روايات باب وجوب زيارة الإمام الحسين (ع)

 

عقد المجلسيُّ أول باب من هذه الأبواب تحت عنوان: باب 1- أن زيارته صلوات الله عليه واجبةٌ مفترضةٌ مأمورٌ بها وما ورد من الذمِّ والتأنيب والتوعُّد على تركها وأنها لا تُترك للخوف!. وقال بعد أن أورد روايات عديدة في هذا الباب: ثم اعلم أن ظاهر أكثر أخبار هذا الباب وكثير من أخبار الأبواب الآتية وجوب زيارته صلوات الله عليه بل كونها من أعظم الفرائض وآكدها ولا يبعد القول بوجوبها في العمر مرَّة مع القدرة، وإليه كان يميل الوالد العلامة نوَّر الله ضريحه(177).

 

بهذا أضاف المجلسيُّ فريضةً إلى فرائض الإسلام لم يكن لها وجودٌ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل أُضيفت إلى فرائض الإسلام في عهد الصفويّة!!

 

وهنا أورد روايات مفادها أن زيارة قبر الإمام الحسين (ع) لازمةٌ مرَّةً في الشهر [فمن لم يستطع فمرَّة بالسنة على الأقل]، وأن مَنْ زَارَهُ كان الله من وراء حوائجه وكُفِىَ ما أهمَّه من أمر دنياه... ويرجع إلى أهله وما عليه وزر ولا خطيئة إلا وقد محيت من صحيفته، أو أنه يُغْفَر له ما مضى من ذنوبه ويقال له استأنف العمل، ولم يكن له عوضٌ غير الجنَّة وتصافحه الملائكة... ويصافح رسول الله، وأنه إن هلك في سفره نزلت الملائكة فغسلته، ويتمنى جميع أهل القيامة لو كانوا من زوار الحسين، وأنه من لم يكن للحسين (ع) زوَّاراً كان ناقص الإيمان وأن مَنْ ترك زيارته وهو يقدر على ذلك فقد عقَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعقَّنا (أي عقَّ الأئمّة عليهم السلام)، و إن كان [تارك الزيارة] من أهل الجنة فهو من ضيفان أهل الجنة (أي لا يُمَلَّك فيها سكناً) (لعله سيسكن بالأجرة ويتنقَّل من بيت لآخر، ومن هنا يظهر أن جنّة الخرافيين فيها أيضاً أزمة سَكَن!!)، وأن مَنْ ترك زيارة قبر الحسين (ع) من غير علة فهو من أهل النار وكان من أكثر الناس جفاءً، وروايات أن جميع الحيوانات والوحوش تزور الإمام، وأن من زار قبره على خوف يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة ويقال له لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك، ورواية أن من زار الحسين (ع) في كل شهر كان له من الثواب مثل ثواب مائة ألف شهيد من شهداء بدر(178) هذا في حين أن صاحب القبر أي الإمام ذاته استُشهد مرَّةً واحدةً ونال أجر الشهادة مرَّةً واحدةً(179).

 

وأورد المجلسيُّ أيضاً روايةً تقول: مَنْ أتى قبر الحسين (ع) تشوُّقاً كتب الله له ألف حجة متقبلة وألف عمرة مبرورة وأجر ألف شهيد من شهداء بدر وأجر ألف صائم وثواب ألف صدقة مقبولة وثواب [عتق] ألف نسمة أريد بها وجه الله... ويفسح له في قبره مدّ بصره ويؤمنه الله من ضغطة القبر ومن منكر ونكير أن يروعانه ويفتح له باب إلى الجنة ويعطى كتابه بيمينه ويعطى يوم القيامة نوراً يضي‏ء لنوره ما بين المشرق والمغرب...

 

ورواية أنه من زار الحسين محتسباً.. يكتب له بكل خطوة حجَّة وكلما رفع قدماً عمرةً وأنه إن كان شقياً كتب سعيداً ولم يزل يخوض في رحمة الله.

 

ورواية أنه: من أتى قبر الحسين (ع) زائراً له عارفاً بحقِّه يريد به وجه الله والدار الآخرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر!. ورواية أن: من زار قبر الحسين بن علي (ع) لا يريد به إلا الله غفر الله له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر!.

 

ورواية أن من زار قبر الحسين (ع) لله وفي الله أعتقه الله من النار وآمنه يوم الفزع الأكبر ولم يسأل الله حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا أعطاه!. ورواية أن من زار قبر أبي عبد الله الحسين بن علي (ع) وهو يعلم أنه إمام مفترض الطاعة على العباد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقُبِل شفاعتُه في سبعين مذنباً ولم يسأل الله جلَّ وعزَّ عند قبره حاجة إلا قضاها له!. ورواية أن من أتاه ماشياً كتب الله له بكلِّ خطوةٍ حسنةً ومحا عنه سيِّئةً ورفع له درجةً، فإذا أتاه وكَّل الله به ملكين يكتبان ما خرج من فيه من خير ولا يكتبان ما يخرج من فيه من سيِّئ ولا غير ذلك، فإذا انصرف ودَّعُوهُ وقالوا: يا وليَّ الله! مغفورٌ لك، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بيت رسوله والله لا ترى النار بعينك أبداً ولا تراك ولا تطعمك أبداً!.

 

ورواية تقول أن من زار الحسين (ع) من شيعتنا لم يرجع حتى يغفر له كلُّ ذنب ويكتب له بكلِّ خطوةٍ خطاها وكلِّ يدٍ رفعتْها دابَّتُهُ ألف حسنةٍ وَمُحِيَ عنه ألف سيئة ويرفع له ألف درجة!.

 

ورواية تقول: إنَّ الله وكل الله بقبر الحسين (ع) سبعين ألف ملك يصلون عليه كلَّ يومٍ شعثاً غبراً من يوم قتل إلى ما شاء الله، ويدعون لمن زاره ويقولون: يا ربِّ! هؤلاء زوَّار الحسين افعل بهم وافعل بهم!(180).

 

ثم ينقل المجلسيُّ قصَّةً عجيبةً عن رجل يُدعى الحسين بن أبي حمزة قال: خرجتُ في آخر زمن بني أمية وأنا أريد قبر الحسين (ع) فانتهيت إلى الغاضرية حتى إذا نام الناس اغتسلتُ، ثم أقبلتُ أريد القبر حتى إذا كنت على باب الحير خرج إلى رجل جميل الوجه طيب الريح شديد بياض الثياب فقال: انصرف فإنك لا تَصِلُ فانصرفت إلى شاطئ الفرات فأنست به حتى إذا كان نصف الليل اغتسلت ثم أقبلت أريد القبر. فلما انتهيت إلى باب الحائر خرج إلى الرجل بعينه فقال: يا هذا انصرف فإنك لا تَصِلُ: فانصرفت فلما كان آخر الليل اغتسلت ثم أقبلت أريد القبر، فلما انتهيت إلى باب الحائر خرج إلى ذلك الرجل فقال: يا هذا إنك لا تَصِلُ، فقلت: فلم لا أصل إلى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسيد شباب أهل الجنة وقد جئت أمشي من الكوفة وهي ليلة الجمعة وأخاف أن أصبح ههنا وتقتلني مسلحة بني أمية؟ فقال: انصرف فإنك لا تَصِلُ. فقلت: ولم لا أَصِلُ؟ فقال: إن موسى بن عمران (ع) استأذن ربه في زيارة قبر الحسين (ع) فأذن له فأتاه وهو في سبعين ألف ملك فانصرف فإذا عرجوا إلى السماء فتعال، فانصرفت وجئت إلى شاطئ الفرات حتى إذا طلع الفجر اغتسلتُ وجئتُ فدخلتُ فلم أر عنده أحداً فَصَلَّيْتُ عنده الفجر وخرجتُ إلى الكوفة(181). وغيرها من الروايات الخرافية والأكاذيب الفاضحة.

 

وإذا استفسر مستفسرٌ وسأل: وهل للملائكة وأرواح الأنبياء أجسام حتى تشغل ذلك المكان ولا تكون في مكان آخر، أم هل للأنبياء الحق في مغادرة عالم البقاء والعودة إلى دار الفناء؟؟ رموه بالعظائم واتهموه بآلاف التُّهَم!

 

ورووا كذلك إن الله يباهي بزائر الحسين والوافد إليه الملائكة المقربين وحملة عرشه فيقول لهم: أما ترون زوار قبر الحسين عليه السلام أتوه شوقاً إليه وإلى فاطمة؟! وعزتي وجلالي وعظمتي لأوجبن لهم كرامتي، ولأحبنهم لمحبتي(182).

 

ورووا عن صفوان الجمال قال: قال لي أبو عبد الله (ع) لما أتى الحيرة: هل لك في قبر الحسين؟ قلت: وتزوره جعلت فداك؟ قال: وكيف لا أزوره والله يزوره في كل ليلة جمعة يهبط مع الملائكة إليه والأنبياء والأوصياء ومحمد أفضل الأنبياء ونحن أفضل الأوصياء. فقال صفوان: جعلت فداك! فنزوره في كل جمعة حتى ندرك زيارة الرب؟ قال: نعم يا صفوان... قلتُ: لعلَّ الله تعالى - والعياذ بالله - يريد أيضاً أن ينال ثواب الزيارة!!! وإذا سأل متسائلٌ: كيف يهبط الله تعالى مع أنه ليس متحيِّزاً حتى يتحرَّك وينزل ويصعد!! سوف يُجاب: يا عديم الدين أنت منكرٌ للولاية، إيمانك ضعيف!

 

بل رووا إن زائر الحسين (ع) مُشَفَّعٌ يوم القيامة لمائة رجل كلُّهم قد وجبت لهم النار ممن كان في الدنيا من المسرفين!. وفي رواية تالية أن زائر الحسين: يكتب له شفاعة في أهل بيته وألف من إخوانه!(183). وقد ذكرنا مراراً أن زيارة الإمام في حال حياته لم يكن لها واحد من ألف من هذا الثواب والأجر!.

 

إن مثل هذه الروايات، التي هي غيض من فيض، إذْ لم نذكر سوى واحد بالألف منها، قد أدَّت إلى اغترار شعبنا واستسهاله المعاصي، إذ إن بعض العوام صدق أن زيارة واحدة كفيلة بكل هذا الأجر وبالتالي كفيلة بإلغاء حسابهم وكتابهم يوم القيامة والتأثير على قانون الجزاء الإلهي، فلم يعد لهم خوف قوي كما ينبغي من عقاب الله على الذنوب والمعاصي.

 

ولا ريب أن جميع أمثال تلك الروايات مخالفة للقرآن الكريم، وقد علّمنا النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من آله عليهم السلام مراراً أن كل حديث لا يوافق القرآن فاضربوا به عرض الحائط أو فدعوه أو فلم نَقُلْهُ أو فهو زخرف أي قول كاذب باطل.

 

أضف إلى ذلك - وكما ذكر العالم المحقق حضرة الأستاذ قلمداران (رحمه الله) في كتابه زيارة المزارات- توجد أحاديث معارضة لتلك الأحاديث والروايات الكاذبة المذكورة، من ذلك روايةٌ رواها الحِمْيَرِيّ في كتابه قرب الإسناد ورواها الشيخ الحر العامليّ أيضاً، لم تعتبر زيارة الحسين حتى بمقدار حجٍّ واحدٍ(184)، في حين أن بعض الروايات السابقة جعلت للزائر ثواب ألف أو مئة ألف حجة! فهي بلا ريب من وضع الغلاة الكَذَبَة! وقد نهى الله تعالى عن الغلوّ وقال: ﴿ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى الله إِلَّا الْحَقَّ ﴾ [النساء:171]، وقال الإمام الصادق عليه السلام، كما جاء في باب نفي الغلو في المجلد السابع من بحار الأنوار (الطبعة القديمة): إن الغلاة شَرُّ خلق الله(185).

 

الهوامش:

(177)  بحار الأنوار، ج98/ ص 10. (المترجم)

 

(178) انظر هذه الروايات في بحار الأنوار، للمجلسي،  ج 98/ صص 2 و4 و5 و7 و9 و17-18 و37، وكلها أوردها المجلسيُّ نقلاً عن كتاب كامل الزيارات لابن قولويه. (المترجم)

 

(179) قال حضرة أمير المؤمنين علي (ع) في كتابه للأشتر النخعي لما ولّاه على مصر الذي يعدّ من خطب الإمام الموثوقة (لأنه من الممكن لمن يستمع الخطبة أن ينسى شيئاً منها أو يزيد فيها أو ينقص منها، ولكن هذا الاحتمال ضعيف جداً بالنسبة إلى الرسالة المكتوبة): ﴿ وأَنَا أَسْأَلُ الله بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ...أَنْ يَخْتِمَ لِي ولَكَ بِالسَّعَادَةِ والشَّهَادَةِ ﴾ (نهج البلاغة، الرسالة 53)، وقال أيضاً في حرب صفين: ﴿ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ ﴾ (نهج البلاغة، خطبة 171). وقال أيضاً في دعائه: ﴿ فإذا كان مما لا بد منه الموت، فاجعل منيَّتي قتلاً في سبيلك ﴾ (الصحيفة العلوية، دعاؤه في صفين قبل رفع المصاحف).  فيا ليت كان المجلسيُّ معاصراً للإمام عليه السلام حتى يقول له يمكنك بدلاً من طلب الشهادة من الله أن تطلب منه الحصول على هذا الثواب ذاته بزيارتك لمرقدك!!

 

(180)  انظر هذه الروايات الأخيرة في بحار الأنوار، للمجلسي،  ج 98/ صص 18 - 20 ، و23 - 25 و54، وكلها أوردها المجلسيُّ نقلاً عن كتاب كامل الزيارات لابن قولويه. (المترجم)

 

(181) بحار الأنوار، المجلسي،  ج 98/ص57 نقلاً عن كتاب إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس، وهو في  ص 38 منه (طبع إيران، سنة 1314هـ). (المترجم)

 

(182) وسائل الشيعة، الحر العاملي،  (ط مؤسسة آل البيت)،  ج 14/ ص 497، حديث رقم 6. (المترجم)

 

(183)  الروايات الثلاث الأخيرة هي في بحار الأنوار، للمجلسي،  ج 98/صص 60 و77 و310، وكلها أوردها المجلسيُّ نقلا عن كتاب كامل الزيارات لابن قولويه. (المترجم)

 

(184) وسائل الشيعة، ج10/باب استحباب اختيار زيارة الحسين على الحج والعمرة المندوبين، الرواية 15. (المؤلف).  قلت ونص الرواية هو: ﴿ عن حنان بن سدير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في زيارة قبر الحسين؟  فإنه بلغنا عن بعضكم أنه قال تعدل حجة وعمرة؟ قال فقال: ما أصعب هذا الحديث! ما تعدل هذا كله، لكن زوروه ولا تجفوه وإنه سيد شباب الشهداء وسيد شباب أهل الجنة وشبيه يحيى بن زكريا وعليهما بكت السماء والأرض ﴾.  (المترجم)

 

(185)  عقد الشيخ الصدوق (رح) في كتابه الهام: اعتقادات الإمامية باباً كبيراً بعنوان: ﴿ نفى الغلوّ بالنبيّ والأئمّة صلوات الله عليه وعليهم ﴾ أورد فيه - بعد الاستشهاد بعدد من آيات القرآن -  (94) أربعةً وتسعين روايةً عن الأئمة من آل البيت عليهم السلام في نفي الغلو وإبطاله والتشنيع على أصحابه والبراءة منهم، ومن أقاويلهم، بل لعنهم ، وقد أجمع علماء الإمامية على اعتبار الغالي كافراً نجساً. (المترجم)