الروايات الواردة في زيارة عليّ (ع) ليلة المبعث ويومه

 

نقل المجلسيُّ والمفيد وابن طاووس والشهيد والشيخ عباس القمّي رحمهم الله زيارة خاصة بليلة المبعث ويومه عن رواة وضّاعين فيها أنه إذا وصلتَ (أي الزائر) إلى القبّة الشريفة فتوقَّفْ وقل كذا وكذا... ثم ادْخُلْ واجْعَلْ وجهك إلى الضريح وظهرك إلى القبلة وقل كذا وكذا... فهذه الآداب والتعاليم ليست من كتاب الله وسنة رسوله لأنه لم تكن هناك زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبّة ولا حرم وبالتالي فهي آداب مبتدعة، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام ذاته: السُنَّةُ ما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وآله والبدعة ما أُحْدِثَ من بعده(169).

 

أضف إلى ذلك أن المشهور لدى مشايخنا أن ليلة بعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هي ليلة 27 رجب ودليلهم الوحيد هو شهرة هذا الأمر بين الشيعة. هذا مع أن الشهرة ليست من الأدلة الشرعية، خاصَّةً إذا كانت مخالفة للقرآن الكريم الذي يقول: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان:3]، وقال: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر:1] وقال: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة:185] فهذه الآيات كلُّها تشهد أن ابتداء الوحي ونزول القرآن كان في شهر رمضان وفي ليلة القدر بالذات، وبالتالي فليلة بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي ليلة القدر ذاتها، ولكن مشايخنا لاعتيادهم على قاعدة خذ ما خالف العامة يصرّون - مستخدمين تأويلات باردة- على أن القرآن نزل على دفعتين: الدفعة الأولى نزل جُمْلَةً إلى السماء الدنيا والدفعة الثانية نزل منجّماً على نحو تدريجيٍّ على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويصروّن على أن معنى الإنزال غير معنى التنزيل، وأقول: حتى لو كان ذلك صحيحاً فليس معناه امتناع استعمال الإنزال بمعنى التنزيل أو العكس. وقد عبَّر القرآن الكريم عن إنزال المطر بـإنزال الماء (البقرة/22 والأنعام/99 والرعد/17) وبـتنزيل الماء (العنكبوت/63 والزخرف/11)، ومن الواضح أن المطر ينزل دائماً بصورة واحدة، فهذا يدل على عدم صحة القول بأن معنى الإنزال يختلف دائماً عن معنى التنزيل وأنه لا يمكن استخدام أحدهما مكان الآخر، وعليه فلا يمكن بمثل ذلك الدليل المعلول القول بنزولَيْن للقرآن.

 

نعم، بعد أن يملأ المجلسيُّ صفحات عديدة من هذه الزيارة يقول بعدها: أقول: لم أطَّلِعْ على سند هذه الزيارة ولا على استحباب زيارته عليه السلام في خصوص هذا اليوم لكنه من المشهورات بين الشيعة والإتيان بالأعمال الحسنة في الأزمان الشريفة موجب لمزيد المثوبة(170). فلاحظوا كيف أضاف كل هذه الآداب إلى الدين دون دليل أو مستند، وليت شعري! كيف تكون الأعمال التي لا مستند شرعي لها موجبةً للمزيد من المثوبة والأجر؟! وكيف يكون للوقوف في مقابل قبر والإفراط في المديح والإطراء المغالي ثواب عظيم، مع أن الإمام نفسه نهى عن هذه الأعمال؟

 

وفي الزيارة خاطب واضعها أمير المؤمنين (ع) بـقوله: السلام عليك أيها الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم وواضح أنه أراد من هذه العبارات الردّ على أهل السنة الذين يطلقون على أبي بكر لقب الصدّيق وعلى عمر لقب الفاروق، لذلك نرى أن واضع هذه الزيارة يثير بهذه الألفاظ العداوة بين المسلمين ويبث الاختلاف وسوء الظن بينهم.

 

ونقرأ في هذه الزيارة وصف واضعها لعليّ بأنه: معدن حِكَمِ الله وسرّه ولا أدري ما المقصود من قوله معدن حكم الله؟ ولعمري لو أُعطي عليّ عليه السلام المجال يوم القيامة لمواجهة هؤلاء الوضاعين لحاكمهم قائلاً: لماذا تنسبون إلي أموراً لا مستند لها؟ ولقال لهم: متى أمرتكم أن تدعوني بعد موتي؟ لقد أتلفتُ عمري في الدفاع عن الإسلام وإرشاد الناس إلى التوحيد واجتناب الخطايا والذنوب التي يُعدّ الشرك أكبرها فلماذا تشجعون الناس باسمي على القيام بأعمال شركية؟! ولقد بايعتُ الخلفاء حفاظاً على وحدة المسلمين وقبلتُ مصاهرة الخليفة الثاني لي، فلماذا تسعون في إبعاد قلوب المسلمين عن بعضهم بحجّة موالاتي والتحزّب لي؟ فما عساهم أن يجيبوه؟

 

لقد أطلق كاتب هذه الزيارة كل ما حلا له من الألفاظ وأعجبه ونسبها إلى الإمام، من ذلك قوله: السلام عليك يا تاج الأوصياء! بل حتى اعتبر الإمام تاجاً لرأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: وتاجاً لرأسه. وللأسف فإن الشيخ عباس القمي نقل أكثر هذه المدائح والإطراءات المفرطة دون تدبّر أو تأمّل في كتابه مفاتيح الجنان ربما ظنّاً منه أن الأئمة أنفسهم عليهم السلام هم الذين قالوا عن أنفسهم تلك المدائح والثناءات!! وليت شعري هل قرأ الشيخ عباس القمي السيرة والتاريخ أم لا؟ لو قرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتاريخ الإسلام وكان له علم وافر بسيرة عليّ عليه السلام وسائر أئمة أهل البيت عليهم السلام لأدرك بكل بساطة أنه من المحال أن يرضى النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّةُ الكرام عليهم السلام مقدار ذرة بأمثال تلك الإطراءات المبالغ بها والمدائح والثناء المتكلّف.

 

نعم، لقد قام أشخاص من قبيل ابن المشهدي وأبو قرّة(171) والسيد ابن طاووس وأمثالهم بوضع زيارات لكل شخص وفي كل مكان ملؤوها بالدعاء والمديح وصنوف الإطراء، ومن جملة ذلك أنهم اخترعوا لمسجد الكوفة عدَّة مصاطبَ أو دُكَكٍ فمصطبة (دكة) للإمام السجاد ومصطبة للإمام الصادق وأخرى للأمير فهل يجوز تقسيم مسجد الله -بلا دليل بل بمجرَّد الظن- إلى مصاطب ووضع آداب خاصة لكل منها؟ هل يجوز أن نجعل أحكام الدين غير منضبطة بالأدلة الشرعية إلى هذا الحد؟ حتى أنهم صاغوا عبارات جميلة ومسجّعة في مدح وإطراء مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة والنبي يونس! وربما لو كانت قبور المئة والأربعة وعشرين ألف نبيّ معلومة لوضعوا زيارة خاصة لكل منها وملؤوا الدنيا قباباً وأضرحة!

 

لقد تقدّم أعداء الإسلام في الصناعات والقوّة وبذلوا مساعيهم وجهدهم في الاختراعات والاكتشافات أما نحن فانشغلنا ببناء آلاف الأضرحة والحُرُم والزيارات حتى وقعنا أسرى للاستعمار وأصبح المسلمون من أكثر ملل الدنيا تخلّفاً حتى في الأخلاق والسلوك والأعمال.

 

لاحظ أيها القارئ الكريم لما كانت أوربا الطامعة تسعى بكل قواها نحو الرُّقِيِّ واكتساب القوَّة العسكرية والعلوِّ على سائر الأمم وتُغِير كالذئب الضاري لابتلاع الأمم الضعيفة مثل أندونيسيا والهند وأفريقيا و.... وكانت تعمل ليل نهار على إضعاف الدولة العثمانية، كان علماؤنا مشغولين بكتابة الزيارات وملئها بصنوف المدائح والإطراءات والطعن واللعن لمخالفيهم!! مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم(172). فهؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم علماء للإسلام بدلاً من السعي والاهتمام بحال المسلمين وتقدّمهم الذي هو من أهم الواجبات صرفوا أوقاتهم على بناء القباب والمنارات ووضع الأدعية والزيارات المبتدعة وما أصدق كلام حضرة أمير المؤمنين (ع) الذي قال:

 

وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ فَاتَّقُوا الْبِدَعَ.. إِنَّ عَوَازِمَ الأمُورِ أَفْضَلُهَا وإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا(173).

 

الهوامش:

(169) بحار الأنوار للمجلسي، ج2/ ص 226، نقلاً عن معاني الأخبار للشيخ الصدوق. (المترجم)

 

(170) بحار الأنوار للمجلسيّ، ج97/ص383. (المترجم)

 

(171) هو أبو الفرج المعروف بابن أبي قرّة وهو محمد بن علي بن محمد بن محمد بن أبي قرة العناني [وقيل: العيناثي] من مشايخ النجاشي، مؤلِّف عددٍ من الكتب في الأدعية والزيارات مثل: عمل الشهور وعمل شهر رمضان وعمل الجمعة والتهجُّد والمزار.  قال آقا بزرگ الطهراني في الذريعة: ﴿ ولعله من أحفاد أبى على المعروف بابن أبي قرة الذي كان منجم الخليفة الفاطمي بمصر، كما في فهرس ابن النديم ص 388 ﴾ انتهى.  ويُكْثِرُ السيد رضي الدين بن طاووس الحلّي (ت 644هـ) في كتاب أدعيته الشهير بـ  إقبال الأعمال النقل عن كتب ابن أبي قرة مثل المزار وعمل شهر رمضان وعمل الشهور. كما ينقل الكفعمي المتوفى (ت 905هـ)  في كتابه الجنة الواقية كثيراً عن كتاب التهجد لابن أبي قرَّة هذا. (المترجم)

 

(172) الكافي، للكليني، ج2/ص 163، الحديث رقم 1 من باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم، ومثله الحديثان رقم 4 و5. (المترجم)

 

(173) نهج البلاغة، خطبة 135.