روايات باب زيارات الإمام الحسين (ع) المطلقة

 

تحت هذا الباب أورد المجلسيُّ وابن قولويه وأمثالهما زيارة لا شك أنها من اختلاق الغلاة والمفوِّضة وأصحاب العقيدة [المطابقة لعقيدة] الشيخيّة. وهي زيارة تخالف القرآن وتبثُّ الفرقة بين المسلمين. وقد نُسِبَت كذباً إلى الإمام الصادق (ع) حتى يرموا مسؤولية إيجاد التفرقة بين المسلمين عليه، في حين أن مقام حضرة الإمام الصادق (ع) أجلّ وأعلى من أن يثير الفتنة ويبثّ الفرقة بين أتباع جدِّه صلى الله عليه وآله وسلم.

 

إن الشيخية المفوّضة يقولون ليس الله هو الذي يدبّر السموات والأرض بل ليس هو بخالقها لأنه خلق نور محمّد وآله فقط! ثم تمَّ خلق بقية الموجودات بواسطة ذلك النور! ويستدلُّون على عقيدتهم هذه بجمل من هذه الزيارة وبهذا يشطحون بعيداً جداً عن القرآن الكريم الذي قال: ﴿ أَمْ جَعَلُوا لله شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [الرعد:16] وقال أيضاً: ﴿ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر:62].

 

بعد مجموعة من الجمل الخرافيّة يصل كاتب الزيارة إلى القول: إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم!!

 

قلتُ: كأن واضع الزيارة ظنَّ أن الإرادة الإلهية تذهب وتأتي ولم يدر أن إرادة الله هي عين إيجاد المراد وتحقُّقه، والإرادة الإلـهية هي عين فعله وليست مثل إرادتنا حيث نريد شيئاً في البداية ونصمِّم عليه ثم نأتي بمقدمات الفعل ونقوم به. وقد قال أمير المؤمنين (ع): كَلَامُهُ فِعْلٌ مِنْهُ(190) أي كلامه ليس حروفاً وجملاً بل هو عين فعله وإيجاده، وقال أيضاً: إرادته هي الفعل أي أنه ليس لله تعالى دماغ وذهن وقلب مثلنا ومركز في الدماغ تصدر منه سيّالات الإرادة بل كما يقول تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس:82]، ويصف أمير المؤمنين (ع) ذلك بقوله: يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ لا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ ولا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ وإِنَّمَا كَلامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ(191). وبالتالي لا معنى لما جاء في عبارات الزيارة من هبوط إرادة الربّ وصدورها من منازل البشر!!

 

ثم يقول في الزيارة: أشهد أن دمك سكن في الخلد فيبدو أن واضع الزيارة يظن أن تربة كربلاء هي الجنة!

 

ثم يقول واضع الزيارة: يا وتر الله الموتور في السموات والأرض.... والسبيل الذي لا يختلج دونك من الدخول في كفالتك التي أمرت بها.. فهذا الزائر الجاهل ترك سبيل الله المستقيم المباشر وأخذ يلتمس سبيلاً يجعله في كفالة الإمام!! ألم يقرأ في صلاته: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة:6]؟ أولم يقرأ قول الله تعالى لرسوله وللمؤمنين: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ [النحل:91]؟ أو قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفَى بِالله وَكِيلاً ﴾ [الأحزاب:3] أو قوله سبحانه: ﴿ وَكَفَى بِالله وَلِيّاً وَكَفَى بِالله نَصِيراً ﴾ [النساء:45]؟.

 

لقد هجر أولئك الجاهلون أو المغرضون كتاب الله وتشبّثوا بزيارات موضوعة لا تفيدهم شيئاً سوى الانحراف عن القرآن وتمجيد غير الله!

 

ثم يقول واضع الزيارة: بكم فتح الله وبكم ختم. ويجب أن نقول لهذا الضّالّ أن أحد الأئمَّة الذين تتصوَّر أن افتتاح العالم واختتامه بيدهم، جاهد معاوية واحداً وعشرين شهراً وقال: وسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الأرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ المَعْكُوسِ والْجِسْمِ المَرْكُوسِ وأراد أن يعزل معاوية عن ولاية الشام ولكنه مع الأسف الشديد جداً لم ينجح في ذلك بسبب عصيان أتباعه لأمره، واستشهد، [فحكم معاوية بعده ليس الشام فقط بل كل عالم الإسلام عشرين عاماً أخرى!!].

 

ثم يقول في الزيارة: بكم يمحو الله ما يشاء وبكم يثبت وأقول إن لم يكن هذا غلوَّاً فما هو الغلوّ إذن؟ فالله تعالى يقول: ﴿ يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد:39]، فأمّ الكتاب إذن ليس عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا عند الإمام عليه السلام حتى يمحو منه شيئاً أو يثبته! فمن الواضح أن مختلق هذه الزيارة لا علم له مطلقاً بكتاب الله!

 

ثم يقول واضع الزيارة: بِكُمْ يُفَكُّ الذُلُّ مِنْ رِقَابِنَا هذا في حين أننا منذ قرون ضُرب علينا الذل بسبب هذه الخرافات والأوهام والغلو والبدع الشركية وأصبحنا خاضعين للمستعمرين الكفرة!

 

اللهمَّ أَفْرِغْ عَلَيَّ صبراً وثبّت أقدامي وانصرني على أهل الغلوّ والخرافات. ولو أردتُ أن أبين جميع الخرافات في هذه الزيارة لطال بي المقال مما لا يتحمله هذا الكتاب المختصر.

 

وهنا يقول أيضاً: اجعل قبر الإمام أمامك (أي في جهة القبلة لك) وصلِّ هذا مضادٌّ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تجعلوا قبري قبلةً.

 

ثم يروي المجلسيُّ في هذا الباب الزيارةَ الثامنةَ نقلاً عن كامل الزيارات لابن قولويه بسنده عن المُفَضَّل بن عُمَر عن جابر الجَعْفِيّ قال: قال أبو عبد الله عليه السلام للمفضل: ..... ثم تسعى فلك بكل قدم رفعتَها أو وضعتَها كثواب المتشحِّطِ بِدَمِهِ في سبيل الله... الحديث.

 

قلتُ: إذا كان الزائر ينال بكل خطوة يخطوها نحو القبر ثواب الشهيد المتشحِّط بدمه في سبيل الله، فإنه عندما يصل إلى القبر يكون كأنه قد استشهد متشحِّطاً بدمه آلاف المرات وبالتالي يكون مقام الزائر أكبر من الإمام المزور لأن الإمام لم يستشهد سوى مرَّة واحدة!!

 

يا ليت هذا الوضّاع الجاهل المختلق لهذه الزيارة كان يعلم أن الأئمة الكرام عليهم السلام كانوا يتضرَّعون إلى الله لينالوا مرتبة الشهادة في سبيله مرَّةً واحدةً ويسألونه بكل إلحاح أن يجعل الشهادة من نصيبهم. ولكن هذا الزائر برحلته ونزهته هذه ينال أجر آلاف الشهداء!! أليس هذا لعب في الدين؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ [الأنعام:70]. على كلِّ حال يبدو أنه في دين الغلاة هناك فرق بين واجبات الإمام وواجبات المأموم، فالإمام يجب أن يجاهد ويقاتل حتى يفوز بالشهادة أما المأموم فيكفيه أن يقوم بزيارة فيحصل على أجر وثواب أكثر من الإمام!!

 

ثم يقول واضع الزيارة: ولك بكلِّ ركعة ركعتها عنده كثواب من حج واعتمر ألف مرة وأعتق ألف رقبة وكأنما وقف في سبيل الله ألف مرة مع نبي مرسل!، من الواضح أنه في دين الغلاة لا يوجد كتاب وحساب صحيح عند الله لأن الإمام وأصحابه استُشهدوا مرَّةً واحدةً ولكن زائر قبرهم ينال ثواب الجهاد ألف مرة مع نبيٍّ مرسل، وليس لأحد أن يعترض! لماذا، لأن الذين أوردوا تلك الزيارات في كتبهم علماء كبار فعلى الآخرين أن يلزموا الصمت ولا يتدخَّلوا فيما ليسوا له أهلاً!

 

وفي سند هذه الزيارة مسألة عجيبة بل كذب فاضح، لأن المفضّل روى عن جابر بن يزيد أن الإمام قال للمفضَّل! مما يعني أن المفضل ذاته لم يكن يدري ما حدَّثه به الإمام شخصيَّاً لذلك روى ما حدَّثَه به الإمامُ عن جابر!!! ولا أدري هل نتعجب من الرواة الوضّاعين أم من الذين أوردوا في كتبهم هذه المضحكات!

 

وفي زيارة أخرى في هذا الباب جاءت عبارة: قد طَهُرت بك البلاد وطَهُرتْ أرضٌ أنت فيها، وفي رأيي لو اجتمع واضع هذه الزيارة وجميع الزائرين على أن يستخرجوا من هذه الجملة معنىً مفيداً لما استطاعوا!

 

ثم في الزيارة رقم (30) التي علامات الوضع والاختلاق واضحة جداً فيها، يُنْسَبُ إلى الإمام الصادق (ع) أنه قال: ..إذا أردتَ الزيارة فادخل من الباب الشرقيِّ، مع أنه لم يكن في زمن الإمام الصادق (ع) أي بناء ولا باب شرقي أو غربي أو شمالي أو جنوبي لقبر الحسين (ع).

 

وفي هذه الزيارة الموضوعة عبارة تقول: لا إله إلا الله مع علمه منتهى علمه، والحمد لله بعد علمه منتهى علمه، وسبحان الله مع علمه منتهى علمه! ويبدو أن واضع هذه الزيارة لم يكن يعي ما يقول ولا يفهم ما يكتب، فقد وضع لعلم الله منتهى مع أن علم الله عين ذاته وليس له قبل ولا بعد ولا حد ولا انتهاء.

 

ينبغي أن نعلم أن مدوّن كتاب كامل الزيارات أي ابن قولويه [ومعظم هذه الزيارات منقولة من كتابه] مثله مثل الصفّار كان كاسباً غير متعلّم، لذا جمع في كتابه كلَّما وضعه الرواة الكذَّابون الوضَّاعون! وكان من أهل قم ولم يكن في قم حينذاك حوزةٌ علميّةٌ، رغم أن معظم العلماء فيها -كما يقول صاحب معالم الأصول وآخرون - ليسوا سوى مقلّدين لمن سبقهم.

 

ثم يقول واضع الزيارة للإمام: كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة، ونوراً في ظلمات الأرض، ونوراً في الهواء، ونوراً في السموات العلا، نوراً ساطعاً لا يُطْفَأ، وهذا الكلام المضطرب يشبه كلام الكهنة الذي من الصعب أن نستخرج منه معنى أو مفهوماً مفيداً، ولا يفيد إلا في إدهاش العوام وإبهارهم حتى يستطيع واضع الزيارة أن يدَّعي قائلاً: لا يمكن بالطبع لكل شخص أن يصل إلى عمق معاني هذه الزيارة فليس كل وعاء أهلاً لاستقبال هذه المعارف!! وبهذا يستطيع أن ينسج ما يريد من هذه المعاني العميقة (!!). ولكن كل من كان له علمٌ بالقرآن الكريم والأحاديث الموثوقة للنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى عليهم السلام يمكنه أن يدرك بسهولة بُعْدَ هذه الجمل عن طريقة كلام أئمة أهل البيت عليهم السلام.

 

وفي هذه الزيارة يلعن واضعها قاتلي الإمام الحسين (ع) ويقول: اللهم أحلل بهم نقمتك وخذهم من حيث لا يشعرون ويبدو أن واضع هذه الزيارة لا يدري أن الله تعالى قد أخذ قتلة الإمام الحسين (ع) المجرمين بذنوبهم منذ ألف عام وانتقم منهم وأنالهم ما يستحقون.

 

وفي رأيي أن هؤلاء الغلاة المندسُّون في وسط الشيعة كانوا في عهد العبّاسيّين ينافسون الخلفاء على الحكم فيتعرّضون للأذى والملاحقة والضرب والشتم من قبلهم فأرادوا أن يوجدوا مذهباً وملاذاً يعملون ضدَّهم من خلاله وتحت لافتته، ولما كان آل عليّ محبوبون ومحترمون مِنْ قِبَلِ أكثر الناس، لذلك قام أولئك الغلاة بوضع الأحاديث في تعظيم الأئمة من أولاد عليّ إلى أقصى ما استطاعوا وسلُّوا سيوفهم ضدّ دولة بني العباس باسم آل عليّ، وأوجدوا دكِّانا لهم وجذبوا الناس البسطاء مستغلين عواطفهم. ولم يكن يهمُّهم في الواقع أن تُقبل أكاذيبهم أو أن يرضى بها أئمَّة أهل البيت من آل علي عليهم السلام أم لا، وإنما كان يهمُّهم جذب العوام والوصول إلى مآربهم وقد نجحوا من خلال هذه الزيارات وغيرها من الروايات الخرافية إلى حدٍّ ما في تحقيق أغراضهم.

 

ثم يقول في هذه الزيارة: فكن يومئذ في مقامي بين يدي ربي لي منقذاً فقد عظم جرمي، ويبدو أن كاتب الزيارة لم يقرأ قوله تعالى لرسوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ [الزمر:19]. وكما جاء في القرآن الكريم لم يستطع نبي الله نوح (ع) أن ينقذ ابنه وزوجته من عذاب الله ولم يغن عنهما شيئاً، وكذلك نبي الله لوط (ع) لم يغن عن زوجته شيئاً ولم يستطع إنقاذها من قهر الله وعذابه. وقد أجاب الله تعالى طلب نوح (ع) منه أن ينقذ له ابنه بقوله: ﴿ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [هود:46]. بل عاتب خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم عتاباً جميلاً لسماحه لبعض المنافقين بعدم الخروج معه فقال: ﴿ عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة:43]. وأوصى سبحانه نبيه الكريم أن يقول: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأنعام:15].

 

وقد وردت أحاديث عديدة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في أن لا نجاة إلا بالعمل الصالح منها قوله: أيها الناس! إنه ليس بين الله وبين أحد شئٌ يعطيه به خيراً أو يصرف به عنه شرّاً إلا العمل الصالح: أيها الناس! لا يدَّعي مُدَّعٍ، ولا يتمَنَّ مُتَمَنٍّ، والذي بعثني بالحق نبيّاً لا يُنجي إلا عملٌ مع رحمة الله، ولو عصيتُ لهويتُ، اللهم هل بلغت؟(192).

 

أو قوله لعشيرته ولابنته فاطمة عليها السلام: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ الله، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله! اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ الله لَا أُغْنِي عَنْكُمَا مِنْ الله شَيْئاً سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا(193).

 

وفي أواخر دعاء كميل لأمير المؤمنين علي عليه السلام: اغفر لمن لا يملك إلا الدُّعاء، فإنَّك فعَّالٌ لما تشاء... وكذلك رُوي عنه عليه السلام قوله: ..وإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الأكْبَرِ وتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ المَزْلَقِ..(194).

 

فواضع هذه الزيارة الجاهل لا علم له بحقائق الإسلام وأن الشفاعة لله جميعاً وأن إنقاذ المجرمين ليس لا بيد الزائر ولا بيد الإمام بل بيد الله وحده، كما نقرأ هذا المعنى في دعاء الجوشن الكبير في الفقرة 9 والفقرة 69 حين يخاطب الداعي الله عزَّ وجلَّ بقوله يا شافع ويا شفيع.

 

ثم يقول واضع الزيارة: يا ليتني كنتُ معك وأبذل مهجتي فيك نفسي فداكم ولمضجعكم ولا يدري هذا الزائر أن النفس والروح يجب أن تُبذلا في سبيل الله لا في سبيل مضجع الإمام! ولا عجب إذن أن نسمع من قرّاء المآتم في عصرنا عبارة عاشقان قبر حسين! أي عشّاق قبر الحسين! ولكنهم ربما لا يدرون أنه حسب مندرجات بعض الزيارات في كتاب البحار للمجلسيّ من الممكن ليس فقط أن يكون الإنسان عاشقاً للقبر بل أن يفدي نفسه للقبر!

 

ونقرأ في هذه الزيارة مراراً عبارات من مثل: و ضع خدك على القبر أو ثم ضع خدَّك الأيمن على القبر أو ثم ضع خدك الأيسر على الأرض وقل أو ثم تقبِّله وتمرّ سائر بدنك ووجهك على القبر ونحوها.

 

ولنا أن نتساءل لو كان الإمام حياً وأراد الناس أن يتمسَّحوا به على ذلك النحو هل كان سيرضى بذلك! بالطبع لا، كيف وقد أراد بعضهم تقبيل يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسمح لهم بذلك، ولما ترجّل رجال من أهل ساباط المدائن ليستقبلوا أمير المؤمنين (ع) وهو راكب على فرسه منعهم من ذلك ونهاهم عنه، وقد نقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم: إنه كان يكره أن يُقَام له. فكانوا إذا قدم لا يقومون لعلمهم كراهته ذلك(195)، بل لما قال له أحد أصحابه [وهو عبد الله الشخير أبو مُطَرِّف]: يا رسول الله! أنت سيدنا وذو الطول علينا، فقال: السَّيِّدُ الله لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ(196).

 

فهل يرضى الإمام بأن يضع أحدهم جبهته أو خده على الأرض لأجله؟ خاصة أن الإمام لم يعد في هذه الدنيا ولم يعد له اطلاع على ما يجري فيها. فما فائدة هذه التذلّلات والتملّقات، خاصة أنه بعد عالم الدنيا لا يوجد إلا عالم البرزخ الذي هو بمثابة قاعة انتظار للقيامة وعالم منقطع عن الدنيا. أجل لا ملجأ ولا ملاذ لأي إنسان نبيَّاً كان أم فرداً من عامة الناس سوى الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّه لا يُسْتَغَاث بي إنما يُسْتَغَاث بالله عزَّ وَجلَّ.(197).

 

الهوامش:

(190) نهج البلاغة، خطبة 186.

 

(191) المصدر السابق.

 

(192)الإرشاد، الشيخ المفيد (413هـ)، ط2، بيروت، دارالمفيد، 1414هـ/1993م،  ج 1/ ص182،  وإعلام الورى بأعلام الهدى، الشيخ الطبرسي (548هـ)، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1417هـ،  ج 1/ص 264. وقد نقله المجلسي عنهما في بحار الأنوار، ج22/ص467.  (المترجم)

 

(193)  الحديث رواه البخاري ومسلم في الصحيحين والترمذي والنسائي في السنن وأحمد في مسنده وغيرهم بعدة أسانيد وألفاظ متقاربة، واللفظ لمسند أحمد،  وقد نقل العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان (ج 15/ص333) هذه الروايات ذيل تفسيره لقوله تعالى ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾.  (المترجم).

 

(194)  نهج البلاغة، الرسالة 45.

 

(195)  عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي، ج 1/ص 435 ، ح 141، وهو في مصادر أهل السنَّة في سنن الترمذي: ج 5، كتاب الأدب/13-باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، ح 2754 مع اختلاف يسير .

 

(196)  الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج1/ص 311. والحديث أخرجه بلقظ قريب كل من أبي داود في سننه وأحمد في مسنده،  وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم 3700.

 

(197)  رواه من أهل السنة  الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد كتاب الأذكار/باب ما يستفتح به الدعاء..، وقال بعده: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث..