفع منه إلا الذين رضي الله عنهم كما قال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26].

ونلاحظ في آية استغفار حملة العرش للمؤمنين تصريحاً واضحاً بأن الذين سيستحقون النجاة هم الذين آمنوا وتابوا واتبعوا سبيل الله وصلحوا هم وآبائهم وأزواجهم وذرياتهم فالمدار أولاً وآخراً على الإيمان والتوبة والصلاح: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [غافر:7-8].

ومن الجدير بالذكر أنه كما أُمر النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) بالشفاعة لأمته أي أن يستغفر لهم ويطلب الرحمة لهم فإن الملائكة أيضاً تستغفر للنبي لأنها تستغفر لجميع المؤمنين بل لجميع أهل الأرض وهو (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) منهم، وكذلك أُمرت الملائكة أن تصلي على النبي بشكل خاص، ومعلومٌ أن الصلاة معناها طلب الرحمة وعلوّ الدرجة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56]، والمؤمنون كذلك مأمورون بالصلاة على النبي، ولذلك ورد عن النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ): «إن ربي قد وعدني درجة لا تُنال إلا بدعاء أمتي»(44).

إذن الشفاعة وطلب الرحمة والغفران الذي تقوم به الملائكة من غير حملة العرش لعامة أهل الأرض لا يشمل إلا من كان قابلاً للشفاعة ومستحقاً للغفران ومثل هذه القابلية والاستعداد إنما تحصل لدى الأفراد من كل جيل لكل من يطوي مقامات القرب من الله وهذا الأمر يتكرر على الدوام لذا جاء التعبير في الآية المذكورة سابقاً بصيغة المضارع ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26].

فهذه هي حقيقة الشفاعة التي عرضناها في الصفحات السابقة وبينا أنها ذلك الاستغفار والدعاء ذاته الذي تقوم به الملائكة ويقوم به النبي للمؤمنين أو يقوم به المؤمنون لبعضهم بعضاً وكل ذلك منوط بإذن الله: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه:109].

فالشرط المهم لقبول الشفاعة أن يكون الله قد أذن بها سابقاً في الدنيا للملائكة والنبي والمؤمنين، لذا جاء الإذن بصيغة الماضي، وهو الإذن الذي أذنه الله للملائكة وأشار إليه الله تعالى بقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾، كما أذن به للنبي وهو ما أشار إليه في مواضع عديدة من كتابه كقوله تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ [محمد:19].

 وقوله سبحانه: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور:62]

وقوله تعالى: ﴿ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الممتحنة:12]

وهو ما قام به خليل الله إبراهيم عليه السلام عندما دعا قائلاً: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم:41]

وكذلك ما قام به حضرة نوح عليه السلام من دعائه لنفسه ووالديه والمؤمنين كما في قوله تعالى عنه: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ﴾ [نوح:28]

فكل هذه الأدعية وطلب الغفران الذي يقوم به الأنبياء هو نفس الشفاعة التي أذن بها الله والتي ستنفع المؤمنين الذين يرتضيهم الله، أما غير المؤمنين فلن ينتفعوا منها بشيء، وهو معنى أكدته عديد من الآيات التي بينت أن استغفار الملائكة والأنبياء لمن كانوا من المنافقين أو من كانوا من العصاة المصرين على آثامهم الظالمين لأنفسهم لن تنفعهم شيئاً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المنافقون:6]، وقوله سبحانه: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة:80].

ولهذا نجد أن شفاعة إبراهيم لقوم لوط لم تُقبَل، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ [هود:74-76].

 وشفاعة نوح لابنه لم تُقبل، قال تعالى: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود:42-47].

فهذا يؤكد تلك الحقيقة القرآنية أنه لدى مقام العزة والجلال الإلهي لا يوجد نسبٌ ولا قرابةٌ ولا وساطةٌ بل كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزمر:44]، فلا يوجد إلا الإيمان والتقوى، ولا مكان للأنساب ولا ينفع نبيٌّ ابنَه ولا زوجَتَه.

ولذلك فقد يشفع الأنبياء أي يستغفرون لأمتهم دون أن يعني ذلك أن الكل سيستفيد من تلك الشفاعة لأن الأنبياء ليس لهم علم بباطن كل فرد من أفراد أمتهم كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ [المائدة:109] وكما حكي سبحانه وتعالى عن نوح: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ [الشعراء:111-113].

وكما قال تعالى عن نبينا محمد: ﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام:50] فهو (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لا يعلم الغيب ولا يعلم بالتالي بواطن أفراد أمته لأنه من الغيب، وقد صرح تعالى بعدم معرفة نبيه بكثير من المنافقين الذين مردوا على النفاق فقال: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [التوبة:101]، لذا فهو لا يعرف جميع الصالحين من الطالحين من أمَّته فكيف يمكن أن يشفع لمن لا يعرفهم!؟ وقد قال سبحانه: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:36].

وخلاصة الكلام أنه بمعزل عن عدم وجود دليل على الشفاعة الأخروية المتجددة بالمعنى المشهور وإن كانت توجد فليس هناك أي آية تدل صراحةً أو كنايةً على أن النبيَّ والأئمةَ سيقومون بها يوم القيامة، أما إذا قلنا بالمعنى الذي طرحناه أي الشفاعة بمعنى الاستغفار والدعاء بالغفران والرحمة فهذه واقعة وصحيحة ولن ينتفع منها سوى المؤمنين الموحِّدين الذين ارتضاهم الله.

 

 

+                +                 +


 

خلاصة بحث الشفاعة

1- إن مسألة الشفاعة بالصورة التي راجت بين أمة الإسلام عموماً وفي مذهب الشيعة خصوصاً لا أساس لها من الشرع ولا العقل ومن اليقين أنها سرت إلى المسلمين من الملل والنحل السابقة، ومن شأن التحقيق في تلك الملل والأديان أن يكشف هذه الحقيقة ويؤكد هذا المطلب.

2- إن الشفاعة بالصورة التي فُهمت لدى العامة هي من طراز وكيفية شفاعة المقربين للسلاطين الجبارين الذين يقوم حكمهم على إرادتهم المستبدة وتنفيذ غضبهم وشهوتهم الظالمة والجاهلة، ولا تتناسب لا من قريب ولا من بعيد مع إرادة ربّ العالمين الحكيمة ومشيئته العالمة وسنته العادلة، وتصور مثل تلك الشفاعة بحق خالق العالم وصانعه الحكيم نهاية الجهل بالله كما سبق وأوضحناه.

3- معظم آيات الشفاعة في القرآن الكريم جاءت ردّاً ودفعاً للعقائد الجاهلية التي كانت رائجة قبل الإسلام لاسيما بين العرب المشركين عبّاد الأوثان والمجوس وأتباع فلاسفة اليونان القائلين بتعدد الآلهة والأرباب المسيِّرين لنظام الخليقة والذين لديهم قدرة ومشيئة خاصة بهم مثل إله الريح والمطر وإله الحرب والسلام وإله القحط والخصوبة وإله المرض والصحة وغير ذلك وكلٌ له سلطانه وعزّته واحترامه ومقامه لدى الإله الواحد الكبير تخوّلهم أن يطلبوا منه إيصال النفع لفلان وفلان من العبيد الذي تقرَّب إليهم وطلب الشفاعة منهم، فيقبل الإله الكبير شفاعة تلك الآلهة، وينجز تلك الطلبات التي كانت في الواقع طلبات دنيوية لأن المشركين زَمَنَ نزول القرآن لم يكونوا يؤمنون بالآخرة فعبادتهم للآلهة رجاء شفاعتها كان هدفه تحقيق رغباتهم ومصالحهم الدنيوية، والتأمل بدقّة في آيات القرآن الكريمة يوضّح هذا المعنى لطالبي الحقيقة كما أوضحناه.

4- إن آيات الشفاعة التي تشير إلى أنه ثمة شفاعة أذن بها الله تعالى أو يأذن بها يوم القيامة وسينتفع بها المؤمنون الذين ارتضى الله الشفاعة بحقِّهم، إنما تشير إلى شفاعة ملائكة السماء والأنبياء والمؤمنين لسائر المؤمنين بواسطة الاستغفار لهم وطلب الرحمة لهم ومثل هذه الشفاعة كما شرحناه سابقاً لها أصول وشروط أولها أن يكون الشخص المشفوع له مستحقاً وجديراً بشفاعة الملائكة واستغفارهم له وأهلاً لشفاعة النبيّ والمؤمنين له، أي أن يكون مُوحداً مرضياً لِـلَّه، وثانياً: أن يأذن الله تعالى بالاستغفار له، وثالثاً أن تتم هذه الشفاعة والاستغفار أثناء حياة ذلك الشخص في هذا العالم وإلا فيوم القيامة يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خلّةٌ ولا شفاعةٌ، أي أن أثر تلك الشفاعة واستغفار الملائكة والنبيين للمؤمنين في حال حياتهم في الدنيا ينعكس في الآخرة التي تتجسَّم فيها الأعمال وينتفع بها المؤمنون الموحِّدون كما يفيده قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه:109]. فالآيات التي تتحدث عن الشفاعة والإذن بها يوم القيامة لا تشير بالضرورة إلى وقوع الشفاعة مجدَّداً في القيامة بل تشير إلى نفعها أو عدم نفعها في ذلك اليوم.

5- جميع الأحاديث التي جاءت في كتب الرواية في باب الشفاعة الأخروية الشاملة مخدوشةٌ متناً وغير صحيحة سنداً بل ضعيفة متهافتة كما مرّ تفصيله.

6- من المؤكد أن الدافع وراء توسيع موضوع الشفاعة والمبالغة بها على ذلك النحو الرائج هو سعي الغلاة وأعداء الإسلام لحرف المسلمين عن قرآنهم وإنذاراته وتسهيل باب الفسق والفجور والانهماك في الشهوات عليهم لإضعافهم وإيقاف انتشار دين الإسلام لأن الأمة التي ينتشر فيها الكسل والتباهي والغرور تسير نحو الانحطاط فيصل بذلك أولئك الأعداء إلى هدفهم!.

7- إن دعاة السوء الجاهلون ينشطون في منابرهم في نشر وإشاعة ذلك المفهوم الباطل للشفاعة مدفوعين من قبل أعداء الإسلام سواء علموا بذلك أم لم يعلموا، ويستفيدون بذلك إقبال العامة عليهم لما يَلْقَى هذا المفهوم لدى العامة من استقبال كونه محبّباً إلى نفوسهم منسجماً مع روح الطمع والطبيعة الحيوانية فيهم، وإلا فإن أدنى تعقّل وتفكّر وتدبّر لآيات القرآن تبيّن فساد ذلك المعنى وحقيقة الشفاعة التوحيدية.

8- الشفاعة التي يبينها القرآن الكريم لا تبعث على الغرور والتجرّؤ على المعاصي كما هو شأن التصوّر المشوّه للشفاعة بل على العكس هي بحد ذاتها أفضل وسيلة لتربية الإنسان وترقيّه الروحي وبث روح خشية الله فيه وتشجيعه على الأعمال الصالحة، ولمّا كانت هذه النقطة مهمة جداً فإننا نوضحها فيما يلي بمزيد من الشرح والتفصيل:

في الكتاب المجيد السماوي لدين التوحيد كل الحول والقوة والإرادة والمشيئة وخاصَّةً يوم القيامة مختصة بالِـِله ربّ العالمينِ مالك يوم الدين وحده، ولا تأثير ولا قُوَّةَ ولا حُكْمَ لأحد من المخلوقات سواء كانوا من الملائكة المقربين أم من الأنبياء المرسلين أم من الأولياء الصالحين في ذلك اليوم، لا بل حتى لا يجرؤ أحدُ على قول كلمة في محضر الله إلا بعد أن يأذن لم يشاء ممن يقول قولاً صواباً كما قال سبحانه: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ:38]، ويقول عن ذلك اليوم: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس:65].

ففي منطق القرآن لم يُعطَ وعد الشفاعة يوم القيامة لأي أحد من عباد الله من الإنس سواء كانوا من الأنبياء أو الأئمة والصالحين، لا بل أكثر من ذلك لقد جاء في القرآن ردّ شفاعة بعض الأنبياء لأقربائهم كردّ شفاعة نوح لابنه ورفض شفاعة إبراهيم لأبيه وشفاعته لقوم لوط ورفض شفاعة الرسول الأكرم لبعض أقربائه أو صحبه ممن كان من المنافقين.

أما الشفاعة التي يصرِّح بها القرآن فهي عبارةٌ عن بعض الأمور التي يقوم بها بعض الملائكة بتسيير بعض شؤون نظام الطبيعة بأمر الله وإذنه وتقديره، كما هي عبارة عن استغفار الملائكة من حملة العرش للمؤمنين واستغفار سائر الملائكة لأهل الأرض أجمعين لما جبلوا عليه في طبيعتهم الملكوتيّة من الخير المحض، وهو طلب للغفران أي شفاعةٌ لن تنفع إلا أصحاب الاستحقاق الجديرين بها من عباد الله الذين رضيها الله لهم وأذن بها في حقهم: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26].

والشفاعة التي يُثبتها القرآن للبشر من بني آدم هي ذات الاستغفار أي طلب الرحمة وغفران الذنوب الذي يقوم به الأنبياء للمؤمنين أو يطلبه المؤمنون ويدعون به لبعضهم البعض، وتعود بركته على المستحقين له الجديرين به يوم القيامة.

وأثر الإيمان بمثل هذه الشفاعة أن يسعى المؤمنون - خلال حياتهم الدنيوية من خلال الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة- في أن يكونوا أهلاً لذلك الاستغفار وجديرين بدعاء النبي والمؤمنين بالغفران لهم، أي يسعون أن يكونوا مرضيين لله تعالى، لا أن يغتروا بشفاعةٍ مطلقة يستفيد منها كل واحد مهما فعل فيستسهلوا الانغماس في أودية الفسق والفجور وإشباع الشهوات وارتكاب المحرمات فيستحقون العذاب الإلهي الأبدي وينالون الذلّ في الدنيا والآخرة كما هو مشهود!.

وأثر الإيمان بهذه الشفاعة التوحيدية هو أن يعرف المؤمن أن لا معبود في عالم الوجود سوى الله الواحد الأحد، فلا يُوَلُّون وجوههم شطر أندادٍ وأولياء شركاء لله بوصفهم شفعاء عنده، كما كان يفعل المشركون من قبل، بل يتجهون بكل قلوبهم وأرواحهم لذات الواحد الأحد الذي بيده الشفاعة جميعاً وله الحكم له وحده ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر:16]، فيكونون موحدين حقيقيين لا يدعون إلا الله ولا يلتجئون إلا إليه ولا يشركون بعبادة ربهم أحداً كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف:110].

وأثر تلك الشفاعة التوحيدية أيضاً أن يسعى كل فردٍ للالتزام بأوامر الشرع ومعاملة الناس معاملة تجعل النبي والمؤمنين يستغفرون له ويطلبون له العفو والرحمة من صميم قلبهم لأنهم كانوا راضين عن عشرته وسلوكه في الدنيا فعندئذٍ تشمله شفاعة النبي والمؤمنين التي تنفعه في الآخرة فتوجب نجاته أو تخفيف العذاب عنه أو رفع درجاته في حين أن مثل هذه الشفاعة التوحيدية لن تنفع المجرمين ولا الكفار ولا المشركين كما قال تعالى: ﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر:48].

أجل مثل هذه الشفاعة توجب رقيَّ النفس وعلوّ روح المؤمنين وتجعلهم لائقين لمجالسة المؤمنين والصالحين يوم القيامة، وهي منسجمة مع منطق القرآن والعقل والوجدان وما عدا ذلك كله ليس سوى إلقاءات من الشيطان وخداع من الأعداء.

و﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف:43] والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

حيـدر علـي قلمـداران

+                +                 +


 

مصادر التأليف والتحقيق لبحث الشفاعة

1)                        القرآن الكريم.

2)                        ابن الغضائري، رجال ابن الغضائري، قم: مؤسسة إسماعيليان، ط2، 1364 هـ

3)       ابن حجر العسقلاني، الشيخ الحافظ، «لسان الميزان»، ط حيدر آباد ـ الهند 1331هـ.

4)       ابن داود الحلي (توفي في القرن 8 هجري‏?)، «رجال ابن داود»، نشر مؤسسة النشر في جامعة طهران، 1383 هـ

5)       ابن كثير، الحافظ أبو الفداء إسماعيل الدمشقي (774هـ)، البداية والنهاية، القاهرة 1351هـ

6)       ابن ماجه، الحافظ محمد بن يزيد القزويني (275هـ)، «سنن ابن ماجه»، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. مصورة دار الفكر ـ بيروت.

7)       ابن هشام، عبد الملك بن هشام الحميري المعافري (213هـ) السيرة النبوية، القاهرة، بتحقيق السقا والأبياري والشلبي، مكتبة البابي الحلبي، مصر 1973م.

8)                        أحمد بن حنبل، الإمام (241 هـ)، المسند.

9)       الإربلي، الشيخ والشاعر بهاء الدين علي بن عيسى الإربلي (692هـ)، «كشف الغمَّة بمعرفة الأئمة»، تبريز: مكتبة بني هاشمي، 1381 هـ.

10)                  الاسترآبادي، الميرزا محمد الاسترآبادي، «منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال».

11)     الألباني، المحدِّث محمد ناصر الدين، «صحيح الجامع الصغير»، المكتب الإسلامي ـ الرياض 1406هـ.

12)     البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل، «صحيح البخاري»، المكتبة العصرية،بيروت، 1418هـ.

13)                  الترمذي، الحافظ محمد بن عيسى أبو عيسى (279هـ)، سنن الترمذي.

14)                  الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (275هـ)، المستدرك على الصحيحين.

15)     الحلي، العلامة الفقيه الحسن بن يوسف بن المطهر (726 هـ)، «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال»، الطبعة القديمة.