الروايات الواردة في زيارة الإمام عليّ في السابع عشر من ربيع الأول

 

في هذا القسم أورد المجلسيُّ زيارة تحت عنوان الزيارة التاسعة عن الإمام الصادق عليه السلام، وهي زيارة مرسلة لا سند لها، وتحتوي العديد من الجمل المخالفة للعقل وللقرآن وللتاريخ، مثل مخاطبة أمير المؤمنين عليه السلام بعبارة: السلام عليك يا وصيّ الأوصياء مع أن التاريخ والعقل والحديث كلّها تشهد أن الإمام عليه السلام كان وصيّ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم لا غير!

 

وجاء في الزيارة: السلام عليك يا من عنده علم الكتاب. وقد أوضحتُ في تفسيري المختصر على القرآن الكريم الذي أسميته تابشي از قرآن (أي شعاع من القرآن) ذيل تفسيري لقوله تعالى في سورة الرعد المباركة (الآية 43): ﴿ قُلْ كَفَى بالله شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾، أن المقصود بمن عنده علم الكتاب علماء اليهود والنصارى لأن كتبهم كان فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبشارة برسالته كما تدلُّ على ذلك عشرات الآيات القرآنية.

 

وجاء في هذه الزيارة أيضاً: أيها المتصدّق بالخاتم في المحراب، هذا مع أنه لم يكن لمسجد المسلمين زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محراب(164)! وأوَّل من جعل للمسجد محراباً ومقصورةً هو معاوية!

 

ومما جاء في هذه الزيارة أيضاً: السلام على نور الأنوار.... مُستَنْقِذِ الشيعة المخلصين من عظيم الأوزار!

 

أقول: إن عبارة نور الأنوار من اختراعات الفلاسفة اليونان المشركين التي تلقّفها عنهم الغلاة، إذ كان الفلاسفة يقولون لا يصدر من الواحد إلا الواحد أي أن الله الواحد المجرّد لا يصدر عنه إلا واحد بسيط لأن الذات الأحدية لا تقبل الكثرات، فالله مصدر شيء واحد هو العقل الأول أو نور الأنوار وباقي الموجودات أوجدها العقل الأول الذي هو مصدر الكثرات، ومن الواضح أن هذا الكلام باطل ومخالف للقرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الزمر:62]. ثم إن الله تعالى ليس مصدراً ولم يصدر عنه شيء لا واحد ولا كثير بل هو مُوجِدٌ وخالقٌ لكل الموجودات من العدم، لأن الله ليس له خارج وداخل حتى يصدر عنه شيء، إذْ التركيب من لوازم الصدور. وهكذا نرى أن هؤلاء الغلاة اقتبسوا كل عبارة من مصدر ونسبوها إلى الإمام وبثّوها بين المسلمين!

 

أما قوله في الزيارة: مُسْتَنْقِذِ الشيعة المخلصين من عظيم الأوزار! فلنا أن نسأل: كيف يكون أصحاب الأوزار العظيمة من الشيعة المخلصين؟! وهل كان الإمام عليّ عليه السلام والعياذ بالله إمام الفاسقين والعصاة والفاجرين؟ هل مثل هذه الكلمات مدحٌ لمقام عليّ عليه السلام أم ذمٌّ له؟ ثم ما الدليل على أن علياً عليه السلام سينجي كلَّ من ارتكب عظائم الذنوب والأوزار؟ والحال أن الله تعالى يقول لرسوله الكريم بصيغة الاستفهام الإنكاري: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ [الزمر:19]، فإذا لم يكن بإمكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينقذ أحداً من عذاب النار فكيف يمكن لعليّ عليه السلام أن يُنجِّيَ أحداً منه؟! ثم هل مقام عليّ وإمامته هي أن يحامي عن الفاسقين من أهل الكبائر وينقذهم من العقاب الذي يستحقونه؟ لقد كان عليّ عليه السلام ذاته -كما تشهد لذلك مئات الأدعية التي خلّفها لنا - يخشى ربَّه ويبكي خوفاً من الذنوب ويتأوّه من بعد الطريق وقلّة الزاد، فمثل هذا الإمام لا يمكن أن يكون سمساراً لمرتكبي الكبائر بل هو بريء من الموبقات وأهلها، وهو إمام المتقين وليس إمام أهل الأوزار والكذابين.

 

ثم تقول الزيارة في الجملة التالية: يا وليَّ الله إن بيني وبين الله عز وجل ذنوباً قد أثقلت ظهري ومنعتني من الرقاد وذكرها يقلقل أحشائي، وقد هربتُ إلى الله عز وجل وإليك!(165).

 

وينبغي أن نقول في جواب هذا الدعاء، أولاً: إن الله تعالى يقول: ﴿ لا مَلْجَأَ مِنَ الله إِلَّا إِلَيْهِ ﴾ [التوبة:118]، ويقول: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ [الشورى:47]، وعليّ عليه السلام يقول: وأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ ومَانِعٍ عَزِيزٍ وأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ والْحِرْمَانَ... واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإجَابَةِ وأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ ولَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ(166).

 

ويقول كذلك: ولا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ(167).

 

بناء عليه، ما مِنْ موجودٍ يمكنه أن يحميكَ أمام الله تعالى، فإذا أردتَ الخلاص من ثقل ذنوبك وغفرانها فالطريق الوحيد لذلك هو العودة إلى الله والتوبة النصوح وأداء حقوق الخالق والمخلوق. وقد جاء في نهج البلاغة في الرسالة التي كتبها أمير المؤمنين (ع) إلى عامله على مصر مالك الأشتر: هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ الله عَلِيٌّ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الحَارِثِ الأشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وجِهَادَ عَدُوِّهَا... أَمَرَهُ بِتَقْوَى الله وإِيْثَارِ طَاعَتِهِ واتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وسُنَنِهِ الَّتِي لا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلا بِاتِّبَاعِهَا(168).

 

وثانياً: إن الإمام ليس ساكناً في وسط القبر ولا بين الضريح المذهّب والمصنوع من الفضة المغصوبة، بل قد رحل عن الدنيا وانقطعت صلته بأهلها ولم يعد له شُغلٌ بِفِتَنِكَ وفسادِكَ أو فساد الآخرين، فلا تضيّع وقتك هباءً.

 

وثالثاً: إذا كان الإمام حاضراً فإنه لا يمكنه أن يعرف أصادق أنت فيما تقول أم كاذب؟ لأنه لا يعلم أحدٌ بقلوب العباد وحقيقة ما في صدورهم ونيّاتهم سوى الله عز وجل.

 

ورابعاً: إنّ الإمام بريءٌ ومتنفّرٌ من الآثمين الفسقة الفاجرين، وممقتٌ لمن باع آخرته بدنياه.

 

ثم نقرأ في الزيارة قول الزائر للإمام: فاجعلني يا مولاي من همّك وأدخلني في حزبك فأقول: ما المراد بهذا الكلام؟ أما الجزء الأول من الجملة فهو كلام أشبه بالكلام العامي وبعيد عن الفصاحة والبلاغة، وأما بقية الجملة فإذا قُصد بحزبك حزب الله فعلى كل مسلم أن يختار بإرادته الحرة أن يكون من حزب الله باتباعه لتعاليم الشرع، لا أن الإمام يأتي ويدخله فيه!! ثم تقول بقية العبارة يا وليّ عصمة الدين وليس لهذا معنى واضح.

 

يقول المجلسيُّ في هذه الزيارة كما يقول آخرون من المحدّثين أنه من المستحبّ أن يصلي الزائر ست ركعات لله يهدي ثوابها لأمير المؤمنين عليه السلام وركعتان لكلٍّ من آدم ونوح عليهما السلام!! ومن الواضح أن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لم يشرّعا هذه الصلوات، فلا ندري كيف يوصي محدّثونا الذين يعلمون جيداً أن العبادات توقيفية تماماً ومنوطة بإذن الشارع وتعليمه بمثل هذه الصلوات؟! وإذا كان الشارع هو الذي شرع هذه الصلوات فعلاً فلماذا لم يعلم بها أحد سوى جماعة من الرواة الوضاعين والمجاهيل؟!

 

الهوامش:

(164) حول الاستدلال بحديث التصدّق بالخاتم على إمامة أمير المؤمنين (ع) وإمارته راجع كتاب شاه راه اتحاد (أي طريق الإتحاد) تأليف الأستاذ الفاضل حيدر علي قلمادران، ص145 فما بعد.

 

(165) بحار الأنوار للمجلسي، ج97/ص376. (المترجم)

 

(166) نهج البلاغة، الرسالة رقم 31 وهي وصية الإمام علي عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين. (المترجم

 

(167) نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 371.

 

(168) نهج البلاغة، الرسالة 35.