كلام عليٍّ عن حال الأموات ومفارقتهم لعالم الدنيا وانقطاع صلتهم بالأحياء

 

كلامُ أمير المؤمنين عليه السلام يفيد أن عالم ما بعد الموت خال من حركات الحياة ومقام تنقطع فيه الصلة والارتباطات بالدنيا فلا يعلم الراحل عن الدنيا أي شيء عما يجري فيها.

 

قال الإمام عليه السلام: تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وحَشَدَةُ الإخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ ومُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ(15)، وقال: فَهُمْ جِيرَةٌ لا يُجِيبُونَ دَاعِياً ولا يَمْنَعُونَ ضَيْماً ولا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وهُمْ آحَادٌ وجِيرَةٌ وهُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لا يَتَزَاوَرُونَ(16)! وقال لأبنائه وسائر من حوله وهو يحتضر على فراش الموت: أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ وأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وغَداً مُفَارِقُكُمْ(17).

 

يبدو أن مدعي التشيّع لا يقبلون كلام الإمام بل يعتبرونه حاضراً لديهم وحاضراً بشكل خاص في حرمه لذا يذهبون إلى لقائه من وقت إلى آخر!

 

وقال: وأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً وأَمْوَالُـهُمْ مِيرَاثاً لا يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ ولا يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ ولا يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ(18).

 

وقف أمير المؤمنين (ع) يتأوَّه أمام قبر الزهراء عليها السلام وقال:

 

ما لي وقفت على القبور مسلِّماً        قبر الحبيب فلم يَرُدَّ جوابي

 

أحبيبٌ ما لك لا تردُّ جوابَنا            أنسيت بعدي خُلَّةَ الأحباب؟(19)

 

هذا ما يقوله الإمام عليه السلام فكيف يتوقّع مُدَّعُو التشيُّع لهُ الإجابةَ من الإمام أو ابنه أو حفيده لمن وقف أمام قبره وقال: أشهد أنك تسمع كلامي وتشهد مقامي... وتردّ جوابي؟!.

 

وقد نقل الرواة(20) أن جابر بن عبد الله الأنصاري ذهب بعد أربعين يوم من شهادة الحسين إلى زيارة قبره فسلّم عليه قائلاً: يا حسين ثلاث مرات ثم قال: حبيبٌ لا يجيبُ حبيبَه. ثم قال: وأنَّى لك بالجواب وقد شَحَطَتْ أوداجُك على أثباجك(21)، وفُرِّقَ بين بدنك ورأسك! فأشهد أنك ابن النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء.. الخ.

 

أفلم يكن لـ جابر رضي الله عنه من العلم ما لمدعي التشيع في زماننا حتى يقول أن الإمام الحسين عليه السلام لا يجيبه.

 

هل ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام أن الزهراء عليها السلام لا تردُّ جوابه صحيح أم لا؟ نحن نقول إنه صحيح.

 

ومثال آخر عندما اعتقل أهل الكوفة مسلم بن عقيل وساقوه إلى دار الإمارة وأرادوا قتله قال: لديَّ وصيةٌ وخاطب عمر بن سعد فقال: وصيِّتي أن تخبروا الإمام الحسين عليه السلام عمّا جرى وتكتبوا له ألا يقترب من الكوفة!

 

فنسأل ألم يكن مسلم نائب الإمام الخاص، ألم يكن يعلم أن الإمام مطلع على كل الأمكنة ويجيب جميع الخلق أم أن مُدَّعي التشيع في زماننا يفقهون أكثر منه؟!

 

إذا رجع شخصٌ إلى أدعية الأئمَّة عليهم السلام المروية عنهم في الصحيفة السجَّاديَّة والصحيفة العلويَّة وهي كتب أدعية أصيلة قويمة لا نكاد نجد فيها أيَّة عبارة تخالف القرآن، فإنه سيستغرب عندما يرى أن الأئمَّة الأطهار عليهم السلام يصرِّحون بعدم علمهم بأحوال أنفسهم يوم القيامة وأنَّهم أنفسهم خائفون جداً من ذلك اليوم ويطلبون من الله دوماً السلامة والنجاة فيه، كما سيلاحظ من الجهة الأخرى أن أدعية الأئمة عليهم السلام تلك ساكتةٌ تماماً عن موضوع حياتهم في القبر أو عالم البرزخ أو عن اطَّلاعهم على أحوال الدنيا وليس فيها أيَّة إشارة إلى ذلك الأمر.

 

على كلِّ حال التقصير هو من الرواة الكذَّابين الذين قاموا بوضع الزيارات دون أن يكون لهم أيُّ معرفة بالقرآن ولا أيُّ اطلاعٍ على كلمات الأئمة عليهم السلام.

 

الهوامش:

(15) نهج البلاغة، الخطبة 83.

 

(16) نهج البلاغة، الخطبة 111.

 

(17) نهج البلاغة، الخطبة 149.

 

(18) نهج البلاغة، الخطبة 230.

 

(19) المجلسي، بحار الأنوار، ج47، ص 217. ونسبه إلى الديوان المنسوب إلى الإمام عليٍّ (ع). (المترجم)

 

(20) المجلسي، بحار الأنوار، ج 65/ ص 130،  وج 98 /ص 195 - 197، ناقلاً عن كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى لعماد الدين الطبري (525هـ)، وهو موجود فيه في ص 74 من طبعة النجف الأشرف الثانية سنة 1383هـ  للكتاب. (المترجم)