بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

الخرافات الوافرة

في زيارات القبور

 

 

ألَّفَهُ (بالفارسيّة) آية الله:

السيد أبو الفضل بن الرضا البُرْقِعِيّ القُمِّيّ

(1908 - 1992م)

 

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وهذَّبه وعلَّق حواشيه

سعد محمود رستم


 

 

 

 

 

 

 

 

P


 

مقدمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد المرسلين وخاتم النبيِّين أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ومن سار على نهجهم ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، وبعد،

فإن من أشدّ ما ابتُلِيَ به الأئمة الأطهار من آل الرسول عليهم السلام قيام جماعات من الغلاة أو الزنادقة المندسُّون بين صفوف تلاميذهم بدسِّ كثير من الأحاديث الكاذبة والترَّهات الباطلة والروايات الطائفية التي تبث الفرقة والاختلاف ونسبتها كذباً إليهم أو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبثِّها - كما يقول الأستاذ المحقق محمد باقر البهبودي(1) - في الصحائف والأصول ترويجاً لأفكارهم الضالة أو تخريباً للإسلام من داخله كي يختلط الحق بالباطل وتتنفر منه طباع المتفكِّرين وأنظار العالمين.

وقد بذل أئمة أهل البيت عليهم السلام جهداً كبيراً في فضح هؤلاء الغلاة ولعنهم والتحذير من أخطارهم وأفكارهم وإعلان البراءة من أقاويلهم وغلوِّهم بحقِّهم، كما بذل علماء الرجال (من الشيعة الإمامية) جهوداً مشكورةً في تعقُّب هؤلاء الغلاة وفضحهم وبيان أحوالهم، ويسَّروا بذلك السبيل على من أتى بعدهم ليعرف الأصيل من الدخيل والصحيح المقبول من الضعيف المتروك، وقد أجمع علماء الشيعة الأصوليون المحققون على تكفير الغلاة وتضليل أقاويلهم حتى قال مرجع الشيعة الإمامية الأعلى في عصره السيد أبو القاسم الخوئي (رح) في فتواه الشهيرة حول المفوِّضة الغلاة: «..إن الكتاب العزيز (أي القرآن) يدلُّ على أن الأمور الراجعة إلى التكوين والتشريع كلها بيد الله سبحانه (إلى أن قال): فهذا الاعتقاد [أي الغلوّ والتفويض] انكارٌ للضروري..فيبتني كفر هذه الطائفة (الغلاة والمفوضة)».

هذا علاوة على أن الأئمة من آل الرسول عليهم السلام وضعوا لمواجهة حركة الدس والوضع هذه قاعدة ممتازة شافية وكافية لو أُخِذَ بها لتطهَّر التراث الحديثي والروائي الشيعي تماماً من كل الخرافات والأباطيل والأكاذيب التي انتشرت فيه كثيراً مع الأسف، ألا وهي قاعدة العرض على القرآن الكريم، فقد روي هذا المعنى عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بعبارات متنوعة كقولهم «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتاب والسنة» و«ما جاءكم من حديث لا يصدِّقُه كتابُ الله فهو باطل» و«كلُّ شيءٍ مردودٌ إلى كتاب الله والسنَّة، وكلُّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» ونحوها من الروايات العديدة(2) التي حكم بعض الأساطين بتواترها تواتراً معنوياً(3).

ومن جملة الموضوعات التي كثر افتراء الأحاديث الكاذبة فيها موضوع فضائل زيارات قبور الأئمّة من آل الرسول عليهم السلام، فقد وضع الغلاة أحاديث لا حصر لها في آداب هذه الزيارات وما على الزائر أن يفعله عند الأضرحة والعتبات، وما أُعِدَّ للزائر من عظيم الأجر والمثوبات والفوز بالجنات، واصطنعوا نصوصَ زياراتٍ وأدعية منمَّقة العبارات مليئة بالغلوّ والمبالغات مما يجافي روح التوحيد الناصع من الإطراءات ويناقض ما ذُكِر في كتاب الله من الآيات، ليقرأها الزوَّار عند قبور الأئمة أو قبور ذراريهم فينالوا ثوابات جُزافية وأجوراً هائلةً خياليَّة يمجُّها العقل والشرع.

وقد قام مؤلف هذا الكتاب بدراسة وتمحيص متون روايات فضائل زيارات القبور هذه ووَزَنَهَا بميزان القرآن الكريم ثم التاريخ والعقل، وَخَرَجَ بنتيجة مفادها أن جميع ما رُوِيَ في فضائل وأجور زيارات القبور لا يوجد فيها حديثٌ صحيحٌ واحدٌ! وأنها مما وضعه الغلاة والوضاّعون في العصور اللاحقة على زمن الأئمة عليهم السلام.

وأجمل ما في كتابه أنه قارن هذه الروايات الموضوعة المغالية بما صح عن أئمة العترة النبوية عليهم السلام بدءاً من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم سائر الأئمة الكرام من وُلْدِهِ من أدعية توحيديّة خالصة ومن روايات يرفضون فيها المغالاة بحقهم والتجاوز في إطرائهم وتعظيمهم، ومن تأكيدهم على أن الله قريبٌ من الداعين لا يحتاج إلى الاستشفاع لديه بشفعاء ولا التوسل إليه بوسطاء بل هو قريب مجيب بابه مفتوح للسائلين حتى من العصاة والمذنبين، وهو أكرم مسؤول وخير مأمول..الخ، كما جاء في نصوص ذكرها من أدعية «الصحيفة العلوية» المروية عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أو «الصحيفة السجادية» الشهيرة المروية عن الإمام زين العابدين السجاد عليه السلام، أو نصوص ممتازة اقتبسها من «نهج البلاغة» مما جمع الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام، أو غيرها من الأدعية الصحيحة الأخرى الموجودة في الموروث الروائي الشيعي الصحيح.

ملاحظات حول الترجمة:

كتب المؤلف كتابه هذا أو بالأحرى أعاد تحريره - (لأنه كان قد ألَّف النسخة الأولى لهذا الكتاب قبل عدة سنين) - في أواخر عمره بعد أن تعرض لمحاولة اغتيال من بعض غلاة المتعصبين الجهلة، ثم تعرض بعد مدة إلى فترة من السجن، وبعد خروجه بمدة تعرض إلى النفي، وقد أثَّرت تلك المضايقات والإيذاء على مزاجه -العصبيّ أصلاً- فكتب الكتاب بأسلوب لا يخلو من تشنِّجٍ وهجوميَّة وجرح، أو لحن أقرب في بعض المواضع إلى المهاترة وأبعد عن البحث العلمي الهادئ الرصين، ولمّا لم يكن الهدف من الترجمة إثارة الخلاف وبث الفرقة والتهجُّم على أحد أو التهكُّم منه، بل تقديم اجتهاد عالم مجتهد وتحقيق باحث ناقد في هذا الموضوع الهام ليطَّلع عليه الباحثون ويستفيد منه الدارسون، فقد اضطررت إلى تصرف يسير في الترجمة مع الحفاظ على المعاني والأفكار والنقد العلميّ، ويمكن إجمال التصرف اليسير بالنقاط التالية:

أولاً: خففت في بعض المواضع من حدّة اللهجة باستبعاد الأسلوب التهجُّمي أو التجريحي أو بعض عبارات التكفير أو الاتهام بالنفاق، مع المحافظة على المعنى والفكرة التي يريد إيصالها أو النقد الذي يريد قوله سواء للأفكار أم للأعمال أم للأشخاص بأسلوب معقول دون قدح أو طعن خاصَّةً إذا كان الطعن ذا علاقة بنيّات الناس التي هي غيبٌ لا يعلمه إلا الله.

ثانياً: اختصرتُ في مواضع قليلة جداً عندما رأيت شيئاً من الابتعاد في النقد أو إعادة للفكرة نفسها التي اتَّضحت من قبل فقمت بحذف التكرار لعدم فائدته. ثالثاً: بالنسبة إلى بعض الاقتباسات والشواهد التي يوردها المؤلف مجتزأة، أوردتها أحياناً بصورة أكمل - خاصة إذا كانت آية قرآنية - لما في ذلك من فائدة تعين على فهم مراده أكثر. رابعاً: ذكرتُ بين كلام المؤلف في بعض المواضع بعض الجمل التوضيحية من عندي يقتضيها السياق وتعين على فهم المراد، ووضعت ذلك بين معقوفتين [ ] لتمييزها عن كلام المؤلف.

هذا وقد علَّقْتُ في الحاشية بعض التعليقات القليلة من نقد لفكرة أو إبداء لملاحظة أو تأييدٍ لمطلب أو ترجمةٍ لشخصيَّةٍ غير مشهورة أو بيانٍ لهوية كتابٍ غيرِ معروفٍ أو تخريجٍ لحديثٍ أو بيانٍ لموضعه ونحو ذلك، وذَيَّلتُ تعليقاتي بكلمة (المترجم) لأميِّزها عن حواشي المؤلِّف.

نبذة عن المؤلِّف:

هو العالم المجتهد الناصح آية الله السيد أبوالفضل بن الرضا البرقعي القُمّيّ مولداً ثم الطهراني، يرجع نسبه إلى السيد أحمد بن موسى المبرقع ابن الإمام محمد التقى (الجواد) ابن الإمام على بن موسى الرضا سلام الله عليهم، الذي حلَّ في قم قبل ثلاثين جيلاً من ولادة السيد البرقعي، وله فيها قبر معروف.

ولد «أبو الفضل البرقعي» في مدينة قم/إيران سنة 1329 أو 1330هـ (حوالي 1908م)، وبعد تعلُّمه الكتابة والقرآن في الكَتَّاب بدأ طلب العلم الشرعيّ وعمره اثنتا عشرة سنة في المدرسة الرضوية إحدى مدارس الحوزة العلمية في قم, وترقى في المراتب العلمية فكان من أشهر أساتذته فى قم آية الله الشيخ عبدالكريم الحائرى اليزدى وآية الله العظمى حُجَّتْ كُوه كمره اى, وقد أُجيز من كليهما، ثم رحل كعادة الطلاب إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته العلميّة العليا فيها وتتلمذ على أيدي أكابر علمائها حينذاك لا سيما الشيخ عبد النبي النجفي العراقي وآية الله السيد أبو الحسن الأصفهانى فحصل على إجازات الاجتهاد منهما ومن عدد من الآيات الآخرين مثل آية الله أبو القاسم الكاشاني وآغا برزگ الطهراني وغيرهم.

استلم السيد «البرقعي» الإمامة والخطابة في مسجد «وزير دفتر» أحد المساجد المعروفة في شارع «شاهپور» جنوب طهران الذي بناه والدا المرحوم المناضل الدكتور محمد مصدِّق (صاحب نهضة تأميم النفط) إذْ كان العلامة «البرقعي» من أنصار الدكتور مصدِّق في ثورته، وكان منذ ريعان شبابه من الدعاة النشطين والحركيِّين المجاهدين في سبيل نصرة قضايا الإسلام والمسلمين وتعرض أكثر من مرة للنفي والإيذاء لمواقفه الجريئة ولدفاعه عن آية الله الكاشاني، كما كان صديقاً وموجِّهاً لشباب حركة «فدائيان إسلام» الإسلامية المعروفة وقائدها الشهيد «نواب صفوي».

بدأ العلامة «أبو الفضل البرقعي» بكتابة الكتب الإسلامية الدعوية المفيدة منذ وقت مبكر وكان من أهم ما كتبه في هذه الفترة كتاب «عقل ودين» [أي العقل والدين] وهو دورة عقائدية استدلالية في أصول الدين في مجلدين الأول في العدل والتوحيد والثاني في النبوة والإمامة والمعاد، وكتاب «حقيقة العرفان» [أي حقيقة التصوُّف] وهو نقد لبدع وغلوّ وانحرافات الصوفية الغلاة في بلده، وقد نال الكتابان شهرةً وقبولاً عاماً واستحسنهما الخاصة والعامة، ومن جملة كتبه في هذه الفترة أيضاً «فهرست عقايد شيخية وتضاد آن با اسلام» [أي فهرس عقائد الشيخيَّة ومخالفتها للإسلام]، و«تراجم الرجال» (عشرة مجلدات) و«تراجم النساء» (مجلدين)، وغيرها من الكتب والرسائل الإسلامية المفيدة ضمن إطار المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري.

بدأ في أواخر الأربعينيات من عمره بالتحول شيئاً فشيئاً عن بعض العقائد المذهبية الأساسية للمذهب الإمامي الاثني عشري، وترجع بدايات تحوله إلى تأثره بالعلامة المصلح السيد مصطفى الحسيني الطباطبائي والأستاذ قلمداران من جهة، وإلى ما لقيه عقب تأليفه لكتابه «درسي از ولايت» [أي درسٌ عن الولاية] الذي ردَّ فيه ردَّاً مفصَّلاً ومدلَّلاً على فكرة «الولاية التكوينية» التي كان يروِّجُها بعض المشايخ المغالين في عصره، فقد أثار كتاب «البرقعي» هذا ردود أفعال مختلفة ومعركةً من الآراء بين مخالف وموافق، وكُتِبَت الكتابات وألقيت الخطب في الردّ عليه من قبل الغلاة لاسيما المرجع آية الله الميلاني الذي أصدر فتوى تعتبر كتابَ «درس عن الولاية» كتاب ضلالة وصاحبه ضالاً، وبعد سلسلة من الأحداث انتهى الأمر باجتماع عدد من مشايخ قم بزعامة أحد المراجع آنذاك وهو آية الله كاظم شريعتمداري وأرسلوا إلى الشاه ستة آلاف توقيع بأن هذا «المنحرف» يريد هَدْمَ مذهب أهل البيت عليهم السلام (!!) فأُخذ إلى المحكمة فلم يجدوا فيه ما اتهموه به فأطلقوا سراحه وعاد إلى مسجده، لكنه لم يسلم منهم إذْ هاجموا مسجده فيما بعد وأغروا به الأوباش والعوام فاستولوا على مسجده وطردوه منه.

بعد ذلك انصرف البرقعي للمزيد من البحث والتحقيق وبدأت تظهر كتاباته التي تدلُّ على خروجه عن أصول وأسس المذهب الاثني عشري، ويقول في هذا الصدد: «وفي تلك الأعوام كنت أجد فراغاً في الوقت ساعدني على المطالعة والبحث والتأليف والتدبر في كتاب الله، فتبين لي أنني وجميع علماء مذهبنا غارقون في الخرافات، وغافلون عن كتاب الله، وتخالف آراؤهم صريح القرآن وتعارضه..».

بيد أنه من الجدير بالذكر أنه - خلافاً لما ذكره بعضهم أو ما نشرته بعض المواقع على الإنترنت - لم ينتقل «البرقعي» إلى مذهب أهل السنَّة والجماعة بالمعنى المصطلح للكلمة، بل كان ينفي ذلك عن نفسه - وهو أعرف بنفسه من غيره - ويصرِّح بأنه كان ولا يزال من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (ونجد مثل هذا التصريح في مقدمة كتابنا الحالي وهو من أواخر ما ألّفه)، وأن حملته على مصادر الحديث تشمل حتى صحيح البخاري ومسلم، وأنه إنما نقد «الكافي» وأمثاله لأنه - أي الكافي - تحول إلى مرجع في بلاده، وأنه لا معنى لنقد مثل البخاري في بلد شيعيٍّ كإيران. وقد زرته شخصيّاً في أواخر عمره في ثمانينيات القرن الماضي ورأيته يصلي مسبلاً يديه ولا يسجد على السجادة بل على حجرة ملساء ويقيم في صلاته بحيّ على خير العمل. كما أنه من الواضح من كتاباته التي ألفها بعد تحوُّله - ومنها كتابنا الحالي - أن مشربه في الصفات الخبرية هو مشرب التنزيه المطلق، وكذلك في موضوع العدل الإلهي مشربه نفي الجبر والقول بالاختيار، وهذه من الأصول الكلاميّة للشيعة والعدليَّة كما هو معروف.

نعم لقد خرج عن الأصول المذهبية الخاصّة للتشيُّع الاثني عشري إذ نفى النص على الإمام عليٍّ وسائر الأئمة الاثني عشر ونفى عصمتهم ورجعتهم ونفى وجود الإمام الثاني عشر أي المهدي المنتظر وغيبته، وقال بعدم حِلِّيَّة نكاح المتعة، كما أعلن يدعو كل من أدّى إليه من الخمس شيئاً ليردّه إليه وأفتى بحرمة أخذ الخمس من غير الغنائم الحربية خلافاً للسائد بين الشيعة الإمامية، وانتهج نهجاً قرآنياً لا مذهبيَّاً منفتحاً على جميع مصادر المذاهب الإسلامية بلا تعصُّب لأحدها دون الآخر، وفيما يلي توضيح لمنهج البرقعي الذي انتهى إليه(4).

 

منهج البرقعي في استنباط أحكام الشريعة:

يضع البرقعي معايير ثلاثة رئيسية تمثل مرجعيّة الفقيه المسلم لاستنباط الشريعة والعقيدة وهي:

المعيار الأول: القرآن الكريم مع السنَّة القطعيَّة، وتأكيد البرقعي على هذا المعيار شديد، ومن هنا يمكن اعتباره ممن يُطلق عليهم «القرآنيُّون الشيعة» الذين برز تيارهم منذ بدايات القرن العشرين الماضي إذْ أحسُّوا بشيء من تغييب النص القرآني في الثقافة الشيعية لصالح الحديث الشريف فعملوا على ترسيخ المرجعية القرآنية لاسيما فكرة إمكان فهم النص القرآنيّ بلا حاجة للحديث على العكس تماماً من تيار أخباري كان له انتشار في الوسط الشيعي الإمامي حينذاك يرى أنه لا يمكن فهم نصوص القرآن إلا على ضوء الروايات والأخبار الواردة عن الأئمّة عليهم السلام.

 ويدافع البرقعي عن حجِّيَّة ظواهر القرآن بل يجعل للقرآن ميِّزة وهي أن وجود الناسخ والمنسوخ فيه، لو سلّمناه، يجبره اجتماع نصوصه جميعها في موضع واحد على خلاف الحال في السنة، كما أن نسخ القرآن لا بد أن يكون معلناً على الملأ ومن ثم ففرضيات مثل النسخ لا تزعزع قيمة القرآن ومرجعيته.

ويذهب البرقعي إلى أن جهل الناس - حتى بعض المتلبسين بلباس العلم- بالقرآن الكريم كان سبباً في كل هذا الزيف والتضليل الذي حصل في الثقافة الشيعية بالخصوص، إضافة إلى الجهد المرفوض الذي مارسه ويمارسه علماء الدين لإبداء النص القرآن غامضاً ذا بطون.

وانطلاقاً من قوّة المرجعية القرآنية، يحاول البرقعي تفسير انتصار المسلمين ووحدتهم في القرن الهجري الأول باعتمادهم مرجعية النص القرآن، أما في القرن الثاني، وحينما اعتمدوا على الروايات وظهرت مجاميع الأحاديث والأخبار، تفرّقوا وتمزّقوا كل ممزّق.

وعلى هذا الأساس، يشدِّد البرقعي النكير على علماء الدين الشيعة إذ بدل رجوعهم إلى النص القرآني في حلّ اختلافهم مع المسلمين رجعوا إلى أحاديثهم الخاصّة، واعتبروها المعيار لهم فأدى ذلك إلى نتائج سلبية فاحشة.

ولا يطال البرقعي في نقده علماء الشيعة فحسب، بل ينتقد المحدّثين والرواة وأصحاب مصادر الحديث كالكلينيّ والصدوق والمجلسي والطوسي وابن طاووس وغيرهم إذ يعتبرهم جاهلين بالقرآن وأنهم، لعدم اطلاعهم الوافي عليه، وقعوا فيما وقعوا فيه.

وقد ألّف البرقعي كتاباً باسم «أحكام القرآن» وهو كتاب في الفقه والفتوى يؤسِّس فيه فقهاً يعتمد بشكل رئيسيٍّ على النصِّ القرآني فحسب تقريباً.

المعيار الثاني: الفهم المقارَن للإسلام، ويعني البرقعي بالمقارنة، ضرورة أن نجعل المعيار هو الرجوع إلى روايات ونصوص وآراء مجموع المسلمين، لا مذهب واحد دون آخر، وبتجميع الشواهد والقرائن من مصادر الموروث الإسلامي العام نحصل على مفهوم إسلامي أو حكم شرعيّ إلهيّ، فهذا هو السبيل الوحيد المتوفِّر، أما الرجوع إلى مصادر الحديث الشيعية فقط أو السنية فقط فلن يحلّ المشكلة أبداً. وقد ألَّف البرقعي في هذا المضمار كتاباً في الأحاديث المتفق عليها بين الشيعة الإمامية والشيعة الزيدية وأهل السنة ويُعَدُّ من المؤلفات الممتازة جداً في بابه وعنوانه: «جامع المنقول في سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم» باللغة العربية ويقع في خمسة مجلدات.

المعيار الثالث: العقل، فقد اعتمد البرقعي في نقده للحديث على العقل الصريح تماماً كما اعتمد على القرآن(5).

أهداف البرقعي من مشروع نقد مصادر الحديث الشيعي:

يقدّم البرقعي عدة أهداف يرميها بمشروعه هذا وخلاصتها:

الهدف الأول: تطهير الإسلام من الخرافات والإضافات التي علقت به عبر الزمن؛ ليغدو مقبولاً في العصر الحاضر.

الهدف الثاني: تصحيح سمعة المذهب الشيعي ورفع الطعون عنه.

الهدف الثالث: تحقيق الوحدة الإسلامية العامة إذ الفرقة سببها هذه الأحاديث الموضوعة.

 الهدف الرابع: الدفاع عن القرآن الكريم إذ لعبت هذه الأحاديث بمعانيه وتعاليمه، فلا بدَّ من تعريتها ونقدها.

الهدف الخامس: الدفاع عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وتصحيح صورتهم في أذهان المسلمين.

الهدف السادس: الكشف عن بعض من أظهر الاعتقاد بأهل البيت عليهم السلام ثم دسّ الروايات الكاذبة عنهم، وبهدف تحطيم الدولة العباسية، أسَّس هذا الفريق من الرواة مذهباً خاصاً به مليئاً بالأوهام والخرافات، ثم جاء مَنْ بَعْدَهُم فأحسن الظنَّ بهم، وأخذ عنهم ما نقلوه ورووه(6).

اعتماد البرقعي منهج العرض على القرآن والعقل في نقد مصادر الحديث:

يرى البرقعي أننا لو استخدمنا منهج العرض على القرآن الكريم لما واجهنا اليوم مثل هذه المشكلات والخرافات، ويصرِّح بأنه وجد الكافي- أهم مصدر حديثي لدى الشيعة الإمامية- في كثير من مواضعه مغايراً للقرآن، مليئاً بالغلوّ والخرافات، غير موافق للعقل الإنساني.

وينقل البرقعي عن الأستاذ «حيدر علي قلمداران» - مؤيداً-: أنَّ علميّ الدراية والرجال على ما فيهما من فائدة، لا ينفعان في أن يغدوا معياراً، بل المعيار هو العرض على الكتاب شريطة الاعتقاد بأن القرآن لا يحتاج إلى تفسير.

ومن فكرة العرض على الكتاب هذه ثم العقل -كما يفيده العنوان الفارسي لكتاب ضخم ألّفه البرقعي بالفارسية في نقد أصول الكافي عنوانه: «عرض أخبار أصول بر قرآن وعقول»، (أي عرض أخبار أصول الكافي على القرآن والعقل)-، تعزَّزت بشكل قاطع عنده مقولة نقد المتن، حتى يمكننا القول: إن كتابه المشار إليه في نقد الكافي يعدّ من أبرز كتب نقد المتن الشيعية، بقطع النظر عن مدى نجاحه في خطوته هذه، وما يقوّي عند البرقعي معياريّة نقد المتن أن الرواة الكذابين كانوا يدّسون الروايات دون حاجة إلى إدراج اسمهم في سلسلة الأسانيد، من هنا، يبقى السبيل الوحيد لوزن النصوص ومحاكمتها هو الجلوس مع متنها لنقده وتمحيصه.

والذي يعزِّز - عند البرقعي- اعتماد نقد المتن أن أكثر المحدِّثين ورواة الأخبار كانوا غلاةً أو منحرفي العقيدة أو مجهولين، فلا يمكن الرجوع إليهم، علاوة على أنهم ما كانوا علماء ولا مجتهدين بل تجار وكسبة لا يفقهون القرآن، وأنه كيف نكتفي ببعض التوثيقات لهم دون ممارسة نقدٍ لمضامين الروايات التي نقلوها إلينا؟ وحتى الصدوق (381هـ) لم يكن بالنسبة للبرقعي سوى تاجر أرز جمع في خزنته ما سمعه ووجده، فوقع في اشتباهات كثيرة.

من هنا، اتخذ البرقعي معياراً في تقويم النصوص الحديثيّة وهو نقد المتن أولاً ثم اللجوء بعد صحّة المتن - عقلاً وقرآناً- إلى السند، وما لم يصحّ المتن فلا حاجة للبحث في السند فصحّته وبطلانه سيّان، آخذاً على العلماء الاقتصار على نقد السند.

وقد طوّر البرقعي من تصوُّره لأولويّة نقد المتن أن جعله معياراً للحكم على الرواة، فذهب إلى أن معرفة الراوي إنما تكون بدراسة رواياته، لا بمراجعة كلمات علماء الجرح والتعديل فقط، فمن علامات ضعف الراوي روايته الخرافات والمنكرات، ولهذا ضعّف البرقعي «علي بن إبراهيم القمّيّ» الذي يُنسب إليه تفسير القمِّيّ المعروف والذي عُدّ من أكابر علماء الشيعة عصر الحضور، وسبب تضعيفه له روايته - برأيه- الخرافات والغلوّ وما ينافي القرآن.

إن الأئمة عليهم السلام ابتُلوا وظلموا - من وجهة نظر البرقعيّ - بأعدائهم وبالمحيطين بهم على السواء فقد كان هناك متربّصون من جهة وجهّال غلاة من جهة أخرى، فلا سبيل إلا نقد المتن وتعرية المضمون.

أما معايير نقد المتن فلم يضف البرقعي عليها شيئاً مما كان علماء الحديث والدراية الإمامية قد ذكروه من قبل، من مخالفة القرآن بصريحه أو مفهومه، أو مخالفة السنة القطعية أو حقائق التاريخ، أو مخالفة العقل الصريح، أو مخالفة قواعد الأخلاق وأصولها، أو مخالفة الأصول العلمية المسلّمة، أو عدم نقل إلا عددٌ قليل جداً للخبر مع توافر الدواعي إلى نقله، أو ذكر ثواب هائل وعقاب عظيم على فعل يسير حقير...

نعم الشيء الذي حصل فيه تغيّر مع البرقعي ليس المعايير لاكتشاف عيوب متن الحديث بل التطبيقات العملية لتلك المعايير، حيث شهدت معه اتساعاً، رفضه الناقدون(7).

قائمة بأهم مؤلَّفات البرقعي بعد تحوّله المذهبي:

ذكر البرقعي في ترجمته الذاتية أسماء (77) مؤلفاً له بين كتاب ورسالة وتأليف وترجمة، معظمها باللغة الفارسية، وقد أشرنا إلى بعضها فيما سبق ونذكر هنا أهم العناوين التي ألَّفها بعد تحوُّله المذهبيّ إذ تعطينا فكرة عن عقائده وآرائه التي انتهى إليها:

- «تابشي از قرآن» [أي إشعاع من القرآن] تفسير كامل للقرآن الكريم في 12 جزءاً.

- «ديوان حافظ شكن يا گفتگويي با حافظ» [أي ديوان كسر حافظ أو حوار مع حافظ] وهو ديوان شعر كبير يرد فيه المؤلف على ديوان حافظ الشيرازي الصوفي المعروف قصيدة قصيدة.

- «تحريم متعِه در اسلام» [أي تحريم المتعة في الإسلام].

- «بت شكن يا عرض أخبار أصول بر قرآن وعقول» [أي كسر الصنم أو عرض أخبار الأصول (أي أصول الكافي) على القرآن والعقل].

- «بررسى خطبهء غديريه» [أي دراسة وتمحيص خطبة الغدير].

- رسالة «نقد المراجعات والردّ عليها» باللغة العربية.

- رسالة «اصول دين از نظر قرآن» [أي أصول الدين من وجهة نظر القرآن].

- «تضاد مفاتيح الجنان با آيات قرآن» [أي مخالفات كتاب مفاتيح الجنان لآيات القرآن].

- «دعاهايي از قرآن» [أي أدعية من القرآن].

- «بررسى علمي در احاديث مهدي» [أي دراسة علمية لأحاديث المهدي].

- «خرافات وفور در زيارات قبور» [أي الخرافات الوافرة في زيارات القبور] وهو الكتاب الحالي.

- «سوانح ايَّام» [أي سوانح الأيام] وهو ترجمة ذاتية لحياة المؤلف وما مرّ عليه وعلى وطنه إيران من أحداث وخطوب ويقع في 250 صفحة.

تلك أهم كتبه التي ألَّفها بعد تحوُّله أو استبصاره - على حدِّ قوله عن نفسه- وقد منع من طباعة ونشر أغلبها، فاكتفى بطباعة ما لم يسمح له بنشره على الآلة الكاتبة وتصوير عشرات النسخ عنها وتوزيعها بين معارفه وأصدقائه ومؤيديه.

وقد تعرض المؤلف في أواخر حياته للحبس عدّة أشهر (سنة 1987م) في سجن «إيوين» شمال طهران، ثم أُخْرِجَ منه، ثم بعد مدَّة نُفِيَ فترةً إلى مدينة «يزد» وسط إيران، ثم أمر مرشد الثورة بإطلاق حريته فعاد إلى طهران، واستقرّ في منزل ابنه في بلدة «كَنْ» إحدى الضواحي الشمالية لطهران، حيث وافته المنيَّة فيها في الشهر السابع من عام 1370 هجرية شمسية (حسب التقويم الإيراني) الموافق لـعام 1992م ودفن في تلك البلدة بجوار قبر «امامزاده شُعَيب» المعروف فيها، فرحمه الله وغفر له.

وفي الختام أود التذكير بأنه من نافلة القول أن عمل المترجم هو نقل نص من لغة إلى لغة بأمانة، وبالتالي فليس من الضروري أن يكون مؤيداً لكل ما يقوله صاحب النص تماماً بل قد يكون للمترجم أفكار مختلفة في بعض المواضع لكن ينبغي أن ينقل بأمانة بغض النظر عن موافقته أو عدم موافقته على كل ما يُقال، غاية ما في الأمر أنه يمكن للمترجم أن يعلق بعض التعليقات في الحاشية يعبر فيها عن ملاحظاته أو رأيه. أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المترجم

 

 

+                  +                 +


 

المقدمة

الحمدُ لله مالك الملك ديَّان الدِّين مجيب الدَّاعين والمضطرِّين ومغيث المهمومين وصريخ المكروبين وهادي المضلِّين، وصلَّى الله على رسوله وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.

إحدى البدع التي تندرج تحتها آلاف البدع الأخرى والتي ابتُليت بها أكثر الشعوب وأنست بها وبدَّدَت فيها أعمارها وأموالها زيارات القبور والاهتمام البالغ بها.

بدايةً لا بد من توضيح عدة أمور في موضوع زيارة القبور:

الأوَّل- هل أرواح العظماء من الأولياء والصالحين والأنبياء والشهداء توجد في جوف القبر أو فوقه أو في أطرافه وتشعر وتعلم بزوّار القبر أم لا؟

الثاني- إن لم تكن تلك الأرواح موجودة حول القبر أو لم تكن في الدنيا أصلاً فهل تطَّلع على زوَّارها وهي في عالمها الأخروي أم لا؟

الثالث- ولو فرضنا أنها مُطَّلعة على زوّارها فهل تستجيب لطلبات زوّارها وتعود إلى الدنيا وتلبِّي حاجاتهم أم لا؟

الرابع- هل هناك فائدة من اطلاعها على آلام الناس وعذاباتهم ومصائبهم أم لا؟ وهل تسعد وتُسرّ بمديحها وتمجيدها وذكر فضائلها ومناقبها في نصوص الزيارات التي يقرؤها زُوَّارُها أم لا؟ وهل ترغب بأن يخضع الناس أمام قبرها ويخشعون مردِّدين أكثر ما يمكن من المدائح والإطراء أم لا؟ وهل يفيد مَن لا يملك الصبر والتقوى أن يثني على صبر أولئك العظماء وتقواهم أو هل يفيد من يبخل ببذل روحه وماله في سبيل الله ولا يكون مستعداً للجهاد في سبيل الدين أن يثني على جهاد أولئك العظماء وشهادتهم بأبلغ العبارات أم لا؟ وهل ينفعُ من لا يعلم عن دينه ما يكفي ولا علم له بكتاب الله وشريعته، مدحُه صاحب القبر لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أم لا ينفعه؟

الخامس- هل وظيفة الإنسان الثناء والتمجيد والمديح للأموات الماضين، وهل طلب الله من الإنسان مثل هذا العمل؟ وهل كُلِّفَ العباد بذكر حسنات الماضين أو سيئاتهم أم لم يُكَلَّفُوا بذلك؟

السادس- هل من سنة الأنبياء والأولياء تزيين القبور وتشييدها أو بناء القباب والأضرحة والمنارات وتعمير الأفنية والأروقة للمقابر ووقف البساتين والمنازل والأراضي والدكاكين للأموات وصرف ريعها على حفظ مقابرهم أم أن ذلك من سنن الظلمة الجبارين الطغاة؟!

بعد توضيح هذه الأمور وإقامة البرهان عليها ننتقل إلى دراسة أحاديث الزيارات وتمحيصها وبيان صحة أو سقم عباراتها وهل هي حقٌّ أم باطل. وهدفنا من بيان هذه المسائل أن نوضِّح حقائق أحكام الدين ونميِّزها عن الخرافات المذهبية والأباطيل والأوهام التي تُعرَض على الناس باسم دين الإسلام.

ولكن قبل أن أبدأ بموضوع الكتاب أرى من اللازم عليّ أن أصرّح أنني كنت ولا أزال من شيعة إمام المتقين وأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام وأتباعه وآخذ أصول ديني وفروعه عن ذلك الإمام الكريم ولكنني أختلف مع أولئك الذين خرّبوا دين الإسلام باسم ذلك الإمام، وادَّعَوْا محبَّته ومحبَّة أولاده الأطهار لكنَّهم أوهنوا بناء الدين وأهملوا أصول الإسلام وفروعه وتعاليم القرآن بزيارات خرافية، ولا أعتبرهم من محبي عليّ عليه السلام حقَّاً.

ولن أستدلَّ في دراستي لموضوع هذا الكتاب إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأدلّة العقليّة، وبالنسبة للحديث لا بد من التذكير بوجوب رفض كل حديث يخالف القرآن أيّاً كان صاحبه، كما أَمَرَنا بذلك الله ورسولُهُ والأئمَّةُ عليهم السلام، أمّا إذا وافق الحديثُ القرآنَ الكريمَ فإننا نقبله ونضعه على رؤوسنا.

لقد جعل الله تعالى قرآنه ميزاناً نفرّق به بين الحق والباطل وسماه لذلك بالفرقان فقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان:1] كما اعتبر القرآن ميزاناً ومعياراً لمعرفة الصحيح من الخطأ فقال: ﴿ الله الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾ [الشورى:17]، كما اعتبره القول الفصل أي الذي يفصل بين الحقِّ والباطل فقال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ [الطارق:13]، واعتبر القرآن أحسن التفاسير فقال: ﴿ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان:33]، واعتبره هداية للناس وبياناً واضحاً لهم فقال: ﴿ ..أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الـْهُدَى وَالْفُرْقَانِ... ﴾ (البقرة:185) و﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ (آل عمران:138).

أما الأحاديث التي تدلُّ أيضاً على أن القرآن ميزانٌ لمعرفة الحقِّ من الباطل فهي كثيرةٌ ولكن لما كانت آيات القرآن ذاتها قد صرّحت بهذا المعنى بكل وضوح فهذا يغنينا عن ذكر الأحاديث في هذا الأمر، لذا سنكتفي بذكر ثلاثة أحاديث في ذلك نموذجاً:

1- في كتاب وسائل الشيعة (ج18:ص78) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَا وَافَقَ كِتَابَ الله فَخُذُوهُ وَمَا خالَفَ كِتَابَ الله فَدَعُوهُ».

2- وفي الصفحة ذاتها من وسائل الشيعة نقلاً عن كتاب الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «مَا لَمْ يُوَافِقُ مِنَ الحديثِ القرآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ».

3- وفي أصول الكافي (ج1: ص96) عن الإمام الرضا عليه السلام قال: «إذا كانت الرواياتُ مُخالِفَةً للقرآن كذَّبتُها».

بناء على ما ذُكر إذا أثبتنا بالبراهين والأدلة أن زيارات القبور والنذورات التي تُصرف لها مخالفة للقرآن الكريم، فالأجدر بمحبِّي الخرافات أن يردُّوا على كلامنا بالدليل والبرهان بدلاً من كيل الاتهامات لنا والافتراء علينا.

ولمَّا كنَّا نعتبر أن محاربةَ الخرافات أهمُّ من أيِّ جهاد آخر فإننا لا نهاب في هذا السبيل أيَّ إيذاء أو تهمة، إذ كلّما كان العمل مهماً أكثر كان أجره وثوابه عند الله أكبر، ولما كنا نعتبر بعض الأعمال التي يؤديها بعض المتظاهرين بالتقوى نوعاً من الوثنية فإننا نعتبر محاربتها جهاداً في سبيل الله لأن مخالفينا أفسدوا أصول الإسلام.

ولا يخفى أنَّ الأخ المجاهد والمحقِّق الجليل الأستاذ «حيدر علي قلمداران» رحمه الله ألَّف قبل كاتب هذه السطور كتاباً مفيداً جداً في موضوع «زيارة المزارات»، نقلتُ بعض مطالبه في الطبعة الأولى لكتابي هذا دون أن أذكر اسمه خشية أن يتعرّض إلى الخطر من جديد على أيدي الخرافيين أو يعتقله مسؤولو الحكومة، أَمَا وقد انتقل الآن إلى رحمة ربِّه، ولم يبقَ من عمر هذا العبد الفقير سوى أيَّام معدودة فإنني قمتُ بعد خروجي من آخر اعتقالٍ لي بإصلاح كتابي هذا واختصاره بهدف إتمام وإكمال ما ألَّفه ذلك الأستاذ الكريم، حيث ألحقتُ جزءاً من موضوعات النسخة الأولى من كتابي هذا بكتابه لِتَنَاسُبها مع موضوعه، ونقلتُ بعض موضوعات النسخة الأولى من كتابي هذا إلى كتابي الآخر الموسوم بـ «عرض أخبار أصول بر قرآن وعقول» (أي عرض أخبار أصول الكافي على القرآن والعقل) واكتفيتُ في هذا التحرير الثاني لكتابي الحاضر بذكر الموضوعات التي لم يذكرها المرحوم «قلمداران» في كتابه، هذا رغم أنه قد لا يخلو كتابي الحاضر من بعض الموضوعات التي ذُكرت في كتابه أيضاً.

وعلى كلِِّ حال آمل أن تكون موضوعات الكتابين مفيدةً لطلاب الحقّ. وأسأل الله تعالى لي ولذلك الأخ الفاضل المثوبةَ والأجر، إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله.

 

خادم الشريعة المطهرة

سيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي

 

+                  +                 +


 

أين توجد أرواح الأنبياء والأولياء بعد وفاتهم؟

انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [الحجر:29]، للروح مكان وليست مجردة من الزمان والمكان ومكان الروح هو البدن الدنيوي أو القالب المثالي البرزخي. والبدن هو مرْكَب الروح وهذا الأمر واضح ومحسوس ولا يحتاج إلى البرهان. وهذه الروح المحدودة لما كانت محدودة ذاتاً فإن صفاتها كالعلم والفكر محدودة أيضاً لأن حدود العوارض هي حدود المعروض ذاتها ولا يمكن أن تزيد عليها.

فروح الكائن الحي لا تعلم كلَّ شيء وليست مطَّلعة على جميع الأشياء ولا جميع الأمكنة، بل إنما تستطيع بواسطة تحصيل العلم أو بواسطة الوحي الإلهي أن تكسب العلم كما قال الله لرسوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 85]، وقال: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:36]، وقال: ﴿ فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه:114]، ونحوها من الآيات الكثيرة.

وهذا عندما تكون تلك الروح في الدنيا، أما عندما تخرج من البدن بالوفاة وتدخل القالب المثالي البرزخي فإن حقيقتها تبقى كما هي ولا تتغيَّر.

فالصالحون والأولياء يذهبون من هذا المكان إلى عالم ارفع وأسمى من هذا العالم وإلى قالب ألطف من الجسم الدنيوي. يقول الحق تعالى: ﴿ فَأَمَّا إِن كَانَ [أي المحتضر] مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴾ (الواقعة:88 و89)، وقال كذلك: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:169-171].

في هذه الآيات نقاط وأمور تحرِّر الإنسان من الأوهام والخرافات لذا نلفت نظر القراء الكرام إلىها:

عندما يقول الحقُّ عزَّ وَجلَّ: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ [آل عمران:169] فمعناه أنهم أحياء رغم أنهم تُوُفُّوا أي قُبِضَت أرواحهم وأُخِذَت من أبدانهم، وقوله: ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ يدل على أنهم في الواقع نالوا حياةً أفضل في مكان أسمى وأرفع.

فالجملة الأخيرة تدل على أنه رغم قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ [الرحمن:26]، وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر:30]، إلا أن المقرَّبين من الله ينالون عنده -بعد رحيلهم من هذه الدنيا الفانية- حياةً ونعيماً لا يعلم كيفيتها سوى الله، في حين أن الكفار والفجار ينالون الألم والعذاب بعد موتهم.

إذا عرفنا ذلك فيجب أن نعلم أين هو المكان الذي يشير إليه قوله: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾؟ إن قوله: «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يفيد أنهم عند الله وليس عند الخلق ولا عند القبر. فأين يكونون عندما يكونون عند الله؟ تبيِّن الآية الكريمة: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام:127]، والآية الكريمة: ﴿ وَالله يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس:25]، أن «عند الله» هو «دار السلام»، فهو غير «عند الخلق» وغير «عند القبر» أو الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل:96]، فلا شك أن الرزق الذي يرزقونه ليس مثل الرزق والطعام الدنيوي(8).

وفي الجزء الآخر من الآية المذكورة يقول تعالى: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [آل عمران:170]، فما يؤتيه الله لهم من فضله ليس هو الدنيا لأنه كانت لديهم الدنيا ثم أُخذت منهم ليعطوا بدلاً منها مكاناً أوسع وأفضل.

أما الذين لا علم لهم بالقرآن فيتصوَّرُون أنَّ الشهداء لهم ارتباط بهذه الدنيا. في حين أن جملة: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ [آل عمران:170] تدلُّ على أن الشهداء يذهبون إلى عالم يصبحون فيه بعيدين عمَّن خلّفوه وراءهم من الأحياء، آملين أن يلحق بهم أولئك الذين من خلفهم. فلو كان الشهداء لا يزالون في هذه الدنيا وكان لهم طريق إلى أقربائهم ومعارفهم لما كانت تلك الجملة صحيحة. فإذن الشهداء منفصلون عن أهل الدنيا. أضف إلى ذلك أن الله تعالى بيَّن في آخر تلك الآيات أن جميع المؤمنين سينالون ذلك النعيم والثواب: ﴿ وَأَنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:171].

 

هل الأنبياء والأولياء يطَّلِعون على زوَّارهم؟

بعد أن أثبتنا أن الأرواح تذهب بعيداً عن الدنيا إلى عالم البرزخ نجيبُ فيما يلي عمَّا يقوله الذين يقرُّون بأن الشهداء أحياءٌ في عالم آخر غير عالم الدنيا، إلا أنهم يقولون: لمَّا كان الشهداء أحياءً فإنهم يطَّلِعُون على أحوالنا [حتى ولو كانوا في «دار السلام» وفي عالم آخر غير عالم الدنيا]!

فنقول: من الواضح أن قولهم هذا غير صحيح لأن حياة الشهداء لا علاقة لها بعلمهم ومعرفتهم بأحوالنا، لأنه ليس هناك تلازم بين الحياة وبين العلم بكل شيء والإحاطة بكل مكان، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له علم بما يجري لجيرانه ومجاوريه إلا إذا أعلمه الله أو أخبره الناس بذلك كما حصل عندما قُتل عددٌ كبيرٌ من أصحابه في بئر معونة ولم يدرِ بذلك. وتأخَّرت زوجته عائشة عن القافلة في العودة من سفر بني المصطلق وبقيت في البادية وحدها ولم يكن له علم بذلك، وضاع جمله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن له علم بمكانه، وفي معركة أحد أُصيب بحجر في جبينه وشفته وفكِّه ولو كان له علم مسبق بذلك لأبعد رأسه عن الضربة وانحرف بعيداً عن الضارب حتى لا يُصاب بذلك الحجر. وقال الله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ [التوبة:101]، مما يدلُّ على أن النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له علم بنفاق بعض أتباعه، بل كان يعجبه كلام بعضهم دون أن يعلم بذات صدورهم وحقيقة نفاقهم كما قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ [البقرة:204].

فإذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حالَ حياته عالماً بكلِّ مكان ولا مطَّلعاً على كلِّ شيء، فالشهداء أيضاً لا يلزم أن يطَّلعوا وهم في حال الحياة البرزخية على كلِّ مكان وكلِّ شيء، وبالتالي فالحياة الأخروية مثلها مثل الحياة الدنيوية لا تستلزم العلم بكلِّ شيء، فاطِّلاع الذاهبين على أحوال الباقين يحتاج إلى برهان ودليل.

أضف إلى ذلك أن تلك الآيات التي مرَّت ذَكَرَتْ أنَّ الشهداءَ ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ مما يدلُّ على أن الشهداء لا اطلاع لهم على كل مكان، بل يذهبون إلى مكان لا خوف فيه ولا حزن ولا غمّ. في حين أنهم لو كانوا مطَّلعين على أحوال أهل الدنيا المساكين الذين يرتكبون سيِّئ الأعمال ويعانون من مصائب الدنيا لأزعجهم ذلك وأحزنهم، كما أنهم لو اطَّلعوا على آلام وعذاب ومعاناة زُوَّارهم لماتوا كمداً وغصَّة عليهم. فمثلاً لو اطَّلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو عيسى عليه السلام أو مريم عليها السلام أو الإمام الرضا عليه السلام على آلام ومصائب ومشاكل الناس لاكتأبوا وأصابهم الحزن والغمّ وغَدَتْ «دار السلام» بالنسبة إليهم دار «غصَّة وحزن»، هذا إن فرضنا -والعياذ بالله- أن النبيَّ أو الإمام يستطيع أن يسمع أدعية جميع الناس ويطَّلع على حاجاتهم ويسمع أصواتهم وشكاويهم في آن واحد، فهذا يأتي إلى مزارهم ويقول: إن ابني مسجون ويتعرّض للتعذيب، والآخر يقول: لقد غزانا جيش الكفار وقتل منا الكثير، والثالث يقول: ابني ابتُلي بالسرطان، والرابع يقول: إني مبتلٍ بمرض نفسي، وآخر يشكو من سرقة جيبه في الحرم وأنه أصبح غريباً بلا مال، وآخر يشكو من أنه مستأجر ومالك منزله يؤذيه كلَّ يوم ويريد أن يخرجه من المنزل و... و... آلاف المفجوعين والمتألمين والمرضى والفقراء والمظلومين كلٌّ يبثُّ شكواه. هذا عدا عمَّن جاء إلى مراقدهم ليس بقصد الزيارة بل بقصد السرقة في حرمهم أو جاء بقصد الفاحشة وثالث يقرأ المراثي المليئة بالأكاذيب وبخلاف ما أنزل الله، وآخر مَلِكٌ أو وزيرٌ يدخل إلى الحرم وعلى كاهله آلاف الجرائم، وآخر عمله الخيانة وأكل أموال المستضعفين بالباطل فهو يكنز أموالاً طائلةً لقاء أراضٍ ميتة بور باسم الأوقاف، أو يأخذ حق التنازل (خلوّ الرجل أو الفراغة) من الفقراء، وآلاف الخيانات والآثام والفواحش والجرائم الأخرى، فلو اطَّلع صاحب القبر على كلِّ ذلك لأصابه الغم والألم ولسُلبت منه الراحة في عالم البرزخ وتبدَّل نعيمه إلى ألم وعذاب!

فلاحظوا افتراء ذلك الكذَّاب الذي وضع زيارةً نسبها إلى الإمام قال فيها: «أشهد أنك ترى مقامي وتسمع كلامي وتردُّ جوابي» هذا مع أنه لم يسمع جواب صاحب القبر، ولكنه يشهد على ذلك كذباً! وسنثبت في هذا المختصر أن أولياء الله بعد وفاتهم ليس لهم أي خبر عن الدنيا وأنهم في العالم الآخر (البرزخ) ليس لهم أي معرفة بأحوال عباد الله في الدنيا.

كما ذُكر في الآيات التي استشهدنا بها في الفقرة السابقة يدلُّ قوله تعالى: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:171] على أن الله ينعم على المؤمنين الصالحين ولا يضيّع أجرهم ويمنّ عليهم بمقام كريم في جنة دار السلام ثواباً على أعمالهم وحياةً أفضل آلاف المرات من الحياة الدنيا لا أنه يجعلهم يعيشون في حزن دائم ويعانون من غصص أخبار الدنيا.

فاتضح أن عبارة «عند الرب» تعني ذلك المكان الذي أشارت إليه آسيا زوجة فرعون حين قالت: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم:11]، فعند الله وعند الرب عالم غير هذه الدنيا الفانية.

فإن قال قائل: إن الله لا يحدّه مكان وتستوي إليه جميع الأمكنة فمن كان عند الله أو عند ربه فإنه يكون في كل مكان. قلنا: إن كان الأمر كذلك لصار كل كافر ومنافق وظالم بعد موته عند الله أيضاً حتى ولو كان يُعذَّب في قبره، لأن الله محيط بالجنة كما هو محيط بالنار، وعندئذ لا تبق هناك خصوصية للشهداء بأنهم «عند ربهم» مع أن هذه العنديّة مقام قرب اختصهم الله به، ويُقصد به أنهم في الواقع في عناية الرب وعند رحمته وهو المقام الذي سماه الله بـ«دار السلام» تمييزاً له عن «دار العذاب» فلم يقل الله أن الشهداء والصلحاء سيصيرون إلى دار العذاب عند ربهم!

بناء على ما ذُكر فإن أرواح الأنبياء والصلحاء والشهداء لا علم لها بالدنيا، كما أن تلك الآية تدل على أن أرواحهم ليست في قبورهم في الدنيا ولا حولها.

الذي يُستفاد من كتاب الله «القرآن الكريم» أنه ليس للإنسان مؤمناً كان أم كافراً سوى حياتين كاملتين الأولى «الحياة الدنيوية» والثانية «الحياة الأخروية». أما عالم «البرزخ»، ويُقال له أيضاً «عالم القبر»، فهو عالم الصمت والسُبات وانعدام الوعي بالدنيا، وهو حياة غير كاملة وبلا حركة وفي الواقع تشبه الغفوة في قاعة انتظار دخول يوم القيامة والبرزخ فاصل بين حياتين كاملتين. فالحياة التي ذُكرت للأموات بعد الدنيا سواء الصالحين أم الطالحين حياةٌ ناقصةٌ قبل يوم القيامة.

ويجب أن نعلم أن «عالم البرزخ» يبدو بالنسبة إلى أهل المحشر بعد بعثهم ونشورهم وكأنَّه لم يكن أو ما يشبه ذلك، أي أن ذلك الفاصل الزمني يكون غير مفهوم بالنسبة إلى أهل الحشر ويبدو لهم - بعد بعثهم - وكأنه حلم أو كأن حشرهم وقع مباشرة بعد موتهم في الدنيا!

والنقطة التي ينبغي أن ننتبه إليها هنا أن القرآن المجيد يذكر أحياناً جميع مراحل أمر ما وأحياناً يحذف الوسائط ويذكر بداية الموضوع ونهايته على نحو الإجمال فقط، فمثلاً يقول عن خلق الإنسان ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴾ [الروم:20]، ولكن يذكر في آية أخرى جميع مراحل هذا الخلق واحدة واحدة ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ﴾ [الحج:5].

كذلك يقول عن تحريك السحب ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا ﴾ [النور:43]، والتي تدلُّ بظاهرها على أن الله يحرِّك الغيوم مباشرة، ولكن الله يفصّل الأمر في موضع آخر فيقول: ﴿ الله الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ﴾ [الروم:48].

وكلام القرآن الكريم حول «عالم البرزخ» يسير على نفس ذلك المنوال، فغالباً ما يبِّين القرآن الكريم المصير النهائي للإنسان بعد الموت دون أن يذكر فترة عالم البرزخ، كما قال في شأن قوم نوح مثلاً: ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ﴾ [نوح:25]، والذي يبدو من ظاهره وكأنَّ قوم نوح الكفار أُدخلوا النار فور غرقهم. ولكننا نفهم تفصيل هذه الآية من آية أخرى تحدَّثت عن آل فرعون وهي قوله تعالى: ﴿ فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر:45-46]، والتي تدلّ على أن الأشقياء يعانون من الغصص والآلام قبل أن يدخلوا نار جهنم يوم القيامة.

يمكننا أن ندرك من مثل هذه الآيات أن هناك بعد الحياة الدنيوية نوعين من الجزاء: الجزاء البرزخيّ وجزاء يوم القيامة. الثاني يتمّ بصورة وافية وكاملة في الحياة الأخروية والأوَّل نوع من السرور واللذّة أو الكَدَر والآلام في فترة الحياة البرزخية التي هي في الواقع شبه حياة وليست حياة كاملة والتي أجملت معظم آيات القرآن ذكرها وأعرضت عن تفصيلها، لأن القرآن أراد في معظم الموارد أن يجسِّم مسألة المعاد أمام الإنسان إذْ إنَّه عندما سيُبعث في الآخرة سيشعر أن فترة عالم البرزخ كانت قصيرةً جداً وحتَّى لو طالت فترة «عالم البرزخ» آلاف آلاف السنين فإنها ستبدو للإنسان بعد حياته الجديدة يوم القيامة وكأنها يوم أو بعض يوم أو ساعة من نهار شأن الإنسان في ذلك شأنه عندما ينام نوماً عميقاً بعد سفر طويل ويرى رؤيا مفرحة أو كابوساً محزناً تمرّ عليه فيه أحداث كثيرة ولكنه إذا استيقظ أحسّ كأنه نام لِتَوِّهِ!

من هنا يقول القرآن الكريم عن الذين يبعثون يوم القيامة: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾ [يونس:45]، ويقول: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:52]، ويقول: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ [الروم:55]، أو ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ [المؤمنون:113]، أو ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الأحقاف:35]، أو ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات:46].

تقول إحدى الآيات المتعلقة بـ «عالم البرزخ»: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون:99-100]، وتقول آية أخرى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الأنفال:50]، ونحوها في سورة محمد: الآية 27.

من الواضح أن الميّت يبقي جسمه في الدنيا وأما روحه فلا وجه لها ولا ظهر حتى تُضْرَبَ عليه، فلا بد أن يكون المراد بالآية الأخيرة القالب البرزخي للميت.

ومثلها قوله تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس:26-27]، فهذه جنة برزخية وليست بجنة الآخرة وإلا لو كانت كذلك لعلم قومه بدخوله فيها.

وعلى كل حال فمن الواضح أن هناك بعد الموت نوع من الراحة والهناء أو نوع من الكدر والمرارة أو بعبارة أخرى هناك نعيم وعذاب برزخي لا يتمتع الإنسان خلاله بحياة كاملة وتشبه حالة الإنسان فيه حالة الجنين في رحم أمه قبل خروجه إلى الحياة الدنيوية الذي يعيش حياة غير كاملة إذ لا يدري بما يجري خارج رحم أمّه. فالحياة البرزخية حياة غير كاملة يمضي فيها الإنسان الفترة السابقة على الحياة الأخروية.

ولا يختص «عالم البرزخ» بالصالحين والشهداء بل يشمل المجرمين والكفار أيضاً، والكل مشترك في انقطاع الارتباط بالدنيا. وبناء عليه فليس المجرمون هم الذين تنقطع صلتهم في الدنيا فقط بل الشهداء والصالحون أيضاً يفقدون كل وعي واطلاع على الدنيا وأهلها والأخبار الوحيدة التي يمكن للأنبياء والصلحاء والشهداء أن يعرفوها عن الدنيا بعد وفاتهم هي ما يخبرهم به الصلحاء الآخرون الذين ماتوا بعدهم والتحقوا بهم. وهذا كله لأنه لا توجد حياة كاملة في «عالم البرزخ»، بل شبه حياة أو بعض حياة، حياة فاقدة لكثير من الصفات مثل السمع والبصر، وبعبارة أخرى إنها عالم اللاوعي(9) الذي يفقد فيه البشر صالحين كانوا أم طالحين السمع كما قال القرآن الكريم عن الأموات أنهم لا يسمعون شيئاً حتى يبعثوا ويحشروا يوم القيامة: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ الله ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام:36]، حيث شبَّه الله تعالى في هذه الآية الكفارَ بالأموات الذين لا يسمعون شيئاً وقال أيضاً: ﴿ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ [النمل:80] ومثله قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ [الروم:52].

وقال أيضاً: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [فاطر:22]. فكلُّ مخلوق بعد موته حتى الأنبياء والأولياء وغيرهم يفقد الحياة الكاملة ولا يكون له اطلاع عما يجري في الدنيا: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النحل:20-21]، ومن المسلم به أن هذه الآيات تشمل الأنبياء والأولياء(10) لأنهم لا يَخلقون شيئاً وهم يُخلَقون ولا علم لهم بيوم القيامة.

أضف إلى ذلك أنَّ الله شبّه الحياة يوم القيامة والخروج من القبر بحياة النباتات في الدنيا. فكما تكون الأشجار والأعشاب في الشتاء بلا حياة ولا حركة ثم تدب فيها الحياة والحركة مجدداً في الربيع كذلك يكون البشر في «عالم البرزخ» في حالة سُبات وبلا حراك حتى إذا بُعثوا يوم القيامة تحرّكت أجسادهم وَحُشروا يهرعون إلى المحكمة الإلهية الكبرى. من هنا نفهم قول القرآن: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الروم:19] وقوله: ﴿ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق:11].

إذا علمنا أن الأرواح في عالم آخر فنقول لو فرضنا على سبيل المحال أن الأرواح تطلع على حوائج زوار قبورها فهل تحضر على الفور وترجع إلى الدنيا وتستجيب لعرائض الزوّار وطلباتهم؟ من الواضح أن القرآن والعقل يقولان إن الأنبياء والأولياء لا اطلاع لهم على ما في الدنيا نهائياً بل لا اطلاع لهم على أبدانهم، فضلاً عن أن يكون لهم علم بغيرهم كما قال تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 259].

ففي هذه الآية لم يكن لنبيِّ الله «عُزَيْر» عليه السلام الذي مات ورحل عن الدنيا مدّة مئة عام، أيُّ عِلْمٍ ببدنه أو براحلته (حماره) وحتى أنَّه لم يكن يعلم كم بقي ميتاً، مع أن عُزَيْراً عليه السلام كان يتمتَّع بمقام النبوَّة وهو أعلى من جميع الأولياء، لأنه -طبقاً للقرآن الكريم- كل إمام ومأموم لا بد عليه أن يؤمن بالأنبياء بما فيهم عزير عليه السلام كي يكون مؤمناً ومسلماً وإلا فمن كذّب بنبيٍّ واحد لا يكون مؤمناً مسلماً، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [البقرة:285]،

وكما قال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء:136].

فيجب على جميع الشهداء والأئمة والصالحين أن يؤمنوا بكل رسول، وأصول الإيمان والإسلام هي تلك الأمور التي نصَّ الله عليها في كتابه، فإذا لم يكن لنبيٍّ عظيم من الأنبياء علمٌ ببدنه - بعد رحيله من الدنيا- ولا علم بمدّة موته فكيف سيعلم بأحوال الآخرين؟!!!.

من البديهي أنه لو كان هناك حديث يخالف ما ذُكر فإنه لن يكون مقبولاً لكونه مخالفاً لآيات القرآن، ومخالفة متن حديث للقرآن دليل على عدم صحّته.

لم يكن النبيُّ يعقوب عليه السلام يعلم - وهو في فلسطين - بأحوال ابنه يوسف عليه السلام وعاش مدَّةً طويلةً حزيناً على فراقه!

ولما طعن قوم نوح عليه السلام بأتباعه وطلبوا منه أن يُقْصِيهم أجابهم قائلاً: ﴿ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الشعراء:112].

كما لم يعلم أبو الأنبياء إبراهيم (ع) بحقيقة ضيوفه الذين كانوا من الملائكة حتى قال: ﴿ قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ ﴾ [الذاريات:25].

كما لم يعلم موسى عليه السلام أن أخاه هارون عليه السلام لم يكن له أي تقصير في عبادة قومه للعجل إلى أن بين له هارون ذلك (الأعراف:150) كما لم يعلم موسى بأن رفيقه في السفر نسي الحوت عند الصخرة (الكهف:62)، كما لم يعلم بأن عصاه التي أبدلها الله حية في بداية الأمر ستصبح يوم التحدي ثعباناً كبيراً بل أوجس في نفسه خيفة أن ينجح السحرة في خداع الناس (طه:67-68).

كما لم يعلم نبيُّ الله سليمان عليه السلام بأحوال قوم سبأ حتى أطلعه الهدهد على ذلك (النمل:22).

 ولما استيقظ أصحاب الكهف بعد 309 سنوات من النوم في الكهف لم يدروا كم لبثوا وقال بعضهم: ﴿ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ [الكهف:19] مع أن أصحاب الكهف من أولياء الله.

فإذا لم يكن للأنبياء والأولياء علمٌ بحالهم فكيف يكون لهم علم بغيرهم؟

فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿ .. وَهُمْ رُقُودٌ.. ﴾ دليلٌ على أن أصحاب الكهف لم يموتوا بل كانوا نائمين....

قلنا: إن القرآن يعبّر أحياناً عن الموت بالرقود، كما قال تعالى عن الموتى الذين يُبعثون يوم القيامة: ﴿ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ﴾ [يس:52] ووصف الله النوم بقوله: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الزمر:42].

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «النوم أخ الموت»(11)، وجاء في حديث آخر: «إنكم ستموتون كما تنامون وستبعثون كما تستيقظون»(12)، وكلُّها تدل على أن بين النوم والموت سنخيَّة وتشابه كبير والفرق بينهما أن الروح تعود إلى البدن بسرعة في النوم، ولكنها لا تعود إلى جسم الميت إلا يوم القيامة.

فمثل الصالحين في عالم البرزخ كمثل من ينام نوماً هنيئاً قريراً يتمتَّع فيه بأحلام جميلة في حين أن المسيئين الطالحين مثلهم كمثل من ينام نوماً مضطرباً يعاني فيه من كوابيس مؤلمة. كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

«إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(13).

اتَّضح إذن أن الحياة التي يعيشها أهل البرزخ حياة ناقصة أو شبه حياة، وليس في كونهم أحياء بهذه الصورة أيُّ دليل على اطلاعهم على الدنيا، بل آيات القرآن الكريم تنفي مثل هذا الاطلاع وتبيِّن أن رسل الله ينقطع علمهم عن الدنيا بعد وفاتهم فلا يعلمون شيئاً عن أحوال أممهم، يقول تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ [المائدة:109].

ويقول أيضاً: ﴿ وَإِذْ قَالَ الله يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة:116-117]، فهذه الآية تبين أن عيسى عليه السلام الذي كان من أولي العزم من الرسل ومن كبار الأنبياء لم يكن له علم بأحوال أمته، فكيف يعلم الإمام أو ابن الإمام بذلك؟!

فيبدو أن الذين يَدْعُونَ الأنبياءَ والأولياءَ والأئمَّة الراحلين ويستغيثون بهم ليس لهم أي علم بآيات القرآن، لأن القرآن يعتبر الذين يتوجهون بالدعاء -الذي يعدّ من صنوف العبادة- إلى مَدْعُوٍّ غَيْبِيٍّ آخرَ سوى الله مشركين. وسنذكر فيما يلي عدداً من الآيات دليلاً على ما نقول.

 

 

+                  +                 +


 

ماذا يقول القرآن الكريم حول الاستمداد من غير الله؟

أثبتُّ في كُتُبي «احكام قرآن» (أي: أحكام القرآن) و«تابشي از قرآن» (أي: إشعاع من القرآن) و«دعاهايي از قرآن» (أي: أدعية من القرآن)، أن الله تعالى يعتبر الذين يدعون أحياناً غيره مشركين، وفيما يلي بعض الآيات التي تدل على هذا الأمر:

1- ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴾ [الجن:18-20].

2- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الأعراف:194].

3- ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر:13-14].

4- ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف:5-6].

وخلاصة الكلام لا بد أن يكون دين الإمام والمأموم ودين النبيِّ ودين الأمّة واحداً. مهما كان للأئمّة والأولياء مقام عظيم عند الله فإنهم لم يكونوا يَدْعُونَ إلا الله، فعلى أتباعهم أيضاً ألا يَدْعُوا إلا الله كذلك وألا يشركوا بالله، لأن جميع الأنبياء والأئمّة مخلوقين ولا علم لهم بالدنيا بعد رحيلهم عنها ولا يعلمون أيّان يبعثون ومتى يحشرون.

تدل آيات القرآن على أن الأنبياء ورسل الله لا اطّلاع لهم بعد موتهم على الدنيا ولو اطّلعوا على الدنيا ومصائب أهل الدنيا ومعاناتهم لحزنوا وكربوا في حين أن الله تعالى يخبرنا أنهم في «دار السلام»، وأنهم ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (يونس: 62)

و قد أخبر الله تعالى رسوله الكريم فقال: ﴿ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾ [الروم:52] (الروم: ٥٢، ومثلها في النمل: ٨٠).

فإذا كان رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم غير قادر على إسماع الموتى وكان الموتى غير قادريين على إجابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يمكنهم أن يسمعوا الآخرين ويجيبوهم؟!!

بالطبع لا ينبغي إعارة أي اهتمام للرواة المفترين الذين قاموا بوضع الأحاديث واختلاق أدعية الزيارات التي وضعوا فيها جمل مخالفة للقرآن من قبيل: «أشهد أنك تسمع كلامي وترى مقامي»، والعجب كيف اتخذ الناسُ القرآنَ مهجوراً وأقبلوا على تلك الزيارات المتضمنة لعبارات مخالفة للقرآن وضعها الغلاة.

ما ذكرناه كان اعتماداً على أنه بعد الوفاة وانفصال الروح عن البدن يتمتع الإنسان بنوع من الحياة في عالم البرزخ مشابهة لحياته الدنيوية أو الأخروية، أما إذا قلنا إن البرزخ معناه الحائل والحاجز بين شيئين وأن عالم البرزخ يشبه عالم الغياب عن الوعي أو النوم وأن معناه البرزخ بين الحياتين فعندئذ يكون الأمر واضحاً بشكل كامل ولا يحتاج إلى تفصيل، كما قال تعالى عن الذين يبعثون من قبورهم: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات:46].

وَ سِرُّ ذلك أن في الدنيا حياةٌ، وفي الآخرة حياةٌ، وبين الحياتين فاصل وبرزخ غيرهما أي حالة تشبه حالة النوم أو فقدان الوعي(14)، كما تفصل قطعة الأرض الضيقة بين بحرين كما قال تعالى: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ﴾ [الرحمن:19-20].

 

 

+                  +                 +


 

كلام عليٍّ عن حال الأموات ومفارقتهم لعالم الدنيا
وانقطاع صلتهم بالأحياء

كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام يفيد أن عالم ما بعد الموت خال من حركات الحياة ومقام تنقطع فيه الصلة والارتباطات بالدنيا فلا يعلم الراحل عن الدنيا أي شيء عما يجري فيها.

قال الإمام عليه السلام: «تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وحَشَدَةُ الإخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ ومُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ»(15)، وقال: «فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً ولا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ولا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وهُمْ آحَادٌ وجِيرَةٌ وهُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ»(16)! وقال لأبنائه وسائر من حوله وهو يحتضر على فراش الموت: «أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ وأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وغَداً مُفَارِقُكُمْ»(17).

يبدو أن مدعي التشيّع لا يقبلون كلام الإمام بل يعتبرونه حاضراً لديهم وحاضراً بشكل خاص في حرمه لذا يذهبون إلى لقائه من وقت إلى آخر!

وقال: «وأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وأَمْوَالُـهُمْ مِيرَاثاً لا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ ولا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ ولا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ»(18).

وقف أمير المؤمنين (ع) يتأوَّه أمام قبر الزهراء عليها السلام وقال:

ما لي وقفت على القبور مسلِّماً          قبر الحبيب فلم يَرُدَّ جوابي

أحبيبٌ ما لك لا تردُّ جوابَنا                     أنسيت بعدي خُلَّةَ الأحباب؟(19)

هذا ما يقوله الإمام عليه السلام فكيف يتوقّع مُدَّعُو التشيُّع لهُ الإجابةَ من الإمام أو ابنه أو حفيده لمن وقف أمام قبره وقال: «أشهد أنك تسمع كلامي وتشهد مقامي... وتردّ جوابي؟!».

وقد نقل الرواة(20) أن «جابر بن عبد الله الأنصاري» ذهب بعد أربعين يوم من شهادة الحسين إلى زيارة قبره فسلّم عليه قائلاً: يا حسين ثلاث مرات ثم قال: حبيبٌ لا يجيبُ حبيبَه. ثم قال: وأنَّى لك بالجواب وقد شَحَطَتْ أوداجُك على أثباجك(21)، وفُرِّقَ بين بدنك ورأسك! فأشهد أنك ابن النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء.. الخ.

أفلم يكن لـ «جابر» رضي الله عنه من العلم ما لمدعي التشيع في زماننا حتى يقول أن الإمام الحسين عليه السلام لا يجيبه.

هل ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام أن الزهراء عليها السلام لا تردُّ جوابه صحيح أم لا؟ نحن نقول إنه صحيح.

ومثال آخر عندما اعتقل أهل الكوفة «مسلم بن عقيل» وساقوه إلى دار الإمارة وأرادوا قتله قال: لديَّ وصيةٌ وخاطب عمر بن سعد فقال: وصيِّتي أن تخبروا الإمام الحسين عليه السلام عمّا جرى وتكتبوا له ألا يقترب من الكوفة!

فنسأل ألم يكن «مسلم» نائب الإمام الخاص، ألم يكن يعلم أن الإمام مطلع على كل الأمكنة ويجيب جميع الخلق أم أن مُدَّعي التشيع في زماننا يفقهون أكثر منه؟!

إذا رجع شخصٌ إلى أدعية الأئمَّة عليهم السلام المروية عنهم في «الصحيفة السجَّاديَّة» و«الصحيفة العلويَّة» وهي كتب أدعية أصيلة قويمة لا نكاد نجد فيها أيَّة عبارة تخالف القرآن، فإنه سيستغرب عندما يرى أن الأئمَّة الأطهار عليهم السلام يصرِّحون بعدم علمهم بأحوال أنفسهم يوم القيامة وأنَّهم أنفسهم خائفون جداً من ذلك اليوم ويطلبون من الله دوماً السلامة والنجاة فيه، كما سيلاحظ من الجهة الأخرى أن أدعية الأئمة عليهم السلام تلك ساكتةٌ تماماً عن موضوع حياتهم في القبر أو عالم البرزخ أو عن اطَّلاعهم على أحوال الدنيا وليس فيها أيَّة إشارة إلى ذلك الأمر.

على كلِّ حال التقصير هو من الرواة الكذَّابين الذين قاموا بوضع الزيارات دون أن يكون لهم أيُّ معرفة بالقرآن ولا أيُّ اطلاعٍ على كلمات الأئمة عليهم السلام.

 

 

+                  +                 +


 

مسألة الزيارة في كتاب الله وسنة رسوله

من المسلَّم بِهِ أن زيارات مراقد الأنبياء والأولياء والصالحين للاستمداد من أصحابها وكل تلك الآداب والطقوس المفصَّلة التي نجدها في كتب الزيارات لا أصل لها في شرائع الأنبياء ولا في الكتب المنزَّلة أي التوراة والإنجيل والقرآن، ولم يُشرع في الأديان الحقة مثل تلك العبادة ولم يُذكر في أي مصدر تاريخي أنه تم بناء قبة وضريح ومزارات على قبور الأنبياء الراحلين الذين بلغ عددهم 124 ألف نبيّ. كما لم يُذكر في كتب الأنبياء السابقين أيُّ شيء حول زيارة قبورهم أنفسهم أو قبور أولادهم. ودين الإسلام دين جميع الأنبياء كما قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ﴾ [الشورى:13]، فلم يأت فيه أيضاً أمرٌ بالتردُّد إلى زيارات مراقد الأنبياء.

وفي القرآن الكريم سورة «التكاثر» المباركة التي ذمَّت المتكاثرين المتفاخرين على بعضهم الذين شغلهم التكاثر حتى زاروا القبور فقال الله تعالى لهم على سبيل التوبيخ: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [التكاثر:3-4]، وقد قال الإمام عليّ عليه السلام بعد تلاوته لهذه الآيات:

«أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ المَقابِرَ يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وزَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وخَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ وتَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أَفَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وحَرَكَاتٍ سَكَنَتْ ولَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً ولَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ وضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ ولَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الخَاوِيَةِ والرُّبُوعِ الخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي الأرْضِ ضُلالاً وذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالاً تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ وتَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ وتَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا وتَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا وإِنَّمَا الأيَّامُ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ بَوَاكٍ ونَوَائِحُ عَلَيْكُمْ أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ وفُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ وحَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوكاً وسُوَقاً سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلاً سُلِّطَتِ الأرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لا يَنْمُونَ وضِمَاراً لا يُوجَدُونَ لا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الأهْوَالِ ولا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الأحْوَالِ ولا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ ولا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ غُيَّباً لا يُنْتَظَرُونَ وشُهُوداً لا يَحْضُرُونَ وإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وآلافاً فَافْتَرَقُوا ومَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ ولا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وصَمَّتْ دِيَارُهُمْ ولَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وبِالسَّمْعِ صَمَماً وبِالحَرَكَاتِ سُكُوناً»(22).

لقد ابتدع الناس في زماننا بدعاً كثيرة راجت بين العوام، منها قيامهم ببناء هذه القبور الذهبية والفضية ونذر النذورات لها ووقف الأوقاف عليها حيث تُصرف الأموال الطائلة من قوت هذا الشعب الفقير على تلك القبور، وهذا عمل نهى الله عز وجل عنه في آيات عديدة كقوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ [النحل:56].

يجب أن نُفهم العوام أن الأولياء الذين رحلوا عن الدنيا ليسوا بحاجة لأن تُنذر إليهم النذور وتُوقف عليهم الأوقاف، أو أن تُرمى أوراق البنكنوت داخل أضرحتهم أو تُشترى لأجلهم الأعلام والعراضات والجنازير فكل ذلك إسراف لا يرضاه الشرع. وأساساً لا يؤمن الإسلام بأي واسطة بين العبد وخالقه بل أمر الناس أن يستقيموا إلى الله أي يتجهوا إليه مباشرة ويطلبوا حوائجهم منه دون واسطة. لقد ألغى الإسلام كل نوع من أنواع عبادة القبور وعبادة الأحجار وكل عبادة لغير الله تعالى، ولكن للأسف الشديد كما يطلب النصارى حوائجهم من المسيح عيسى بن مريم ومن أمه كذلك يطلب كثير من المسلمين حوائجهم من النبي والأئمة والأولياء، فيجب على العلماء أن يعلِّموا الناس الأحاديث التي وردت حول تسوية القبور والنهي عن البناء عليها أو الكتابة عليها، وكذلك النهي عن تجصيصها والصلاة إليها أو الذبح عندها وما هو حكم الشرع في مثل هذه الأمور.

وسنذكر بعضاً من ذلك في كتابنا هذا، وقد سبق وذكرنا ما جاء في هذا المضمار في كتابنا «جامع المنقول في سنن الرسول».

 

+                  +                 +


 

هل تعود أرواح الأولياء إلى الدنيا؟

ما الذي يتصوره الذين يحضرون عند قبور أولياء الدين وينتظرون منهم الشفاعة وتلبية الحوائج؟

هل يتصورون أن أولياء الله يعودون في كل لحظة وفي كل ساعة من عالم البقاء إلى عالم الفناء ليصغوا إلى طلبات زوّارهم؟

إن مثل هذا التصور لا يعدو وهماً محضاً وجهلاً، لأن كل من رحل عن هذا العالم الفاني لا يعود إليه، لاسيما أولياء الله وعظماء الدين الذين خرجت الدنيا من قلوبهم وكانوا مقبلين بكليتهم على الله ولم يكونوا يعيرون متاع الدنيا اهتماماً: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * ﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون:99-100].

بناء على هذه الآية لا يمكن لأرواح الأنبياء والأولياء أن يعودوا في كل لحظة إلى عالم الدنيا بناء على رغبة هذا أو ذاك، وليسوا مطيعين لأمر أحد من الناس في ذلك. وإذا ادَّعى بعض الناس أنهم قادرون على إحضار الأرواح: فنقول أولاً: إنهم كاذبون في دعواهم، وثانياً إنهم لا يملكون السيطرة على أرواح الأنبياء والأولياء لأن أرواحهم أقوى من أن تكون خاضعةً لإرادة أصحاب هذه الدعوى التي يتَّخذونها تجارة يتكسَّبون من ورائها، وثالثاً: يمكن أن نقول إن ما يُحْضِرُهُ هؤلاء هم الشياطين قرناء الإنسان (لأن كل إنسان يُولد في عالم الدنيا يولد معه قرينه الموكّل بالوسوسة له وإغوائه فإذا رحل الإنسان عن الدنيا كان شيطانه مطلعاً إلى حدّ ما على أحواله لأنه كان يراوده على الدوام) فيقولون أشياء ويظن محضري الأرواح أنهم قد أحضروا روح ذلك الفرد!

 

+                  +                 +


 

هل واجب المسلم الانشغال بمدح الراحلين أو ذمّهم؟

يقول أمير المؤمنين (ع) في وصف أهل الإيمان: «عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ»(23). إن عظمة الله تعالى أخذت بقلوب أوليائه فكان حضور الله ورقابته شاغلاً لهم عن الاهتمام بمدح الناس لهم أو ذمِّهم، بل كانوا يكرهون أن يقوم الناس بتمجيدهم وإطرائهم خشية أن يفتنوا بالغرور والعجب بالنفس، وينهون عن الإطراء وكثرة المديح(24) كما قال أمير المؤمنين (ع) لمن كان يبالغ في مدحه والثناء عليه: «فَلا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لإخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى الله سُبْحَانَهُ وإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وفَرَائِضَ لا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ ولا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ ولا تُخَالِطُونِي بِالمُصَانَعَةِ ولا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلا أَنْ يَكْفِيَ الله مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لا رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلالَةِ بِالهُدَى وأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.»(25).

إن أمير المؤمنين (ع) هو ذلك الإمام الهمام ذاته الذي لما رأى الإيرانيين من أهل «ساباط» في المدائن قد جاؤوا إلى لقائه وترجلوا عن مراكبهم تكريماً له واحتراماً لَامَهُم على فعلهم ولم يرضَ أن يخضعوا له بهذه الطريقة ونهاهم عن ذلك، كما لم يكن يعتبر نفسه معصوماً، فهل يرضى مثل هذا الإمام بما يقوم به المدّاحون وقرّاء الزيارات من الغلوّ في حقه والتجاوز في مدحه والمبالغة في تمجيده ونسبة الصفات الإلـهية إليه؟!!

على كل حال لا علاقة للاحقين بحسن السابقين أو سوئهم، لذلك نهى الله تعالى في كتابه عن مدح الأمم السابقة أو ذمّها لأن كلَّ إنسان مسؤولٌ عن نفسه ولا يُسأل عن غيره: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة:141].

 إذن ما جاء في متون بعض الزيارات من لعن السابقين أو الإغراق في مدح الماضين لغوٌ لا طائل تحته ومخالف لنهج الشرع لاسيما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أحثوا في وجوه المدّاحين التراب»(26).

ما الذي يستفيده من لا يجاهد في سبيل الله إذا صرف وقته على مدح المجاهدين والثناء عليهم؟ وما الذي يجنيه من استولت عبادة الدنيا على قلبه ولم يمتنع عن عبادة الشهوات إذا قام بمدح أولياء الله؟ هل للإسلام برنامجا عمل يخالف أحدهما الآخر؟ هل يعتقد الذين يملؤون الكتب والمجالس بالمغالاة في المدائح والثناء والتمجيد للنبيِّ والأئمَّة ويبتكرون من عندهم معجزات لهم أن الأئمة كانوا يفعلون ذلك تجاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن سبقهم من الأئمة أيضاً؟ أليست عقائد الإسلام وأعماله واحدة بالنسبة إلى جميع الناس بلا أي فرق بين الإمام والمأموم؟ ماذا كانت أصول الدين لدى عليّ عليه السلام؟! هل كانت أصول الدين لدى الإمام غيرها لدى غيره؟! إنها أسئلة يجب على شعبنا أن يجيب عليها، فمنذ أن ترك شعبنا الجهاد وصَدَفَ عن العدالة واكتفى بالبكاء على مجاهدي صدر الإسلام والنوح عليهم أصابه الذل والهوان وتخلّف عن شعوب العالم الراقية. إنهم يظنون أن الإسلام معناه التزلّف إلى الرسول والإمام، فهل يخدعون الله بذلك أم يخدعون أنفسهم؟ وهل يظنون أن الإمام حاضر ويرضى بهذه البدع؟ هل من المعقول أن يأمر الإمام -(الذي كان أثناء حياته مبغضاً لمن يتملّقه ويبالغ في مدحه)- الناس أن يأتوا إلى قبره ليقفوا بخشوع أمامه ويقرؤوا صفحات من التمجيد والإطراء المغالي؟! حتى يقوم الذين يدَّعون التشيّع له، بعد ألف سنة من رحيله، بصرف الأموال والإغراق في المدائح المغالية والإطراءات المبالغة [التي تصبغ عليه صفات الله] ويخترعون القصائد الشعرية [المليئة بالغلوّ] التي لا سند لها ظناً منهم أن الإمام يُسرّ من مدائحهم تلك وإطراءاتهم؟!

+                  +                 +


 

هل كان من سنّة الأنبياء بناء المشاهد والأضرحة على القبور؟

لقد قام السلاطين الأنانيون المستبدُّون الظالمون الذين لم يكن لديهم أدنى علم بدين الله وأحكام شرعه ببناء المشاهد والقباب والأضرحة على قبور الأئمّة عليهم السلام وذراريهم من الأموال المحرمة التي سُرِقَتْ من قوت الشعب وسعوا إلى جذب الناس إلى تلك الأضرحة الذهبية ذات الزخارف والزينات الفخمة وعَمَروا تلك المشاهد والمقابر وأخلوا مساجد الله وذلك مثل السلاطين الصفوية والقاجارية الذين لم يكن لهم شغل سوى الانغماس في الشهوات والقتل وسلب أموال الشعب وخدمة الأجانب وترويج الخرافات وتخلّفت إيران بسبب تلك الحكومات الفاسدة حتى أصبحت [في عهدهم] من أكثر دول العالم تخلُّفاً. كان أولئك السلاطين يجمعون الأموال من الرشاوى والضرائب المفروضة على كاهل الشعب ولكي يكسبوا ودّ الناس قاموا -بدلاً من خدمة الرعية وعمران البلاد- بالبناء حول مقابر الأئمة والأولياء وبذلوا كل ما أوتوا من قوة في بناء القصور والقباب والمنارات المرتفعة، وكلُّها تبذير وإسراف وإفراط، لاسيما في البلاد التي ليس لأكثر أهلها بيوت يسكنونها ويأوون إليها وكثير من قراها أشبه بالخرابات وليس فيها تمديد للمياه ويعاني كثير من أهلها من البطالة، ففي مثل تلك الأوضاع كان أولئك الظالمون الفاسقون ينفقون المليارات على المقابر ويفرشونها بالمرمر ويزينون جدرانها بالنقوش والمنحوتات الفضية والذهبية والمرايا والكريستال. أحد أولئك السلاطين السفّاحين الذي قام بقتل كثير من وزرائه بل قتل بعض أولاده وأقربائه، هو الشاه «صفي الدين» حفيد الشاه «عباس الصفوي» الذي يقع قبره في جهة القبلة من حرم حضرة المعصومة في قم والذي زُيّن سقفه وجدرانه بالقيشاني المعرّق. ويقع إلى جانبه قبر الشاه «عباس الثاني» الذي بُني من مرمر رفيع وفي داخله صناديق مذهّبة وألماسيَّة وقد رفعه بعض الشعراء المتملّقين إلى درجة الأنبياء والعياذ بالله فقال في مدحه:

در ايام خاقان جم بارگاه

 

خديو جهانگير عباس شاه

سليمان غلامي ز خيل درش

 

به اقبال شه ساخت اين بارگاه

بهشت برين بود ماواى او

 

همين گشت تاريخ آن قبله گاه

أي:

في أيام السلطان الخاقان الملك الكبير بلاط

 

ملك الدنيا الشاه عباس

قام غلامه سليمان بجماعة بابه

 

بنى هذا الضريح لسعادة الشاه

لتكن جنّة الخلد مأواه

 

هكذا شُيِّدت تلك القبلة

كان السلاطين يظلمون ولكن المدّاحين والشعراء والأدباء والمتلبّسين بلباس أهل العم يمدحونهم طمعاً في أموالهم فكانوا يطهّرون أعمالهم بمدائحهم المليئة بالعبارات الكفرية. كل تلك الأبنية لحرم قبور الأئمة والأروقة والقباب والمنارات هي من بناء أولئك السلاطين الظلمة ووزرائهم الخونة. ولقد قام الشاه «بهلوي» الذي لم يكن له دين أساساً، ببناء باب فخم لحرم الإمام الرضا، وكان الأتابك الأعظم وابنه أمين السلطان هو الشخص ذاته الذي أخذ من إنجلترا مبلغ 400 ألف جنيه استرليني لكي يسمح لمتطفلي الإنجليز بعقد اتفاقية «ريجيه» التي تُعطي إنجلترا الحق الحصري في صناعة التبغ إلى أن نهض الشعب واستطاع إجبار الشاه على إلغاء تلك الاتفاقية بعد كثير من العذاب والمشقة. أجل، هذا الوزير ذاته هو الذي بنى الفناء الكبير لحرم حضرة المعصومة في قم كما صرف 100 ألف تومان على قبره، وجعله أحد الأدباء المتملّقين صنواً - والعياذ بالله- لخليل الرحمن إبراهيم الذي قام بتجديد بناء الكعبة فقال يمدحه:

زمين شد از دو بنا رشك آسمان برين

 

يكي بناي خليل ويكي بناي امين

خليل الرحمن گشت او بدان بناي قويم

 

امين سلطان گشت اين بدين بناي متين

أي:

حسدت السماء الأرض على بناءين

 أحدهما بناء الخليل (الكعبة) والثاني بناء الأمين بن أتابك!

فأصبح الخليل خليل الرحمن بذلك البناء القويم

وأصبح الأمين أمين السلطان بهذا البناء المتين

وكم من النفوس قتلها الشاه عباس الصفوي في أوَّل أمره، ومن جملة ذلك أنه غزا مدينة «هرات» -وكانت مدينة إسلامية- وحاصرها أربعة أشهر ثم اقتحمها بعسكره من القزلباش (أصحاب العصابات الحمراء على رؤوسهم) وقتل فيها حوالي أربعين ألف مسلم ثم أمر جنده بالإغارة عليها وأباح لهم السلب والنهب فلم يتركوا فيها درهماً ولا ديناراً ولا فضة وذهباً إلا وأخذوها وأتوا بها إلى محضر الشاه وعبَّؤُوها في الشوالات عنده، وقد جاء في كتاب «عالم آراى عباسى» وسائر كتب التاريخ أن الشاه قام بتحميل تلك الشوالات على ظهور الجمال والبغال ونقلها من «هرات» إلى «مشهد» وعندما قدم إلى مشهد حضر العلماء وكبار القوم فاستشارهم الشاه ماذا يفعل بتلك المسكوكات والأموال والذهب والفضة؟ فأشاروا عليه ببناء ضريح للإمام الرضا عليه السلام من الفضة والذهب وبناء المنارات والقبة وطلائها بالذهب وأن يبني منها فناء الحرم وأروقته. فأمر الشاه بذلك ونقشوا اسمه في أطراف الحرم والقبّة. والآن كيف تكون الجنَّةُ مأوىً للملك الذي قتل أربعين ألف مسلم؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ [النساء: 93]؟! وليت شعري: إذا كانت الصلاة في غرفة تحتوي في جدرانها على لبنتين مغصوبتين فقط باطلة، فما حال الصلاة في الحرم والأروقة التي بُنيت كلها بالأموال المغصوبة والمسلوبة؟ هل يمكن أداء الصلاة فيها؟ ولماذا يقيم العلماء فيها صلاة الجمعة؟ هل هناك في شرع الله فرق في حكم هذه المسألة بين حرم الإمام وبيوت سائر المسلمين؟! ومثلها القبة الذهبية والفناء الخاص بمقبرة حضرة المعصومة التي بناها «فتحعلي شاه» الملك القاجاري، كما بنى الملك «نادر شاه» حرم أمير المؤمنين (ع) وقبته وضريحه المذهّبة كلها، في النجف، بالأموال التي حصل عليها من السلب والنهب في حروبه بما في ذلك غاراته على مناطق في شمال العراق. فهل يرضَى الله وأنبياؤه وأولياؤه عن هذه القصور وأبنية حرم المقابر أم الشياطين والسلاطين؟ هل يحق لكل ملك ووزير أن يصرف أموال الشعب على مثل هذه الأعمال اللغو والباطلة بدلاً من أن يُعمر البلاد ويصرف الضرائب على تقدّم البلاد وتحسين الصناعة والزراعة؟

عندما كانت أوربا مشغولة بالأبحاث والاختراعات وإعداد القوات المسلحة وصناعة المدافع والطائرات هل كان من الجدير بسلاطين إيران أن يصرفوا ثروات البلاد على بناء القباب والمنارات الذهبية فوق القبور ويُبْقُوا إيران متأخِّرةً وبحاجة إلى أوربا لأجل شراء بندقية واحدة؟ هل كان أولئك الملوك والعلماء مطيعون للعقل والشرع أم للهوى والهوس؟ هل مجرد قيام أولئك الملوك والعلماء بإظهارهم الحب لقبور الأئمة وأولاد الأئمة أو احترامهم البالغ للـ «شاهزاده عبد العظيم» و«الشاهزاده حمزة» و«الشاهزاده جعفر» و«الشاهزاده قاسم» و«الشاهزاده يحيى» كافٍ لمحو ما ارتكبه أولئك الملوك من الجرائم والخيانات وللتكفير عن أعمالهم السيئة؟ إذا سألت الشيخية والصوفية أو المدّاحين الغلاة وقرّاء المراثي في المآتم وسدنة القبور ومستخدميها والمتولين عليها فإنهم سيقولون نعم سيكفيهم، أما القرآن الكريم فيقول كلا. هل يستحق شخص مثل «أحمد بن موسى» المعروف بـ«شاهچراغ» الذي ادعى الإمامة، أو «أبو السرايا» الذي خرج وألقى بالناس إلى الموت أن يُبنى على قبره ضريح وفناء وتُكتب الزيارات الخاصة به ويُشغل بها الناس؟ للأسف لما كان يمتلك قبة وضريحاً ذهبياً فإنه يُعتبر من عظماء الدين والأولياء الصالحين!!

أجل، لقد شغل السلاطين الظالمون المسلمين بالخرافات كي يبعدوهم عن حقائق دينهم ويستطيعوا الركوب على أكتافهم، كما قام وُعّاظ السلاطين والمتلبّسون بلباس أهل العلم والمحترفون للدين الذين يتخذونه حانوتاً يستأكلون به الدنيا بترويج مثل تلك الأعمال. ومن الجهة الأخرى عُطِّلَتْ أحكام الإسلام الحياتية والضرورية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار ووحدة المسلمين واتحادهم والمساواة والأخوَّة والعدالة، وتمَّ ترويج أحاديث تعطي وعوداً جُزافاً مبالغاً بها على زيارة مرقد إمام وأنها تساوي مئة ألف حجة أو ألف حجة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحجَّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجَّة واحدة، أما زائر القبر الفلاني فكأنه حجَّ ألف حجة!

أجل، قام جماعة من الكذَّابين المفسدين الغلاة بوضع الأحاديث ونشر البدع لأجل تضعيف الإسلام وزعزعة أعمدة الشرع والاستهزاء بقوانين الله عزَّ وجلَّ، كي يغترّ الذين يحسبون حساباً للقيامة وعذاب الآخرة فينشغلوا بهذه الأعمال التي لا طائل تحتها ويتصوروا أنها ستنجيهم من العذاب يوم الحساب، ويتجرَّؤُون على المعاصي ولا يجدون حاجة إلى تعلّم حقائق الدين الإلهي وبذل الأنفس والأموال في سبيل الله بل يَقْنَعون بتلك الأعمال التي لا تعدو تملّقاً وتزلّفاً ولا ينتج عنها سوى التخلّف والانحطاط ويأملون مع ذلك أن ينهض الأئمة وذراريهم ليشفعوا لهم يوم القيامة ويدافعوا عنهم. لقد أرادوا بمثل تلك الأحاديث الموضوعة أن يقلِّلوا من أهميّة الحجّ وعظمته الذي هو وسيلة لتواصل المسلمين وارتباط بعضهم ببعض، ويجعلوا زيارة قبر أو إقامة مأتم أهم من جميع السنن الشرعية.

أيّاً كان الهدف فقد كانت تلك السياسة مفيدة للاستعمار وأثّرت أثرها حتى أصبح أهم عمل ديني في نظر شعبنا اليوم الذهاب إلى زيارة القبور أو عقد مجالس العزاء التي لا تزيد معارف شعبنا سوى جمل مشوبة بالشرك تجعل لله وزراء وشركاء وتعتبر الأئمة «عين الله الناظرة ويده الباسطة» وتجعل حساب الخلق يوم القيامة بأيديهم أي بأيدي من هم على مذهبهم ومن ربعهم وجماعتهم!!

أما الإسلام الحقيقي الذي يوجب اليقظة والعزَّة والشهامة وكسب العلوم فقد كان معارضاً لطريق السلاطين والأمراء فكانوا يخافون من الإسلام الأصيل لذا كانوا يُبْعِدُون الناسَ عنه ويحضُّونهم على التذلُّل وعبادة القبور والتملّق لأصحابها والتزلّف للأموات.

أجل، لقد بدأ بناء المشاهد والمقابر بين المسلمين منذ زمن العباسيين وانطلقت القوافل من الشرق والغرب تشدّ الرحال لزيارة قبور الأولياء والصالحين، التي كانت تُضرب عليها في بداية الأمر القباب الطينية ثم صارت قباباً من الطوب والقرميد إلى أن وصل الأمر إلى القباب الفضية والذهبية وأصبح كل فقير مسكين يُنفق ما جمعه خلال سنة من الكد والسعي على الرحلة إلى زيارة قبر أو دفع مبالغ طائلة كحق التنازل (خلو الرجل) لاستئجار العقارات الموقوفة على تلك القبور أو رمي المال الذي كسبه من عرق جبينه داخل الأضرحة ليأخذه الطفيليون العالة على المجتمع من سدنة تلك المقابر تحت عنوان الأمناء والنظّار والمتولين لأمور الموقوفات وغيرها من العناوين ويصرفوه على أهواءهم وشهواتهم في أماكن للترفيه مثل جزيرة «كيش» وأمثالها. أجل، لقد شغل السلاطين الظالمون والمحترفون للدين، الذين يتخذونه دكاناً يسترزقون منه، شغلوا الناسَ بهذه الأعمال وأفرغوا جيوبهم. لقد غرق الناس في الخرافات إلى حدّ أصبح فيه كل مَن يكتب -مثل كاتب هذه السطور- أي شيء ضدها يُوصم بأنه عديم الدين ويُعتبر واجب القتل، أو على الأقل مستحقاً لقطع رزقه أو ملعوناً ومطروداً في نظر البعض الآخر!!

 

 

+                  +                 +


 

نقطة تستحق الانتباه

لم يكن لهذه القباب والمشاهد والزيارات وجود في صدر الإسلام في سيرة عليٍّ عليه السلام ولدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكما ذكر الأستاذ «قلمداران» في كتابه حول «الزيارة» عندما أرادت عائشة زوجة رسول الله أن تذهب إلى زيارة قبر أخيها «عبد الرحمن بن أبي بكر» لامها الصحابة واعتبروا أنها قامت بعمل نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد دُفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحجرة ذاتها التي تُوفي فيها، أي في حجرة عائشة وطيلة فترة حياة عائشة أي حتى مدة خمسين عاماً لم يأت أحد إلى تلك الغرفة قائلاً افتحوا لي أريد أن أزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! مما يبين أن زيارة القبر لم تكن عملاً رائجاً، وكان أحد التابعين ويدعى «أبو عمرو بن شراحيل الكوفي» (المتوفى سنة 104هـ) يقول: «لولا أن رسول الله نهى عن زيارة القبور لزرتُ قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم». وقد وُجدت بدعة زيارة القبور في القرون التالية وازدادت بشكل تدريجي، وذلك بعد أن اختلط المسلمون بأهل الملل والنحل المختلفة كاليهود والنصارى والمجوس والبوذيين والأقباط ورأوا في دولهم مقابر الفراعنة والملوك أمثال «كورش» و«داريوش» فراجت بين المسلمين مثل هذه الأمور حتى أنهم أطلقوا على ذراري الأئمة لقب «الشاه» - التي معناها الملك - تعظيماً لهم واحتراماً وانتشرت قبور: «شاهزاده عبد العظيم» (أي ابن الملك: عبد العظيم) و«شاهزاده حمزة» و«شاهزاده جعفر» و«شاهزاده جلال الدين» و«شاهزاده إبراهيم» و«شاهزاده فلان» و...الخ!! وانطلق الناس إلى زيارة قبورهم وقام سدنتها وخدّامها بتشجيع الناس على تلك الزيارات لما تدرُّه عليهم من منافع وأصبحت تلك الأماكن محلاً لتجمُّع كلِّ عاطل عن العمل ومتسوّل وعالة طفيلي يعتاش على النذورات الكثيرة من الذهب والفضة والأموال والسُجّاد والتحف الثمينة التي يأخذونها من الناس ويبيعونها في فناء تلك المزارات بأثمان باهظة!

ومن الجهة الأخرى بدأ أعداء القرآن بوضع الأحاديث التي تشجِّع هذه الأعمال العبثيّة فجعلوا زيارة قبر أفضل من مئة حجّ أو ألف حجّ وابتدعوا زيارات وفضائل، وقام الغلاة والكذّابون والوضّاعون بنشر هذه الأخبار. وتصوّر العلماء والمحدّثون المتأخِّرون أن هذه الأحاديث صحيحة وقاموا بتأليف كُتُبٍ قُرْبةً إلى الله جمعوا فيها تلك الأحاديث الموضوعة وقالوا إن أصل الزيارة من المستحبّات والمستحبّات يُتَسامَح في أدلَّتها، وأدلة السنن لا إشكال فيها!! وأرضوا بذلك الشيطان وشغلوا الناس بالشرك والخرافات حتى أنهم وضعوا حديثاً في فضل البناء على القبور وتعميرها وقد محّص الأستاذ الفاضل «قلمداران» في كتابه حول الزيارة ذلك الحديث سنداً ومتناً، ولكن قبل أن أذكر مزيداً من التمحيص لذلك الحديث لا بدّ أن نعلم رأي أئمة الدين حول تعمير القبور.

 

 

+                  +                 +


 

الأحاديث المتعلِّقة ببناء القبور وتجديدها

لو أردنا أن نذكر جميع الروايات التي وردت في ذمّ بناء القبور وتزيينها لطال بنا الكلام، لذا سنكتفي بذكر عدد من الروايات مما يكفي لإيقاظ كل منصف طالب للحق وإتمام الحجة:

1- روى الشيخ الصدوق والشيخ الحُرّ العاملي صاحب «وسائل الشيعة» أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لَعَنَ الْيَهُودَ حَيْثُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(27). بناء على هذا الحديث فإن جميع الروايات التي ذُكرت في كتب الزيارة والتي تقول اجعلوا قبر الإمام قبلة هي من وضع أشباه اليهود الذين افتروها على لسان الأئمة عليهم السلام.

2- وروى المحدِّث النوري في «مستدرك الوسائل» نقلاً عن العلامة الحليّ في كتابه «النهاية» رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول: «نَهَى النبيُّ أن يُجصّص القبرُ أو يُبْنَى عليهِ أو يُكْتَبَ عليه لأنَّه من زينة الدنيا فلا حاجة بالميِّت إليه...»(28).

3- وروى المحدِّث النوري أيضاً: «عن أمير المؤمنين (ع) قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تَتَّخذوا قبوركم مساجدكم(29)، ولا بيوتكم قبوراً...»(30).

4- وروى الشيخ «الحرّ العاملي» في «وسائل الشيعة» عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: «لا ترفعوا قبري أكثر من أربع أصابع مفرّجات»(31).

5- وجاء في ج22 من «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي، وفي كُتُبٍ حديثيَّة موثوقة أن الإمام الصادق عليه السلام قال: «لا تشرب وأنت قائم ولا تَطُف بِقَبْرٍ ولا تَبُل في ماء نقيع»(32).

6- وروى «زيد بن علي بن الحسين» عليهم السلام عن جدِّه علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: «نهى رسول الله عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاثة أيام..... ونهانا عن زيارة القبور»(33).

7- الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أنا عند القلوب المنكسرة والقبور المندرسة»(34).

فهذا الحديث يدلُّ على أن الحقّ جلَّ وعلا لا ينظر إلى القبور المزيَّنة المزخرفة والمجدَّدة والمحلّاة بالمرايا والذهب ويمقتها.

8- رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «قبر رسول الله محصّبٌ حصباء حمراء»(35).

9- وروى «عبد الرزاق الصنعاني» الذي كان من قدماء الشيعة، عن ابن طاووس: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قبور المسلمين أن يُبنى عليها أو تُجصَّص أو تُزرع، فإن خير قبوركم التي لا تُعرف»(36).

10- ونقل المرحوم آية الله «شريعت سنغلجي» رحمه الله عن كتاب «الذكرى» أن: «الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم سوّى قبر ابنه إبراهيم» ونقل أيضاً أن القاسم بن محمد قال: «رأيت قبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والشيخين مسطّحة» ونقل أن قبور المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة كانت مسطّحة(37).

11- وروى الحرّ العاملي عن الإمام الصادق أنه قال: «لا تطيّنوا القبر من غير طينه»(38).

12- وروى المحدِّث النوري عن علي بن أبي طالب عليه السلام: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُزاد على القبر تراب لم يخرج منه»(39).

لاحظوا إلى أي حد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دقيقاً حتى أنه نهى أن يُزاد ولو مقدار قليل على تراب القبر، فما بالك بالفضة والجصّ وأحجار المرمر وغيرها من الأحجار الثمينة!

ولكن أمتنا لم تلق بالاً لهذه الأوامر بل أسرفت في تعمير قبور عظماء الدين ووصل الأمر إلى وضع الكذابين الغلاة رواية نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل تعمير القبور، وفيما يلي نقوم بدراسة هذه الرواية متناً وسنداً:

روى الحر العاملي في «وسائل الشيعة» (باب 26 من كتاب المزار) بسنده عن عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ السَّاجِيِّ وَاعِظِ أَهْلِ الْحِجَازِ عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (ضمن حديث طويل): يَا عَلِيُّ! مَنْ عَمَرَ قُبُورَكُمْ وتَعَاهَدَهَا فَكَأَنَّمَا أَعَانَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ومَنْ زَارَ قُبُورَكُمْ عَدَلَ ذَلِكَ لَهُ ثَوَابَ سَبْعِينَ حَجَّةً بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ زِيَارَتِكُمْ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ...»(40).

 هذا الحديث فاسد السند كما هو فاسد المتن.

راويه الأول «عبد الله بن محمد البلوي» ضعّفه علماء الرجال واعتبروه كذّاباً ووضّاعاً وطعنوا به وقالوا: لا ينبغي الاعتناء بحديثه. وقد روى عن «عمارة بن زيد» الذي صرّح علماء الرجال بشأنه أنه رجل لا وجود له وأن ما نُسب إليه من روايات كله كذب. حتى أنهم لما سألوا «عبد الله بن محمد البلوي» من «عمارة» هذا الذي تروي عنه؟ فقال: رجلٌ نزلَ من السماء فحدَّثني ثم عَرَجَ!!(41).

والراوي التالي هو أبو عامر وَاعِظُ أَهْلِ الْحِجَازِ وهو مجهول الحال ومهمل.

فبالله عليكم لاحظوا كيف امتلأت بلاد الشيعة من القباب المطلية بالذهب والأضرحة والأفنية والأروقة المبنية على القبور ووكيف وُقِفَتْ الأوقاف على القبور استناداً إلى مثل هذا الحديث المتهافت -وهو بالمناسبة الحديث الوحيد الوارد في تعمير القبور- الذي يرويه كذاب وضّاع عن شخص معدوم عن شخص مجهول! أوقاف ذات عائدات هائلة أُوقفت ليُنفق ريعها على صيانة تلك المزارات ولكي يعتاش منها جماعة من الطفيليين العالة على المجتمع في حين أن أكثر الناس لا يجدون قوتهم وأن البلاد من أكثر البلدان تخلفاً وتأخراً من الناحية الصناعية.

والعجب من العلماء الذين ينقلون في كتبهم مثل هذا الحديث الفاضح!! وانظروا أي مصائب حلّت بالإسلام من ورائه، إذ ظنّ من جاء بعده من المسلمين أن هذه القباب والأضرحة وما فيها من الزينات والتشكيلات ليست بلا سند. لقد افترى «أبو عامر» المجهول هذه الرواية على الإمام الصادق (ع) كي يخدع بها العوام الذين لا علم لهم بكتاب الله، ولكن حبل الكذب قصير فإن هذا الراوي لم ينتبه إلى أن قبر أمير المؤمنين (ع) كان مخفياً زمن الإمام الصادق (ع) ولا أثر له! ولا يعلم أحد على وجه الدقة مكانه، وبالتالي فلم يكن هناك بناء حتى يُعمَّر وحتى يشترك من يعمّره مع سليمان في الأجر والثواب!!

وأما متن الحديث فإنه يشجع الناس على الذهاب إلى مجاورة قبر الإمام والتعطّل عن الكسب والعمل والصناعة مما يجعل البلاد بحاجة للأجانب ويجعل أهلها مستهلكين فقط، كما كان الشعراء ومدّاحو السلاطين يروّجون لهذه الخيانة أيضاً. من ذلك ما ورد في ديوان غزليات حافظ الشيرازي:

قبر امام هشتم وسلطان دين رضا

از جان ببوس وبر در آن بارگاه باش

أي: قبر الإمام الثامن وسلطان الدين «الرضا»

قبِّلْهُ من روحك وكن عند باب تلك العتبة

لقد ظن الشاعر أن الدين له شاه وسلطان وبلاط وأن كل من ذهب إلى بلاطه وجاور عتبته حصل على عين ثواب من ساعد سليمان في بناء بيت المقدس، وثواب سبعين حجة، هذا في حين أنه ليس لدينا أي دليل شرعي قويم واحد يدل على أن المشاركة في بناء بيت المقدس تعادل ثواب حجة.

أجل، لقد رغّب هذا الحديث الموضوع الناس بعمل لا طائل تحته وأغرى الناس بالمعاصي قائلاً إنكم لو زرتم قبر الإمام الفلاني غُفرت لكم ذنوبكم ورجعتم كيوم ولدتكم أمكم!! إذا كانت الذنوب تُغفر بهذه السهولة فلا خطر في ارتكاب كل جرم إذ أن زيارة واحدة ستزيح عن كاهلنا عقاب ذلك الجرم، وعندئذ فلماذا الخوف من يوم الجزاء والحساب، ولا بد أن جهنم خاصة بمن ليس لديهم مقابر وقباب وعتبات وأضرحة!! لو كان تعمير القبور مهماً وله كل هذه الفوائد ولو كان مشروعاً أصلاً فلماذا لم يقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناء قبر عمّه «حمزة» سيد الشهداء أو ابنه «إبراهيم» أو سائر الشهداء، ولم يضع على قبرهم لبنة واحدة، وهل علينا أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونتبع سنته أم نتبع سنن الملوك الذين يخدعون العوام؟

 

 

+                  +                 +


 

مسألة تعظيم الأموات وزيارات القبور

ينبغي أن نعلم أن مسألة الاهتمام بالأموات مسألة قديمة في الأمم السالفة وكان لها عندهم طقوس وشعائر وآداب خاصة فيدفن الميّت ويوضع ما يلزم من الطعام والمصابيح في غرفة الأموات وكانوا يظنون أن رضا الأموات أو سخطهم ودعاءهم للأحياء أو لعنهم لهم يؤثر في الأحياء، وقد جاء في كتاب «تاريخ جامع أديان» (أي التاريخ الجامع للأديان) تأليف «جان ناس» أن بعض الأقوام القدماء كانوا يعتقدون أن السماء بَلَدٌ مسكونٌ مثل الأرض وأن فيها الأشجار والأنهار وتعيش فيها أرواح الأموات التي يمكنها أن تأتي إلى الأرض وتلتقي في الرؤيا ببني آدم وإذا جاؤوا إلى أحد في منامه فلا بد عليه أن يهيّئ لهم طعاماً يأخذه إلى قبرهم ويشعل لهم فيه ناراً. وكان الآرييون القدماء يحترمون أرواح الأجداد إلى حد التمجيد، وكذلك كان الطورانيون، وتمارس بعض الأديان كالبراهمة في الهند والبوذية في الصين آداب وطقوس مفصلة أكثر تجاه الأموات، وكان الهندوس يحملون زوجة الميت بزينتها على محمل إلى جانب جثمان زوجها لتحرق معه. وكانت بعض الملل الأخرى تضرب أعناق عبيد وإماء الميت كي يكونوا أعوان سيِّدهم في العالم الآخر! وخلاصة الكلام إن الأمم القديمة كانت تخاف الأموات وترجوهم.

 لما ظهر دين الإسلام، دين التوحيد الخالص، كان العالم غارقاً في ظلمات الجهل والأوهام لذا بدأ بمحاربة الأوهام منذ فجر دعوته وأمر المؤمنين أن لا يتّكلوا على أحد سوى الله سبحانه وألا يعتبروا أحداً سوى الله مؤثراً في تقدير الأمور، وألا يعتبروا أي أحد قاضي الحاجات وباب الحوائج سوى الله تعالى، وأن يعلموا أن لا وسيلة توجب النجاة سوى العلم والإيمان والعمل الصالح، فيجب أن لا يتوسَّل المؤمنون إلى الله بشيء سواها وألّا يعتبروا أحداً سوى رب العالمين مؤثراً حقيقياً في هذا الوجود. ونهى الإسلام في بداية أمره عن زيارة الأموات ولم يسمح بذلك فيما بعد إلا لأجل العبرة [والدعاء لأصحابها] ومع ذلك نهى النساء اللواتي يُكْثِرْنَ من زيارة القبور كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «لَعَنَ الله زوّاراتِ القُبُور»(42)، كما نهى عن تعمير القبور وتزيينها، كما جاء في دعاء جوشن الكبير ومناجاة الله: «يا من في القبور عبرته».

ولكن مع الأسف سرت إلى المسلمين شيئاً فشيئاً روح عبادة الأوهام وعادت إليهم العادات الشركية وانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف:106].

وقد قال الله العليم بعباده: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر:45]، أي إذا ذُكر الذين من دون الله كأرواح الأموات وأرواح الأولياء والأنبياء وغيرهم استبشروا بها. فالحفاظ على توحيد العبادة وأن لا يرجوا الإنسان غير الله أمر في غاية الصعوبة، ولم يكن المؤمنون في صدر الإسلام يتردَّدون إلى زيارة القبور وإذا فعل أحدهم ذلك تعرّض إلى اللوم.

وفي آخر ساعات عمره الشريف توجّه رسول الله إلى ربِّه داعياً متضرِّعاً وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد»(43) لأنه كان يعلم أن روح عبادة الأموات راسخة في الناس وكان يخشى أن تُبتلى أمته بذلك. ولم يطل الزمن مع الأسف الشديد حتى قام محترفو الدين الذين يتخذونه حانوتاً يتكسّبون به ببناء مئات القباب والعتبات المزينة بالزخارف والمرايا التي تخدع العوام على قبور الأموات واخترعوا الثواب العظيم على شدِّ الرحال إلى زيارتها وأوقفوا لها الأوقاف ونذروا لها النذور إلى حدِّ أن أحد المتصدِّين لأمور الأوقاف ادَّعى أن ربع أملاك إيران موقوفة على قبور الراحلين. ورغم أن كل العائدات التي تأتي من هذه البدع غير شرعية ومحرّمة وأنه يتم أخذ ملايين التومانات شهريّاً في كل قرية باسم الآجار أو حقّ التنازل (خلو الرجل أو الفراغة)، فإن القليل منها يُصرف على تعمير القبور وسائر ما يتعلق بها من البدع في حين تُصرف البقية على القرّاء في المآتم وعلى مصاريف متولي شؤون المقابر والقائمين عليها والأمناء والمستأجرين ونتيجة لذلك يزداد الضغط يوماً بعد يوم على المستضعفين والفقراء وتزداد ديونهم ومشاكلهم، وقد بلغت بعض الإيرادات من بيع القبور المجاورة للإمام أو الصالح من ذرية الإمام مئات آلاف التومانات.

كل عدة سنوات يتم بيع الأشياء الثمينة من قبيل السجاد والثريات والذهب والمراوح وغيرها من النذور والهدايا المقدمة لقبر كل إمام أو حفيد الإمام بالمزاد العلني لتُصرف أثمانها في مصارف باطلة إضافة إلى الأموال النقدية التي تُرمى داخل الأضرحة أو التي تعود من الأملاك الموقوفة وأكثر قبور ذراري الأئمة تلك بل جميعها تمتلك مثل تلك العائدات، كقبر المعصومة في قم الذي يدر كل شهر ملايين التومانات من الأموال النقدية أو عائدات الأوقاف غير الشرعية هذا في حين أن أكثر الشعب لا يجد قوت يومه وضروريات حياته وأكثر القرى لا تمتلك الماء وتمد أيديها إلى الخارج لأجل إبرة أو برغي وحزقة. أليس من الحماقة أن يتم صرف تلك الأموال الطائلة على القبور أو وقفها عليها؟ جاء في صحيفة «كيهان» العدد 8642 الصادر بتاريخ 17/2/1351 هجري شمسي أن الحاج السيد حسين مَلَك الذي بلغت قيمة أمواله الوقفية ثلاثة مليارات تومان! أوقف السنة الماضية أربعمئة مليون تومان المتبقية من أمواله والموجودة في متحف «مَلَك» على شكل عملات مسكوكة ولوحات زيتية وسجاد وكتابات خطية للملوك وأشياء عتيقة على العتبة الرضوية المقدّسة... وهذه الأموال والأملاك ستُصرف على مصاريف وملذات متولّي تلك القبور من الطفيليين العاطلين عن العمل.

علماً أن وقف الأوقاف ونذر النذور على قبور الأموات بدعة وعمل مخالف للشرع.

ونتيجةً لهذه الأوقاف أصبح كثيرٌ من الأراضي الموات التي يتم وقفها تُبَاع أو تُؤَجَّر بعد أخذ خلو رجل (فراغة) باهظة، أي لو استأجر أحدهم مئة متر من الأرض الموقوفة فعليه أن يدفع مثلاً مئة ألف تومان خلو رجل دون أن يحصل على أي وصل إضافة إلى الآجار السنوي الذي عليه أن يدفعه. أليس هذا ظلماً وإفكاً؟ في نظرنا إن موقوفات إيران ليست من الباقيات الصالحات بل معظمها من الباقيات الطالحات، ويشهد الله أن عديداً من أوقاف القبور تُصرف إيراداتها على أمور لا ترضي الله ولا رسوله، هذا على رغم أنف عشرات الأحاديث في حرمة أو كراهة هذه الأعمال لاسيّما الأحاديث الناهية عن تعمير القبور أو تزيينها أو الاعتكاف فيها، فضلاً عن وقف الأملاك عليها مما يكون إثمه أكبر.

ويا ليت أولئك الأغنياء الذين يقفون أموالهم على تلك العتبات ينفقونها لوفاء ديون الغارمين وتزويج الأيامى والعزّاب بدلاً من مساعدة بعض الطفيليين على المزيد من الانغماس في الملذات والشهوات وزيادة الفساد في المجتمع يوماً بعد يوم. هذا فضلاً عن الأضرار الأخرى الناجمة عن تلك الأعمال مثل ابتلاء المجتمع بالشرك والخرافات.

وكما نقل المرحوم قلمداران عن كتاب «الذكرى» للشهيد الأول فإن وضع قماشة على القبر الشريف لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لا دليل شرعي عليه، وتركه أولى، كما لم يكن عليٌّ عليه السلام يجيز المبالغة في بناء المساجد حيث نقرأ: عن عليٍّ عليه السلام أنه مرّ على منارة طويلة فأمر بهدمها وقال: «لا تُرفع المنارة إلا مع سطح المسجد»(44). ونقول لفقهاء وعلماء عصرنا لماذا لا توعّون الناس كما فعل الشهيد الأول وتقولون لهم إن هذه الزينات والزخارف والتزيين بالمرايا وأحجار المرمر والطلاء بالذهب إسراف وحرام وإتلاف للمال ويجب أن تُصرف الأموال على أعمال ذات نفع عام ويُؤخذ بواسطتها بأيدي الفقراء والضعفاء. إذا كان رمي قطعة قماش فوق قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إتلاف للمال، فما حكم تعطيل ملايين التومانات من الأموال برميها تحت القباب الذهبية للقبور؟

أجل، لقد راج شيئاً فشيئاً بناء مثل هذه القصور والزخارف على القبور وقراءة الجمل المشوبة بالعبارات الكفرية ودفع عوام الناس إلى التملّق والتزلّف إلى القبور، وأصبحت تلك الأمور في زماننا جزءاً من العقائد الأساسية للشيعة التي يُعدّ إنكارها كفراً!! ولو نطق شخص بكلمة خلافاً لذلك لسارع محترفو الخرافات الدينية الذين اتخذوا الدين حرفةً وحانوتاً يتكسَّبون به إلى تكفيره متجاهلين جميع الأدلة العقلية والنقلية التي جاء بها وكالوا له آلاف التهم حتى أصبحت محاربة هذه البدع ومجاهدة هذه الخرافات أصعب من مجاهدة عباد الأوثان وكل من أظهر الحق طُرد من المجتمع.

+                  +                 +


 

ذكرٌ لِخَاطِرَةٍ وبيانٌ لِفِكْرَةٍ

عندما كان كاتب هذه السطور في السجن(45)، قال لي أحد الشيوخ مشيراً إلى الآية 21 من سورة «الكهف» الشريفة [إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا]: كيف لا نبني ضريحاً على قبور أئمة أهل البيت الذين مقامهم أرفع من مقام أصحاب الكهف ولا نجدِّد قبورهم في حين أن القرآن يذكر أنهم بنوا على أصحاب الكهف مسجداً؟

فأجبته قائلاً: أوَّلاً لقد جاءت في الآية الكريمة كلمة «يتنازعون»، وانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء:59]، لا بد أن نتبيَّن: أيُّ الفريقين كان قوله موافقاً لتعاليم الله، وقد شرح آخرون كما فصّلتُ أنا في كتابي «الخرافات الوافرة في زيارات القبور» هذا الموضوع. ثم إن الفريق الأول الذين قالوا: «رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ» ذكروا الحق وذكروا اسم الله المبارك أما الفريق الثاني فلم يتمسكوا بأي دليل شرعي بل أرادوا مستبدين برأيهم أن ينفذوا هذا الرأي ببناء المسجد على رفات أصحاب الكهف.

وأضفتُ قائلاً له: إنَّ النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً عليه السلام كانا يعلمان بهذه الآية فلماذا لم يستنبطا منها ما تذكُرُهُ ولم يعملا بما تميل إليه، فلم يبنيا على قبر أحد ضريحاً ولا مسجداً ولم يأمرا الناس بضرب القباب وبناء الأضرحة، بل تمَّ دفنُ بعض عظماء الإسلام سرّاً كي لا يتحول قبرهم إلى مزار، كما نَهَيَا عن تعمير القبور وتزيينها؟ فهل مقام حمزة سيد الشهداء الذي استُشهد تحت لواء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقل من «سيد نصر الدين» في طهران حتى لم يبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبره مزاراً؟!

 وثانياً: جاء في الآية كلمة «مسجد» ولم تقل الآية: «لنتخذنّ عليهم قبة وضريحاً ومزاراً!!» فهل كلُّ هذه المقابر والقباب والأضرحة في إيران والعراق التي بُنيت على قبور الأئمة أو قبور أبنائهم وأحفادهم وبعضها يقع في أماكن نائية يصعب الوصول إليها ويتحمَّل المسافرون إليها متاعب جمة «مسجدٌ» أم شيء آخر؟ هل ضريح وعتبة الإمام الرضا في مشهد «مسجدٌ»؟

ثم قلتُ له: إن مقبرة «امام زاده زيد» في بازار (أي سوق) طهران و«امام زاده داوود» و«امام زاده عبد الله» و«امام زاده قاسم» و«سيد نصر الدين» و«امام زاده صالح» و... ليست بمسجد، فليس لدينا في المسجد «ضريح». هل يستأذن أحد قبل الدخول إلى المسجد ويقرأ صفحة كاملة من دعاء الزيارة ويقول: «السلام عليك يا....»؟ وهل يشدّ أحد الرحال من أصفهان إلى «مسجد الإمام» في بازار طهران ليصلي فيه؟ هل ينطلق أحد من خوزستان ويسافر لأجل أن يصلي في مسجد كبود في تبريز أو مسجد السلطانية في زنجان؟ هذا في حين أن كثيراً من الناس يشدُّون الرحال لأجل زيارة مراقد الأئمة أو أولادهم أو أحفادهم لأنهم يعتبرون أن مراقد الأئمة شيء غير «المسجد»!

وقلتُ له أخيراً: قم بتغيير مقابر الأئمة وذراريهم التي لا تخلو منها مدينة ولا قرية وابنها من جديد بما يتطابق مع أحكام الإسلام وأزل الضريح وأدعية الزيارات منها واجعلها مسجداً بسيطاً فقط وخالياً من الزخارف والزينات وانهَ الناس فيها عن دعاء غير الله فسأكون أول من يصلي في هذه المساجد وأدعو لك بعظيم الأجر والثواب لأنك أصبحت من بناة المساجد.

 

 

+                  +                 +


 

تمحيص آداب الزيارة

قبل أن ندرس موضوع الزيارات يجب أن ننظر في أمر الآداب الخاصة بزيارة المراقد والمذكورة في كتب الدعاء وغيرها ونرى هل لها من مستند صحيح أم لا؟

توجد في الكتب الخاصة بالزيارات مثل «مصباح المتهجِّد» للشيخ الطوسي و«مفاتيح الجنان» للشيخ عباس القمّيّ و«بحار الأنوار» للمجلسيّ وكتب ابن طاووس [مثل «إقبال الأعمال»] وكتاب «كامل الزيارة» لابن قولويه، مطالب وجمل وتعليمات تخالف العقل والشرع والتاريخ وهي من وضع الجهلة أو المغرضين. فمثلاً في فصل آداب زيارة الإمام الحسين (ع) نسبوا إلى الإمام الصادق (ع) قوله: إذا أردت أن تدخل الحائر فادخل من الباب الشرقي، هذا في حين أنه لم يكن هناك بناء على قبر الإمام الحسين (ع) في زمن الإمام الصادق (ع)، وبالتالي لم يكن هناك باب شرقي ولا غربي، بل إن كتابَيْ «مفاتيح الجنان» و«بحار الأنوار» عينهما يذكران أن الإمام الصادق عليه السلام قال: «كل من نظر إلى قبر الحسين وابنه في صحراء لا قريب فيها ولا صديق... الحديث» وسبب ذلك أنه لما لم تكن في ذلك الزمان أيَّة علامة للقبر كان وجدانه أمراً صعباً فلم يكن هناك حرم، فكيف قال الإمام ادخل من الباب الفلاني للحرم؟!

أضف إلى ذلك أنه من القبيح جداً أن يقول الإمام كل من أتى إلى منزلنا أو حرمنا فعليه أن يُقبّل عتبتنا ويتمسّح بباب وجدران منزلنا ويقبّلها، ويستأذن للدخول! وكلّ هذا الحُرُم لم تكن موجودةً أساساً، ثم إنه لا معنى لأن يقول الإمام عليك بقراءة إذن دخول من صفحتين ثم ادخل رغم عدم صدور الإذن والسماح بالدخول بعد!

هل كانت هذه الأعمال من سنة عليّ عليه السلام وطريقته أنه كلما أراد أن يأتي إلى منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يتلو صفحتين لإذن الدخول!!

إن أحكام دين الإمام والمأموم واحدة ولا فرق بينها، وفي الإسلام سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته هي التي يجب اتّباعها، وليس طريقة الملوك الذين يحتاج من يريدون الدخول عليهم أن يستأذنوا للدخول ويقفوا ساعات للانتظار.

جاء في كتابَيْ «بحار الأنوار» و«مفاتيح الجنان» وغيرها من كتب الشيعة منسوباً إلى الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إنَّ من الآداب تقبيل عتبة الحرم حتى إذا وصل إلى البند الثاني عشر من الآداب يذكر الذهاب إلى قرب الضريح وتقبيله والتمسّح به! هذا في حين أن الأضرحة لم تُبنَ إلا بعد قرون من زمن الأئمة عليهم السلام وقد بناها سلاطين الجور والوزراء الخائنون، فهذا يبين بوضوح أن هذه الروايات وُضعت في زمن أولئك السلاطين وإلا فإنَّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لم ينطقوا بمثل هذا الكلام. ولا ندري لماذا ابتدعوا كل هذه الطقوس والآداب باسم الدين؟

كما جاء في تلك الكتب أنَّ كلَّ مَن أراد الذهاب إلى الحرم فعليه أن يغتسل ويقف بجانب باب الحرم حتى يرّق قلبه ثم يضع قدمه اليمنى وخده الأيمن على الضريح ومن الآداب الأخرى أنه يجوز أن يستدبر القبلة ويستقبل قبر الإمام في دعائه!! وأن يعطي لخدّام الحرم شيئاً من المال -أي يُوجد مركزاً للتسوّل- وأن يتصدّق على من يوجد هناك من الفقراء لأن ثوابه يكون مضاعفاً!! هذا مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تتخذوا قبري قبلةً»، وطبقاً للأحاديث التي جاءت في كتاب «الوسائل» باب 22 من أحكام الطواف أن أئمّة الإسلام قالوا: كل من نذر أو أوصى للكعبة أو المسجد الحرام فلا يجوز أن يعطي هذا النذر أو الوصية لخدّام الحرم أو حجّاب الكعبة حتى لا يحوِّل حرم الله إلى مركز للتسوّل(46)!

لقد وُضعت في كتب الدعاء والزيارة نصوص استئذان للدخول إلى الحرم والأروقة وآداب للزيارة منسوبة إلى الإمام كذباً، وأوضح دليل على كذبها أنه لم تكن في زمان الأئمة عليهم السلام قباب وأروقة وحرم للقبور فلم تكن مثل تلك الأشياء قد بُنيت بعد بمال السلاطين الحرام. لماذا أضاف المجلسيّ والقمّيّ وابن طاووس هذه الآداب والأحكام التي ما أنزل الله بها من سلطان إلى دين الله؟ هم أنفسهم نقلوا في كتبهم عن «محمد بن علي الشيباني»: أنه قال ذهبتُ أنا وأبي وعمِّي ليلاً خفيةً سنة 260هـ إلى زيارة مرقد أمير المؤمنين عليه السلام ورأينا القبر وسط البادية قد وُضِعَ حولَه عددٌ من الأحجار السوداء، ولم يكن عليه بناء.

إذن حتى سنة 260هـ التي توافق سنة وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام آخر أئمة الشيعة الظاهرين، لم يكن لمرقد أمير المؤمنين عليه السلام حَرَمٌ ولا قُبَّةٌ ولا رُوَاقٌ ولا فِنَاءٌ ولا صَحْنٌ، فلنا أن نسأل من السادة ابن طاووس والشيخ الطوسي والمجلسي والقمي لماذا أوردتم هذه الروايات المنسوبة إلى الأئمة عليهم السلام حول الرواق والحَرَم؟

رُوي في كتابَيْ «بحار الأنوار» و«مفاتيح الجنان» في الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام أنه إذا ظهرت قبّة الإمام فَقُلْ كذا، وإذا وصلتَ إلى باب النجف فاقرأ الدعاء الفلاني، وإذا وصلتَ إلى صحن الحرم فقل كذا، وإذا وصلت إلى الرواق فقل: «يا أمير المؤمنين عبدك»!! فما معنى هذه التعليمات في الوقت الذي لم يكن في زمن الإمام فناء ولا باب ولا قبَّة؟ لا ندري متى وفي أي زمنٍ نُسبت هذه الأقوال إلى الأئمّة عليهم السلام ووضعت على ألسنتهم؟!

فهل يجوز للسادة ابن طاووس والمجلسي والكفعمي والشهيد والشيخ الطوسي أن يضيفوا أشياء حسب ذوقهم إلى دين الإسلام سواء كان ذلك الأمر مستحباً أم غير مستحب؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حلالُ محمَّدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة وحرامُهُ حرامٌ إلى يوم القيامة»؟(47)، كما قال: «لا رأيَ في الدين، إنَّما الدين من الربِّ أمرُهُ ونَهْيُهُ» (وسائل الشيعة،ج18/ص40)، مما يعني أنه لا يحق لأحد أن يزيد على آداب وأحكام الدين أو ينقص منها؟.

لقد تمَّ إبعاد الناس- للأسف - عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَشَغْلِهِمْ بالبدع وجَعْلِهِمْ يغترُّون بها، وقد رُوي عن الإمام علي عليه السلام في الكافي قوله: «السنة ما سنّ رسول الله والبدعة ما أُحدث بعده»(48).

وللأسف اخترع العلماء والمتقدّسون هذه الآداب لإظهار محبتهم للأئمة عليهم السلام وظنُّوا مخطئين أنهم يحسنون صنعاً. وظن اللاحقون استناداً إلى حسن ظنهم بهؤلاء السابقين أن تلك الأعمال هي فعلاً من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجزءاً من الدين، فمثلاً ذكروا في زيارة أئمَّة البقيع أنه عند دخولك حَرَمِهِم اقرأ إذن الدخول وقُلْ لهم كذا وكذا، مع أنه لو كان الإمام قد قال للراوي فعلاً مثل هذا الكلام لكان من الطبيعي أن يسأله الراوي أيُّ حرم؟

وكذلك كتبوا في زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا ذهبت إلى زيارة رسول الله فقبّل منبره وافعل كذا وكذا عند عمود «حنانة» وامسح العمود بعينيك فإذا وصلت إلى باب جبريل ووقفت تحت الميزاب فقل كذا وكذا، فكأنَّهم يتصوَّرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحل حديثاً عن الدنيا وأن باب بيته والميزاب والمنبر والعمود هي عينها التي كانت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم؟! ويبدو أنهم لم يقرؤوا التاريخ ولم يفكِّروا ولو ساعة أن الباب والعامود وسواها التي كانت زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد زالت منذ أكثر من ألف عام وهُدمت وجُدّد بناؤها مرات عديدة، فليت شعري! هل أوكل الله تعالى إلى هؤلاء أمرَ دينِهِ -والعياذ بالله- حتى يضيفوا إليه كلَّما أرادوه؟!

الآن نبدأ بتمحيص متون وأسانيد نصوص الزيارات لنرى هل تتَّفق مضامينها مع أحكام الإسلام وتعاليم القرآن أم لا؟ فإذا لم تتوافق مع القرآن كان ذلك دليلاً كافياً على أنها موضوعة مُخْتَلَقَة.


 

جُمَلُ الزيارات وآيات كتاب الله

للإجابة عن هذا السؤال نبدأ بدراسة متون نصوص الزيارات، ولكن لما كانت بعض تلك الزيارات طويلةً جداً وكان التحقيق في جميع جُمَلِهَا يطول فإننا سنضطرُّ إلى الإشارة إلى بعض جملها فقط ويمكن للقرّاء أن يراجعوا القرآن في الموارد الأخرى ويقارنوا متون الزيارات بكتاب الله سبحانه.

1- روى المجلسيُّ في كتاب «المزار» من «بحار الأنوار» في باب «زيارة النبيّ وسائر المشاهد في المدينة»(49) [نقلاً عن كتابَي علل الشرائع وعيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق] عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إذا حجَّ أحدكم فليختم حجَّهُ بزيارتنا لأن ذلك من تمام الحجِّ!».

وهنا نتساءل: أولاً: عندما كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمامُ يحجُّ فإلى زيارة قبر أيِّ إمام كان يذهب؟؟ ولماذا لم يبيِّن الله تعالى في كتابه شرط كمال الحج هذا؟

ثانياً: لم يكن الإمام متكبراً حتى يجعل من زيارة قبره كمالاً للحجِّ خاصَّةً أن الله تعالى يقول: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ﴾ [القصص:83]، ويقول أيضاً: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم:32].

ثالثاً: لو قال الإمام مثل هذا الكلام حقَّاً فإنَّ قصده كان أن يزوره الناس ليستفيدوا من علمه حال حياته، وليس قصده أن يزوروا قبره، ولكن المحدّثين اعتبروا خطأً أن هذا الكلام دليلٌ على وجوب زيارة قبر الإمام!!

هل من الممكن أن يكون أئمة الهدى من آل الرسول عليهم السلام قد علَّمونا تلك الزيارات المملوءة بالغلوّ في حقِّهم والمبالغة في المديح والإطراء إلى حدّ أن ثلاثة مجلدات من «بحار الأنوار» خُصّصت لها، يَدْعُونَ الناس فيها أن يأتوا إلى قبورهم ويخشعوا أمامها ويمجِّدوهم بتلك العبارات المغالية كي يرضوهم فيشفعوا لهم في المحكمة الإلهية؟!

2- روى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب «قُرب الإسناد» للحميري] عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من زارني حيَّاً وميِّتاً كنتُ له شفيعاً يوم القيامة»». نفهم من هذا الحديث أنَّ اختيار الشفيع وانتخابه بيد الزوّار، هذا في حين أن الله تعالى جعل اختيار الشفيع حقّاً خالصاً له وسلب عن الخلقِ هذا الحقَّ، وقال بشأن شفاعة الملائكة: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26]. وقال أيضاً: ﴿ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ:23]، وكما قال الشاعر:

اگر خداى نبا شد زبنده اش خشنود شفاعت همه پيغمبران ندارد سود(50).      أي: إن لم يكن الله راضياً عن عبده لم تنفعه شفاعة جميع الأنبياء.

وأضيف قائلاً [في نقد متن هذه الرواية]:

أولاً: لو استحقَّ الإنسان الشفاعة لمجرَّد زيارته لقبر فيجب أن تشمل الشفاعة جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين زاروه حال حياته وجميع الفسّاق والفجّار الذين زاروا قبره فيما بعد وأن يدخل جميعهم الجنة بشفاعته. وبالتالي فإن القرآن والعقاب والحساب ستصبح كلُّها لغواً!!

ثانياً: تُبيِّنُ آياتُ القرآن الكريم، خلافاً لما يتصوَّره عوام الناس، أن الله تعالى لم يعطِ أفراد البشر حتى الأنبياء الإذن المطلق بالشفاعة لمن يريدون، ولا توجد آيةٌ تصرّح بإذن الله المطلق لأحد بأن يشفع لمن يشاء، بل لقد نفى الله الشفاعة [بهذا المعنى] يوم القيامة حتى للمؤمنين إذ قال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ﴾ [البقرة:254].

ثالثاً: لقد حصرت بعض آيات القرآن الشفاعةَ بالله تعالى كقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ﴾ [السجدة:4]، وقوله سبحانه: ﴿ قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزمر:44].

رابعاً: إذا كانت بعض آيات القرآن التي تتحدَّث عن شفاعة الملائكة تفيد أن الله أعطاهم الإذن بذلك، فلا يمكن أن نقيس على ذلك الأنبياء والأولياء، فمثلاً يذكر القرآن أن الملائكة تقبض أرواح بني آدم في حين أنه لا يمكن القول أن الأنبياء والأولياء أيضاً يقومون بمثل ذلك. أضف إلى ذلك أن شفاعة الملائكة والأنبياء والأولياء ليست سوى الرحمة الإلهية التي يتم إبلاغها للمشفوع له عبر الملائكة وربما الأنبياء والأولياء. لأن الله تعالى هو الوحيد البصير بعباده والخبير بأعمالهم وتصرّفاتهم، وآيات القرآن تدلُّ على هذا الموضوع بكلِّ وضوح.

3- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب علل الشرائع للشيخ الصدوق] حديثاً منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من أتى مكة حاجّاً ولم يزرني في المدينة جفوته يوم القيامة. ومن جاءني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة»!. فانظروا كيف اتّهم هذا الراوي الكاذب الوضَّاع رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيجفو كل من لم يأتِ إلى زيارته، فهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجحف جافٍ حتى يتوعَّد كلَّ من لم يأت إلى زيارته بأنه سيجفوه يوم القيامة؟ حاشاه من ذلك، ولا أتصوَّر أن أيَّ عقل يمكنه أن يقبل هذا بشأن الرسول الكريم الذي وصفه ربُّهُ بأنه رحمةٌ للعالمين (الأنبياء: 107) [وبالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة:28)].

أضف إلى ذلك أن هذه الرواية تذكر أن كلَّ من شفع له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجبت له الجنة، أي أن الله مجبر على قبول شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحقِّ كلِّ شخص وأن يدخله الجنَّة بذلك، وهذا قلبٌ لمفهوم الشفاعة القرآني، إذْ إن القرآن الكريم يبيِّن لنا بأوضح العبارات أن الله تعالى هو صاحب الشفاعة وليس مطيعاً في شأنها لأحد بل يقول لرسوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ [الزمر:19]، فمتن هذا الحديث مخالف للقرآن ويجرِّئُ الناس على الذنوب ويغريهم بالمعاصي.

4- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب «كامل الزيارة» لابن قولويه(51)] حديثاً آخر منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: «ومن مات في أحد الحرمين: مكة أو المدينة لم يعرض إلى الحساب ومات مهاجراً إلى الله وحُشِرَ يوم القيامة مع أصحاب بدر»!.

وهذه الرواية تخالف قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأعراف:6]، فهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي تُوفِّيَ في المدينة يُحاسَب أم لا حساب له؟ القرآن يقول إنه حتى المرسلين سيُسألون، فما بالك ببقية الناس! في رأينا إن هدف الوضَّاعين من اختلاق هذه الأحاديث أن يصبح القرآنُ وتعاليمه مهجورةً.

5- وروى المجلسيُّ والحُرُّ العامليُّ في الوسائل (ج10/الباب التاسع عشر الموسوم بباب «استحباب النزول بالمعرّس(52) لمن مرّ به») حديثاً جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل في منزل بين المدينة ومكة وغشيَ أهله(53) ثم أخذه النوم حتى طلعت الشمس فصلّى الفجر قضاءً، لذا من المستحبّ لكل من حجَّ أن يذهب إلى ذلك المنزل وينام فيه!

أقول: إذا صحّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخذه النوم حتى صلّى صلاته قضاءً فهذا يدلُّ قطعاً على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره ذلك المكان الذي فاتته فيه الصلاة، وبالتالي فلا ينبغي على أحد أن يذهب للنوم في ذلك المكان بل عليه أن يمرّ به بسرعة(54).

هذا إضافةً إلى أنه ما حاجةُ الحجَّاج الذين لن يعاشروا زوجاتهم(55) [بحكم إحرامهم] إلى النوم في ذلك المكان؟ أليس هذا الحديث استهزاء بالدين؟ والطريف أن كتاب وسائل الشيعة يروي في الباب عشرين من ذلك الجزء العاشر/ص291 عن الإمام الرضا عليه السلام روايةً في استحباب الرجوع إلى المعرِّس لمن تجاوزه و«أن شخصاً لم يعرِّس فأمره الرضا عليه السلام أن ينصرف فيعرِّس»!!

6- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب ثواب الأعمال للشيخ الصدوق] روايةً أخرى أن الحسين صلوات الله عليه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «يا أبتاه! ما لمن زارنا؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يا بُنَيَّ مَنْ زَارَني حيَّاً وميِّتَاً، وَمَنْ زَارَ أباك حيَّاً وميِّتَاً وَمَنْ زَارَ أخاكَ حيَّاً وميِّتَاً وَمَنْ زاركَ حيَّاً وميِّتَاً كان حقيقاً عليَّ أنْ أزورَهُ يوم القيامة وأخلِّصه مِنْ ذُنُوبِهِ وأُدْخله الجنة»!(56).

أقول: هذه الرواية تُصَوِّرُ الإمام الحسين عليه السلام وكأنه كان منذ صغره ينتظر زيارة الزائرين ويستفهم عن أجرهم! وتُصَوِّرُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنَّه غفّارٌ للذنوب أو كأن الشفاعة ملك يديه أو يدي أهل بيته، هذا في حين أن القرآن الكريم يبين لنا قول الله تعالى لنبيِّه الكريم -صلوات ربِّي وسلامه عليه وآله-: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله ﴾ [التوبة:80] فالله تعالى ليس تابعاً مطيعاً لرسوله أو لغيره بل الأمر كلُّه بيديه تعالى وحده، وهو الوحيد الذي يملك غفران الذنوب.

7- وروى المجلسيُّ في الكتاب ذاته [نقلاً عن أمالي الصدوق] أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ زَارَ الحسنَ في بَقيعِهِ ثَبَّتَ الله قَدَمَهُ على الصراطِ يومَ تزلُّ فيه الأقدامُ».

أقول: فهل تكفي زيارة الإمام الحسن (ع) حتى تُغفر جميع زلات الإنسان؟ هل هذه الزيارة رشوة لنقض قوانين الله؟ ولماذا يُخَصَّصُ كلُّ هذا الثواب والأجر لزيارة قبر الإمام بعد موته ولا يوجد مثله لمن زار الإمام حال حياته؟!

8- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب كامل الزيارة لابن قولويه] عن الإمام الجواد (ع) أنه سُئِلَ: «جُعلتُ فداك! ما لمن زار رسولَ الله صلى الله عليه وآله متعمِّداً؟ قال: له الجنَّة»!. قلت: إذا كان الأمر بهذه البساطة فجميع أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله ومعاصريه زاروه وبالتالي فطبقاً لهذه الرواية يجب أن يدخلوا الجنَّةَ جميعاً، فلماذا إذن تعترضون على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدحون بهم؟ إلا أن يقول بعضهم إن هذا الأجر والثواب هو لمن زار القبر لا لمن زار رسول الله ذاته صلى الله عليه وآله وسلم. إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ!

9- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «من زارني غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَمْ يَمُتْ فَقِيْرَاً».

قلتُ: فهل يُحِبُّ الإمامُ زيارةَ الناس له إلى هذه الدرجة التي تجعله يحكم بغفران جميع ذنوب زائره وأن كل من جاء إليه لا يموت إلا غنياً؟!

يقول علماء الاقتصاد إن الوصول إلى الرفاهية وسعة العيش يتطلَّب اتِّباع القوانين الاقتصاديّة الصحيحة والجدّ والنشاط ولكنّ رواة تلك الأحاديث يقولون إن من أراد الغِنَى فعليه أن يذهب لزيارة القبور!! فأيُّ القولين صحيح؟ أترك الحكم في ذلك إلى القارئ!

في رأيي إن أعداء الإسلام أرادوا إضعاف دين الإسلام بأمثال تلك الروايات وأن يُغروا الناس بالمعاصي ويصوِّروا لهم أن زيارة القبر كفيلة بغفران جميع جناياتهم وآثامهم.

10 - وفي الباب ذاته روايةٌ عن الإمام العسكري عليه السلام قال فيها: «من زار جعفراً وأباه لم يشكو عينه ولم يصبه سقم». فلنا أن نتساءل: لماذا كان الذين يزورون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرونه يمرضون إذن؟ بل عليٌّ عليه السلام ذاته أصابه رمد العين كما مرض عددٌ من المهاجرين في سبيل الله من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عندما وصلوا إلى المدينة وأصابتهم الحمّة. فكيف لا يمرض زائرُ قبر حفيد حفيد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؟! إن هذا الحديث مخالفٌ لكتاب الله وللعقل السليم. وروايات هذا الباب أغلبها من هذا القبيل. فاقرأ أنت الحديث المفصّل من هذا الكلام المجمل.

 

 

+                  +                 +


 

روايات الباب الثاني من أبواب زيارة النبيّ

1- أورد المجلسيُّ في هذا الباب رواياتٍ فيها دعوة الزائرين إلى تقبيل عامود التوبة وعامود حنانة ومنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن يمسحوا أعينهم بها، وأن يزوروا مقام جبريل والميزاب الذي كان فوق رأس جبريل.. الخ. ولنا أن نتساءل: هل تلك العواميد ومنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تزال موجودة بعينها الآن؟ ألم يكن المجلسيُّ أو رواةُ حديثه يعلمون أن تلك الأعمدة والمنبر قد اندثرت منذ مئات السنين؟!

2- وذكر المجلسيُّ في هذا الباب أدعيةً مفادها أن يقول زائر قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بعد وقوفه أمام قبره وقراءته ألفاظ الزيارة وما فيها من عبارات الغلوّ في الإطراء والتمجيد - في آخر كلامه: «اللهمَّ إنَّكَ قُلْتَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ الله وَاسْتَغْفَرَ لَـهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ الله تَوَّابًا رَّحِيمًا(57). وإنِّي أتَيْتُ نَبِيَّكَ مُسْتَغْفِرَاً تَائِبَاً مِنْ ذُنُوبِي...الخ».

فنسأل: هل يجب على كلّ مذنب عاصٍ أن يذهب إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل غفران ذنوبه كما يفعل النصارى عندما يذهبون إلى قسِّيسيهم ويعترفون بذنوبهم لتُغفر لهم؟ أليس هذا نوعٌ من اللعب بآيات القرآن والتحريف المعنوي لها؟

إن الله تعالى لم يقل أبداً إن كلَّ من أذنب عليه أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والآية التي ذُكرت في الرواية لا علاقة لها بذلك الموضوع، لأن سياقها الكامل كالتالي: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:64-65]، فهذه الآيات تتعلق بالمنافقين الذين تخاصموا مع اليهود فقال اليهودي: أنا أقبل بحكم محمَّد ولكن المنافق قال: أنا لا أقبل بحكمه. كما أشارت إلى ذلك الآيات التي جاءت قبلها أي قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [النساء:61]، ثم قال تعالى: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65]، وذلك أن المنافقين الذين كانوا يدّعون الإسلام كانوا مستعدِّين للقبول بحكم «كعب بن الأشرف» اليهودي ولكنهم غير مستعدين للقبول بحكم نبيِّ الإسلام الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم!! وهذا معناه أنهم لم يكونوا يؤمنون بقوانين الله تعالى وأحكام شرعه ولا يعتبرونها صحيحةً عادلةً! أو أنهم لم يكونوا يعتبرون رسول الله -والعياذ بالله- عادلاً، وهذا أوضح دليل على كفرهم وإهانتهم لنبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. وبناء على ذلك فالآية تقول إن علامةَ الإيمان قبولُ حكم الشرع، وتقول: إذا أراد هؤلاء القوم أن يكفّروا عما ارتكبوه من إهانة وظلم بحقِّ النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعن اتِّهامهم له بالحيف وعدم العدل فعليهم أن يأتوا إليه ويطلبوا رضاه، وعلى الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلب من الله المغفرة لهم علامةً على عفوه عنهم ورضاه عنهم. ولكنهم لم يفعلوا ذلك، لذا قال الله تعالى لرسوله في هذه الآيات: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء:63]، ثم قال في الآية التالية: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء:64]، فهذا الاستغفار وطلب الاستغفار من الرسول هو بالنسبة إلى الظلم والإهانة التي فعلوها بحق النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس بالنسبة إلى جميع الآثام. فلاحظوا أن هذه الآية لا تعود للمؤمنين أصلاً. لذا يجب أن نقول لواضع تلك الرواية:

أولاً: الآية تتعلَّق بالمنافقين.

ثانياً: إن الله تعالى لم يقل إنَّ على كلِّ من ارتكب ذنباً أن يحضر إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن كلمة القبر لم تأت في الآية أصلاً، فالآية متعلِّقة بزمن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتبيِّنُ أن على الناس أن يذهبوا إليه في منازعاتهم ودعاويهم فهذا كان واجبهم أثناء حياته صلى الله عليه وآله وسلم.

فلاحظوا كيف تلاعب هذا الوضّاع بمعاني القرآن واستخرج الشرك من آية التوحيد ليسوق الناس نحو عمل شركي! إن دين الإسلام ليس كالمسيحية في دعوته كل من ارتكب ذنباً أن يذهب إلى مخلوق مثله فضلاً عن أن يذهب إلى قبر مخلوق، ويطلب منه غفران ذنبه، بل قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]. وقال كذلك: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ [غافر:49]. وقال: ﴿ فَادْعُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر:14]. وقال: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ [هود:3]، وقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد:19]، وقال: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [غافر:55]، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت:6]، فأمرهم أن يستقيموا إلى الله أي يتجهوا مباشرة إليه بوصفه إلههم ومعبودهم الأوحد ويطلبوا منه غفران ذنوبهم، ولم يقل لهم اذهبوا وابحثوا عن شفيعٍ ليأتيني ويشفع لكم.

كيف لم ينتبه المجلسيّ وسائر المحدثين إلى هذه الآيات واستسلموا إلى ذلك الحدّ إلى الرواة الكذبة؟!

وينقل المجلسيّ في «البحار»، باب «زيارة النبيِّ من قريب»، الحديث رقم (41) بدون سند عن ابن طاووس والشيخ المفيد وفيه: «إذا وردتَ مدينةَ النبيِّ صلى الله عليه وآله فاغتسل للزيارة...(إلى قوله عن كيفية الزيارة): يمشي إلى الحجرة فإذا وصلها استلمها وقبَّلها وقال: السلام عليك يا رسول الله...» إلى آخر الرواية المليئة بجمل الغلوّ في إطراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمبالغات في مديحه، ونتساءل هل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كسائر الناس يسرّ من تجاوز الحدّ في مدحه وإطرائه؟ وهل يطلع صلى الله عليه وآله وسلم - كالله تعالى- على أحوال جميع الناس والزوّار ويسمع ثناءهم وتمجيدهم له أم لا؟

3- ويروي المجلسيّ في الباب الأخير ذاته روايةً أخرى تقول: إنَّ على الحاجّ أن يذهب إلى المدينة ويزور قبور الشهداء و... ويزور بيت علي بن أبي طالب ودار جعفر بن محمد عليهما السلام ثم يقرأ نصّ الزيارة -التي لا سند لها- التي أوردها الشيخ المفيد وابن طاووس(58). ولنا أن نسأل: هل بيت علي بن أبي طالب (ع) ودار جعفر (ع) لا تزال موجودة؟ هل لأولئك السادة العلماء الحق في وضع زيارات؟ لقد جمع المجلسيّ في هذا الباب وأبواب أخرى كل دعاء وصلاة كتبها أي عابد أو شيخ وجعل العمل بها أمراً مشروعاً ومستحباً! فهل لغير الله أن يشرع «عبادات»؟!

 

 

+                  +                 +


 

ما رُوِيَ في باب زيارته (صَلَّى الله عَلَيه وَآلِهِ) من بعيد

1- روى المجلسيّ في هذا الباب [نقلاً عن أمالي الطوسي] عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن لله ملكاً من الملائكة سأل الله أن يعطيه سمع العباد فأعطاه الله فذلك الملَك قائم حتى تقوم الساعة ليس أحد من المؤمنين يقول: «صلَّى الله عَلَى مُحمَّد وَآلِهِ» إلا قال المَلَك: وعليك. ثم يقول المَلَك يا رسول الله! إن فلاناً يُقرئُكَ السلامَ. فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليه السلام.»(59). أي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيقول كل دقيقة: وعليه السلام... وعليه السلام... ويصبح هذا هو عمله!

2- ثم قال المجلسيُّ أيضاً في الباب ذاته: «قال المفيد والسيد والشهيد في زيارة البعيد: إذا أردت ذلك فمثّل بين يديك شبه القبر واكتب عليه اسمه وتكون على غسل ثم قم قائماً وأنت متخيِّل مواجهته عليه السلام ثم قل: اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله...»(60)، إلى آخر نص الزيارة التي كتبها أولئك العلماء حسب ذوقهم!! وأقول: وهل القبر التخيُّليّ يحتاج أيضاً إلى زيارة ودعاء وثناء ومديح؟! نسأل الله أن لا يقرأ عقلاء الدنيا كتبنا المذهبية فقد يظنوا أن ما فيها هو شريعة الإسلام فيستهزئوا بها.

3- أكثر الزيارات التي وردت في أبواب كتاب «المزار» (في كتاب بحار الأنوار) تضمَّنت عبارة تقول: «مُقرٌّ برجعتكم»، و«الرَّجْعَة» هي عودة الأئمّة وأعدائهم إلى عالم الدنيا قبل يوم القيامة ومقاتلة كل إمام لعدوِّه والانتقام منه والانتصار عليه، فمثلاً الإمام الحسين (ع) يقاتل يزيداً ويقتله ويأسر أهل بيت يزيد ويثأر لما كان قد فعله بالحسين وأهل بيته!! وهذه «الرَّجْعَة» في الواقع عقيدةٌ باطلة لأنها تخالف القرآن الذي يقول: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون:16]. ثم إذا كان الإمام سيرجع إلى الدنيا ليثأر من أعدائه ويجازيهم بما فعلوا فلماذا إذن الوعد والوعيد الإلهي والحساب والكتاب والعقاب يوم القيامة؟ أضف إلى ذلك أن في كتاب الله تعالى آياتٍ تفيد أن الظلم والشرك والكفر باقٍ في الدنيا حتى يوم القيامة، كما قال سبحانه بشأن بقاء اليهود والنصارى مثلاً إلى يوم القيامة: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [المائدة:14]، وقال أيضاً: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [المائدة:64]. فإذا كان إمام الزمان أو سائر الأئمة سيأتون ويجازون جميع المسيئين ويطوون بساط الكفر والشرك من عالم الدنيا ويصبح جميع الناس مسلمين فإن ذلك سيكون مخالفاً لما تفيده الآيات المذكورة.

 

 

+                  +                 +


 

روايات باب زيارة فاطمة الزهراء عليها السلام

1- أوصت الزهراء عليها السلام علياً عليه السلام أن يخفي قبرها، ولكن المجلسيّ وبعض المحدثين حاولوا في كتبهم جعل قبرها معلوماً محدداً، لكن لما لم يكن موضع قبرها معروفاً اخترعوا قراءة زيارات متعددة في أمكنة متعددة!!

ينقل المجلسيّ عن «الكافي» أن الإمام الصادق (ع) سُئِلَ: «الصلاة في بيت فاطمة عليها السلام مثل الصلاة في الروضة؟ فقال: وأفضل»(61).

ولنا أن نسأل: هل بيت فاطمة عليها السلام لا يزال موجوداً؟ وكيف تكون الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد وفي بيت الله؟ فلماذا إذن كان أمير المؤمنين (ع) يصلِّي في المسجد ويترك العمل الأرجح والأولى؟ ألا تؤدِّي مثل هذه الروايات إلى التقليل من شأن المساجد وأهمّيّته وإلى عمارة المقابر؟

2- وروى المجلسيّ في الباب ذاته [نقلاً عن مصباح الأنوار]: عن أمير المؤمنين عليه السلام عن فاطمة عليها السلام قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا فاطمة! مَنْ صلَّى عليكِ غفر الله له وألحقه بي حيث كنتُ من الجنة.». فطبقاً لهذه الرواية يجب أن نقول أننا وصلنا إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنكون رفقاءه في الجنة لأننا نقول «صلى الله عليكِ»!!.

كما رووا أنه يجب أن نقول في زيارة فاطمة عليها السلام: «يا ممتحنة امتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك، فوجدك لما امتحنك صابرة وزعمنا أنا لك أولياء ومصدقون... فإنا نسألك إن كنا صدقناك إلا ألحقتنا بتصديقنا لهما [بالدرجة العالية] لنبشر أنفسنا بأنا قد طهرنا بولايتك»(62).

أقول: يا ترى لو أراد شخص أن يفهم معنى هذه الجمل وكيف امتحن الله فاطمة قبل أن يخلقها؟! لربما قيل له: إن الراوي لهذا الحديث هو وحده الذي يعلم معنى هذا الكلام مصداقاً لما يُقال: «المعنى في بطن الشاعر»!

ثم إن اللحاق بالدرجات العالية ليس بيد الزهراء عليها السلام، بل درجة كل شخص رهينة بإيمانه وعمله، اللهم إلا أن تكون جملة أو جملتان من الإطراء والمديح والتملّق كافيتان للحاق بالدرجات العالية!

وقد ذكر المجلسيّ هنا وفي موارد عديدة أخرى نصوص زيارات طويلة مليئة بصنوف المديح والإطراء منقولة عن الشيخ الطوسي والصدوق والمفيد وابن طاووس وغيرهم - رحمهم الله - وقال في آخر كلامه: «قالوا: ليست هذه الزيارات مأخوذة عن الله ورسوله بل رأيناها مناسبة»!! وكلامهم هذا يثير العجب إذ كيف يمكن لشخص أن يضيف أي شيء إلى دين الله حسب ذوقه دون الاستناد إلى دليلٍ شرعيٍّ صحيحٍ؟

فمثلاً يقول المجلسيّ في الباب ذاته: لم يرد أيُّ حديثٍ في زيارة الزهراء عليها السلام ولكن أصحابنا رأوا هذه الزيارة مناسبة!! أي مثلاً اعتبروا هذه الجمل مناسبة: «وزوجة الوصيّ، والحجة والسلام عليكِ يا والدة الحجج» فاعتبروا من المناسب أن يكون زوج فاطمة (ع) وأولادها حُجَجَاً، في حين أن القرآن يقول: ليس هناك أي شخص بعد رسل الله حجَّة(63) وذلك في قوله تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء:165]. وحضرة علي عليه السلام أيضاً اعتبر أن الأنبياء فقط هم الحجَّة وقال: «.. تَعَاهَدَهُمْ بِالحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ومُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله حُجَّتُهُ...»(64).

هل يجب أن نقبل كلام القرآن الذي يقول إنه لا حجّة بعد رسل الله أم قول الآخرين؟ نحن نعتبر دين الله أهم وأكبر وأعزّ من أي شيء آخر ونعتبر حضرة الزهراء عليها السلام والأئمة عليهم السلام دُعاةً للدين ومبلِّغين له وتابعين له، وأنهم لا يرضون أن يزيد أحدٌ على دينهم شيئاً أو ينقص منه بحجّة محبته لهم، ولا نشكّ أنهم أنفسهم لا يرضون بمثل هذا الكلام بل يرفضونه ويعارضونه.

 

 

+                  +                 +


 

روايات المجلسيّ في باب زيارة الأئمّة بالبقيع

1- أورد المجلسيّ(65) والشيخ الطوسي وابن طاووس عن رجل لم يُذكر اسمه عن أحد الأئمة دون بيان اسمه(66) زيارة تحتوي على كثير من الجمل المخالفة للقرآن. ففي أحد المواضع فيها: «أيها القُوَّام في البريّة بالقسط» ويا ليت كان الأمر كذلك واستطاع الأئمة الكرام عليهم السلام أن يبسطوا العدل بين الناس، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك مع الأسف وأُجبروا على أن يلزموا بيوتهم ويعيشوا مقهورين. ثم جاء في الزيارة: «السلام عليكم يا أهل النجوى» فإذا قُصد من النجوى مناجاة الله فلا إشكال في ذلك، أما إذا قُصد منها تعليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم الأسرار الإلهية على نحو خفيّ خاص فإن ذلك لا يصحّ لأن دين الإسلام ليس فيه أمور مخفية أو أشياء خاصة بأناس دون آخرين بل الناس فيه سواء. قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [سبأ:28]، فالإسلام إذن ليس سرِّيّاً ولا نجوائياً.

وجاء في الزيارة: «وأُسيء إليكم فغفرتم» فنقول: إذا كان الأئمّة عليهم السلام قد غفروا فماذا تقولون أنتم؟ ولماذا تنوحون وتلعنون وتطعنون بحجّة مظلوميّة الأئمّة عليهم السلام؟ أتريدون أن تكونوا أكثر حرصاً على الأئمّة من أنفسهم؟ ثم جاء في الزيارة: «إنكم دعائم الدين وأركان الأرض»، هذا في حين أن الأئمة عليهم السلام أنفسهم كانوا يقولون: نحن متَّبِعُون للدِّين ومرشدون للناس إلى الدِّين ولم يقولوا إنهم أركان الدين ولا أصوله ولا فروعه. ثم ما معنى أنهم أركان الأرض؟ وما المقصود من كل هذا الإطراء؟ هل أَمَرَ الأئمةُ أنْفُسُهُم بهذه المدائح والإطراء المبالغ به لهم أم أنكم تقومون بذلك من عند أنفسكم؟ وهل سيمنع الأئمة بهذه الكلمات مِنْ تَعَرُّضِكُم لجزاء أعمالكم ويصبحون مطيعين لكم محامين عنكم في محكمة العدل الإلهية حتى يُصرف النظر عن خطاياكم وآثامكم؟ إن لم يكن الهدف من الزيارة كذلك فلماذا تقولون في آخرها: «هذا مقام من أسرف وأخطأ وأقرّ بما جنى ورجا بمقامه الخلاص وأن يستنقذه الله بكم». ونتساءل: هل الإمام حاضرٌ في جوف القبر ومطَّلعٌ على زائره ويمكنه أن يطلب من الله تعالى أن يصرف النظر عن جرائم هذا الفرد الطمّاع وذنوبه وخطاياه وإسرافه وخياناته فيجيب الله فوراً طلب الإمام ويطيعه في رجائه، ويضرب صفحاً عن كل قوانينه وتشريعات كتابه؟! أم أن الإمام لا علم له بكل هذه الإطراءات والمدائح لأنه ليس في عالم الدنيا بل في عالم البرزخ بعيداً عن سماع هذه الأمور ويَبْرَأُ من أهل الإسراف والإثم والفجور، والله تعالى لا يعطّل قانونه ولا يُلغي العمل بعدالته وتطبيق جزائه العادل على الآثمين المجرمين.

ليت أحدهم يقول لمثل هذا الزائر: عزيزي! استحِ من الله ودَعْ الإطراء والتملّق ولا تتوجَّه إلا إلى الله الذي جعل التوبة الطريق الوحيد إلى النجاة؛ فَتُبْ إليه واترك الإسراف والجرائم. أتظن أن الإمامَ مأمورٌ بالدفاع عن الجُناة والآثمين؟ أو أنه مطيع لك فيما تريد؟ فأيُّ إمام هذا الذي تتخيَّلُهُ وأيُّ دين وأيُّ إسلام وأي كتاب قانون هذا الذي اخترعته لنفسك؟!

هنا يقدّم المجلسيُّ والشيخ الطوسيُّ وآخرون تعليمات للزائر حول كيفية أداء صلوات معيَّنة ما أنزل الله بها من سلطان وليست إلا من اختراع الآخرين وظنونهم.

2- ثم أورد المجلسيُّ زيارةً طويلةً أخرى وقال في بدايتها: «وجدتُ في نسخةٍ قديمةٍ من مؤلَّفات أصحابنا زيارةً لهم عليهم السلام فأوردتُها كما وجدتُها»!(67)، أي هي نسخةٌ لكتابٍ لا يُعْرَف اسم مؤلِّفه ولا المصادر التي رجع إليها. وفي هذه الزيارة توجد جملٌ مخالفةٌ للقرآن وأكاذيب لا أساس لها ولا برهان عليها، فمن ذلك أنها تقول في إطراء الأئمّة عليهم السلام: «وشركاء الفرقان» أي شركاء القرآن! هذا مع أنه ليس لله تعالى شريك في الملك ولا في الحكم، وهو القائل: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف:26]، ومشاركته في الملك وفي الحكم شرك تشمله الآية التي يقول فيها الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر:65].

وذنب الشرك لا يُغفر، فانظروا كيف يُساق الناس نحو أفكار شركية بواسطة زيارات لا يُعلم من كاتبها، ولا سند لها.

وجاء في هذه الزيارة أيضاً: «وحفظة سرِّه ومهبط وحيه ومعادن أمره ونهيه»! ونسأل: هل أتى الله تعالى بدين سرّيّ؟ أليس هو القائل: ﴿ فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾ [الأنبياء:109]. أي أعلمتكم جميعاً على حد سواء، فلم يجعل بعض مطالب دينه أسراراً اختصَّ بها بعض عباده فقط.

ثم نسأل: هل من الجائز أن يبقى هذا السرّ مستوراً مخفياً أم لا بد من كشفه؟ إذا كان الجواب هو الأول فما علاقة الناس بمثل هذا السرّ وما فائدته لهم؟ إذن ينبغي عليهم أن لا يكونوا فضوليين كما لا يحق للأنبياء والأئمّة أن يفشوا تلك الأسرار. أما إذا كان المطلوب أن تُنقل تلك الأسرار في الكتب وتُعلّم للناس فلماذا تسمّى أسراراً إذن؟

والنقطة الثانية أنه لا معنى لقوله «ومهبط وحيه» لأنَّ الوَحْيَ انقطع بوفاة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، كما أكَّد ذلك الأئمّة من آله أنفسهم عليهم السلام بما في ذلك الإمام عليّ عليه السلام الذي قال: «فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ»(68). فكلُّ من ادَّعى الوحيَ بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لإمام أو لغيره فقد خرج عن أصول الإسلام، فمهبط الوحي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط.

كما تقول الزيارة أيضاً: «واجتباكم للخلافة وَعَصَمَكُمْ من الذنوب». ونسأل: إذا كان الله قد اجتباهم للخلافة فلماذا لم يُوفّق أكثرهم للخلافة ولماذا اعتبر عليّ عليه السلام في نهج البلاغة أن الخلافة تتم باختيار المهاجرين والأنصار، وقال في رسالته: «وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لله رِضًا»؟(69)، والأهم من ذلك أنه عليه السلام أبدى عدم رغبته بالخلافة وعدم حاجته لها، فهل يمكن أن يجتبي الله تعالى الإمام للخلافة فعلاً فيُظهر عدم رغبته بها ويقول: «والله مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ ولا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ»(70) بدلاً من أن ينهض بهذا الواجب الذي اختاره الله له؟!.

كما لا تصحّ عبارة: «وَعَصَمَكُمْ مِنَ الذُّنُوب» لأن أمير المؤمنين (ع) ذاته يقول في إحدى خطبه: «فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلا أَنْ يَكْفِيَ الله مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي»(71). ويقول في «دعاء كميل»: «فتجاوزتُ بعض حدودك وخالفتُ بعضَ أوامركَ».

علاوة على ذلك إذا قبلنا بعبارة «وَعَصَمَكُمُ الله» واعتبرنا العصمة من إرادة الله التكوينية كانت النتيجةُ أنَّ المعصوم سيكون مجبوراً تكوينياً على الطاعة وغير قادر على المعصية، فيكون بذلك - من هذه الناحية - مثل النباتات وسائر المخلوقات التي لا خيار لها من أمرها ولا تستطيع أن تعصي مراد الله التكوينيّ منها، وليس في هذا أي فضل للإنسان بل مثل هذا يخالف ما نصَّ عليه القرآن الكريم من أن الله تعالى خلق البشر وجعلهم جميعاً مُخيَّرين وأصحاب إرادة حرّة يختارون من خلالها الطاعة أو العصيان إمَّا شاكرين وإمَّا كفورين.

أما إرادة التطهير في سورة الأحزاب أي قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب:33]، والتي يعتبرها بعضهم -خطأً- دليلاً على «العصمة التكوينية» لأهل البيت، فهي في الواقع إرادة تشريعية للطهارة وليست تكوينية، لذا نجد أن الله ذكر تكاليف شرعية وأوامر ونواهي قبل آية التطهير هذه وبعدها، وإرادة التطهير الشرعية هذه أرادها الله أيضاً لجميع المسلمين كما أرادها لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة:6].

وجاء في الزيارة أيضاً: «وفضَّلَكُم بالنوع والجنس» أي أنكم [أيها الأئمّة] أعلى في جنسكم من سائر البشر، هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ [إبراهيم:11]، كما يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [الكهف:110]، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث بشريَّته إنسانٌ كسائر البشر من جنسهم عينه ونوعهم ذاته، ولا يمتاز من هذه الناحية على الآخرين، وإنما يمتاز بالوحي الذي أوحاه الله إليه [والرسالة الخاتمة التي بُعث بها ومقام الاصطفاء على العالمين].

هذه الزيارة إذن تتضمن جمل باطلة وخرافات كثيرة. من ذلك أنه جاء فيها: «وأودعكم علم المنايا والبلايا ومكنون الخفايا ومعالم التنزيل ومفاصل التأويل ومواريث الأنبياء كتابوت الحكمة وشعار الخليل ومنسأة الكليم وسابغة داود وخاتم الملك وفضل المصطفى وسيف المرتضى...» فجعل سيف المرتضى رديفاً لمواريث الأنبياء، ولا ندري ربما كان واضع الزيارة من الغلاة الذين يريدون أن يجعلوا علياً (ع) في عداد الأنبياء. وهنا ذُكرت في الزيارة ألفاظ مفصّلة في الإطراء والثناء والمدائح المبالغ بها مما نهى الله عنه ومما لا يرضى به أيُّ إمام. وهنا نتذكر أنه عندما أثنى أحد أصحاب أمير المؤمنين (ع) عليه في صفين نهاه الإمام عن ذلك وقال له: «إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ الله سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ وجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ... وقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإطْرَاءَ واسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ ولَسْتُ بِحَمْدِ الله كَذَلِكَ...»(72). وبالطبع كان جميع الأئمة عليهم السلام كذلك.

والعجب أن المحدّثين ينتظرون أن يعمل الناسُ بمثل هذه الزيارات الفاضحة ويحثُّونهم على قراءتها في أيام مخصوصة وقد أحصى بعضهم أن الأيام المخصوصة تشكّل خمس السنة! وقد جمع المجلسيُّ في «البحار» كل زيارة كتبها كل عالم حسب ذوقه، مع أن أهل التحقيق يعلمون أن جميع أذون الدخول المذكورة في الزيارات لا سند صحيح لها.

وينقل المجلسيُّ عن كتاب «كامل الزيارة» لابن قولويه زيارةً لحمزة رضي الله عنه وإبراهيم ابن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليس لها سند! ويروي في ذلك الموضع عن راوٍ كذاب اسمه «سهل بن زياد»(73) روايةً تَنْسِبُ إلى أمير المؤمنين عليٍّ (ع) أنه قال: «كُنْتُ أَنَا ورَسُولُ الله صلى الله عليه وآله قَاعِدَيْنِ في مسجد الفضيخ إِذْ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِي ثُمَّ خَفَقَ حَتَّى غَطَّ وحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُحَرِّكَ رَأْسَهُ عَنْ فَخِذِي فَأَكُونَ قَدْ آذَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ وفَاتَتْ فَانْتَبَهَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله فَقَالَ: يَا عَلِيُّ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: ولِمَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: كَرِهْتُ أَنْ أُوذِيَكَ. قَالَ: فَقَامَ واسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا وقَالَ: اللهمَّ رُدَّ الشَّمْسَ إِلَى وَقْتِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلِيٌّ فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ حَتَّى صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ثُمَّ انْقَضَّتْ انْقِضَاضَ الْكَوْكَبِ»(74).

لقد أراد هذا الراوي أن يختلق معجزة للإمام ولكنه لم ينتبه إلى أنه بهذه الرواية الموضوعة نزّل من مقام عليٍّ عليه السلام وإخلاصه إلى درجة أدنى من مرتبة مسلم عادي، لأنه نسب إلى حضرة الأمير سلام الله عليه أنه ترك صلاةً مفروضةً أي ارتكب حراماً لأجل أن لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل يظنُّ أيُّ مسلم -مهما كان ضعيف الإيمان- بنبيِّ الإسلام عظيم الشأن الباذل ذاته في سبيل الله أنه -عليه آلاف التحية والثناء- يرضى أن يصلِّي إحدى الصلوات المفروضة قضاءً حتى لا يوقظه أحد من قيلولة العصر كما ادَّعى ذلك الراوي الجاهل؟! بكلِّ تأكيد كان عليٌّ عليه السلام - بما له من معرفة بأحوال النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم - يعلم أكثر من أي أحد آخر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزعجه ويحزنه أن تفوته صلاة العصر، وبكلِّ تأكيد لم يكن عليٌّ عليه السلام ليرتكب معصية ترك الصلاة المستوجبة لحزن النبيِّ وانزعاجه، ومختصر الكلام إنه من المحال أن يرتكب عليٌّ عليه السلام عملاً يسخط الله ورسولَهُ، فكيف يمكن أن يعيد الله تعالى الشمس لمن ارتكب معصيةِ تركِ فريضةٍ عامداً؟

أضف إلى ذلك أنه لا يمكن العودة بالزمان إلى الوراء فإذا غربت الشمس وانقضى وقت العصر، فإن هذا الزمن لن يعود ثانيةً حتى ولو أُعيدت الشمس مجدداً إلى الظهور بعد غروبها لأن الوقت الذي انقضى قد انقضى ولا يمكن إحياؤه من جديد، غاية ما في الأمر أن رجوع الشمس ينشئ زمناً جديداً غير الزمن السابق. وأساساً، لو كان واجب عليٍّ في ذلك الظرف ترك الصلاة، لما كان هناك من داعٍ لإعادة الشمس، وبالتالي فإن الراوي الوضّاع لم يكن يدري ما يقول! والطريف في الموضوع أن أحداً على وجه الأرض لم يشعر بعودة الشمس للظهور بعد غروبها سوى «سهل بن زياد» ذلك الراوي الغالي الكذّاب؟! (هذا بمعزل عن أن عبارة «عودة الشمس» خطأ علمي لأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، لذا ينبغي أن يُقال «عودة الأرض»).

ثم هل تتفق هذه الرواية مع القرآن الكريم؟

يقول الله تعالى: