كلمة لعامة الناس

 

أجل، إن جُلَّ العلماء لا يقومون بواجبهم تجاه عامة الناس ولم يرتقوا إلى مستوى المسؤوليَّة التي ألقاها الله على عاتقهم في هذا الصدد، ومن الجهة الأخرى فإنَّ العوام الجهلة يقبلون كلَّ ما يسمعونه من الشيوخ المعمّمين والمتلبّسين بلباس أهل العلم دون أن يتأمَّلوا فيه، مع أن القرآن الكريم أمر الناس بالتفكّر والتأمّل ودعاهم إلى تدبّر كتاب الله، ومن الواجب على العلماء ومن مسؤوليتهم أن يعوِّدُوا الناسَ على التفكير وطلب الدليل، لكن كثيراً منهم لا يقومون بهذه المسؤولية خوفاً على جاههم ومقامهم لدى العوام ويلزمون الصمت ولا يخالفون خرافات العوام وانحرافاتهم إلا قليلاً.

 

وقد جرى الأمر على هذا المنوال منذ قديم الأيام، فمثلاً جاء في تاريخ ابن الفوطي أنه في سنة 664 هـ أُصيب معظم الناس، لاسيما الأطفال، بأمراض الحلق والخُنّاق (دفتيريا)، ولم يكن الأطباء قادرون على فعل شيء لمواجهة هذا الوباء، وفي أحد الأيام جاءت امرأةٌ وادَّعت أنها رأت في منامها امرأةً جنيَّةً تُدعى أم عنقود أشارت إلى بئر وقالت: لقد مات ابني في هذا البئر ولكن الناس لم يقدِّموا إليَّ التعازي، لذا جئتكم بمرض الخُنّاق. واشتهرت هذه الأسطورة في بغداد وذهب الناس أفواجاً أفواجاً ونصبوا خيامهم حول البئر وأخذوا يبكون وينوحون ويلطمون صدورهم ويعتذرون من الجنّيّة المذكورة ويطلبون منها العفو والشفاء وينشدون الأشعار من قبيل:

 

يا أم عنقود اعذرينا 

مات عنقود وما درينا

لما درينا كلُّنا قد جئنا

لا تحرديننا فتخنقينا!

 

وفي إيران أيضاً كتبوا في ترجمة سيرة فرهاد ميرزا الذي كان أحد أولاد الملك القاجاري فتحعلي شاه قاجار وكان صاحب مؤلفات مثل زنبيل وقمقام: إنه لما عُهد إليه بولاية خراسان سمع يوماً صوت قرع الطبول في حرم الإمام الرضا (ع) فسأل عن الخبر فقيل له إنها بشرى، لقد صَنَعَ الإمامُ معجزةً وشَفَى أعمى. فأمر بإحضار الأعمى وسأله: هل كنت أعمى من الولادة أم أُصبت بالعمى فيما بعد؟ فأجاب الرجل: لقد خُلقتُ أعمى منذ ولادتي، وتوسّلتُ عدَّة ليالي بالإمام حتى رأيته في منامي قد جاءني ومسح بيديه على عينيَّ، والآن أصبحتُ مبصراً! فسأله الوالي فرهاد ميرزا: هل ترى الآن بشكل كامل؟ فأجاب: نعم. فتناول الأمير ورقةً بيضاء وسأله: ما لونها؟ فأجاب الرجل: أبيض، فأخذ الأمير رمانة وسأله ما لونها؟ فأجاب: أحمر، فأخذ ورقة شجرة وسأله ما لونها؟ فقال: أخضر، فقال له فرهاد ميرزا: أنت أبصرتَ ليلة البارحة فقط وتقول أنك كنت أعمى منذ ولادتك فكيف عرفت هذه الألوان؟ إنك رجل كاذب! ثم أمر بضربه بالسوط حتى يقول الحقيقة، وبعد أن ضُرب بالسياط اضطر للإقرار فقال: كنتُ رجلاً فقيراً فأتيتُ إلى خراسان وطلبتُ المساعدة من خُدّام الحرم، فاقترح عليّ أحدهم أن أتظاهر بالعمى ثم نأتي نحن فنربطك بالضريح وبعد ثلاث ليال تصيح وتقول لقد شفاني الإمام، عندئذ نحدث جلبةً وشوشرةًٍ ونصيح قائلين: حدثت معجزة! حدثت معجزة! عندئذ كلَّما يلقيه الزوار إليك من المال تعطينا نصفه! فقبلتُ بهذا العرض. فأحضر فرهاد ميرزا خادم الحرم وقال له: هل الإمام يشفي والله يعمي، هل إمامكم أرحم بالعباد من الله؟! ثم أمر بعزل الخادم المذكور وطرده من عمله.

 

أما أنا فقد حدثت لي قصة أيضاً خلال سفري إلى مدينة بوشهر حيث رأيت المدينةَ قد خلت من أهلها في يوم الأربعين لشهادة الحسين (ع) وكان الناس يذهبون فوجاً فوجاً رجالاً وركباناً للزيارة فسألتُ إلى أين يذهب الناس؟ فقالوا: يذهبون إلى أحد أولاد الأئمة واسمه سوزعلي. فقلتُ لا يوجد بين أولاد الأئمة أحد اسمه سوزعلي!. فقالوا: إن لهذا السيد كشف وكرامات كثيرة، إنه يصنع المعجزات ويشفي المرضى ويوجد في ضريحه كثير من النذور والأثاث، ويأتي الناس إلى زيارته من مئة فرسخ. فتعجبتُ كثيراً وذهبتُ في ذلك اليوم إلى زيارة عالم المدينة ويدعى السيد أبو القاسم البهبهاني وقُدِّر أنه كان مريضاً فذهبتُ إلى عيادته وسألته عن الإمامزاده (أحد أولاد الأئمة) سوزعلي؟؟ فقال: لا تسألني فإن هذا يجلب لي ولك الصداع. فقلتُ لا تخف إنني غير باق هنا كثيراً وليس لي صلة بأي أحد في هذه المدينة فلن أخبر أحداً عما ستقوله لي، فقال: لقد أراد المأمورون الإنجليز أن يعبِّدوا جادةً من مدينة شيراز إلى مدينة بوشهر وواجهوا في وسط الجادة بناءً متهدّماً يحتمل الناس أن شخصاً قد دُفن فيه. كان هناك شخص متسوِّلٌ باسم سوزعلي ينام فيه بالليل، فصنع مأمورو الإنجليز شاهدة قبر وخبَّؤوها على بعد مئتي قدم من ذلك البناء المتهدّم وقالوا لـسوزعلي: ادّع أنك رأيت رؤيا وقيل لك فيها إنه لا يوجد أحدٌ مدفونٌ في هذه الخرابة بل القبر الحقيقي يقع على بعد مئتي قدم منها فاحفروا هناك كي يظهر لكم القبر.

 

انتشر خبر هذه الرؤيا بين العوام فحملوا على أكتافهم الفؤوس وذهبوا وهم يصلون ويسلمون على النبي وآله وحفروا في المكان المشار إليه ووجدوا شاهدة القبر ولم يعرفوا اسم الشخص الذي عليهم أن يطلقوه على صاحب القبر فاضطروا أن يسمّوه باسم ذلك المتسوِّل سوزعلي الذي كان ينام في الخرابة فتحوّل ذلك القبر المزوّر إلى إمام زاده (أي أحد أحفاد الإمام) سوزعلي! وقد صُرفت عليه حتى الآن مئات آلاف التومانات وأصبح موضعاً للشموع والمصابيح والنذورات وأمثالها!

 

لقد وصل أمر الخرافات وجهل العوام وعدم تفكيرهم إلى حد أن أحد الأشخاص المكّارين أتى بصخرة من أحد الأحياء في مشهد ونشر خبراً بأن كل من يستطيع أن يرفع هذه الصخرة فهو ابن حلال فكان الناس يأتون فوجاً فوجاً لرؤية الصخرة ومحاولة رفعها!

 

أجل، هذه هي نتيجة عدم قيام العلماء بواجبهم وانتشار الجهل والانحطاط والغفلة بين المسلمين، هذا مع أننا نملك آلاف المشايخ والدعاة في مشهد الذين يتقاضون الرواتب باسم الإسلام والمسلمين ولكنهم لا يقومون بتوعية الناس بحقائق الإسلام!

 

أذكر أنني في زمن إقامتي في مشهد عندما خرجت من الحرم أوقفني رجل في وسط الرواق وأمام الناس وأمسك بلباسي وأخذ يتضرع إليِّ قائلاً: يا إمام رضا! إن لم تلبِّ حاجتي لن أتركك، وكان يطلب حاجته بكلِّ إصرار من هذا العبد الفقير، فقلتُ له ما حاجتك؟ فقال: يا إمام أنت تعرف حاجتي أفضل من أي أحد! وكلما سألته عن حاجته كان يجيب الإجابةَ ذاتها، ومهما حاولتُ أن أتخلّص منه لم استطع، فاضطررت أن أنادي خدّام الحرم لكي يشغلوه عنِّي حتى تمكنت من الهروب من قبضته بصعوبة.

 

وقد حدثت لي حادثةٌ غريبة أيضاً قرب بلدة آباده خلال أحد أسفاري إلى مدينة شيراز، وقد ذكرتُ الحادثة في كتابي حول ترجمة سيرتي الذاتية.

 

نعم، هذه هي حال العوام الناجمة عن انتشار الخرافات. إن علّة هذا الوضع المؤسف جهل الناس بحقائق الدين وبكتاب الله تعالى وعدم معرفتهم بعقائد الإسلام والقرآن، وعدم اطلاعهم الصحيح على سيرة وأقوال أئمَّة الدين لذا فهم يتقبَّلون كل خرافة أو أفكار كفرية وشركية تنسب إلى الأئمة عليهم السلام وتنشر باسمهم.... ويأتي أشخاص باسم المدّاحين وقرّاء المراثي في مآتم الحسين فيقدّمون للناس كل ما يشاؤون باسم الدين والإمام.

 

لقد لاحظتُ في حياتي كثيراً من هذه الوقائع التي أشرت إلى نماذج منها أعلاه، ومن ذلك أنه خلال إقامتي في خراسان رأيتُ جملاً قد تركه الناس يسير في الطرقات فكان يمشي حيث يشاء حتى دخل صحنَ الإمام الرضا (ع) (أو في الواقع الصحن الذي بناه الشاه عباس شارب الخمر وإلا فإن حضرة الرضا عليه السلام لم يكن لقبره صحن) فاجتمع جماعة من العوام حول الجمل وأثاروا ضجة وجلبة قائلين إن الجمل جاء لزيارة الإمام (ع) وقد انتشر الخبر إلى حدِّ قيام إحدى الصحف اليومية في ذلك الزمن بنشره. حتى أن شخصاً يُدعى آية الله نمازي قال لي: ما قولك في معجزة زيارة الجمل لقبر الإمام؟ فقلتُ له: لماذا لم يقم بالزيارة إلا هذا الجمل وحده ولم تأتِ بقية الجمال لزيارة الإمام؟ فقال: إن هذا الجمل شيعيٌّ يعتقد بالولاية أما بقية الجمال فليست كذلك!

 

أجل، لقد آذوا ذلك الجمل كثيراً وكانوا ينتفون وَبَرَهُ للتبرّك به وبعضهم يبيع الوبر للآخرين!

 

وفي زمن آخر في مدينة مشهد رأيتُ صخوراً كبيرة أمام الإيوان (الردهة أو الليوان) الذهبي لحرم الإمام الرضا (ع) فقلتُ لماذا لا يرفعون هذه الصخور من هنا؟ فقالوا: لقد جاءت هذه الصخور لزيارة الإمام!! قلتُ: كيف يأتي الصخر للزيارة، قالوا: إيمانها كامل أمَّا أنت الذي لا تصدِّق بذلك فإيمانك ناقص!!. يومئذٍ فهمت ما معنى الإيمان الكامل لدى بعضهم!

 

على كل حال وصل الأمر إلى حدِّ أنه كلمَّا وُجد عددٌ من العظام في أرضٍ يأتي جماعة ويشيعون رؤيا بأن هذه العظام تعود إلى مرقد أحد أحفاد الأئمة وانه قادر على الشفاء وتلبية حاجات الناس وكشف كرباتهم، وسرعان ما يتجمّع الناس حول ذلك المكان ويبنون عليه بناء ويوقفون على هذا القبر الخيالي الموهوم المال والسجاد والأثاث ويعيش جماعة من الطفيليين على عائدات الموقوفات والنذورات ويزدهر بيع القبور في أطراف حرم هذا الإمام زاده مجهول الهوية! من ذلك أنهم بنوا في مدينة جيلان ضريحاً قرب نهر سفيد رود لشخص يدعى سيد جلال الدين أشرف مع أنه لا يوجد أحد من أولاد الأئمة يحمل هذا الاسم ولكن تعال وانظر إلى مقدار الأموال التي تُرمى في ضريحه!! وصدق الشاعر المصري أحمد شوقي حين قال:

 

أحياؤنا يسترزقون بدرهم       وبألف ألف ترزق الأموات!

 

ويقولون إنه أنشد هذا البيت في زمن الجدب الذي كان الناس يبحثون فيه عن درهم ولكنهم في الوقت ذاته كان الكثيرون يرمون آلاف الدراهم على أضرحة الأولياء!