هل واجب المسلم الانشغال بمدح الراحلين أو ذمّهم؟

 

يقول أمير المؤمنين (ع) في وصف أهل الإيمان: عَظُمَ الخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ(23). إن عظمة الله تعالى أخذت بقلوب أوليائه فكان حضور الله ورقابته شاغلاً لهم عن الاهتمام بمدح الناس لهم أو ذمِّهم، بل كانوا يكرهون أن يقوم الناس بتمجيدهم وإطرائهم خشية أن يفتنوا بالغرور والعجب بالنفس، وينهون عن الإطراء وكثرة المديح(24) كما قال أمير المؤمنين (ع) لمن كان يبالغ في مدحه والثناء عليه: فَلا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لإخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى الله سُبْحَانَهُ وإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وفَرَائِضَ لا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ ولا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ ولا تُخَالِطُونِي بِالمُصَانَعَةِ ولا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلا أَنْ يَكْفِيَ الله مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لا رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلالَةِ بِالهُدَى وأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.(25).

 

إن أمير المؤمنين (ع) هو ذلك الإمام الهمام ذاته الذي لما رأى الإيرانيين من أهل ساباط في المدائن قد جاؤوا إلى لقائه وترجلوا عن مراكبهم تكريماً له واحتراماً لَامَهُم على فعلهم ولم يرضَ أن يخضعوا له بهذه الطريقة ونهاهم عن ذلك، كما لم يكن يعتبر نفسه معصوماً، فهل يرضى مثل هذا الإمام بما يقوم به المدّاحون وقرّاء الزيارات من الغلوّ في حقه والتجاوز في مدحه والمبالغة في تمجيده ونسبة الصفات الإلـهية إليه؟!!

 

على كل حال لا علاقة للاحقين بحسن السابقين أو سوئهم، لذلك نهى الله تعالى في كتابه عن مدح الأمم السابقة أو ذمّها لأن كلَّ إنسان مسؤولٌ عن نفسه ولا يُسأل عن غيره: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة:141].

 

 إذن ما جاء في متون بعض الزيارات من لعن السابقين أو الإغراق في مدح الماضين لغوٌ لا طائل تحته ومخالف لنهج الشرع لاسيما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أحثوا في وجوه المدّاحين التراب(26).

 

ما الذي يستفيده من لا يجاهد في سبيل الله إذا صرف وقته على مدح المجاهدين والثناء عليهم؟ وما الذي يجنيه من استولت عبادة الدنيا على قلبه ولم يمتنع عن عبادة الشهوات إذا قام بمدح أولياء الله؟ هل للإسلام برنامجا عمل يخالف أحدهما الآخر؟ هل يعتقد الذين يملؤون الكتب والمجالس بالمغالاة في المدائح والثناء والتمجيد للنبيِّ والأئمَّة ويبتكرون من عندهم معجزات لهم أن الأئمة كانوا يفعلون ذلك تجاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن سبقهم من الأئمة أيضاً؟ أليست عقائد الإسلام وأعماله واحدة بالنسبة إلى جميع الناس بلا أي فرق بين الإمام والمأموم؟ ماذا كانت أصول الدين لدى عليّ عليه السلام؟! هل كانت أصول الدين لدى الإمام غيرها لدى غيره؟! إنها أسئلة يجب على شعبنا أن يجيب عليها، فمنذ أن ترك شعبنا الجهاد وصَدَفَ عن العدالة واكتفى بالبكاء على مجاهدي صدر الإسلام والنوح عليهم أصابه الذل والهوان وتخلّف عن شعوب العالم الراقية. إنهم يظنون أن الإسلام معناه التزلّف إلى الرسول والإمام، فهل يخدعون الله بذلك أم يخدعون أنفسهم؟ وهل يظنون أن الإمام حاضر ويرضى بهذه البدع؟ هل من المعقول أن يأمر الإمام -(الذي كان أثناء حياته مبغضاً لمن يتملّقه ويبالغ في مدحه)- الناس أن يأتوا إلى قبره ليقفوا بخشوع أمامه ويقرؤوا صفحات من التمجيد والإطراء المغالي؟! حتى يقوم الذين يدَّعون التشيّع له، بعد ألف سنة من رحيله، بصرف الأموال والإغراق في المدائح المغالية والإطراءات المبالغة [التي تصبغ عليه صفات الله] ويخترعون القصائد الشعرية [المليئة بالغلوّ] التي لا سند لها ظناً منهم أن الإمام يُسرّ من مدائحهم تلك وإطراءاتهم؟!

 

الهوامش:

(23) نهج البلاغة، الخطبة 193.

 

(24) كما ورد عن رسول الله  صلى الله عليه وآله  أنه قال: ﴿ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيْسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ ﴾ (البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء) وخلاصة عبقات الأنوار للسيد حامد النقوي (1306 هـ)، قم: مؤسسة البعثة، 1405 هـ،  ج3/ص 301. (المترجم)

 

(25) نهج البلاغة، الخطبة رقم 216.

 

(26) وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج12/ص132، الحديث الأول. (المترجم)