نظرة إلى روايات أبواب زيارة الإمام الحسين عليه السلام

 

حضرة الإمام الحسين-عليه آلاف التحية والسلام- سيد شباب أهل الجنة وإمام أهل التقوى وسيد الشهداء ونبراس المجاهدين في سبيل الله. ولكن مع الأسف بدلاً من أن يقتدي الناس بذلك الإمام الهمام ويضحّوا بأرواحهم في سبيل الحقّ وفي سبيل بيان حقائق الإسلام، جعلوا شهادته وسيلةً لكسب المال والجاه والشهرة والرياسة، وكلُّ من أراد أن يبيِّن حقيقةً من حقائق الدِّين الذي استُشهد سيد الشهداء لأجل اعتلائه ورفع رايته قام قرّاء المراثي في مآتم سيد الشهداء بالصدّ عن سبيله وكَيْل التهم له. ومما يُؤسف له أن معظم المراجع والمجتهدين يلزمون الصمت ويوافقون بشكل غير مباشر من خلال سكوتهم على تلك البدع ويَدَعون الدُّعاة إلى الحقِّ وحدهم في الميدان في مواجهة العوام!

 

إحدى البدع في هذا المجال بدعة التطبير أو قمه زنى أي ضرب الرأس بالسيف (أو الساطور) التي يشجّع عليها قرّاء المراثي قائلين كل من ضرب رأسه بالسيف إن كان شاباً حُشر مع حضرة علي الأكبر وإن كان صغيراً حُشر مع حضرة علي الأصغر فيحثونهم على هذه الأعمال الباطلة(174)!

 

إنَّ ضَرْبَ الرأس بالساطور بدعة لا تنسجم مع الفطرة ولا مع العقل السليم ينفر منها كل إنسان سليم الفطرة متَّزن التفكير، وبكل تأكيد لا يوافق دين الإسلام دين الفطرة على مثل هذه الأعمال. ولاحظ أيها القارئ الكريم وفكّر لحظة: هل من الممكن لشريعة من مبادئها قاعدة لا ضرر ولا ضرار وقاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل أن لا تحرّم ضرب الرأس بالساطور مع أن ضرره يقينيٌّ وليس محتملاً؟! فالشرع الذي يقول إنه إذا كان الصوم أو الوضوء أو أي فريضة أخرى تضرُّ بالإنسان ولو ضرراً محتملاً -بالطبع المقصود الاحتمال العقلاني المعقول وليس مجرد الخيال والوهم والاحتمال الضعيف جداً- فإنها تسقط عن الإنسان ويحرم عليه فعلها، فيجب أن يفطر ولا يصوم أو يتيمَّم بدل الوضوء...الخ، هل يسمح بإيقاع الضرر القطعيّ واليقينيّ على البدن؟!

 

ولكن يا للحسرة إن أكثر العلماء - كما هي عادتهم في مراعاة عوام الناس- لا يُظْهِرون الحقّ، وأرى أن المراجعَ والمجتهدين -الذين أدّت عدم مخالفتهم وممانعتهم الجدّية والصريحة لهذه الأعمال القبيحة إلى شيوعها بين العوام- مسؤولون أمام الله عزَّ وجلَّ. إن كثيراً من مراجع عصرنا أو القريبين من عهدنا مثل آية الله نائيني وكاشف الغطاء والشيخ هاشم العاملي وعبد الهادي الشيرازي والسيد محسن الحكيم والسيد أحمد الخوانساري والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد محمد رضا الگُلپايگاني لم يمنعوا هذه البدعة ولم يحرِّموها بشكل صريح، لا بل أيدها بعضهم بشكل ضمنيّ!

 

ولا يخفى بالطَّبع أن بعض المراجع والعلماء نَهَوْا عن هذه الأمور وحرّموها بكل صراحة وبشكل قطعيّ، ولكنهم قلَّة. ومن جملتهم العالم اللبناني المرحوم السيد محسن الأمين العامليّ الذي كتب في هذا رسالةً مفيدةً بعنوان التنزيه لأعمال الشبيه آمل أن تحظى باهتمام الشيعة(175)، ولكني لا أشك أن قرّاء المراثي والخطباء لا يميلون إلى تعرّف الناس على مثل هذه الرسائل. لذا لا يزال أكثرهم عديم الاطلاع على مطالبها بل كثير من مشايخنا المعمّمين لم يقرأها!

 

وقد ذكر المرحوم العلامة الأمين، إضافة إلى رسالته تلك، في الجلد العاشر من كتابه أعيان الشيعة ما يبيِّن حرمة ضرب الرأس بالسيف وغيرها من الأعمال التي تتمّ في أيام عاشوراء فقال:

 

الخلل في إقامة العزاء جرح الرؤوس بالمدى والسيوف ولبس الأكفان وضرب الطبول والنفخ في الأبواق وغير ذلك من الأعمال وكلُّ هذا محرَّمٌ بنصِّ الشرع وحكم العقل، فجَرْحُ الرؤوس إيذاءٌ للنفس محرَّمٌ عقلاً وشرعاً ولا يترتَّب عليه فائدةٌ دينيةٌ ولا دنيويةٌ بل يترتَّب عليه، زيادةً على أنه إيذاء للنفس، الضررُ الدينيُّ وهو إبراز شيعة أهل البيت بصورة الوحشية والسخرية، وكلُّ ذلك كلبس الأكفان وباقي الأعمال مُزْرٍ بفاعله وبطائفته لا يرضاه الله ولا رسوله ولا أهل بيته فهو من عمل الشيطان وتسويل النفس الأمَّارة بالسوء سواء أَسُمِّيَ بالمواكب الحسينية أم بإقامة الشعائر أم بأيِّ اسم كان فالأسماء لا تُغيِّر حقائق الأشياء وعادات الطغام من العوام لا تكون دليلاً للأحكام.(176).

 

على كل حال آمل أن يسأل شعبنا العلماء عن أمور الشرع في كل مورد وأن لا يقبلوا إلا ما قام عليه الدليل. لكنهم لا يفعلون ذلك للأسف ولهذا يقوم قرّاء المراثي في الليل والنهار بترغيب الناس بالبكاء والنواح وضرب الرؤوس وزيارات القبور. والناس يقومون بهذه الأعمال متصوِّرين أنها كافية لنجاتهم من نار جهنم! ولا علم لهم بمعارف الإسلام ولا خبر عن حقائق القرآن، وبهذه الأمور ابتعد الناس عن معرفة القرآن وأحكامه ومعارفه الإلهية. فمثلاً ترى خمسين ألفاً من فرق اللاطمين على صدورهم والضاربين ظهورهم بالجنازير لا يوجد واحد منهم يحسن آيتين من القرآن أو يعلم أمرين من معارف الدين، بل كل بضاعتهم التقليد الأعمى وشعارهم: عندي الحسين فلا غم ولا حزن! وليس كتّابنا وخطباؤنا ودعاتنا بأفضل من ذلك بكثير، فهاهو كبير المحدّثين محمد باقر المجلسيّ قد خصَّص ثلاثة مجلدات من كتابه بحار الأنوار للزيارات ونصوصها!

 

الهوامش:

(174) سمعتُ أن رأس الأشرار والأراذل والأوباش في مدينة أردبيل كان رجلاً ظالماً فاسقاً شارباً للخمر يبتزّ الضعفاء أموالهم ويجرّد سكينه على كل من يقف في وجهه، ثم لما يأتي يوم عاشوراء يشارك في المواكب بحماس ويمارس التطبير!   وقد اشتكى عليه الناس مراراً لدى مسؤولي القضاء ليخلِّصوهم من ظلمه وابتزازه لهم فلم يكن يسعفهم أحد، حتى شكوه في النهاية إلى صديق له فقال لهم: سأكفيكم شره هذه السنة. وكان هذا الصديق من الذين يحملون الخشب في مراسم التطبير كي توضع على جبهة الضاربين عندما يأخذهم الحماس والهيجان ويضربون بقوة حتى يقع الضرب على الخشب فلا يؤذي الضارب ولا يؤدي إلى إزهاق روحه، فخرج يوم عاشوراء مع صاحبه الأزعر وعندما حمي الوطيس واشتد الضرب وضع له الخشبة على رأسه كالعادة فكان يضرب عليها لكنه سحب فجأة الخشبة فضرب الأزعر نفْسَه على رأسه ضربة قوية أودت بحياته وكُفي الناس شرّه!

 

(175) سمعتُ أن السيد جلال آل أحمد ترجم هذه الرسالة إلى الفارسية تحت عنوان عزادارى هاى نا مشروع أي أعمال مراسم العزاء غير المشروعة.

 

(176) أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين العاملي، ج10/ص 363. (المترجم)