باب زيارات أمير المؤمنين المطلقة (التي لا تختصُّ بوقتٍ من الأوقات)

 

كما قلنا لقد ملؤوا في أبواب الزيارة مئات الصفحات من المدح والإطراء والثناء والتمجيد وآداب الزيارات التي تحتاج إلى أناس عاطلين عن العمل كي يقرؤوا كل تلك الزيارات في الليل والنهار فلا يتمكَّنوا من القيام بشيء آخر.

 

وقد ورد في بعض تلك الزيارات خطاب لأمير المؤمنين: يا أمين الله في أرضه، هذا مع أن الله تعالى اعتبر جبريل عليه السلام أمين وحيه وقال: ﴿ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ (التكوير:21) فلا ندري بأي شيء كان الإمام أمين الله، هل كان أمينه على حفظ دينه وعدم إعطائه لأحد أم على شيء آخر؟ ثم جاء في الزيارة: وحجته على عباده أي أن الأئمة عليهم السلام حجة الله على عباده، ولكن كما بيّنا سابقاً فإن القرآن الكريم ينفي وجود حجة بعد الرسل (سورة النساء: الآية 165). وهنا نريد أن نعلم هل الأئمة عليهم السلام حجة على أهل زمانهم أم على من جاء بعدهم بمئات السنين ولم يرهم؟ إن قيل إنهم حجة على من بعدهم فإن هذا سيخلق مشاكل لن تُحلَّ، لأن الأخبار والآثار المنسوبة إليهم مليئة بالمتناقضات الباطلة خلافاً للقرآن الكريم، فهل يمكن للحجّة أن تتضمن تناقضات؟

 

وكذلك جاء في تلك الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام: أنت أول مظلوم فهل يمكن التصديق بأنه لم يظلم أحد على الإطلاق قبل أمير المؤمنين (ع)؟ ولو فرضنا أن هذه الجملة صحيحة فما الهدف من قولها وكتابتها سوى إيجاد التفرقة وإثارة الفتنة والطعن واللعن؟ فلن ينتج عنها سوى ذلك(89). وكذلك جاء في تلك الزيارة: جئتُك عارفاً بحقك مستبصراً بشأنك معادياً لأعدائك! هذا في حين أنه في زمننا هذا لا يوجد عدوٌّ لعليّ سوى الذين غيروا أصول دين عليّ عليه السلام وفروعه والتي كانت الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر فقط، فأضافوا عليها أصولاً وفروعاً أخرى باسم المذهب. فعليٌّ عليه السلام كان يعتبر نفسه تابعاً للدين ولم يكن يعتبر ذاته أو الإيمان به وبأولاده أصلاً من أصول الدين، أما أولئك الزائرون فإنهم اعتبروا الإيمان به من أصول الدين! لماذا لا يلاحظ قرّاء تلك الزيارات كل هذه الأوهام والخرافات بل تقع عندهم موقع الرضا إذْ تعجبهم ألفاظها المنمَّقة وعباراتها المسجّعة والمقفّاة؟

 

ثم يقول: فاشفع لي إلى ربك يا مولاي فإن لك عند الله مقاماً معلوماً. وهنا نسأل: هل الشفاعة بيد الزائر أم بيد الإمام؟ الحقيقة التي قررها القرآن الكريم هي أن شفاعة النبي والإمام لشخص معيَّن تحتاج إلى إذن الله ابتداءً، فالله تعالى وحده الذي يعلم المستحقَّ للشفاعة من عباده، إذْ هو وحده البصير بعباده العليم بسرائرههم وضمائرهم وما تخفي صدورهم، وليس للأنبياء ولا الأئمة علمٌ بحقيقة العباد وسرائرهم، من هنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ [البقرة:255]، ويقول: ﴿ قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ﴾ [الزمر:44]. فإذا كانت الشفاعة بيد الله وحده فلا فائدة من طلبها من النبيّ أو الإمام، بل لا بدَّ من العمل بمرضاة الله وطلب الغفران منه وحده، وبالتالي فإن الزائر سأل من لا يملك وطمع بما لا طائل تحته وأضاع وقته سدى.

 

والإشكال الآخر في تلك الزيارة ذلك الدعاء الوارد في آخرها والذي يقول: بحقِّ محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين آبائي فكيف يكون أئمة أهل البيت عليهم السلام آباء الزائر؟! وهل يمكن أن يُقال لحضرة الزهراء أب؟ نحن لا ندري من الذي وضع تلك الزيارات؟ هل كان قصده خداع الشيعة وإلباسهم ثوب الغرور؟

 

ثم بعد تلك الزيارة وضعوا رواية منسوبة إلى الإمام الباقر عليه السلام يقول فيها: ما قال هذا الكلام ولا دعا به أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين أو عند قبر أحد من الأئمة عليهم السلام إلا رفع دعاؤه في درج من نور وطبع عليه بخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان محفوظاً كذلك حتى يسلم إلى قائم آل محمد عليهم السلام فيلقى صاحبه بالبشرى والتحية والكرامة إن شاء الله تعالى.(90).

 

ولا أدري هل أرادوا السخرية بمثل هذه الرواية لأنه ما الفائدة من رفع دعائه في درج من نور وختمه بخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمه إلى قائم آل محمد ليحفظه للداعي؟ ثم إنه لم يكن هناك قائم في زمن الإمام الباقر حتى يقول إن دعاء الزائر سيُرفع ويسلّم إليه ليحفظه!! إن مختلق هذه الروايات لم يكن يدري ما يقول!

 

وفي الزيارة رقم 14 يمنّ الزائر على ربه فيقول: اللهم عبدك وزائرك يتقرّب إليك بزيارة قبر أخي رسولك، وعلى كل مأتي حق لمن أتاه وزاره(91)، فما معنى قوله عبدك وزائرك؟ ألا يدري أن الله لا يمكن زيارته؟!

 

وفي موضع آخر من هذا الدعاء أُطلق على أمير المؤمنين (ع) لقب صاحب الميسم والمقصود منه أن الإمام يَسِمُ أي يكوي وجوه المؤمنين والكافرين لكي يضع على جبينهم علامة بأن فلاناً مؤمن وفلاناً كافر. وهذا عمل لغو إذ ما الداعي إليه؟ هل يريد أن يعرّف الناس لله أو لملائكته وهم في غنى عن تلك العلامة؟ أم يريد أن يعرّف الناس للناس مع أن هذا لا يفيد في شيء ولا نتيجة له كما أنه لا يفيد يوم القيامة لأن المؤمنين في ذلك اليوم ستبيض وجوههم والمجرمين والكفار سيُحشرون سود الوجوه ولا حاجة لعلامات إضافية.

 

ونقرأ كذلك في تلك الزيارة شهادة الزائر للإمام: إنك باب الله وإنك وجه الله!

 

أما حضرة أمير المؤمنين عليه السلام فإنه يقول: فَاسْتَفْتِحُوهُ واسْتَنْجِحُوهُ واطْلُبُوا إِلَيْهِ واسْتَمْنِحُوهُ فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ ولا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ وإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وفِي كُلِّ حِينٍ وأَوَانٍ ومَعَ كُلِّ إِنْسٍ وجَانٍّ(92).

 

ويقول أيضاً: واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإجَابَةِ وأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ ولَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ..(93).

 

والإمام السجاد عليه السلام يقول كذلك مناجياً ربَّه: وبابك مفتوحٌ للراغبين(94)، وبالتالي فالله تعالى شأنه ليس كالسلاطين الذين لهم حُجَّاب وأبواب يُدخل من خلالها إليهم، بل هو أقرب إلى عباده من حبل الوريد [وهو القائل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]].

 

فهكذا يتبيَّن أن مطالب تلك الزيارة مخالفة [للقرآن الكريم] كما هي مخالفة في الواقع لعقائد الأئمّة الهداة من آل النبيّ عليهم السلام.

 

وأما قوله وأنَّكَ وجه الله فلا يصحّ لأن وجه الله - كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ [البقرة:115] - يدلّ كما قالوا على عنايته، وقد رُوي عن أمير المؤمنين (ع) أن وجه الله ذاته وليس لله وجه جسماني وإنما سُميت عناية الله بالوجه لأن كل من توجّه إلى شيء واعتنى به فإنما يفعل ذلك بوجهه فأُطلقت كلمة الوجه بحقِّ الله لهذا السبب، ولكن علم الله ذاتيٌّ وهو محيط بكلِّ شيء بذاته. فوجْهُ الله ذاته، وإذا رُويت رواية عن الغلاة تخالف هذه الحقيقة فيجب عدم قبولها.

 

وفي هذه الزيارة أيضاً قول الزائر للإمام: أنت الصراط المستقيم، مع أن الإمام عليَّاً عليه السلام سالكٌ للصراط المستقيم وليس عين الصراط لأن الإمام يصلِّي على الأقلّ خمسين ركعة في اليوم ويقرأ في صلاته: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة:6]، فإذا كان الإمام ذاته الصراط المستقيم لما جاز أن يطلب من الله أن يهديه إلى نفسه. وحتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته كان هادياً للناس إلى الصراط المستقيم كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ الله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ [الشورى:52-53]. فخاتم النبيين ذاته صلى الله عليه وآله وسلم مرشدٌ للناس إلى الصراط المستقيم لا أنه هو ذاته الصراط المستقيم(95)!

 

وفي موضع آخر من الزيارة نقرأ: السلام عليك يا صفوة الله يا عمود الدين هذا في حين أن الاصطفاء خاصٌّ بالأنبياء، وعمود الدين - طبقاً لتعليمات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - هو الصلاة وإذا كان عمود الدين هو الإمام لزال ذلك العمود بوفاة الإمام!

 

وفي موضع آخر من الزيارة يقول الزائر للإمام: أتيتُك وافداً لعظيم حالك ومنزلتك عند الله وعند رسوله، متقرِّباً إلى الله بزيارتك طالباً خلاص نفسي من النار، متعوِّذاً بك من نار استحقَقْتُها بما جنيتُ على نفسي!!

 

وأقول: إذا كان كل من استحقّ نار جهنّم بسوء عمله يمكنه باللجوء إلى مخلوق آخر أن ينجو من عقاب الله، فلن يبقى هناك إذن أي معنى لخلق النار والجحيم ولا أي مفهوم للعقاب الإلهي. هذا إضافة إلى أن الله تعالى أمرنا في مواضع عديدة من كتابه الكريم أن نلجأ إلى الله، بل أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ذاته أن لا يلجأ إلا إلى الله. في أي موضع من القرآن أو السنة أُمرنا بأن نلجأ إلى مخلوق؟ أليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو القائل: سبحان الذي لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه(96) ويقول في دعاء آخر:

 

يا من لا مفزع إلا إليه، يا من لا يُستَعان إلا به، يا من لا يُرجى إلا هو، يا من لا منجا منه إلا إليه، يا من لا يصرف السوء إلا هو (دعاء الجوشن الكبير، الفقرات 38 و39 و90).

 

أولم يقرأ هؤلاء أدعية عليّ عليه السلام الذي كان يخاطب ربه متأسِّياً بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: إنه لا يأتي بالخير إلا أنت ولا يصرف السوء إلا أنت(97)

 

ويقول في دعاء آخر: لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه(98)،

 

ويقول مستلهماً من الآية 22 من سورة الجنّ الكريمة: اللهمَّ إنَّه لَنْ يجيرني مِنْكَ أحدٌ وَلَنْ أجدَ مِنْ دونكَ مُلْتَحَدَاً(99)،

 

ويقول مستلهماً من الآية 68 من سورة الفرقان المباركة: اللهم واجعلني من.... الَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهاً آخَرَ(100).

 

ويدعو حفيده الكريم حضرة الإمام الصادق عليه السلام مستلهماً من الآية 56 من سورة الإسراء المباركة فيقول: اللهم إنك عيّرت أقواماً في كتابك فقلت: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً؛ فيا من لا يملك كشف ضري ولا تحويله عنّي أحدٌ غيره صلّ على محمد وآله واكشف ضُرِّي(101).

 

أضف إلى ذلك أن الإمام عليّاً عليه السلام رحل عن هذه الدنيا الفانية وانتقل إلى دار البقاء ولم يعد موجوداً في عالم الدنيا حتى يلتجئ إليه ذلك المغالي، وقد اعتبر الإمامُ نفسَه - في وصيّته التي أوصى بها بعد أن ضربه ابن ملجم- فانياً مفارقاً فقال: أَنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ والْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وغَداً مُفَارِقُكُمْ إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي(102).

 

إن أولئك الغلاة يريدون بتلك الخرافات والكفريَّات أن ينقذوا أنفسهم من العذاب والحساب باسم ذلك الإمام الهمام الذي كان ذاته يتأوَّه من خشية الله ويخاف من عذابه، متخيِّلين بأنهم بعملهم بتلك البدع سيُصرف النظر عن جرائمهم!! فما أبطل خيالهم وما أبعد ما يتوهَّمون!

 

ويروي المجلسيُّ في الحديث رقم 15من هذا الباب [نقلاً عن كتاب فرحة الغريّ] بسنده عن صفوان الجمّال قال: لما وافيت مع جعفر الصادق (ع) الكوفة يريدُ أبا جعفر المنصور قال لي: يا صفوان! أنخ الراحلة فهذا قبر جدي أمير المؤمنين فأنختها، ثم نزل فاغتسل وغيَّر ثوبَه... وقال لي: قصِّر خطاك والق ذقنك الأرض فإنه يكتب لك بكل خطوة مائة ألف حسنة، ويمحى عنك مائة ألف سيئة، وترفع لك مائة ألف درجة، وتقضى لك مائة ألف حاجة، ويكتب لك ثواب كلّ صديق وشهيد مات أو قُتِل!!...(103).

 

لاحظوا أن ما ذُكر هو ثواب خطوة واحدة فمعنى ذلك أنه عندما سيصل إلى القبر سيكون له ثواب مليارات الصدِّيقين والشهداء!! هذا في حين أن حضرة أمير المؤمنين عليه السلام ذاته نال ثواب شهيد واحد لأنه استُشهد مرَّةً واحدةً، وجميع الأئمة عليهم السلام كانوا يسألون الله في أدعيتهم ثواب الشهادة في سبيله أي ثواب شهيد واحد. ومن الطريف أن رواية صفوان هذه يُفهم منها أنه لم يكن هناك أثرٌ مُشاهَدٌ للقبر حتى أخبره الإمام الصادق عليه السلام بأن هذه البقعة هي مكان قبر جدِّه، هذا في حين أن صفوان الجمّال ذاته يخبرنا في الحديث رقم 18 أنه سأل الصادق عليه السلام عن زيارة مرقد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: فقال: يا صفوان إذا أردت ذلك فاغتسل والبس ثوبين طاهرين ونل شيئاً من الطيب.... (إلى قوله):... فإذا تراءت لك القبة الشريفة فقل: الحمد لله على ما اختصني به... الخ (إلى قوله):... فإذا نزلت الثوية وهي الآن تل بقرب الحنانة عن يسار الطريق لمن يقصد من الكوفة إلى المشهد فصل عندها ركعتين.. الخ (إلى قوله):.. فإذا بلغت إلى باب الصحن فقل: الحمد لله..الخ (إلى قوله): ثم ادخل وقل: الحمد لله الذي أدخلني هذه البقعة المباركة... الخ... (إلى قوله)... ثم قبِّل العتبة وقدِّم رجلك اليمنى قبل اليسرى وادخل وأنت تقول: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله..الخ(104) وهذه الرواية تناقض الرواية السابقة لأنها تفيد أن القبر كان بناءً ظاهراً له صحنٌ وعتبةٌ وبابٌ [وطبعاً هذا ليس بصحيح]، فهذا يبيِّنُ كيف ينطبق على أولئك الكذّابين الوضّاعين المَثَلُ القائل: حبل الكذب قصير!

 

ومما جاء في هذه الزيارة أيضاً وصف حضرة الأمير عليه السلام بأنه خازن الوحي، وجاء فيها أيضاً أنه إذا دخلتَ المدينة فقل: اللهمَّ لبابك وقفتُ ولا ندري هل اعتبرَ بابَ المدينة بابَ الله أم اعتبر علياً عليه السلام بابَ الله؟!! وعلى كلّ حال فقد جعل لله باباً ثم قال: ثمّ امش حتى تقف على الباب في الصحن وقل.... يا مولاي يا أمير المؤمنين! عبدك وابن عبدك وابن أمتك!...(إلى قوله)... يا أمين ربّ العالمين وديّان يوم الدِّين هذا في حين أن عشرات الآيات القرآنية تنصُّ على أن أمين ربّ العالمين صفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ديَّان يوم الدِّين صفةٌ للحقِّ تعالى الذي يقول في كتابه: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله ﴾ [الانفطار:19].

 

ويتواصل متن الزيارة الطويل المليء بالعبارات المغالية حتى يصل إلى قول الزائر: السلام على ميزان الأعمال ومقلّب الأحوال هذا في حين أن ميزان الأعمال ومعيار الحق والباطل في الأفعال هو كتاب الله وقوانين شريعته وليس علياً عليه السلام، لأن الله تعالى يقول: ﴿ الله الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ﴾ [الشورى:17].

 

ونتساءل هنا: بأي ميزان ستُقاس أعمال الإمام عليّ عليه السلام والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إن كان عليٌّ ذاته هو الميزان، وكيف سيزن الميزان نفسه؟ أضف إلى ذلك أن الله تعالى جعل الكتاب السماوي المنزَّل على كل أمَّة ميزاناً لها وبيَّن أن كلَّ أمَّةٍ ستُدعى يوم القيامة إلى كتابها كما قال سبحانه: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية:28].

 

وأما عبارة مقلّب الأحوال التي وردت في الزيارة فهي خاصَّة بالله المتعال، أما الأنبياء والأولياء فلا يملكون تقليب أحوال أنفسهم فضلاً عن غيرهم، كما قال تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ الله ﴾ [الأعراف:188]، وكما أمر نبيه أن يقول: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ﴾ [الأحقاف:9]. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدري ما أحوال الآخرين؛ وبالتالي لا يمكنه تقليب أحوالهم، فكيف يستطيع الإمام ذلك؟ إن أحوال العباد بيد الله وحده وهم تحت نظر الله وهو وحده مقلّب القلوب والأحوال لا غيره. وقد قال تعالى لرسوله الكريم: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال:63]. إذن مقلّب القلوب ومقلّب الأحوال والمؤثر هو الله المتعال، ولا ندري لماذا يصرّ وضّاعو تلك الزيارات على إثبات صفات الله وأسمائه للإمام وجرّ الناس نحو الشرك؟

 

ثم نقرأ في تلك الزيارة السلام على شجرة التقوى، وسامع السِرِّ والنجوى، هذا مع أن هذه الصفة الأخيرة مختصَّةٌ - كما تنصُّ عديد من آيات القرآن - بالله تعالى وحده كما قال سبحانه: ﴿ وَهُوَ الله فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام:3]، ويقول: ﴿ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [البقرة:77] (البقرة: ٧٧ وهود: 5، والنحل: 23 ويس: 76)، يقول: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الملك:13] ويقول: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه:7] ويقول: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ الله عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ [التوبة:78].

 

فليت شعري هل عليٌّ عليه السلام هو الله - والعياذ بالله - حتى يعلم أسرار الناس وخفايا قلوبهم؟؟ لقد جاءت في نهج البلاغة نصوصٌ تبيِّن بوضوح أن عليّاً عليه السلام لم يكن بمقدوره أن يطَّلع على خيانات بعض أمرائه وقوَّاده إلا عن طريق عيونه وجواسيسه أو عن طريق رسائل الناس، كما كتب في رسالةٍ له يقول: أمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي...(105)، كما أنه عيَّن عُبَيد الله بن عباس والياً على البصرة فاختلس مبلغاً كبيراً من بيت المال فلمّا علم الإمام بذلك بكى على المنبر(106). كما أنه عيّن المنذر بن جارود لجمع الصدقات ولكنّه أخذ الأموال لنفسه والتحق بمعاوية(107)! فكتب له الإمام بعد اطلاعه على خيانته: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ وظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ وتَسْلُكُ سَبِيلَهُ فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً ولا تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً..(108)، وعيَّن أبا موسى الأشعري والياً على الكوفة فظهر أنه لم يكن موافقاً له ولم يخدم الإمام كما يجب! وعيَّن كميل بن زياد النخعي والياً على هيت فترك الدفاع عن المدينة ولم يدفع غارة جيش العدوِّ عليها بل سلَّمها دون مقاومة فكتب له الإمام رسالةً يذمُّه فيها ويوبِّخه على ذلك(109)، وعهد الإمام بولاية فارس إلى زياد بن أبيه فانقلب عليه وأصبح من أعوان معاوية وقام بقتل كثير من شيعة أمير المؤمنين!(110) وكذلك عيَّن مصقلة بن هبيرة عاملاً له على اردشير خُرَّة(111) ولكنه خان الأمانة وقام بتقسيم الفيء -أي بيت مال المسلمين- بين أقربائه!(112) وقام بعزل قيس بن سعد بن عبادة الذي كان من الرجال المجرِّبين المحنَّكين المحبِّين للإمام المخلصين له عن ولاية مصر تأثُّراً بوشاية بعض النمَّامين [التي تبيَّن كذبها فيما بعد]، وعيَّن مكانه ابنَه المُتَبَنَّى محمد بن أبي بكر الذي تبيَّن أنه لم يكن يمتلك التجربة والحنكة الكافية للتصدِّي لتلك المسؤولية وبالتالي سقطت مصر وخرجت من سلطة أمير المؤمنين.

 

هل يجوز أن نقول إن عليَّاً عليه السلام كان يعلم أن أولئك الأفراد المذكورين كانوا خَوَنَة أو لم يكونوا أهلاً للمسؤولية ورغم ذلك عيَّنهم الإمام في مناصب مهمَّة وبالتالي كان شريكاً لهم على نحو ما في خياناتهم؟! يجب أن نقول: معاذ الله إن الأمر ليس كذلك بكل تأكيد. إذن فما معنى تلك الأباطيل مثل عبارة سامع السر والنجوى التي جاءت في نص الزيارة؟

 

يجب أن نعلم أن جميع الأنبياء والمرسلين الذين رحلوا عن الدنيا لم يكن لهم نصوص زيارات وليس لهم الآن، ولكن المجلسيّ يقول في كتاب المزار من كتابه البحار في الزيارة رقم 18 أن علماء الشيعة كتبوا نص زيارة لزيارة آدم ونوح عليهما السلام، ولكنهم لم يكتبوا نصوص زيارات لزيارة صالح وهود وإبراهيم عليهم السلام، وأنه يجدر صياغة زيارة لهم! وفي رأيي أن هؤلاء السادة لم يكن عندهم عمل يشغلهم لذلك أخذوا يكتبون زيارات لكل من رحل عن هذه الدار!

 

وقد استشهد واضع الزيارة رقم 18 في معرض إثباته لشفاعة حضرة أمير المؤمنين (ع) بقوله تعالى: ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء:28]، ولم يدرِ أن الشفاعة في هذه الآية هي فعل الملائكة، علاوةً على أن الله تعالى جعل الشفاعة في هذه الآية موقوفةً على إذنه ورضاه وإرادته، ولا تتمّ بإرادة الملائكة والعباد لأنّ الله تعالى وحده الذي يعلم أحوال عباده وحقيقة أفعالهم، وقد اعتبر الإمامُ عليٌّ عليه السلام ذاته - في نهج البلاغة - تلك الآيةَ متعلقةً بشفاعة الملائكة(113)، فيبدو أن واضع تلك الزيارة لم يرَ نهج البلاغة، لأن مرجع الضمير في لا يشفعون في الآية ذُكِر قبلها لذا اعتبر الإمام علي تلك الآيات متعلقة بشفاعة الملائكة.

 

أضف إلى ذلك أن الإمام يقول عن يوم القيامة: فَلا شَفِيعٌ يَشْفَعُ ولا حَمِيمٌ يَنْفَعُ(114)، ويعتبر تقوى الله وطاعته هي الشفيع للإنسان يوم المعاد فقال: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ..فَإِنَّ تَقْوَى الله دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ...فَاجْعَلُوا طَاعَةَ الله شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ... وشَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ(115)، كما يعتبر القرآن الكريم هو الشفيع يوم القيامة لمن عمل به: وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ والهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ والمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ... واعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ(116). واعتبر في دعائه الله تعالى هو الشفيع وقال: والشافع لهم ليس أحد فوقك يحول دونهم(117). فبناء على كل ذلك فإن هذا الزائر الجاهل الذي يقول: فإن لي ذنوباً كثيرة ليس مصداقاً لقوله تعالى: لِمَنِ ارْتَضَى فعليه أن يذهب ويتوب من ذنبه.

 

وجاء في متن هذه الزيارة أيضاً مخاطبة أمير المؤمنين بعبارة: إنك تسمع كلامي وتردّ سلامي هذا في حين أننا أثبتنا في الصفحات الماضية أن هذه الجملة باطلة. ولقد ظن هؤلاء الجاهلون أن البشر (سامعون كل صوت) كمثل الله تعالى!! ولو سمع الأنبياء جميع الأصوات لخروا صعقى، كما حصل لموسى عندما سمع صوتاً من الجبل ﴿ وَخَرَّ موسَى صَعِقًا ﴾ (الأعراف:143)(118), وكان الأئمة عليهم السلام حالَ حياتهم، إذا كلّمهم عدّة أشخاص في وقت واحد يعجزون عن فهم كلامهم، فما بالك في ذلك بعد وفاتهم! وأساساً، إن صفة سماع كل الأصوات في وقت واحد من الصفات الخاصة بالله سبحانه كما جاء ذلك في كثير من الأدعية ومن جملتها دعاء الجوشن الكبير (الفقرة 99) حيث نقرأ: يا من لا يشغله سمع عن سمع، يا من لا يمنعه فعل عن فعل، يا من لا يلهيه قول عن قول، يا من لا يُغلِّطه سؤال عن سؤال، يا من لا يحجبه شيء عن شيء، ولا شك أن هذه الصفات لا يمكن أن نثبتها لأحد سوى الله عزَّ وجلَّ.

 

وفي الزيارة رقم 20 من هذا الباب نقرأ عبارة: إني عذت بأخي رسولك، هذا مع أن القرآن الكريم أوصانا مراراً أن نعوذ بالله وحده وأن لا نلجأ إلا إليه.

 

لقد جمع المجلسيُّ في كتابه هذا كلِّ زيارة رآها - في ظنه - حسنة العبارة مسجَّعة الكلمات، ومن جملة ذلك يقول بشأن الزيارة رقم 22: إنها زيارة مليحة ثم ينقل لنا زيارة من وضع الغلاة واختلاقهم، وفي الزيارة رقم 23 يأتينا بزيارة هي يقيناً من وضع النصارى أو المشبِّهة الذين يثبتون لله الأعضاء والجوارح، إذ نقرأ فيها مخاطبة الزائر للإمام عليٍّ (ع) بعبارة: باب الله وعين الله الناظرة ويده الباسطة وأذنه الواعية فاخترع واضع الزيارة لله تعالى عيناً ويداً وأذناً!!! ثم يقول في موضع آخر مخاطباً الإمام: السلام على الأصل القديم والفرع الكريم، السلام على الثمر الجنيّ. فهنا يصف واضع هذه الزيارة عليَّاً (ع) بما وصفت النصارى به المسيح بن مريم (ع) بأنه قديم وأنه ثمرة الخليقة!! ويبدو أن هذا الزائر يقول بتعدد القدماء ولا يدري أن مثل هذا القول شرك بإجماع علماء الإسلام!

 

المرجع الأعلى للشيعة الإمامية في عصره يأمر بإزالة هذه الزيارة الشركية:

سمعتُ أن المرحوم الشيخ محمد حسن النجفي(119) صاحب جواهر الكلام الذي كان من مراجع الشيعة الكبار دخل يوماً حرم أمير المؤمنين عليه السلام فرأى هذه الزيارة ذاتها معلَّقةً في الحرم، فاستدعى الخدّام وقال لهم: ارفعوا هذه الزيارة الشركيّة ومزِّقوها، فعملوا بأمره. لكن رغم ذلك قام الشيخ عباس القميّ - مع الأسف - بعد سنوات بإدراج هذه الزيارة الباطلة ضمن كتابه مفاتيح الجنان تحت عنوان الزيارة السادسة ووضعها تحت تصرّف العوام!!.

 

في هذه الزيارة عبارةٌ تصف الأئمَّة بأنهم مشرِّعو الأحكام وتقول: وعلى الأئمَّة الراشدين الذين فرضوا علينا الصلوات! هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ [الكهف:26]، ويقول: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله ﴾ [الأنعام:57]، ويقول: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ﴾ [الشورى:13] حيث يرجع الضمير المستتر لفعل شَرَعَ لَكُمْ إلى الله الذي ذُكِرَ في الآية التي قبلها. وقال سبحانه أيضاً: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله ﴾ [الشورى:21]، وبناءً عليه فإن التشريع وفرض الأحكام خاصٌّ بالله تعالى ولا يحقُّ لأيِّ إمام أو حاكمٍ أن يشرع للبشر أحكاماً بوصفها ديناً.

 

وفي هذه الزيارة أيضاً عبارة تصف عليَّاً عليه السلام بأنه شجرة طوبى وبأنه سدرة المنتهى وبأنه آدم ونوح وعيسى وموسى!! ويبدو أن واضعَ تلك الزيارة كان يعتقد أن الإمامَ هو عينُ كلِّ شيء! كما يعتقد ذلك أصحاب وحدة الوجود الذين يتصوَّرُون أنَّ الله عينُ الخلقِ والخلقَ عينُ الخالقِ! وبالتالي عليٌّ هو موسى ذاته، وموسى هو عليٌّ والعياذ بالله من هذه الضلالات والخرافات.

 

وفي هذه الزيارة أيضاً عبارة: السلام على حبل الله المتين هذا مع أن الإمام عليّاً عليه السلام ذاته اعتبر مراراً أن حبل الله المتين هو القرآن الكريم، وقال في ذلك: وعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ الله فَإِنَّهُ الحَبْلُ المَتِينُ..(120) وقال: وَ إِنَّ الله سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ الله المَتِينُ...(121) فالإمام يعتبر القرآن الكريم حبل الله المتين الذي يجب على الإمام ذاته كما يجب على جميع المسلمين أن يتمسَّكوا به ويعتصموا به(122). ولكن واضع تلك الزيارة لفّق كل ما أراد ولو كان مخالفاً لكتاب الله ومخالفاً لكلام أمير المؤمنين عليه السلام ذاته! ومن هنا ندرك مقدار إيمان أمثال هؤلاء الغلاة بكلام عليٍّ عليه السلام وحقيقة دعوى محبتهم له وتعلّقهم بالأئمَّة عليهم السلام.

 

[التلاعب بمعـاني بعـض آيات القرآن](123):

قال الله تعالى في وصف عظمة القرآن: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الزخرف:3-4]، فلاحظوا أن صفتي العَليّ والحكيم هما في تلك الآية للقرآن الكريم، ولكن واضع الزيارة حرّف معاني القرآن وجعل هاتين الصفتين خاصَّتين بالإمام عليّ عليه السلام فقال: السلام على صاحب الدلالات الذي ذكر الله في محكم الآيات فقال تعالى وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ! فانظروا كيف يتلاعب هذا الوضّاع بمعاني آيات القرآن لتحقيق هدفه وكيف جعل العَليّ والحكيم اللتان هما صفتان للقرآن صفتين أو اسمين لعليّ بن أبي طالب عليه السلام!

 

[رحمة الله تعالى وكرمه هي الشفيع المستشفع به في أدعية الأئمّة الكرام]:

والطريف أنه رغم كل هذه الأباطيل المخرِّبة للإسلام فإن هذا الزائر يطلب الشفاعة!! وإني أتصوّر أنْ لو كان الإمام عليٌّ عليه السلام حياً وقال لأمثال هؤلاء الغلاة: إن الشفاعة لله وحده ولا أملكها أنا كما أنها ليست باختياركم ورغبتكم، لعادَوْهُ وخالفوه! ذلك لأنهم اخترعوا لأنفسهم شفاعةً تخلِّصهم من كلِّ ذنب وتسهِّل عليهم ارتكاب المعاصي، في حين أن الأئمة عليهم السلام لم يكن لهم مثل هذا الادّعاء، وقد كان عليٌّ عليه السلام يقول في دعائه: وَقَدْ رَجَوْتُ مِمَّن تَوَلّانِي بِإحْسَانِهِ أَنْ يَشْفَعَ لِي عِنْدَ وَفَاتِي بِغُفْرَانِهِ(124)، ويقول في دعاء كميل: اللهمَّ إنِّي أتقرَّبُ إليكَ بِذِكْرِكَ وَأَسْتَشْفِعُ بِكَ إلى نَفْسِكَ..، ويقول في دعاء آخر من أدعيته عليه السلام: أنت الأول قبل خلقك والآخر بعدهم والظاهر فوقهم.... والدافع عنهم والشافع لهم، ليس أحدٌ فوقك يحول دونهم وفي قبضتك منقلبهم ومثواهم(125)، فنلاحظ أن الإمام عليه السلام يعتبر الله تعالى شفيعَهُ. وكذلك يقول حضرة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين عليه السلام في دعائه: وإن شَفَعْتُ فلستُ بأهل الشفاعة. اللهم صلِّ على محمدٍ وآله وشفِّعْ في خطايايَ كرمكَ.... اللهم لا خفير لي منك فليخفُرْني عزُّكَ ولا شفيع لي إليكَ فلْيَشْفَعْ لي فضلُكَ...(126)، ويقول أيضاً: لا شفيعَ يشْفَعُ لي إليكَ... ولا ملاذ ألجأُ إليهِ منكَ..(127).

 

لو كان أولئك الغلاة الوضّاعون لنصوص الزيارات مؤمنين حقاً بالقرآن الكريم ومحبِّين حقاً للأئمَّة عليهم السلام لما وضعوا تلك العبارات المغالية التي لا تفيد إلا في تقوية مذاهب الباطنية والشيخية والصوفية الغلاة، وتقديم أدلة يستشهدون بها على إثبات عقائدهم المنحرفة. وللأسف الشديد إن أكثر الناس لا يعلمون أن تلك الزيارات موضوعة ومخالفة للقرآن، وقد تضمَّنت الزيارةَ التي نحن في صددها كلَّ ما وضعه الغلاة في أوصاف عليّ عليه السلام ومن جملة ذلك أنه جاء فيها: السلام على المولود في الكعبة المزوَّج في السماء!.

 

[قصَّة ولادة الإمام عليّ عليه السلام داخل الكعبة المشرَّفة]:

موضوع ولادة أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام داخل الكعبة المشرَّفة الذي ذُكر في هذه الزيارة يقتضي منَّا شيئاً من التوضيح كي يطّلع القرَّاء الكرام على حقيقة الأمر، ويدركوا أن كلَّ روايةٍ أو زيارةٍ ذَكَرَتْ هذا القضيَّة ليست من كلام إمامٍ بل من وضع الكذّابين:

 

فاعلم أن قصَّة ولادة عليٍّ عليه السلام داخل الكعبة أحد مصاديق رُبَّ مشهورٍ لا أصل له، إذْ ليس لها أساسٌ محكمٌ يُعتمدُ عليه، ولا ريب أن لأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام الكثير الكثير من الفضائل والخصال الرفيعة والمناقب العالية الصحيحة، مما يغنيه عن اختلاق فضائل مصطنعة له.

 

رغم أن علماء من أمثال ابن عبد البرّ القرطبيّ في كتابه الاستيعاب في معرفة الأصحاب وابن حجر العسقلانيّ في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة والبخاري ومسلم ذكرا في الباب المختص بمناقب علي بن أبي طالب الكثير من فضائل ومناقب وامتيازات أمير المؤمنين عليه السلام إلا أن أحداً منهم لم يُشِر إلى هذه القضية على الإطلاق، حتى ابن أبي الحديد الذي لا شبهة في شدّة علاقته ومحبَّته لأمير المؤمنين عليه السلام يقول في شرح نهج البلاغة (ج1/ص5): واختُلِف في مولد عليٍّ عليه السلام أين كان؟ فكثيرٌ من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة، والمحدِّثون لا يعترفون بذلك، ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قُصَيّ. ولا شكَّ أنه لو كان لهذه القصة سندٌ معتبرٌ صحيحٌ لما توقَّف ابن أبي الحديد في ذكرها وإثباتها.

 

ورغم أن الشيخ الكلينيّ ذكر في باب مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه من كتابه الكافي أن علياً عليه السلام كان أول مولود من أبوين هاشميَّين إلا أنه لم يُشِرْ أي إشارة إلى ولادة الإمام داخل الكعبة.

 

وقد جمع العلامة المجلسيُّ في كتابه بحار الأنوار، في الجزء المختص بالإمام عليٍّ (ع) في باب تاريخ ولادته وحليته وشمائله صلوات الله عليه ثمان وثلاثين روايةً تذكر الروايتان 12 و13 منها أنه وُلد في بيت أبي طالب، في حين لا تذكر الرواية 18 والروايات من 22حتى 25 ومن 27 حتى36 أيِّ شيء عن ولادة الإمام داخل الكعبة رغم أنها تتحدَّث عن جميع فضائله ومناقبه عليه السلام.

 

أضف إلى ذلك أنه لو صحّت قصة ولادة عليّ (ع) داخل الكعبة لنقلها الكثيرون من أهل مكة سوى يزيد بن قعنب المشرك الراوي الوحيد لهذه القصَّة، ولما أُهمل ذكرُ هذه المنقبة في الأحاديث التي تبيِّن مناقب وفضائل الإمام عليه السلام ولاستند إليها العلويون وأولاد أحفاد عليّ (ع) في مواجهة خصومهم.

 

وعلى كل حال سنذكر هنا روايتين من روايات بحار الأنوار طبقاً للترجمة التي قام بها الحاج الشيخ عباس القميّ، وإذا راجع القارئ الروايات الأخرى حول ولادة عليّ (ع) التي ذكرها المجلسيُّ في البحار لما وجد فيها حديثاً أفضل من هاتين الروايتين:

 

أما الرواية الأولى فتقول: كنتُ جالساً مع العبَّاس بن عبد المطلب وفريق من بني عبد العزَّى بإزاء بيت الله الحرام إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام وكانت حاملةً به لتسعة أشهر، وقد أخذها الطلق، فقالت: ربِّ إني مؤمنةٌ بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدِّقةٌ بكلام جدِّي إبراهيم الخليل، وإنه بَنَى البيتَ العتيقَ، فبحقِّ الذي بَنَى هذا البيت وبحقِّ المولود الذي في بطني لما يسَّرْتَ عَلَيَّ ولادتي. قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن أبصارنا، والتزق الحائط، فرُمْنا أن ينفتح لنا قُفْلُ الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمرٌ من أمر الله عزَّ وجلَّ، [فَبَقِيَتْ في البيت ثلاثة أيام] ثم خَرَجَتْ بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين عليه السلام ثم قالت: إني فُضِّلْتُ على من تقدَّمني من النساء لأنّ آسية بنت مزاحم عَبَدَت الله عزَّ وجلَّ سرَّاً في موضع لا يحبُّ أن يُعبَدَ الله فيه إلا اضطراراً، وإن مريم بنت عمران هزَّت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رُطباً جنيّاً، وإنِّي دخلتُ بيت الله الحرام فأكلتُ من ثمار الجنّة وأرواقها(128)، فلمّا أردتُ أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة! سمِّيه عليَّاً فهو عليٌّ، والله العليُّ الأعلى يقول: إني شَقَقْتُ اسمَه من اسمي، وأدبتُه بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذِّن فوق ظهر بيتي، ويُقدِّسُني ويُمجِّدُني، فطوبى لمن أحبَّه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه.(129).

 

يقول الشيخ عباس القمي في كتابه منتهى الآمال: وفي بعض الروايات أنه لما ولد عليٌّ عليه السلام أخذ أبو طالب بيد فاطمة - وعليٌّ على صدره - وخرج إلى الأبطح ونادى:

 

يا رب! يا ذا الغسق الدجي 

 والقمــر المبتلــج المضــي

بيِّنْ لنا من حكمك المقضيّ

ماذا ترى في اسم ذا الصبي

 

قال: فجاء شئ يدبُّ على الأرض كالسحاب، حتى حصل في صدر أبي طالب فضمَّه مع عليٍّ إلى صدره، فلمّا أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب:

 

خصصتـما بالولـد الزكــيّ

والطاهــر المنتجــب الرضــيّ

فاسـمـه مـن شـامخ علـيٌّ

علـيٌّ اشــتــُقَّ من العلــــيّ

 

قال: فعلَّقُوا اللوح في الكعبة وما زال هناك حتى أخذه هشام بن عبد الملك(130)، فأنزله من هنالك، ثم فُقِدَ!(131).

 

لاحظوا أن هذه الأسطورة (أرى من الحيف أن تُسَمَّى أمثال تلك الروايات حديثاً) تذكر أنه قبل نزول الوحي على النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كانت زوجة عمّه تعرف كثيراً من الأنبياء والأولياء الذين ذُكروا في القرآن وكانت مطَّلعة على الأخبار التي وردت في كتاب الله [كقصة امرأة فرعون المؤمنة ومريم ابنة عمران]، هذا مع أن القرآن الكريم يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول أخبار الأنبياء السابقين: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [هود:49]. والإشكالات الواردة على الرواية كثيرة نكتفي بما ذكرناه.

 

والنقطة الأخرى هي أن رواة الأحاديث التي أوردها المجلسيُّ في بحار الأنوار حول ولادة عليّ (ع) في الكعبة هم أشخاصٌ من مثل: محمد بن فضيل والمفضّل والأسدي والنخعي الذين وُصفوا في كتب الرجال بأنهم من الغلاة والضعفاء والملعونين والكذابين الذين يضعون الحديث، أو رواةٌ مجهولو الحال مثل: زكريا بن يحيى وعبد الله بن محمد، أو رُويت تلك الروايات عن أفراد مهملين ليس لهم أي ذكر في كتب الرجال مثل: أبو حبيبة وعمرو بن الحسن القاضي وأحمد بن عمر الربيعي (الربيقي) وأحمد بن محمد بن أيوب، أو عن أشخاص مثل: سهل بن أحمد الذي ضعّفه الشيخ الطوسي وقال عنه بن الغضائري: ضعيفٌ وضّاعٌ للحديث يروي عن المجاهيل، وأمثال محمد بن سنان الذي قال عنه الشيخ المفيد في رسالة جوابات أهل الموصل في العدد والرؤيا(132): وهذا الحديث شاذ، نادر، غير معتمد عليه، طريقه محمد بن سنان، وهو مطعونٌ فيه، لا تختلفُ العصابةُ في تُهْمَته وَضَعْفه، وما كان هذا سبيلُهُ لم يُعْمَلْ عَلَيْهِ في الدِّين.

 

وقد جمع الأستاذ قلمداران رحمه الله في كتابه حول الزيارة ما ذَكَرَتْهُ كُتُبُ الرجال المعتبرة حول هذا الراوي محمد بن سنان فقال:

 

ألف) يقول النجاشي في رجال (ص252): هو رجلٌ ضعيفٌ جداً لا يُعَوَّل عليه، ولا يُلتفت إلى ما تفرّد به.

 

ب) ويقول ابن الغضائري عنه: محمد بن سنان غالٍ لا يُلتفت إليه.

 

ج) ويقول الشيخ أبو عمرو الكشيّ في رجال (ص332): عن أيوب بن نوح أنه كان يقول: لا أستحلّ أن أروي أحاديث محمد بن سنان. وفي الصفحة 427 يقول: روى حمدويه بن نصير عن أيوب بن نوح أن محمد بن سنان قال حين وفاته: كل ما حدثتكم به لم أسمعه من أحد بل وجدته!.

 

د) وقال ابن داوود في رجاله (ص505) بعد ذكره لمحمد بن سنان في قسم الضعفاء: إن محمد بن سنان كان يقول: لا تَرْوُوا عنِّي مما حدثتُ شيئاً، فإنَّما هي كُتُبٌ اشتريتُها من السوق! ثم قال: والغالب على حديثه الفساد وعلماء الرجال متَّفِقُون على أنه من الكذَّابين..

 

علاوةً على كل ذلك، فإن روايات ولادة الإمام عليّ (ع) في بحار الأنوار ضعيفة ومفضوحة ومتناقضة إلى درجة جعلت المحقِّق المحشيِّ لكتاب البحار الأستاذ محمد باقر البهبودي يقول معترفاً، بعد محاولاته الجمع بين الروايات المتعارضة والمتخالفة المنقولة في هذا الصدد:

 

وأمّا اختلاف المتون في تلك الأخبار فلا يخفى على الباحث الخبير أن جيلاً من العلماء والرواة لما رأوا فيما مضى من الزمان إقبال الناس إلى القصص والأساطير صنَّفوا في تاريخ النبيِّ والأئمَّة عليهم السلام وغير ذلك كتباً على مذهب القصَّاصين من الحكماء فكانوا يأتون إلى حديث صحيح في قصة ساذجة لا تزيد على خمسة أبيات فيجعلونها أكثر من خمسين بيتاً. فترى واحدهم يصوِّرُ قصَّةَ ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وزواجه بخديجة (كأبي الحسن البكري في كتاب الأنوار) فيصورها بما يقدر عليه من الفصاحة والبلاغة وإيراد الشعر والقافية ويزيِّنه ويزيد عليه ما تلهم إليه قوَّةُ الخيال والذوق الشريف الأدبي من الصور العجيبة التي تناسب عبقريته. ومن ذلك قصص ولادة علي عليه السلام كما أثبتها المصنف قدِّس سرُّه من الروايات فترى أحدهم يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله (قابلةً) لولادته والآخر يجعل ولادته عليه السلام في ذي الحجة ليخترع وجهاً لطيفاً في تسمية (يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر)، وآخر يأتي بقصّة مثرم بن رغيب بن الشيقنام؟!! وآخر يخترع له عليه السلام أسامي عجيبة عند كل فريق. فهذا وأمثاله من تزيينات القصَّاصين وإنّما صوَّروها وصنَّفوها لغرضٍ خالصٍ ونيَّةٍ صالحةٍ فلهم الأجر، ومكتبهم هذا هو المكتب الذي تبعه علماء الغرب وأدبائهم في عصرنا هذا لجلب العامة إلى الحقائق التاريخية وسمُّوه رومانتيسم!(133).

 

[عبارات أخرى من الغلوّ في الإطراء]

نعود إلى عبارات الزيارة رقم (23) حيث جاء فيها: السلام على من شَرُفت به مكَّة ومنى!! هذا في حين أن الإمام نفسه كان يذهب إلى زيارة الكعبة لنيل الثواب وكسب الدرجات وكان أبناؤه الكرام يذهبون ماشين على أقدامهم إلى مكة لنيل الشرف بزيارتها والطواف في الكعبة المشرفة، وقام إبراهيم الخليل (ع) برفع قواعد البيت لكسب الثواب والتقرّب إلى الله فأثنى الله عليه بقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة:127]. هذا وقد قال الله تعالى كذلك: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج:32]، فأوجب على جميع خلقه بما في ذلك النبيّ والإمام والمأموم أن يعظِّموا شعائر الله. ومناسك الحج والذهاب إلى مكة والتطواف بن الصفا والمروة من شعائر الله ومن تشريع رب العالمين لا من تشريع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ [الحج:36]، وقال: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله ﴾ [البقرة:158]، وبالتالي فقد كان تعظيم شعائر الله وأدائها واجباً على أمير المؤمنين (ع) أيضاً، ولا يوجد مسلم يقلِّل من شأن تلك الشعائر سوى وضّاعي متون أمثال هذه الزيارة الغلاة مجهولي المذهب!!

 

ثم جاء في هذه الزيارة: السلام على من رُدّت له الشمس فقضى ما فاته من الصلاة وقد سبق أن بينَّا بطلان هذه القصة فراجعه(134). ونضيف هنا أن واضع هذه الزيارة لم يفكِّر جيّداً فيما يقوله إذْ قال: فقضى ما فاته من الصلاة بدلاً من أن يقول فأدى ما فاته من الصلاة لأن الشمس -حسب ادعائه- قد عادت وعاد وقت العصر وكان الهدف من كل تلك المعجزة المزعومة أن يؤدِّي عليٌّ الصلاةَ في وقتها، وإلا فإذا كان الشأن أن يصليها رغم ذلك قضاءً لما كان هناك حاجة لكل تلك المعجزة الكونية الخارقة!! فلاحظ كيف أن هؤلاء الوضّاعين لم يكونوا يفكرون فيما يضعونه من ألفاظ ولا ينتبهون إلى أن العبارات التي يضعونها لا تؤدِّي حتى مقصودهم!

 

وتواصل الزيارة عباراتها المغالية المخالفة للقرآن فتقول: السلام على من عنده تأويل المحكم والمتشابه وعنده أم الكتاب!! هذا مع أنّ الله تعالى بيَّن أن موضوع التأويل خاصٌّ بالآيات المتشابهات فقط أما هذا الراوي الغافل فقد أدخل المحكم في موضوع الآيات التي تحتاج إلى التأويل أيضاً!! أضِفْ إلى ذلك أنه تعالى - في القرآن - حصر العلم بتأويل المتشابهات بذاته الأحَديَّة فقال ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا الله ﴾، وهذا هو ما فهمه الإمام عليّ عليه السلام نفسه أيضاً من الآية فحصر تأويل المتشابهات بالله وحده فقال: واعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ المَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الإقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ المَحْجُوبِ فَمَدَحَ الله تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً(135)، إذْ يشير الإمام في خطبته هذه إلى الآية الكريمة من سورة آل عمران التي تقول: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران:7]، ويصرِّح بأن الراسخين في العلم أيضاً يقرّون بعجزهم عن تأويل المتشابهات وَيَكِلُونَ علمها إلى العالِم بالغيب المحجوب، وقد أوضحتُ هذه المسألة في كتابي تابشى از قرآن (أي شعاع من القرآن).

 

ويقول الحق تعالى في وصف ذاته: ﴿ يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد:39]، ولكن واضع تلك الزيارة يقول عن الإمام: عنده أم الكتاب! متجاهلاً كلام الله سبحانه.

 

وكذلك جاء في الزيارة عبارة: السلام على النبأ العظيم حيث اعتبر أن عليَّاً عليه السلام هو النبأ العظيم متلاعباً بمعاني ألفاظ القرآن، لأن سورة النبأ مما نزل في مكة وهي تشير إلى موضوع القيامة التي كان المشركون مختلفون حولها ويتساءلون عنها وكان عديدٌ منهم ينكرها فقال تعالى: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ [النبأ:1-4]، ثم بيَّنت الآيات التالية من السورة ذلك الأمر الذي كانوا يتساءلون عنه فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ [النبأ:17-18]. وهذا المعنى أكّدته آيات أخرى من القرآن كقوله سبحانه: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ [ص:67-68]، ولا بد من أن ننتبه إلى أن سورة النبأ مكية ولم يكن أحدٌ يختلف في مكَّة حول عليّ عليه السلام حتى يقول عنه سبحانه: ﴿ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ [النبأ:3]!.

 

علاوةً على ذلك فإن عليَّاً عليه السلام ذاته يقول في دعائه -كما جاء في دعاء يوم الاثنين في الصحيفة العلويَّة -: الحمدُ لله الذي عرَّفني النَّبأ العظيم....، مما يبيِّن أن واضعي تلك الزيارات لا علم لهم بالقرآن ولا بكلام أمير المؤمنين عليه السلام.

 

[قصّة الثعبان الذي كلّم أمير المؤمنين (ع) في مسجد الكوفة]

ثم جاء في الزيارة عبارة: السلام على مُخَاطَبِ الثعبان على منبر الكوفة، وفي هذا إشارة إلى قصَّة من وضع الغلاة تقول إن ثعباناً دخل مسجد الكوفة عدّة مرات ورفع رأسه وكلّم عليّاً (ع). وليت شعري كيف لم يقل أحد لهذا الخُرافيّ: لماذا لم يقم بعض أهله الكوفة أو مسلّحيها بالهجوم على ذلك الثعبان لمَّا دخلها بل تركوه يسير بحريَّة حتى يدخل المسجد؟ هل كانوا يعلمون أن في نيته تكليم عليّ (ع)؟! وكيف لم يخف أحد في المسجد منه ولم يختلّ النظام في المسجد بسببه؟ أضف إلى ذلك أن عصا موسى التي تحوَّلت إلى ثعبان مرَّة أو مرَّتين أحدثت كل تلك الضجَّة في الدنيا وأدَّت إلى إيمان عدد من الناس، أما هذا الثعبان فلم ينقل أحد خبر تكليمه لعليّ عليه السلام سوى هذا الوضّاع للزيارات الغالي في دينه! وثانياً لماذا يكلّم الثعبان عليَّاً وما فائدة ذلك؟ وأساساً مع وجود معجزة القرآن الكافية والخالدة الباقية ليس هناك حاجة لمعجزة أخرى، لذلك نجد أن القرآن الكريم يبيِّن لنا في سورة الإسراء أن المشركين عندما طلبوا من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم معجزات خارقة كأن يفجر لهم الأرض ينبوعاً أو يُسقط عليهم السماء كسفاً أو يرقى إلى السماء...الخ أجابهم الرسول قائلاً: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ﴾ [الإسراء:93] ولسان حاله يقول أنا لستُ بقادر على هذه الخوارق وهي في قدرة الله وحده ولكنه تعالى منزّه عن فعل ما هو لغو وباطل إذ إن المعجزة متحققةٌ بالقرآن، فإن كان أولئك القوم صادقون في طلبهم الحقيقة فعليهم أن يعودوا إلى القرآن ويتدبّروا آياته.

 

[ليس لله خليفةٌ لأنه تعالى لم يَغِـبْ حتَّى يخلفه أحد]

ونقرأ أيضاً في الزيارة رقم (23) من هذا الباب عبارة: السلام على أمين الله في أرضه وخليفته هذا مع أنه ليس لله خليفةٌ لأن الخليفةَ هو الذي يخلف من غاب أو مات والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك. أضف إلى ذلك أن الله تعالى لا يحدّه مكان حتى يخلفه شخص ويقوم مقامه إذْ لا يمكن لمخلوق أن يقوم مقام الله أو يفعل أفعاله، أما قوله تعالى للملائكة: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة:30] فالمقصود خليفة السابقين من المخلوقات ولم يقل تعالى خليفة لي أو خليفتي. وقد فَهِمَ الملائكةُ المخاطبون بذلك الكلام المعنى جيداً وهو أن الله تعالى يريد أن يُوجِدَ مخلوقاً جديداً يخلف المخلوقات أو الآدميين السابقين الذين أُهلكوا بعد أن كانوا مفسدين في الأرض سفّاكين للدماء كما جاء في تتمَّة الآية: ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [البقرة:30]، وإلا فإن خليفة الله ليس بسفّاك ومفسد والله تعالى لا يختار لخلافته كائناً سفّاكاً ومفسداً. وبالطبع قد تكون أمَّةٌ بأجمعها خليفة لأمة سابقة، لكن لا أحد يكون خليفةً لله كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ﴾ [الأنعام:165]. وخليفة الله - إن وُجد على فرض المحال- لا يكون كافراً في حين أن الله تعالى يقول: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ ﴾ [فاطر:39]، وفي وصيته للإمام الحسن (ع) اعتبر الإمام عليّ (ع) نفسَه: خليفة الأموات.

 

[المعجزات فعل الله تعالى لا فعل البشر]

ونقرأ في هذه الزيارة أيضاً: السلام على صاحب المعجزات القاهرات والمُنْجِي من الهلكات! ويبدو أن واضع الزيارة لم يقرأ في القرآن قول الله تعالى لرسوله بما معناه: إنك لا تملك أن تأتيهم بمعجزات لأن المعجزة فعلُ الله لا فعل البشر(136). وفي الإجابة عن مطالبة الذين كانوا يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم بآية - وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يميل إلى ظهور معجزات غير القرآن كي يؤمن بعض المعاندين - قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأنعام:35]، ويقول: ﴿ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:37]. والأوضح من ذلك أن القرآن هو المعجزة والله تعالى هو الذي أوجده وأنزله على نبيه لذا قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9]، وقال: ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة:23]. ولو اجتمع جميع الأنبياء لما استطاعوا أن يأتوا من عندهم بسورة من مثله. ويقول سبحانه في سورة الإسراء عن معجزة سيدنا صالح (ع): ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ﴾ [الإسراء:59]، وقال بشأن معجزة إبراهيم: ﴿ قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء:69]. وبالتالي فهذه المعجزة لم تكن من صنع إبراهيم. وكذلك لما رمى سيدنا موسى (ع) العصا وتحوّلت إلى ثعبان خاف منها وفرّ هارباً ولو كانت من صنعه لما خاف منها لذا قال الحق سبحانه: ﴿ قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى ﴾ [طه:21]. وإذا نُسبت المعجزات إلى الأنبياء عليهم السلام فذلك لأن الله أوجدها بدعائهم تصديقاً لنُبُوَّتِهم. فدورهم هو الدعاء فقط. وبمثل ذلك نرى أن سيدنا عيسى (ع) كان يدعو فيحوّل الله تعالى هيئة الطير الطينية إلى طير حقيقي أو يحيي الموتى كما قال سبحانه: ﴿ وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ الله ﴾ [آل عمران:49].

 

والمفارقة أن العلامة المجلسيُّ ذاته الذي أورد تلك الزيارات المليئة بالعبارات الخرافية بيِّنة الغلوّ، ذكر في باب نفي الغلو في المجلد السابع من الطبعة القديمة لبحار الأنوار عن الإمام الرضا (ع) أنه قال: لم تكن المعجزات فعل الأنبياء بل فعل الله، فيا ليت وضاعي تلك الزيارات الذين يدّعون حبّ الأئمة عليهم السلام ذهبوا وقرؤوا كلمات الإمام الرضا عليه السلام كي لا يخترعوا معجزات ينسبونها إليه.

 

إضافةً إلى مخالفتها للقرآن الكريم فإن كلمات هذه الزيارات تخالف العقل أيضاً لأن الخالق الذي أوجد قوانين الطبيعة والعلل والمعلولات والأسباب والمسبّبات هو وحده القادر على خرق الطبيعة وإبطال مفعول العلل كإزالته أثر الحرارة للنار وتحويلها برداً وسلاماً، فهو خالق كل شيء سواء كان ذلك ناقة صالح (ع) أم إلانة الحديد لداود (ع). فكل المعجزات التي ينسبها الغلاة إلى الأئمة [أي إلى فعلهم] مخالفة للقرآن وليس لها مستند قرآني وموضوعةٌ مكذوبةٌ وهي مثل كل المعجزات التي تنسبها كل فرقة من الفرق الموجودة في الدنيا إلى قادتها ومرشديها. فلو لاحظنا مثلاً كتاب تذكرة الأولياء للشيخ فريد الدين عطّار النيشابوري لرأيناه ينسب إلى الشيوخ المرشدين الصوفية عشرات المعجزات(137)!!

 

وللأسف لهذه الخرافات مؤيدون متعصبون لها في مجتمعنا وكلما أراد أحد -مثل راقم هذه السطور- أن يخلّص الناس منها ويوعّيهم إلى بطلانها عاداه أولئك المتعصبون وكالوا له آلاف التهم بل هددوه في نفسه وماله وعرضه. ولكننا لما رأينا أن العقلاء لا يمكن أن يقبلوا بدين خرافيٍّ، وأن كثيراً من الشباب المثقفين خريجي الجامعات يتصوَّرون أن الدين هو هذه الخرافات ذاتها فينفرون منه ويتَّجهون نحو التيَّارات الإلحادية، رأينا من الضروري أن نبيِّن حقائق الدين وأن نتحمَّل في هذا السبيل كلَّ الأذى الذي يُوقِعُهُ بنا المتاجرون بالدِّين الذين يروِّجُون الخرافات التي تُرضِي العوام، محتسبين الأجر عند الله تعالى فليفعل أصحاب الحوانيت المذهبية بنا ما يشاؤون فإن العاقبة لأهل التقوى واليقين.

 

ونقرأ في هذه الزيارة أيضاً: والمنجي من الهلكات الذي ذَكَرَه الله في محكم الآيات وهذا افتراء واضح على الله، لأنه تعالى لم يذكر في آياته أبداً أن أحداً غيره منجٍ من الهلكات وواضع هذه الزيارة لم يستح من الله تعالى الذي بيّن أنه هو الذي كان دائماً المنجي لعباده لا غيره كما قال تعالى مثلاً: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود:58]، وقال: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ [هود:66]، وقال كذلك: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ [طه:40]، وقال تعالى عن نوح: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ [الصافات:76]، واعتبر ذاته الأحدية منجياً لجميع الأنبياء والمؤمنين فقال: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس:103]، ومثلها كثير من الآيات الأخرى.

 

وفي رأي هذا العبد الفقير لقد كان المسلمون نائمون وكان هؤلاء الغلاة المنافقون مستيقظين ودسّوا في كتب الإسلام مطالب مخالفة للقرآن على قدر ما استطاعوا تحت اسم الحديث والزيارة والأدعية كي يسوقوا الناس نحو الشرك. والواقع أن وضع الحديث ابتدأ منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتواصل منذ ذلك الحين كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ولَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ(138).

 

أجل، إن هذا الغلوّ له سوابق ترجع إلى ألف عام ماضية. وهنا قال السيد ابن طاووس ومقلّدوه: صلّ ركعتين لكلّ من سيدنا آدم وسيدنا نوح وسيدنا عليّ فيكون المجموع ست ركعات! وليت شعري ألم يكن في القوم من يسأله ما هو دليلك على مشروعية هذه الصلوات؟! وهل يجوز للسيد ابن طاووس أن يحثّ الناس على عبادات دون أن يأتيهم بالدليل على مشروعيتها واستحبابها؟ ثم يروي بعد ذلك ناسباً إلى الإمام الصادق عليه السلام قوله: إنَّ كلَّ من قرأ هذه الزيارة - (التي رأينا مقدار امتلائها بالعبارات الشركية المضادّة للقرآن)- قُبِلَتْ زيارته وشفعته في مسألته بالغاً ما بلغ وأعطيته سُؤْلَه!. وكل هذا الكلام مخالف لكتاب الله، فهل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاضي الحاجات ومعطي المسائل؟ إن القرآن الكريم حصر كل هذه الأمور بالله وحده، وكذلك دعاء الجوشن وبعض الأدعية الصحيحة الأخرى [مثل أدعية الصحيفة السجادية والصحيفة العلوية وما جاء في نهج البلاغة] حصرت كل تلك الأوصاف بالله وحده، وفي هذا يقول الإمام عليّ عليه السلام بأفصح بيان:

 

وأَخْلِصْ فِي المَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ والْحِرْمَانَ..... واعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وتَكَفَّلَ لَكَ بِالإجَابَةِ وأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ ولَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ ولَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ ولَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ... ولَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً وحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً وحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً وفَتَحَ لَكَ بَابَ المَـتَابِ وبَابَ الاسْتِعْتَابِ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ وإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ وأَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ وشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ واسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ واسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ وسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ الأعْمَارِ وصِحَّةِ الأبْدَانِ وسَعَةِ الأرْزَاقِ، ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ واسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ....(139).

 

ثم أورد المجلسيُّ في هذا الباب زيارة برقم (34) طويلة المتن ومملوءة أيضاً بعبارات الإطراء [المتجاوز لحدود الشرع] والتمجيد المغالي المخالف للقرآن(140). ومن الطريف أننا نجد الزائر في هذه الزيارات يعتبر نفسه أحياناً مذنباً ومقصراً ومستحقاً للعذاب، ثم نراه مباشرة يعتبر نفسه من المتَّقين!! وفي هذه الزيارات عبارات من الطعن واللعن لأعداء عليٍّ عليه السلام رغم أنه مضت على تلك الحروب قرون متمادية واليوم جميع المسلمين يحترمون علياً عليه السلام ولا يعاديه أحد فلا فائدة من تلك العبارات سوى إثارة الفتنة وبثّ الفرقة بين المسلمين. وفي هذه الزيارة عبارات تجعل الإمام وارث الأنبياء والمرسلين وأنه وسائر الأئمة أفضل من سائر الأنبياء السابقين، مع أن الأئمة أنفسهم عليهم السلام نهوا عن مثل هذا الغلو بحقِّهم ولم يكونوا معجبين بأنفسهم على الإطلاق، حتى أن الإمام عليّاً عليه السلام يقول في وصيته للإمام الحسن عليه السلام: واعْلَمْ أَنَّ الإعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وآفَةُ الألْبَابِ(141).

 

والعجيب أن العلامة المجلسيُّ أورد في البحار هذه الزيارات دون مستند صحيح سوى قوله: وجدتُ هذه الزيارة في كتاب قديم أو نقلتُ هذه الزيارة من نسخة قديمة أو مصباح الشيخ...الخ!

 

وفي هذه الزيارة الأخيرة نقرأ: أشهد أنك مجازي الخلق فهنا أكمل مفتري هذه الزيارة شركه بهذه العبارة، إذ إن الله تعالى يقول: ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [آل عمران:136] ويقول: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ الله وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ﴾ [النساء:123] ويقول: ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً ﴾ [النبأ:36] ويقول: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة:121] ويقول: ﴿ لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [إبراهيم:51] ويقول: ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ [البينة:8] ويقول: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله ﴾ [الانفطار:19].

 

فهل يجوز بعد ذلك أن ننسب لأحد سوى الله تعالى مجازاة الخلق؟!

 

إن مبتدع هذه الزيارة جعل الخير والشرَّ بيد الإمام وأصبح لذلك شاكراً له! كما اعتبره حافظه من نار الله والمتكفل بأمور دنياه وآخرته وبنجاته يوم الحساب! مع أن الله تعالى يقول لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - وعليٌّ عليه السلام أحد أفراد أمته-: ﴿ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً ﴾ [الجن:21]، ويقول سبحانه كذلك: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الأنعام:107]، ويقول أيضاً: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الشورى:6].

 

هذا ورغم أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران:38]، ويقول: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [إبراهيم:39]، كما أن الإمام السجاد عليه السلام يقول في الدعاء (51) من الصحيفة السجاديَّة، مخاطباً ربَّه سبحانه: وجدتُكَ لدعائي سامعاً..، إلا أن مفتري هذه الزيارة يقول للإمام فيها: فأنت سامع الدعاء ووليُّ الجزاء ومعنى ذلك: أن كل من يدعو ربه في الأرض أو في السماء ويقول يا الله، بإمكانه أيضاً أن يقول: يا عليّ!! وواضح أن مختلق ألفاظ هذه الزيارة جعل كتاب الله وتشريعاته وأحكامه وراء ظهره، ودبَّج من الألفاظ المغالية ما شاء.

 

إن القرآن الكريم بيَّن لنا بكل وضوح أن من يدعو غير الله ويتضرَّع إليه فقد أشرك، فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ [الجن:20]، وقال: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً ﴾ [الجن:18]، وقال أيضاً: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ﴾ [الإسراء:56-57]، وهناك مئات الآيات الأخرى التي تدل على عدم جواز دعاء غير الله وأنه شرك.

 

في الواقع لقد نقل المجلسيُّ كثيراً من هذه الزيارات المليئة بالعبارات الكفرية المغالية من كتاب محمد بن المشهدي(142) الموسوم بـ المزار الكبير ولا ندري هل كان محمد بن المشهدي هذا عابداً لله أم عابداً للإمام؟ وهذا المشهدي هو ذاته الذي أتحف الشيعة بالدعاء المعروف بِـ دعاء الندبة! وقد بيَّنْتُ في كتابي بررسى دعاى ندبه (بالفارسية، ومعناه: دراسة وتمحيص دعاء الندبة) مخالفة كثير من عباراته للقرآن الكريم.

 

وفي الزيارة رقم (32) يروي الراوي أنه إذا وصلتَ إلى الحرم فقل: أشهد أنك تسمع صوتي! أتيتك متعاهداً لديني وبيعتي!! وليت شعري هل يتوقَّع أن يعود الإمام بعد ألف سنة من العالم الآخر إلى الدنيا كي يبايعه؟!

 

ونقرأ في هذه الزيارة أيضاً: لا يَخِيْبُ من ناداكم، مع أن الإمام زين العابدين السجّاد عليه السلام يقول في دعاء أبي حمزة الثمالي: الحمدُ لله الذي أدعوه ولا أدعو غيرَه ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي، الحمدُ لله الذي أرجوه ولا أرجو غيرَه ولو رجوتُ غيرَه لخيَّبَ رجائي.

 

ونقرأ دعاءه في الصحيفة السجّادية (الدعاء الأول): الحمدُ لله الذي أغلق عنَّا باب الحاجة إلا إليه،

 

وفي الصحيفة ذاتها (الدعاء 28): لا يشركك أحد في رجائي ولا يتَّفق أحد معك في دعائي ولا ينظمه وإياك ندائي،

 

وفيها (الدعاء 51): أدعوك فتجيبني.... فلا أدعو سواك ولا أرجو غيرك.....

 

فاختر أيها القارئ الكريم بين دعاء الإمام السجّاد عليه السلام وبين الدعاء والألفاظ التي وضعها محمد بن المشهدي!!

 

وفي هذه الزيارة جملةٌ يضع مفتريها بها علياً عليه السلام في مصاف الأنبياء!! إذْ يقول: السلام على سفير الله بينه وبين خلقه.. ومعلومٌ أن السفارة الإلهية خاصة بالأنبياء.

 

هنا يجدر بالذكر أنه كانت توجد فرقة من الغلاة تُدْعَى المفوِّضة يعتقد أصحابها بأن الله تعالى فوّض أمر تدبير العالم لمحمّد وعليّ وأنهما مديرا أمور الكون! وقد وردت عن الأئمة الأطهار- عليهم السلام - أحاديث كثيرة في لعن المفوِّضة وتكفيرهم(143). ويظهر أن واضع هذه الزيارة التي نحن في صددها كان أحد أولئك الغلاة المفوِّضة لأنه يقول في زيارته هذه: وفوَّضَ إليكم الأمور، وجعلَ إليكم التدبير..! والواقع أن هذه الزيارة قد حَوَتْ كل خرافات الغلاة وضلالاتهم حتى صارت مصداقاً لقول القائل: لقد جمعت في حُسْنِك ما تفرَّق في غيرك من المحاسن!!

 

ومن جملة عبارات الغلوّ في زيارته قوله: أعطاكم المقاليد وسخَّرَ لكم ما خلق..! هذا مع أن الله تعالى بيّن في كتابه أن مقاليد السموات والأرض في يده وحده ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [الزمر:63]، كما بيّن أنه سخّر كل ما في الكون لفائدة عباده جميعاً مؤمنين كانوا أم كافرين ولم يخصّ أحداً بذلك كما في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان:20]. وليت شعري ماذا يريد مختلق هذه الزيارة هل يريد أن يجعل الله عاطلاً عن أي عمل ويجعل الإمام عليه السلام قائماً بكل الأعمال؟! مع أن الإمام ذاته كان يحتاج إلى الطعام كي يبقى حيَّاً فإذا بقي بضعة أيام دون أن يأكل مات من الجوع، أو إذا توقف عن التنفُّس دقائق معدودة فقد حياته!

 

وأيضاً نقرأ في هذه الزيارة المفتراة: إياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم، وهي جملة تخالف صريح القرآن كما سنبيِّنه عند مناقشتنا للزيارة الجامعة لاحقاً إن شاء الله.

 

ونقرأ في هذه الزيارة أيضاً: عليكم الاعتماد يوم المعاد، هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله ﴾ [الانفطار:19].

 

وفي هذه الزيارة عبارات تصف الإمام بصفات خاصة بالأنبياء والملائكة مثل: يا من اصطفاهم... أنتم السفرة الكرام البررة... يا عيون الله في خلقه، فليت شعري هل يحتاج الله إلى عيون بين البشر ليطّلع على أحوال الخائنين؟! هذا مع أن الله تعالى نهى رسوله الكريم وجميع أمته عن التجسُّس فقال: ﴿ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ [الحجرات:12]، فكيف يمكن أن يكون الإمام عيناً؟ أوليس هو أيضاً مكلّفٌ؟!

 

وكذلك نقرأ في هذه الزيارة الموضوعة أنه اعتبر الإمام حافظاً له وحارساً فقال: واحشروني في جملتكم واحرسوني من مكاره الدنيا والآخرة ولم يقرأ هذا المسكين القرآن الكريم الذي قال الله تعالى فيه مراراً لرسوله الكريم: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الأنعام:107] وقال: ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [هود:86].

 

والطريف أن المجلسيّ والشيخ عباس القمّيّ وأمثالهما نَقَلَا صلاةً عن حسن مثلة الجمكراني مجهول الحال وفي آخرها دعاء ننقله من مفاتيح الجنان يقول راويه فيه أنه يُسْتَحَبُّ الدعاء به بعد تلك الصلاة، وفيه:

 

يا محمَّدُ يا عليُّ! احفظاني فإنكما حافظاي وانصراني فإنكما ناصراي، يا محمَّدُ يا عليُّ! اكفياني فإنكما كافياي!!

 

في حين أن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾ [التوبة:116]، ويقول: ﴿ وَكَفَى بِالله وَلِيّاً وَكَفَى بِالله نَصِيراً ﴾ [النساء:45]، ويقول: ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر:36] أي أنَّ الله وحده هو الكافي عبده. أما مثل ذلك المغالي المشرك فيعتبر غير الله أيضاً حافظاً وناصراً!

 

ولو أردنا أن نذكر جميع العبارات الخرافية في كتاب مفاتيح الجنان لاحتجنا إلى كتاب مستقل(144).

 

أَوَلَا يدري مختلق هذه الزيارة التي قال فيها: واحشروني في جملتكم أن الحشر والنشر ليسا بيد أي أحدٍ سوى الله وحده؟ ألم يقرأ قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ [الحجر:25] حيث قدَّم كلمة هو على فعل يحشرهم للدلالة على الحصر. بل إن الأنبياء والأئمة أنفسهم لا يعلمون زمن الحشر والنشر والقيامة فضلاً عن أن يتمكنوا من حشر أحد معهم، فالله تعالى يقول: ﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ [الأحزاب:63] ويقول: ﴿ إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ [لقمان:34]. ولا عجب ممن لا حظَّ له من العلم بكتاب الله أن يفتري تلك الأكاذيب ويروّج تلك العبارات الكفريَّة!

 

وكذلك نقرأ في الزيارة التي أوردها المجلسيُّ في هذا الباب برقم 34 عديداً من العبارات والجمل الكفرية التي لا تعدو أوهاماً باطلة، بل معظم عبارات هذه الزيارة مضادّة للقرآن الكريم، مثل قوله فيها: السلام عليك يا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سيد الوصيِّين وحجّة رب العالمين على الأوَّلين والآخرين...... وملجأ ذوي النهي..... السلام عليك يا شجرة النداء وصاحب الدنيا والحجَّة على جميع الورى في الآخرة والأولى..... السلام عليك يا.. باب الله وحطّته وعين الله وآيته، السلام عليك يا عيبة غيب الله... ومجلي إرادة الله، وموضع مَشِيَّةِ الله، وأول من ابتدع الله والحجة على جميع من خلق الله، السلام عليك أيها النبأ العظيم والخطب الجسيم والذكر الحكيم والصراط المستقيم... السلام عليك أيها الحبل المتين... ومرشد البريات وعالم الخفيات، السلام عليك يا صاحب العلم المخزون وعارف الغيب المكنون وحافظ السرّ المصون والعالم بما كان ويكون... السلام عليك أيها العارف بفصل الخطاب ومثيب أوليائه يوم الحساب... ومهلك أعدائه بأليم العذاب.... وقاصم المعاندين الأشرار.... وعارف السرّ وأخفى، السلام عليك أيها النازل من عليين والعالم بما في أسفل السافلين ومهلك من طغى من الأولين ومبيد من جحد من الآخرين، السلام عليك يا صاحب الكرَّة والرجعة.... السلام عليك يا سامع الأصوات.... السلام عليك يا من حظي بكرامة ربه فجلَّ عن الصفات واشتق من نوره....الخ(145).

 

ونحو هذه الجمل والعبارات الشركية المغالية المضادَّة للقرآن، التي تَحْرُمُ قراءَتُها ويُعَدُّ الاعتقاد بمضمونها خروجاً عن أصول الإسلام، هذا رغم أنه ليس من البعيد أن نجد من يسعى إلى إثبات معاني تلك الجمل متوسلاً بروايات وأخبار هي بدورها من وضع الغلاة المشركين أيضاً، مما لا يُعَوَّل على رواياتهم ولا يمكن إثبات أي شيء بها.

 

أجل، لقد أضفى واضع تلك الزيارة صفات الله تعالى على الإمام فقال: كلَّ يا مولاي عن نعتك أفهام الناعتين وعَجَزَ عن وصفك لسان الواصفين، كيف أصف يا مولاي حسن ثناءك والأوهامُ عن معرفة كيفيتك عاجزة، والأذهان عن بلوغ حقيقتك قاصرة فلاحظوا كيف وصف هذا المغالي عليّاً عليه السلام بعبارات هي ذاتها العبارات التي كان الإمام عليه السلام نفسه يصف بها ربّه تبارك وتعالى!!! وكيف جعل هذا المغالي عبد الله غير قابل لإدراك كنهه مثل الله سبحانه وتعالى.

 

انتبهوا إلى أن حضرة أمير المؤمنين عليه السلام وصف الله تعالى بذات العبارات التي استخدمها ذلك المغالي في وصف عليٍّ عليه السلام، فقد قال أمير المؤمنين كما جاء في نهج البلاغة: الحَمْدُ لله الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ ولا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ ولا يُؤَدِّي حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ الَّذِي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ولا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ(146).

 

ولو أردنا أن نبيِّن جميع موارد تعارض جمل هذه الزيارة مع آيات القرآن الكريم لاحتجنا إلى كتاب مفصَّل.

 

وفيما يلي نزن بعض جمل هذه الزيارة بميزان القرآن الكريم:

 

جاء فيها: السلام عليك يا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب... يا حجّة رب العالمين على الأوَّلين والآخرين، أي أنك حجَّةٌ حتى على الذين كانوا قبل مجيئك إلى الدنيا وعلى جميع الذين يأتون بعدك حتى يوم القيامة ممن لم يراك ولم ترهم، وهذا الإطلاق يشمل أن يكون الإمام حجَّةً على جميع الأنبياء والمرسلين، وليت شعري ما معنى كون الإمام حجَّةً على من جاؤوا قبله؟؟

 

نترك الجواب لواضع ألفاظ تلك الزيارة!!

ويقول: وملجأ ذوي النهي، في حين أن الحق عز وجل يقول: ﴿ لا مَلْجَأَ مِنَ الله إِلَّا إِلَيْهِ ﴾ [التوبة:118].

 

ويقول: السلام عليك يا شجرة النداء مع أن الشجرة لم تكن هي التي نادت موسى ولم تنطق بشيء ولكن الله هو الذي أوجد صوت الكلام في ذلك المقام.

 

ويقول: وصاحب الدنيا مع أن القرآن الكريم يبين لنا أن الله تعالى هو مالك الدنيا ومالك رقاب جميع البشر بما فيهم الأنبياء والأئمة والأولياء ويقول في ذلك: ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [الحديد:2].

 

ويقول: السلام عليك يا عيبة غيب الله، مع أن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ [الأنعام:50].

 

ويقول: السلام عليك يا.. مجلى إرادة الله، مع أن الإمام الكاظم عليه السلام يقول: إرادة الله هي الفعل لا غير ذلك(147)، فالله تعالى ليس له ذهن ومجلى مرآة.

 

ويقول: وموضع مَشِيَّةِ الله وأوَّل من ابتدع الله والحجَّة على جميع من خلق الله، أما الإمام عليّ عليه السلام ذاته فيعتبر الأنبياء حجّة الله ويقول: بَعَثَ الله رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ وجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ لِئَلا تَجِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإعْذَارِ إِلَيْهِمْ(148). كما أنه يعتبر القرآن الكريم حجَّةً كافيةً ويقول في وصفه: وأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وعَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيَّهُ أَزْمَاناً حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ ولَكُمْ فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ وأَنْهَى إِلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ مِنَ الأعْمَالِ ومَكَارِهَهُ ونَوَاهِيَهُ وأَوَامِرَهُ وأَلْقَى إِلَيْكُمُ المَعْذِرَةَ واتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ(149)، ويقول: أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ ومَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ(150)، ويقول كذلك: فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وصَامِتٌ نَاطِقٌ حُجَّةُ الله عَلَى خَلْقِهِ(151).

 

يقول واضع الزيارة: السلام عليك أيها النبأ العظيم والخطب الجسيم والذكر الحكيم، هذا في حين أن الله تعالى اعتبر القرآن الذكرَ الحكيمَ لا الإمام الذي هو تابع للذكر الحكيم كما قال سبحانه: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران:58] ولكن يظهر أن واضع الزيارة لا عناية له بالقرآن مطلقاً.

 

ويقول واضع الزيارة: ومرشد البريات وعالم الخفيات، السلام عليك يا صاحب العلم المخزون وعارف الغيب المكنون، مع أن الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ [الأعلى:7]، ويقول كذلك: ﴿ إِنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴾ [آل عمران:5]، ويقول أيضاً: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه:7]، ولم يقل: عليٌّ يعلم الجهر وما يخفى.

 

ويخاطب واضع الزيارة الجاهل الإمام الذي لم يكن مطلعاً على خيانة بعض مسؤولي حكومته: أنت عينه الحفيظة التي لا تخفى عليها خافية. وحقاً إن الإنسان ليستحي أن ينقل مثل هذه الأباطيل. ولا ينقضي العجب من المجلسيّ وأمثاله من المحدِّثين كيف سمحوا لأنفسهم بإيراد مثل هذه الزيارات الموضوعة؟! ألم يقرؤوا في كتاب الله قوله تعالى لرسوله الكريم: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [التوبة:101]، فإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم نفاق بعض أهل المدينة الذين تمرّسوا في النفاق ومردوا عليه، فكيف يكون الإمام عالماً بما كان وما يكون؟! وعلى كلّ حال فهذه الزيارة مليئة بمثل هذه الترّهات.

 

ويروي المجلسيُّ في باب زياراته صلوات الله عليه المختصة بالأيام والليالي: زيارة يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان من كتابه البحار(152) عن شخص قيل قال إنه الخضر [ذكر ذلك المحدِّثون كالصدوق والكليني والمجلسيّ] - مع أنه شخص لا وجود له! - زيارةً رواها الكليني أيضاً في كتابه الكافي مفادها أنه لما كان اليوم الذي قبض فيه أمير المؤمنين عليه السلام ارتج الموضع بالبكاء ودهش الناس..وجاء رجل باكياً وهو مسرع مسترجع وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: رحمك الله يا أبا الحسن كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً.... إلى آخر الحديث الطويل.

 

قلت: القولُ بوجود شخص لا يزال حيَّاً منذ آلاف السنين مخالف لصريح القرآن الكريم الذي يبين أن جميع الأنبياء والأولياء قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تُوفّوا، إذ يقول سبحانه: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء:34]، ولكن واضعي تلك الزيارات -شأنهم شأن بعض غلاة مرشدي الصوفية الذين يدّعون أن الخضر ألبسهم خرقة السلوك- يدَّعون أنهم أخذوا متن هذه الزيارة عن الخضر!!

 

الهوامش:

(89) إن تلك الجمل لا تفيد سوى السلاطين الصفويين الخبثاء والمفرّقين الذين يستفيدون منها لخلق الخصومة والأحقاد بين المسلمين.

 

(90) بحار الأنوار، ج97/ص 268. (المترجم)

 

(91) بحار الأنوار، ج97/ص271. (المترجم)

 

(92) نهج البلاغة، الخطبة 195.

 

(93) نهج البلاغة، الرسالة 31.

 

(94) الصحيفة السجادية، دعاؤه يوم الفطر.

 

(95) في الواقع لما كان رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  بنص كتاب الله تعالى أسوةً للمؤمنين وصاحب الخلق العظيم واتِّباعُهُ  السبيل لنيل محبة الله ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ..  ﴾ (آل عمران: 31)، ولما أمرنا الله تعالى في عديد من آيات كتابه بإطاعته طاعة مطلقة دون قيد ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله  ﴾ (النساء: 64) ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ (آل عمران: 132)، فهو  صلى الله عليه وآله وسلم  معصوم في كل ما يبلِّغه عن الله تعالى من دين في أقواله وأفعاله وتقريراته، وبالتالي فيصحُّ تماماً اعتباره   صلى الله عليه وآله وسلم  الصراطَ المستقيم وأن يُطْلَقَ عليه ذلك اللقب، وليس في هذا أي إطراء مبالغ به، بل هذا أدنى حقُّه، فقد كان عليه وآله أفضل الصلاة والسلام قرآناً يمشي على الأرض، كما وصفه بذلك بعض أصحابه. وعليٌّ عليه السلام بحكم كونه من أصحاب الكساء الذين دعا لهم رسول الله مراراً اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجز وطهرهم تطهيراً، ولا شك أن دعاءه  صلى الله عليه وآله وسلم  مستجاب لوجود المقتضي وانتفاء المانع وقد قال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  بحق عليٍّ عليه السلام: عَلِيُّ مَعَ القُرْآنِ والقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لَنْ يَفْتَرِقَا، كما أن علياً - عليه السلام - إمام عترة النبيّ  صلى الله عليه وآله وسلم التي خلّفها فينا وأمرنا بالتمسك بها مع القرآن الكريم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ الله وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ﴾ كما أنه - بإجماع المسلمين-  من الخلفاء الراشدين الهادين المهديين الذين أُمِرْنَا باتباع سنتهم والعضّ عليها بالنواجذ ، فمن هذه الزاوية أيضاً يصحّ تلقيبه بالصراط المستقيم وليس في هذا أي غلوّ.  (المترجم)

 

(96) مفاتيح الجنان، من التسبيحات المتعلقة بأعمال يوم عرفة، نقلاً عن كتاب الإقبال للسيد ابن طاووس.

 

(97) الصحيفة العلوية، دعاؤه في اليوم الثاني من الشهر.

 

(98) الصحيفة العلوية، دعاؤه في التهليل ودعاؤه عند دخوله المسجد.

 

(99) الصحيفة العلوية، دعاؤه في اليوم الرابع والعشرين من الشهر، ومفاتيح الجنان، دعاء أبي حمزة الثمالي.

 

(100) الصحيفة العلوية، دعاؤه في اليوم الثاني والعشرين من الشهر.

 

(101) مفاتيح الجنان (الباقيات الصالحات) الباب الثالث من أدعية العافية وغيرها.

 

(102) نهج البلاغة، الرسالة 23.

 

(103) بحار الأنوار، ج97/ص 279 - 280. (المترجم)

 

(104) بحار الأنوار، ج97/ص 280-281. (المترجم)

 

(105) نهج البلاغة، الرسالة 33.

 

(106) نهج البلاغة، الرسالة 41. (المؤلف).  قلت (المترجم): ليس في نص الرسالة ذكر لاسم عبيد الله بن عباس ولا  غيره، بل كل ما فيها توبيخ الإمام لشخصٍ من عمّاله خان الأمانة واستولى على أموال بيت المال.

 

(107) إن الذين يحبون علياً عليه السلام بصدق ويتولونه بإخلاص لا بمجرّد الادعاء والذين يعلمون كيف كانت حياة ذلك الإمام الهمام وشخصيته، يعرفون تمام المعرفة أنه كان شديد الحرص على رعاية حق الناس وحفظ أموال بيت مال المسلمين وأنه كان بالغ الدقّة في هذا الأمر، إلى حد أنه لم يكن يرضى أن يُصرف زيت مصباح بيت المال على أمر شخصي لا يتعلَّق بأمور الناس، كما لم يكن يسمح لأقرب أقربائه أن يستفيدوا من بيت المال بأدنى مقدار إضافي على ما يأخذه الآخرون، وبناءً عليه فإنه من المستحيل أن يعهد مثل هذا الإمام لشخص بأمر يتعلق بالأموال العامة أو يولِّيَه أمراً من أمور المسلمين إلا إذا كان حسن الظن به وكان لا يحتمل خيانته ولو بأدنى احتمال.

 

(108) نهج البلاغة، الرسالة 71.

 

(109) نهج البلاغة، الرسالة 61.

 

(110) نهج البلاغة، الرسالة 44.

 

(111) بلدةٌ من بلاد العجم في جنوب إيران ذكر المؤلف أنها خوزستان. (المترجم)

 

(112) نهج البلاغة، الرسالة 43.

 

(113) نهج البلاغة، الخطبة رقم 91.

 

(114) نهج البلاغة، الخطبة 195.

 

(115) نهج البلاغة، الخطبة 198.

 

(116) نهج البلاغة، الخطبة 176.

 

(117) الصحيفة العلوية، دعاؤه في اليوم الرابع عشر من كل شهر.

 

(118) استدلال المؤلف بهذه الآية ليس في محله، لأنها لا تدلّ على أن موسى (ع) خرَّ صعقاً لسماعه صوتاً من الجبل بل لأن ربّه تجلى للجبل فجعله دكَّاً: ﴿ وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ  ﴾ (الأعراف: 143) (المترجم) .

 

(119) هو آية الله الفقيه الأصولي الشيخ محمَّد حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ عبد الرَّحيم، انتهت إليه الرئاسة العامة للشيعة الإمامية في عصره والمرجعيَّة في التقليد وكان إمام علمائهم المحقِّقين، اشتهر بالشيخ حسن الجواهري وكان من عظماء القرن الثالث عشر الهجري ونوابغه، ومن أشهر كتبه موسوعته الفقهية المقارنة جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام تقع في أكثر من 50 مجلداً. توفي سنة 1266هـ. (المترجم)

 

(120) نهج البلاغة، الخطبة 156.

 

(121) نهج البلاغة، الخطبة 176.

 

(122) في الواقع ليس في تسمية رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم  أو الإمام علي  عليه السلام  بالحبل المتين أي غلوّ، كيف لا وهو إمام المتقين ومولى الموحدين ونبراس العابدين وأسوة المجاهدين والثقل الأصغر الذي أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وآله- أن نتمسك به، وكيف لا وقد قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وآله- عليٌّ مَعَ القُرْآنِ والقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ لَنْ يَفْتَرِقَا؟! هذا وليس من الضروري أن يكون الإمام  عليه السلام  حيَّاً في الدنيا حتى تصحّ تسميته بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، بل هو كذلك بعد وفاته لمن تمسَّك بسيرته ومنهجه وتأسَّى بأخلاقه وشمائله وتعلَّم من كلماته وَحِكَمِهِ ومواعظه وعضَّ بالنواجذ على سنَّته وهديه. (المترجم)

 

(123) العناوين الفرعية التي بين معقوفتين هي من المترجم بقصد التوضيح. (المترجم)

 

(124) الصحيفة العلوية، داؤه في المناجات.

 

(125) الصحيفة العلوية، دعاؤه في اليوم الرابع عشر من كل شهر.

 

(126) الصحيفة السجادية، داؤه (ع) في ذكر التوبة وطلبها.

 

(127) الصحيفة السجادية، دعاؤه (ع) بعد الفراغ من صلاة الليل.

 

(128) قال محشِّي البحار : في علل الشرائع والبشائر: (وأرزاقها) وفى (ك) و(ت): (وأوراقها).

 

(129) المجلسي في بحار الأنوار (ج 35 /ص 8 - 10، الحديث رقم 11)  نقلاً عن [علل الشرائع ومعاني الأخبار للصدوق والغيبة للنعماني: عن الدقاق عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب.. الحديث]، وقال بعد روايته: ﴿ روضة الواعظين عن يزيد بن قعنب مثله ﴾ اهـ  (المترجم)

 

(130) هذه الرواية أوردها أيضاً المجلسي في بحار الأنوار (ج 35 /ص 18 - 19)  نقلاً عن [أبي علي بن همام رفعه]. (المترجم)

 

(131) منتهى الآمال، الشيخ عباس القميّ، ص 141 و142.

 

(132) في الصفحة 20 منه، في معرض تعليقه على رواية (شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً)، التي في سندها محمد بن سنان. (المترجم)

 

(133) بحار الأنوار، لمجلسي، المجلد الخاص بأمير المؤمنين (ع)، حاشية الصفحة 42 فما بعد. (المؤلف). قلت: هو المجلد 35 ص 39 في الطبعة الجديدة للبحار. (المترجم)

 

(134) راجع الصفحة 90-91 من هذا الكتاب.

 

(135) نهج البلاغة، الخطبة 91.

 

(136) لعله يشير إلى قوله تعالى : ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ الله وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ (العنكبوت: 50)، أو قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لله فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ ﴾ (يونس: 20) (المترجم)

 

(137) ليس هناك إشكال في ظهور خوارق على أيدي أولياء الله الصالحين ولا تسمى معجزة بل تسمى كرامة، وإنما الإشكال أن تُعتبر تلك الخوارق من فعل البشر، فإذا اعتُبِرَتْ من فعل الله أظهرها على أيدي أوليائه فلا إشكال في ذلك بإجماع المسلمين. (المترجم)

 

(138) نهج البلاغة، الخطبة 210.

 

(139) نهج البلاغة، الرسالة 31.

 

(140) أعتقد أن المجلسيَّ لما كان من أنصار السلاطين الفسقة الفاسدين وحاشيتهم مؤيديهم والمتزلّفين إليهم أمثال الشاه سليمان والشاه سلطان حسين الصفويَّيْن وكان يصوِّر أن حكومة أولئك السلاطين مُؤَيَّدَة مِنْ قِبَلِ أئمة أهل البيت عليهم السلام وكان يبالغ في مدح أولـئك السلاطين وتمجيدهم، تخيَّل خطأً أن أئمة أهل البيت أيضاً -والعياذ بالله تعالى-  يُسَرّون أيضاً من مثل هذه المدائح المفرطة والإطراءات وصنوف التمجيد.

 

(141) نهج البلاغة، الرسالة 31.

 

(142) هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن جعفر بن علي المشهدي الحائري، المعروف بمحمد ابن المشهدي وابن المشهدي الراوي عن أبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمي وصاحب كتاب المزار الكبير الذي اعتبروه من أقدم الكتب المدوّنة في الزيارات وأن الأصحاب اعتمدوا على كتابه، وهو الأصل في عدة من الأدعية والزيارات. ويبدو أن ابن المشهدي كان من مشايخ الإمامية في القرن السادس الهجري ولكن بعضهم قال إن شخصه مجهول جداً، حتى قال السيد الخوئي (رح) في معجمه: ﴿ لم يظهر لنا اعتبار هذا الكتاب في نفسه، فإن محمد بن المشهدي لم يظهر حاله بل لم يُعلم شخصه ﴾!.  (المترجم)

 

(143) قال الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي) (305 ـ381ﻫ) في كتابه اعتقادات الإمامية الذي يُعَد الكتاب الأساسي والأهم والأقدم في بيان عقيدة الشيعة الإمامية: [[ اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله جل جلاله وأنهم شر من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلة، وأنه ما صغَّر الله جل جلاله تصغيرهم شئ، وقال جلّ جلاله : ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ الله وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ المَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران: 79-80) وقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ (المائدة: 77)  ... وكان الرضا (ع) يقول في دعائه: ﴿ اللهم إني بري‏ء من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم إني أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادَّعوا لنا ما ليس لنا بحقّ. اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللهم لك الخلق ومنك الرزق وإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك ولا تصلح الإلهية إلا لك فالعن النصارى الذين صغَّروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريتك. اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولاحياةً ولا نشوراً. اللهم مَنْ زَعَمَ أنَّا أربابٌ فنحنُ منه بَراءٌ ومَنْ زَعَمَ أن إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براءٌ منه كبراءة عيسى ابن مريم عليه السلام من النصارى. اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما يدَّعُون ولا تَدَعْ على الأرضِ منهم دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ﴾.  وروي عن زرارة أنه قال: ﴿ قلت للصادق عليه السلام: إن رجلاً من وُلْدِ عبد الله بن سبأ يقول بالتفويض فقال عليه السلام: ما التفويض؟ فقلت يقول: إن الله عز وجل خلق محمداً  صلى الله عليه وآله  وعلياً (ع) ثم فوَّض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا، فقال (ع): كذب عدو الله، إذا رجعت إليه فاقرأ عليه الآية التي في سورة الرّعد، ﴿ أَمْ جَعَلُواْ لله شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ (الرعد/16) فانصرفتُ إلى الرجل فأخبرته بما قال الصادق (ع) فكأنما ألقمته حجراً، فقال:وكأنما خرس ﴾.]] انتهى. الشيخ الصدوق، اعتقادات الإمامية/باب الاعتقاد في نفي الغلو والتفويض، ص74 فما بعد، والمجلسي، بحار الأنوار: ج 25/ ص 341 - 344. (المترجم)

 

(144) لكاتب هذه السطور كتاب مختصر عنوانه تضاد مفاتيح الجنان با آيات قرآن (بالفارسية أي: تعارض مفاتيح الجنان مع آيات القرآن).

 

(145) بحار الأنوار، المجلسي، ج97/ زيارة رقم 34، ص 347 - 352.

 

(146) نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

 

(147) توحيد الشيخ الصدوق، مكتبة الصدوق، ص147

 

(148) نهج البلاغة، خطبة 144.

 

(149) نهج البلاغة، خطبة 86.

 

(150) نهج البلاغة، خطبة 161.

 

(151) نهج البلاغة، خطبة 183.

 

(152) بحار الأنوار، المجلسي، ج97/ص 356، الحديث رقم1. (المترجم)