روايات ثواب الزيارات في عيد الغدير وزيارة حضرة المعصومة

 

ذكر المجلسيُّ في هذا الباب وفي الأبواب الأخرى رواياتٍ تنصُّ على ثواب عظيم مُغْرقٍ لمن زار قبر إمام، ثوابٌ هائلٌ لا يوجد عشر معشاره لمن زار الإمام أو زار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حال حياته! فليت شعري ما هي الفائدة العظيمة من القبر؟ وكيف تكون زيارة قبر إمام أفضل وأعلى من زيارته في حال حياته؟! وهل المقبرة محترمة ومقدَّسة أكثر من النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نفسه؟!

 

ورُويَت حول زيارة قبر حضرة فاطمة المعصومة في قم رواية منسوبة إلى الإمام الصادق (ع) تقول: من زار فاطمة بِقُمْ فله [وجبت له] الجنة! ولا ندري كيف تكون زيارة الأنبياء والأئمة حال حياتهم غير مفضية إلى الجنة، أما زيارة قبر أحد أولادهم أو ذراريهم تؤدِّي إلى دخول الجنة، فهل قبر فتاة صالحة أعلى وأهم من قبر جميع الأنبياء والأولياء؟ وهل من زار حضرة موسى بن جعفر (ع) حال حياته يصبح من أهل الجنة بهذه الزيارة؟! إن هذا دليل واضح على أن هؤلاء الوضاعين والكذابين افتروا ما شاؤوا من العبارات ونسبوها إلى الأئمّة وإلى دين الله سبحانه غافلين عن قوله تعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴾ [النحل:116].

 

بمثل هذه الروايات الكاذبة يغترّ العصاة المسيئون والمتعدُّون لحدود الله ويريحون وجدانهم بلا وجه حقّ بزيارة مراقد أولياء الدِّين أو بنذر النذورات لبناء قبورهم وتعميرها وبناء كل تلك الأفنية والأروقة والقباب الذهبية والمنارات المطليّة بالذهب والفضة ووقف البساتين والمزارع والدكاكين والفنادق والبيوت والأراضي عليها وعلى قبور ذراري الأئمة بما تصل قيمته إلى مليارات التومانات، التي لن تفيد سوى ملء بطون أناس عاطلين عن العمل وطفيليين في المجتمع ممن يطلق عليهم سدنة ومتولي تلك المراقد أو المشرفين عليها. ولعمري لو أن حضرة المعصومة أُحييت لكفاها لُقَيْمَات من الطعام تقيم بها أودها ولم تكن بحاجة إلى كل تلك الموقوفات، بل لأبغضت كل تلك الزخارف والتجمُّلات، وعلى هذا المنوال سائر أولاد أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن وقف عليهم الأوقاف.

 

ومن المفارقة أنه قد جاء في زيارة الغدير جملة تقول: وفي مدح الله تعالى [لعليٍّ] غنىً عن مدح المادحين وتقريظ الواصفين.

 

قلتُ: فإذا كان الأمر كذلك وكنتم تقبلون بهذا المعنى فلماذا ملأتم عشرات الصفحات من الإطراء المغالي والثناء والمدائح المليئة بالغلوّ في زيارات الإمام؟!

 

[تواضع أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام ونهيه أصحابه عن تعظيمه وإطرائه]

لقد ورد في قسم الحِكَم من نهج البلاغة أن أمير المؤمنين عليَّاً عليه السلام قال وقَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ دَهَاقِينُ الأنْبَارِ (أي جماعة من القرويين في منطقة الأنبار في العراق) فَتَرَجَّلُوا لَهُ (أي نزلوا من على خيولهم) واشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟؟ فَقَالُوا: خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا! فَقَالَ عليه السلام: والله مَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا أُمَرَاؤُكُمْ وإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ ومَا أَخْسَرَ المَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ وأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الأمَانُ مِنَ النَّارِ!(153).

 

وفي الكوفة لما أَقْبَلَ رَجُلٌ اسْمُهُ حَرْبٌ يَمْشِي مَعَهُ وهُوَ عليه السلام رَاكِبٌ فَقَالَ عليه السلام: ارْجِعْ فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي ومَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ(154).

 

ولـمَّا مَدَحَهُ قَوْمٌ فِي وَجْهِهِ قَالَ عليه السلام: اللهمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ اللهمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لَنَا مَا لا يَعْلَمُونَ(155).

 

[الخلافة في نظر عليٍّ عليه السلام تتمّ بالبيعة والاختيار]

وقد جاءت في زيارة عيد الغدير عبارات في إثبات الخلافة المنصوص عليها من الله تعالى لعليٍّ عليه السلام وأن الله تعالى هو الذي نصَّبَه خليفةً أميراً على الأمّة، هذا في حين أن الإمام ذاته لم يستدلّ بمثل هذه الجمل على خلافته منذ أول يوم بل اعتبر أن الخلافة تتحقَّق بانتخاب الناس، وكان يقول مراراً على المنبر: الأمير هو من جعلتموه أميراً عليكم، ولو كان الله قد نصَّبه للخلافة وفرض حكومته على الأمّة فعلاً لوجب عليه أن يُظهر ذلك ويقول بأعلى صوته: أنا الإمام المنَصَّب مِنْ قِبَلِ الله ولكنه لم يفعل ذلك وليس هذا فحسب بل أظهر كراهته للخلافة ورغبته عنها فقال:

 

والله مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ ولا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ ولَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا(156)،

 

وقال: دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ولا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ... واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً(157)،

 

وقال: إَِنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي ولَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي(158)،

 

وقال: فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ المَطَافِيلِ عَلَى أَوْلادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا ونَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا(159)،

 

وقال في وصف بيعته بالخلافة: وَ بَسَطْتُمْ يَدِي فَكَفَفْتُهَا ومَدَدْتُمُوهَا فَقَبَضْتُهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الإبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وسَقَطَ الرِّدَاءُ ووُطِئَ الضَّعِيفُ(160)، كما استدل في الخطب رقم 34 و37 و136 وفي الرسالة رقم 1و7 على صحة خلافته ببيعة الناس له ولم يشر إلى أن الله تعالى هو الذي نصّبه خليفةً. واعتبر في رسالته السادسة في نهج البلاغة، وفي عشرات الأحاديث الأخرى، أن الخلافة إنما تتم بانتخاب المهاجرين والأنصار.

 

[مناقشة الاستدلال بآية بلِّغ ما أنزل إليك عَلَى النصِّ عَلَى عَلِيٍّ (ع) بالخلافة]

واستدلَّ واضع الزيارة في زيارته بآية: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة:67] على أن ما أُمِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغه هو تنصيب الله تعالى لعليٍّ خليفةً حاكماً على المسلمين، مع أن كلَّ ما تدلُّ عليه الآية الكريمة هو أمرُ الله تعالى رسوله بإبلاغ ما أنزله تعالى إليه.

 

ونسأل: هل أبلغ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ما أنزله ربه عليه أم لا؟ فإن كان قد أبلغ ما أنزله ربه عليه - وهو تعبير يُشار به إلى آيات القرآن الكريم - فما هي تلك الآيات التي أُمر بإبلاغها وأين موضعها من القرآن؟ فإذا كان ما أُمر بإبلاغه هو الخلافة المفروضة من الله لعليٍّ مباشرة بعد النبيّ فلماذا لا نجد حتى آية واحدة في القرآن الكريم فيها ذكر هذا الأمر؟ أما إذا لاحظنا سياق الآية (67) المذكورة من سورة المائدة وما جاء قبلها وما جاء بعدها لرأينا أن السياق كلَّه يتحدّث عن انحرافات اليهود والنصارى. ثم ألا يدلُّ ابتداء الآية التالية -مباشرة بعد الآية المذكورة- بعبارة قُلْ على أن ما جاء بعد قُلْ هو المقصود بـ ﴿ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾؟ خاصة أن ما ذُكر بعد قُلْ يتناسب تماماً مع ما جاء قبل الآية ويرتبط به إذ جاء قبلها كلام عن أهل الكتاب كما ذكرنا.

 

أضف إلى ذلك فقد جاء في آخر الآية المشار إليها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ وهذا خطاب لا يمكن أن يُقصد به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! إذْ هل يُعْقَل أن يخاطب الله تعالى عدة آلاف من أصحاب رسوله (من المهاجرين والأنصار والمجاهدين المسلمين) الذين هرعوا إلى أداء الحج تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوصمهم بالكفر بدل أن يثني عليهم ويتقبّل سعيهم؟!

 

ثم إنه على فرض أن هذه الجملة الأخيرة موجّهة إلى من كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسب ادعاء مدعي الولاية فكان الجدير أن يخَاطبوا بها بعد إنكارهم مسألة ولاية عليّ ورفضهم لها، لا أنهم قبل أن يُبَلَّغوا بهذا الموضوع يُخاطَبوا بأن الله لا يهدي القوم الكافرين!! خاصَّةً أن هذه الآية لم تأتِ على أسلوب الآيات التي تذكر موضوعاً ما ثم تقول إن كل من لم يؤمن به سيكون من الكافرين، بل الآية -دون أن تذكر موضوعاً- خاطبت جماعة بأنهم قومٌ كافرون، مما يدلُّ على أن هذا الخطاب موجَّهٌ إلى أشخاص كانوا من قبل، ولأسباب أخرى، من الكافرين والآن خُوطبوا بذلك لأجل إتمام الحجة عليهم أو لإعلان المفاصلة معهم أو لسبب آخر، أما لو قُصد من تلك الجملة أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يُخاطَبون بذلك قبل إبلاغهم موضوع الخلافة الإلهية لعليّ في حين أنهم لم يقوموا بأي شيء بعد حتى يستحقُّوا الخطاب بأنهم قوم كافرون! هذا بمعزل عن أن القرآن مدح جُلَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع كثيرة وهذا لا يتناسب مع مخاطبة القرآن لهم ابتداءً بوصف الكفر.

 

ولاحظوا أن ختام الآية المستشهد بها يقول: ﴿ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة:67] فإذا كان المقصود بهذا الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف نتصور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يشعر بالخطر مِنْ قِبَلِهِمْ كخشيته من اليهود والنصارى، رغم أن معظم أولئك الذين كانوا مصاحبين له كانوا مضحِّين بأنفسهم في الدفاع عنه ومطيعين له؟! وإذا كانوا كفّاراً أو منافقين فلماذا كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يعيش معهم ويكرمهم ويُؤَاكلهم ويتزوَّج منه ويعيِّن بعضهم لإمامة صلاة الجماعة؟ فكلُّ هذا يدلُّ على أن لحن الآية وسياقها لا يتناسب مع المقصود الذي يدعيه المستشهدون بها.

 

[ثناء أمير المؤمنين عليٍّ والإمام السجاد البالغ على أصحاب رسول الله]

أضف إلى ذلك أنه لو كان أغلب هؤلاء الأصحاب منافقين فلماذا مدحهم عليٌّ عليه السلام وأثنى عليهم كل الثناء؟ ألم يقل عليٌّ عليه السلام بشأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

 

لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وقِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وخُدُودِهِمْ ويَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ الله هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ ومَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ ورَجَاءً لِلثَّوَابِ(161)،

 

وقال عليه السلام أيضاً فِي مَدْحِ الأنْصَارِ: هُمْ والله رَبَّوُا الإسْلامَ كَمَا يُرَبَّى الْفِلْوُ مَعَ غَنَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمُ السِّبَاطِ وأَلْسِنَتِهِمُ السِّلاطِ(162).

 

وكذلك دعا حضرة الإمام زين العابدين عليه السلام في الدعاء الرابع من الصحيفة السجّادية لأصحاب رسول الله وقال:

 

اللهم وأصحاب محمَّد خاصة الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذا تعلقوا بعروته وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته. فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك....

 

ووردت أدعية أخرى تثني على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتمدحهم، وذلك كدعاء يوم الثلاثاء في مفاتيح الجنان الذي يصلِّي على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعتبرهم المنتجبين. وعلى كل حال طالما أن هناك آيات قرآنية واضحة في مدحهم فنكتفي بها ونستغني عن ذكر جمل الأدعية الواردة عن أئمة آل البيت عليهم السلام في مدحهم والثناء عليهم.

 

[مناقشة الاستدلال بآية التطهير على العصمة]

من جملة ما جاء في هذه الزيارة أيضاً إشارة إلى الآية 33 من سورة الأحزاب [أي قوله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ [الأحزاب:33]]، حيث اعتُبرت هذه الآية نصاً على عصمة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أفضل من الأنبياء! في حين أنه لو كانت عبارة ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله ﴾ [الأحزاب:33] دالَّةً على العصمة لوجب أن يكون جميع المؤمنين معصومين وأفضل من الأنبياء! لأن الله تعالى قال في آية الوضوء مخاطباً جميع المؤمنين: ﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ [المائدة:6]، لكن الواقع أن إرادة التطهير في الآيتين ليست إرادة تكوينية بل إرادة تشريعية مفادها أن الله تعالى يريد من جميع المؤمنين الطهارة وشرعها لهم وأحبها منهم وأراد أن يختاروها بإرادتهم. وأصلاً لو كان المقصود من إرادة التطهير في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ [الأحزاب:33] الإرادة التكوينيَّة بمعنى خلق الله وإيجاده لأدّى ذلك إلى أن يكون أهلُ بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصومين ذاتاً بقدرة الله وخَلْقِهِ وعندئذٍ فلن تكون لهم فضيلةٌ في ذلك لأن تمام الأشجار والأنهار مطيعةٌ لله تكوينيّاً ومعصومةٌ عن عصيانه، وإنما الفضيلة أن يختار الإنسان الطهارة والنقاء من الرجس أي الإثم، بإرادته الحرّة، فتبيَّن إذَن أنَّ المقصود من الآية هو الإرادة التشريعيَّة وقد اختصّ الله تعالى أهل بيت رسوله بهذه الإرادة لأنهم بطهارتهم الجسمية والروحية يحفظون حيثية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومكانته.

 

نعم، يوجد في هذا الباب روايات صحيحة السند أيضاً.

 

الهوامش:

(153)نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 37.  

 

(154) نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 322. 

 

(155) نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 100.

 

(156) نهج البلاغة، الخطبة 205.  

 

(157) نهج البلاغة، الخطبة 92. 

 

(158) نهج البلاغة، الرسالة 54.

 

(159) نهج البلاغة، الخطبة 137.

 

(160) نهج البلاغة، الخطبة 229.

 

(161) نهج البلاغة، خطبة 97.

 

(162) نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 465.