الزيارة (38) المنقولة عن السيد المرتضى

 

يصرّح المجلسيُّ بأن هذه الزيارة ليست من كلام إمام من الأئمَّة بل من تأليف السيد المرتضى علم الهدى(223) ويقول: زيارةٌ أخرى له صلوات الله عليه أوردها السيِّدُ وغيرُه والظاهر أنه من تأليف السيد المرتضى رضي الله عنه.

 

وهذه الزيارة زيارةٌ فصيحةٌ وبليغةٌ ومسجّعةٌ ومقفَّاةٌ وأجملُ من جميع تلك الزيارات التي نسبوها لإمامٍ من الأئمَّة عليهم السلام، وهذا يبيِّن بطلان رأي من قالوا أنه مما يثبت كون رواية ما أو دعاء أو زيارة من كلام الإمام فصاحتها وجمالها وبلاغتها، أي أنهم يجعلون بلاغة الزيارة وجمال عباراتها قرينة على صحة انتسابها للإمام! فمثلاً قالوا بشأن الزيارة الجامعة أو دعاء الندبة، التي تتضمَّن عديداً من الجمل والعبارات المخالفة للقرآن أو الكاذبة، إن فصاحة عباراتها وبلاغتها تدلُّ على أنها من كلام الإمام! هذا في حين أن هذه الزيارة رقم 38 التي أنشأها السيد المرتضى أجمل من الزيارة الجامعة ودعاء الندبة وأفصح منها رغم أنها ليست من كلام أي إمام، ولو قارناها بإنصاف بالزيارة رقم 30 أو سائر الزيارات التي مرَّت نماذج عنها فيما سبق لرأينا أن عبارات هذه الزيارة معقولةٌ أكثر ومقبولةٌ شرعاً وأشبه بالروايات الموثوقة الصحيحة وليس فيها أي عبارات عجيبة أو غريبة أو غير معقولة.

 

ورغم أن الزيارة التي دوَّنها السيد المرتضى لا تخلو من بعض العبارات الخرافية إلا أنها تتضمَّن نقاطاً ممتازة جديرة بالانتباه، من ذلك أنه جاء فيها مطلبٌ لا يوجد نظيره في سائر الزيارات وهو الإشارة إلى شهادة ابنين من أبناء أمير المؤمنين عليّ (ع) هما: أبو بكر بن عَليّ وعثمان بن عَليّ - رحمهما الله- اللذان نالا شرف الشهادة في واقعة كربلاء برفقة الإمام الحسين (ع)، وقد ذكر السيد المرتضى فضائل ومناقب هذين الشهيدين الكريمين في زيارته. هذا في حين أن واضعي الزيارات الغلاة الذين كانوا يُكِنُّون العداء للخلفاء تجاهلوا ذِكْرَ تضحية وشهادة هذين الشهيدين الكريمين نظراً لاسمهما المطابق لاسم الخلفاء!! وأسأل هؤلاء الغلاة: لو أنكم تحبون فعلاً وبصدق شهداء كربلاء وأصحاب الحسين سيد الشهداء (ع) وكتبتم كتباً ورسائل عديدة في زيارتهم وفضائلهم فلماذا لا تذكرون شهادة هذين الأخوين الكريمين لحضرة سيد الشهداء (ع)؟! إن هذا العمل بحدِّ ذاته دليلٌ على أن تلك الزيارات من وضع أشخاص مغرضين وليست من كلمات إمام من الأئمة عليهم السلام.

 

ولا يخفى أن هذه الزيارة الجيدة للسيد المرتضى تردّ كثيراً من مطالب الزيارات الأخرى وتُبْطِلُها فمن ذلك قول السيد المرتضى فيها: وأنت مجدّل على الرمضاء لا تستطيع خطاباً ولا تردّ جواباً. فهذه الجملة تعارض الجملة التي ذُكرت مراراً في تلك الزيارات الموضوعة التي تقول: أشهد أنك تسمع كلامي وتردّ جوابي.

 

ومن ذلك أيضاً أن السيد المرتضى في سلامه على الأنبياء يُبيِّن أن معجزاتهم فعل الله وليست من فعل الأنبياء وهذا يخالف عقيدة أهل الخرافات. ومن ذلك كذلك أنه اعتبر جميع الشهداء أئمَّةً ولم يحصر الإمامة في اثني عشر إماماً فقال بشأن جميع الشهداء: السلام على الأئمة السادات وهذا يوافق القرآن الكريم الذي يعلّمنا أنه ينبغي على المؤمنين، بوصفهم عباد الرحمن، أن يدعوا الله أن يجعلهم جميعاً أئمةً للمتقين فيقول تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ﴾ [الفرقان:63]..... ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ [الفرقان:74].

 

طبقاً لهذه الآية كل مؤمن يمكنه أن يطلب من ربه أن يجعله إماماً للمتقين وأن يسعى من خلال كسب العلم ومجاهدة النفس والالتزام بأوامر الشرع ونواهيه كي يكون أهلاً لمرتبة إمامة المتقين والأسوة للمؤمنين.

 

الهوامش:

(223) هو من فقهاء الشيعة الإمامية المشهورين وأخ الشريف الرضي جامع نهج البلاغة. (المؤلف). قلت (المترجم): واسمه علي بن الحسين بن موسى واشْتُهِرَ بالسيد المرتضى وعلم الهدى ولد سنة 355 وتوفي في 433 هـ. وقد تولى رئاسة الطائفة الإمامية في عصره وترك عدة مؤلفات قيِّمة أهمها: الشافي في الإمامة وكتاب تنزيه الأنبياء والأئمة والغُرَر والدُّرَر ويُعْرَف بـأمالي المرتضى، والانتصار. (المترجم)