الزيارة (33) المنقولة عن الشيخ المفيد

 

يروي الشيخ المفيد زيارةً مضرّةً علامات الكذب وقرائن الوضع فيها كثيرة. من ذلك ما جاء فيها من أنه إذا وصلتَ إلى باب صحن القبر ودخلتَ الصحن (الفناء) فقل كذا وكذا، وقد أوضحنا سابقاً مراراً أن أئمة أهل البيت عليهم السلام بريئون من هذه الحُرم والأفنية والأروقة التي بُنيت على قبورهم والتي لم يكن لها وجود في عهدهم. فكل زيارة تضمنت مثل هذا الأمر هي موضوعة بلا ريب. وفي هذه الزيارة لعن من حرّف الكتاب، أي حرّف معاني كلماته أو جمله وفسّرها بما يخالف مدلولاتها في اللغة العربية، وهذا النوع من التحريف يُقال لهذا تحريف معنويٌّ أما التحريف اللفظي فلم يقع في القرآن على الإطلاق لأن الله تعالى قد ضمن حفظ كتابه وصيانته وقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9]. أما التحريف المعنوي فقد قامت به أكثر فرق المسلمين خاصة الباطنية وجماعاتٌ من الصوفية أو من المدّعين كذباً حبَّ أهل البيت عليهم السلام. فمثلاً قالوا إن المقصود من البعوضة أو الإبل أو دابة الأرض أو القمر أو ناقة الله: هو عليّ عليه السلام وهكذا... فَلَعْنُ من حرّف الكتاب - الذي جاء في الزيارة - ينطبق على جميع هؤلاء!

 

ثم يقول واضع الزيارة للإمام: فها أنذا وافد إليك بنصري أي أنني جئتك بنصرتي لك!! فبالله عليكم أيها القرّاء المحترمين هل يسخر واضع هذه الزيارة من نفسه أم من الزائرين، حتى يقول للإمام إن لم أستطع نصرك أو لم أكن يوم عاشوراء حتى أنصرك فها أنا الآن جئتك بنصري لك!! أفلا يدري أن الإمام نال السعادة الأبدية وترك الدنيا إلى غير رجعة ولم تعد هناك حرب ولا حاجة لنصرته! ثم يقول: ثم ارفع يديك إلى السماء وقل اللهم إني أشهد أن هذا القبر قبر حبيبك وصفوتك من خلقك..... وهكذا يستمرّ صفحة كاملة في مخاطبة الله تعالى بأنه يشهد أن هذا القبر كذا وكذا... حتى يصل إلى دعاء صاحب القبر أن يشفع له ثم يقول: إن لم تشفع لي ولا ينصرف زوَّارك يا مولاي بالعطاء والحباء والخير والجزاء والمغفرة والرضا وأنصرف أنا مجبوها بذنوبي مردوداً علىَّ عملي قد خيبت لما سلف مني فإن كانت هذه حالي فالويل لي ما أشقاني وأخيب سعيي وفي حسن ظني بربي وبنبيي وبك يا مولاي وبالأئمة من ذريتك ساداتي أن لا أخيب.. فبالله عليكم لاحظوا ماذا يقولون وأيَّ خبط وإضرار بالإسلام والتوحيد يفعلون!

 

ثم يصل إلى قوله: تفضَّل عليَّ بشهوتي!! والطريف أن هؤلاء يعتبرون أنفسهم بمثل هذه الكلمات الركيكة من العارفين بالله المخلصين لله ولرسوله!!

 

وفي موضع آخر من هذه الزيارة يقول مخاطباً الإمام: أتيتك زائراً وبحقك عارفاً و.... والمنة عليَّ بجميع سؤلي ورغبتي وشهوتي أي يطلب من الإمام أن يمنّ عليه بقضاء حوائجه وتحقيق رغباته ومشتهياته، أي أنه يعتبر الإمام قاضي الحاجات! أما عليٌّ عليه السلام فإنه يقول:

 

وأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ ومَانِعٍ عَزِيزٍ وأَخْلِصْ فِي المَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ والْحِرْمَانَ....... فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ ورَزَقَكَ وسَوَّاكَ ولْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ومِنْهُ شَفَقَتُكَ...(200).

 

ورغم ذلك فإن الخرافيِّين عندما يواجهون بياناتنا التي ننوّر بها الناس ونوعّيهم إلى حقائق الإسلام والتوحيد يسخطون علينا ويتّهموننا بأننا -نعوذ بالله- أعداء للإسلام أو أعداء أئمة أهل البيت عليهم السلام ويحرّضون علينا الجهّال كما فعلوا ذلك مراراً.

 

ثم بعد ذكر واضع هذه الزيارة استحباب أداء صلوات وأدعية من عنده، يأتي بزيارة لا سند لها لحضرة العباس (ع) ويقول: عُدْ إلى الضريح، وهذه العبارة بحد ذاتها علامة على أن هذه الزيارة وُضعت بعد القرن الهجري الثالث أو في القرن الهجري الرابع على الأقل في زمنٍ كان قد أُنشئ فيه ضريح لحضرة العباس. على كل حال إن من يقرأ هذه الزيارة معتبراً ما يفعله عبادة يكون قد ارتكب بدعة في الواقع.

 

ونلفت الانتباه هنا أنه جاء في أوائل هذه الزيارة جملة توحيدية ممتازة يبدو أنها صدرت عن واضع الزيارة سهواً! إذ لو فهمها الناس جيداً لما ارتكبوا هذه البدع، يقول: الحمد لله الواحد في الأمور كلِّها أي أن الله تعالى منفرد ومتفرّد في فعل جميع الأمور ولم يتّخذ وزيراً ولا واسطة بل هو متفرِّدٌ وحدَهُ في جميع الأمور، فإذا كان الأمر كذلك فلا ينبغي أن يُطلب شيء إلا منه.

 

الهوامش:

(200) نهج البلاغة، الرسالة 31.