روايات المجلسيّ في باب زيارة الأئمّة بالبقيع

 

1- أورد المجلسيّ(65) والشيخ الطوسي وابن طاووس عن رجل لم يُذكر اسمه عن أحد الأئمة دون بيان اسمه(66) زيارة تحتوي على كثير من الجمل المخالفة للقرآن. ففي أحد المواضع فيها: أيها القُوَّام في البريّة بالقسط ويا ليت كان الأمر كذلك واستطاع الأئمة الكرام عليهم السلام أن يبسطوا العدل بين الناس، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك مع الأسف وأُجبروا على أن يلزموا بيوتهم ويعيشوا مقهورين. ثم جاء في الزيارة: السلام عليكم يا أهل النجوى فإذا قُصد من النجوى مناجاة الله فلا إشكال في ذلك، أما إذا قُصد منها تعليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم الأسرار الإلهية على نحو خفيّ خاص فإن ذلك لا يصحّ لأن دين الإسلام ليس فيه أمور مخفية أو أشياء خاصة بأناس دون آخرين بل الناس فيه سواء. قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [سبأ:28]، فالإسلام إذن ليس سرِّيّاً ولا نجوائياً.

 

وجاء في الزيارة: وأُسيء إليكم فغفرتم فنقول: إذا كان الأئمّة عليهم السلام قد غفروا فماذا تقولون أنتم؟ ولماذا تنوحون وتلعنون وتطعنون بحجّة مظلوميّة الأئمّة عليهم السلام؟ أتريدون أن تكونوا أكثر حرصاً على الأئمّة من أنفسهم؟ ثم جاء في الزيارة: إنكم دعائم الدين وأركان الأرض، هذا في حين أن الأئمة عليهم السلام أنفسهم كانوا يقولون: نحن متَّبِعُون للدِّين ومرشدون للناس إلى الدِّين ولم يقولوا إنهم أركان الدين ولا أصوله ولا فروعه. ثم ما معنى أنهم أركان الأرض؟ وما المقصود من كل هذا الإطراء؟ هل أَمَرَ الأئمةُ أنْفُسُهُم بهذه المدائح والإطراء المبالغ به لهم أم أنكم تقومون بذلك من عند أنفسكم؟ وهل سيمنع الأئمة بهذه الكلمات مِنْ تَعَرُّضِكُم لجزاء أعمالكم ويصبحون مطيعين لكم محامين عنكم في محكمة العدل الإلهية حتى يُصرف النظر عن خطاياكم وآثامكم؟ إن لم يكن الهدف من الزيارة كذلك فلماذا تقولون في آخرها: هذا مقام من أسرف وأخطأ وأقرّ بما جنى ورجا بمقامه الخلاص وأن يستنقذه الله بكم. ونتساءل: هل الإمام حاضرٌ في جوف القبر ومطَّلعٌ على زائره ويمكنه أن يطلب من الله تعالى أن يصرف النظر عن جرائم هذا الفرد الطمّاع وذنوبه وخطاياه وإسرافه وخياناته فيجيب الله فوراً طلب الإمام ويطيعه في رجائه، ويضرب صفحاً عن كل قوانينه وتشريعات كتابه؟! أم أن الإمام لا علم له بكل هذه الإطراءات والمدائح لأنه ليس في عالم الدنيا بل في عالم البرزخ بعيداً عن سماع هذه الأمور ويَبْرَأُ من أهل الإسراف والإثم والفجور، والله تعالى لا يعطّل قانونه ولا يُلغي العمل بعدالته وتطبيق جزائه العادل على الآثمين المجرمين.

 

ليت أحدهم يقول لمثل هذا الزائر: عزيزي! استحِ من الله ودَعْ الإطراء والتملّق ولا تتوجَّه إلا إلى الله الذي جعل التوبة الطريق الوحيد إلى النجاة؛ فَتُبْ إليه واترك الإسراف والجرائم. أتظن أن الإمامَ مأمورٌ بالدفاع عن الجُناة والآثمين؟ أو أنه مطيع لك فيما تريد؟ فأيُّ إمام هذا الذي تتخيَّلُهُ وأيُّ دين وأيُّ إسلام وأي كتاب قانون هذا الذي اخترعته لنفسك؟!

 

هنا يقدّم المجلسيُّ والشيخ الطوسيُّ وآخرون تعليمات للزائر حول كيفية أداء صلوات معيَّنة ما أنزل الله بها من سلطان وليست إلا من اختراع الآخرين وظنونهم.

 

2- ثم أورد المجلسيُّ زيارةً طويلةً أخرى وقال في بدايتها: وجدتُ في نسخةٍ قديمةٍ من مؤلَّفات أصحابنا زيارةً لهم عليهم السلام فأوردتُها كما وجدتُها!(67)، أي هي نسخةٌ لكتابٍ لا يُعْرَف اسم مؤلِّفه ولا المصادر التي رجع إليها. وفي هذه الزيارة توجد جملٌ مخالفةٌ للقرآن وأكاذيب لا أساس لها ولا برهان عليها، فمن ذلك أنها تقول في إطراء الأئمّة عليهم السلام: وشركاء الفرقان أي شركاء القرآن! هذا مع أنه ليس لله تعالى شريك في الملك ولا في الحكم، وهو القائل: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف:26]، ومشاركته في الملك وفي الحكم شرك تشمله الآية التي يقول فيها الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر:65].

 

وذنب الشرك لا يُغفر، فانظروا كيف يُساق الناس نحو أفكار شركية بواسطة زيارات لا يُعلم من كاتبها، ولا سند لها.

 

وجاء في هذه الزيارة أيضاً: وحفظة سرِّه ومهبط وحيه ومعادن أمره ونهيه! ونسأل: هل أتى الله تعالى بدين سرّيّ؟ أليس هو القائل: ﴿ فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾ [الأنبياء:109]. أي أعلمتكم جميعاً على حد سواء، فلم يجعل بعض مطالب دينه أسراراً اختصَّ بها بعض عباده فقط.

 

ثم نسأل: هل من الجائز أن يبقى هذا السرّ مستوراً مخفياً أم لا بد من كشفه؟ إذا كان الجواب هو الأول فما علاقة الناس بمثل هذا السرّ وما فائدته لهم؟ إذن ينبغي عليهم أن لا يكونوا فضوليين كما لا يحق للأنبياء والأئمّة أن يفشوا تلك الأسرار. أما إذا كان المطلوب أن تُنقل تلك الأسرار في الكتب وتُعلّم للناس فلماذا تسمّى أسراراً إذن؟

 

والنقطة الثانية أنه لا معنى لقوله ومهبط وحيه لأنَّ الوَحْيَ انقطع بوفاة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، كما أكَّد ذلك الأئمّة من آله أنفسهم عليهم السلام بما في ذلك الإمام عليّ عليه السلام الذي قال: فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ(68). فكلُّ من ادَّعى الوحيَ بعد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لإمام أو لغيره فقد خرج عن أصول الإسلام، فمهبط الوحي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط.

 

كما تقول الزيارة أيضاً: واجتباكم للخلافة وَعَصَمَكُمْ من الذنوب. ونسأل: إذا كان الله قد اجتباهم للخلافة فلماذا لم يُوفّق أكثرهم للخلافة ولماذا اعتبر عليّ عليه السلام في نهج البلاغة أن الخلافة تتم باختيار المهاجرين والأنصار، وقال في رسالته: وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لله رِضًا؟(69)، والأهم من ذلك أنه عليه السلام أبدى عدم رغبته بالخلافة وعدم حاجته لها، فهل يمكن أن يجتبي الله تعالى الإمام للخلافة فعلاً فيُظهر عدم رغبته بها ويقول: والله مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلافَةِ رَغْبَةٌ ولا فِي الْوِلايَةِ إِرْبَةٌ(70) بدلاً من أن ينهض بهذا الواجب الذي اختاره الله له؟!.

 

كما لا تصحّ عبارة: وَعَصَمَكُمْ مِنَ الذُّنُوب لأن أمير المؤمنين (ع) ذاته يقول في إحدى خطبه: فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلا أَنْ يَكْفِيَ الله مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي(71). ويقول في دعاء كميل: فتجاوزتُ بعض حدودك وخالفتُ بعضَ أوامركَ.

 

علاوة على ذلك إذا قبلنا بعبارة وَعَصَمَكُمُ الله واعتبرنا العصمة من إرادة الله التكوينية كانت النتيجةُ أنَّ المعصوم سيكون مجبوراً تكوينياً على الطاعة وغير قادر على المعصية، فيكون بذلك - من هذه الناحية - مثل النباتات وسائر المخلوقات التي لا خيار لها من أمرها ولا تستطيع أن تعصي مراد الله التكوينيّ منها، وليس في هذا أي فضل للإنسان بل مثل هذا يخالف ما نصَّ عليه القرآن الكريم من أن الله تعالى خلق البشر وجعلهم جميعاً مُخيَّرين وأصحاب إرادة حرّة يختارون من خلالها الطاعة أو العصيان إمَّا شاكرين وإمَّا كفورين.

 

أما إرادة التطهير في سورة الأحزاب أي قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب:33]، والتي يعتبرها بعضهم -خطأً- دليلاً على العصمة التكوينية لأهل البيت، فهي في الواقع إرادة تشريعية للطهارة وليست تكوينية، لذا نجد أن الله ذكر تكاليف شرعية وأوامر ونواهي قبل آية التطهير هذه وبعدها، وإرادة التطهير الشرعية هذه أرادها الله أيضاً لجميع المسلمين كما أرادها لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة:6].

 

وجاء في الزيارة أيضاً: وفضَّلَكُم بالنوع والجنس أي أنكم [أيها الأئمّة] أعلى في جنسكم من سائر البشر، هذا في حين أن الله تعالى يقول: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ [إبراهيم:11]، كما يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [الكهف:110]، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث بشريَّته إنسانٌ كسائر البشر من جنسهم عينه ونوعهم ذاته، ولا يمتاز من هذه الناحية على الآخرين، وإنما يمتاز بالوحي الذي أوحاه الله إليه [والرسالة الخاتمة التي بُعث بها ومقام الاصطفاء على العالمين].

 

هذه الزيارة إذن تتضمن جمل باطلة وخرافات كثيرة. من ذلك أنه جاء فيها: وأودعكم علم المنايا والبلايا ومكنون الخفايا ومعالم التنزيل ومفاصل التأويل ومواريث الأنبياء كتابوت الحكمة وشعار الخليل ومنسأة الكليم وسابغة داود وخاتم الملك وفضل المصطفى وسيف المرتضى... فجعل سيف المرتضى رديفاً لمواريث الأنبياء، ولا ندري ربما كان واضع الزيارة من الغلاة الذين يريدون أن يجعلوا علياً (ع) في عداد الأنبياء. وهنا ذُكرت في الزيارة ألفاظ مفصّلة في الإطراء والثناء والمدائح المبالغ بها مما نهى الله عنه ومما لا يرضى به أيُّ إمام. وهنا نتذكر أنه عندما أثنى أحد أصحاب أمير المؤمنين (ع) عليه في صفين نهاه الإمام عن ذلك وقال له: إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلالُ الله سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ وجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ... وقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإطْرَاءَ واسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ ولَسْتُ بِحَمْدِ الله كَذَلِكَ...(72). وبالطبع كان جميع الأئمة عليهم السلام كذلك.

 

والعجب أن المحدّثين ينتظرون أن يعمل الناسُ بمثل هذه الزيارات الفاضحة ويحثُّونهم على قراءتها في أيام مخصوصة وقد أحصى بعضهم أن الأيام المخصوصة تشكّل خمس السنة! وقد جمع المجلسيُّ في البحار كل زيارة كتبها كل عالم حسب ذوقه، مع أن أهل التحقيق يعلمون أن جميع أذون الدخول المذكورة في الزيارات لا سند صحيح لها.

 

وينقل المجلسيُّ عن كتاب كامل الزيارة لابن قولويه زيارةً لحمزة رضي الله عنه وإبراهيم ابن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ليس لها سند! ويروي في ذلك الموضع عن راوٍ كذاب اسمه سهل بن زياد(73) روايةً تَنْسِبُ إلى أمير المؤمنين عليٍّ (ع) أنه قال: كُنْتُ أَنَا ورَسُولُ الله صلى الله عليه وآله قَاعِدَيْنِ في مسجد الفضيخ إِذْ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِي ثُمَّ خَفَقَ حَتَّى غَطَّ وحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُحَرِّكَ رَأْسَهُ عَنْ فَخِذِي فَأَكُونَ قَدْ آذَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ وفَاتَتْ فَانْتَبَهَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله فَقَالَ: يَا عَلِيُّ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: ولِمَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: كَرِهْتُ أَنْ أُوذِيَكَ. قَالَ: فَقَامَ واسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ومَدَّ يَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا وقَالَ: اللهمَّ رُدَّ الشَّمْسَ إِلَى وَقْتِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلِيٌّ فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ حَتَّى صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ثُمَّ انْقَضَّتْ انْقِضَاضَ الْكَوْكَبِ(74).

 

لقد أراد هذا الراوي أن يختلق معجزة للإمام ولكنه لم ينتبه إلى أنه بهذه الرواية الموضوعة نزّل من مقام عليٍّ عليه السلام وإخلاصه إلى درجة أدنى من مرتبة مسلم عادي، لأنه نسب إلى حضرة الأمير سلام الله عليه أنه ترك صلاةً مفروضةً أي ارتكب حراماً لأجل أن لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل يظنُّ أيُّ مسلم -مهما كان ضعيف الإيمان- بنبيِّ الإسلام عظيم الشأن الباذل ذاته في سبيل الله أنه -عليه آلاف التحية والثناء- يرضى أن يصلِّي إحدى الصلوات المفروضة قضاءً حتى لا يوقظه أحد من قيلولة العصر كما ادَّعى ذلك الراوي الجاهل؟! بكلِّ تأكيد كان عليٌّ عليه السلام - بما له من معرفة بأحوال النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم - يعلم أكثر من أي أحد آخر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزعجه ويحزنه أن تفوته صلاة العصر، وبكلِّ تأكيد لم يكن عليٌّ عليه السلام ليرتكب معصية ترك الصلاة المستوجبة لحزن النبيِّ وانزعاجه، ومختصر الكلام إنه من المحال أن يرتكب عليٌّ عليه السلام عملاً يسخط الله ورسولَهُ، فكيف يمكن أن يعيد الله تعالى الشمس لمن ارتكب معصيةِ تركِ فريضةٍ عامداً؟

 

أضف إلى ذلك أنه لا يمكن العودة بالزمان إلى الوراء فإذا غربت الشمس وانقضى وقت العصر، فإن هذا الزمن لن يعود ثانيةً حتى ولو أُعيدت الشمس مجدداً إلى الظهور بعد غروبها لأن الوقت الذي انقضى قد انقضى ولا يمكن إحياؤه من جديد، غاية ما في الأمر أن رجوع الشمس ينشئ زمناً جديداً غير الزمن السابق. وأساساً، لو كان واجب عليٍّ في ذلك الظرف ترك الصلاة، لما كان هناك من داعٍ لإعادة الشمس، وبالتالي فإن الراوي الوضّاع لم يكن يدري ما يقول! والطريف في الموضوع أن أحداً على وجه الأرض لم يشعر بعودة الشمس للظهور بعد غروبها سوى سهل بن زياد ذلك الراوي الغالي الكذّاب؟! (هذا بمعزل عن أن عبارة عودة الشمس خطأ علمي لأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، لذا ينبغي أن يُقال عودة الأرض).

 

ثم هل تتفق هذه الرواية مع القرآن الكريم؟

 

يقول الله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ﴾ [إبراهيم:33]، ويقول أيضاً: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس:38-40]؛ وعليه فالله تعالى خلق للشمس نظاماً زمنياً ومكانياً خاصاً تسير عليه، وسخّر الشمس والقمر لمصلحة عباده وجعلهما يدوران بنظام خاص وحسبان دقيق، فإذا تحرك كل كوكب من مكانه أو اختلّ دورانه لاختلّ نظام الكون وتغيّر وضع العالم، وهذا طبعاً مما يعلمه جميع أهل العلم.

 

وليت شعري هل يمكننا أن نحكي هذه القصة لعلماء الفيزياء والفلك في القرن العشرين؟!

 

أجل، لقد قام الوضّاعون، على قدر ما استطاعوا، بوضع متون زيارات مليئة بالإطراء وعبارات الثناء والتمجيد المفرط ودوّنوا في ذلك كتباً. من ذلك أنهم أوردوا مثلاً في متن زيارة إبراهيم بن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي تُوفِّيَ وهو ابن 18 شهراً فقط عبارات فيها طلب الشفاعة منه؟! فلعلَّ واضع تلك الزيارة تصوّر أن الطفل ابن السنتين سيكون رقيق القلب يمكن خداعه بسهولة لذا سيُسرّ بالاستماع إلى عبارات زيارته المليئة بالمديح والإطراء فيشفع لزائره ويصبح وسيلة لغفران ذنوبه وسعادته! أو أوردوا في زيارة حمزة: راغباً إليك في الشفاعة أبتغي بزيارتك خلاص نفسي متعوّذاً بك من نارٍٍ استحقّها مثلي بما جنيت على نفسي، هارباً من ذنوبي التي احتطبتها على ظهري، فزعاً إليك رجاء رحمة ربي، أتيتك من شقَّةٍ بعيدةٍ طالباً فكاك رقبتي من النار!.

 

هذه الجمل مخالفة تماماً لأمر الله وأحكام شريعته، لأن القرآن الكريم أمرنا أن لا نلجأ إلا إلى الله وأن لا نستعين إلا بالله وعلّمنا أن الشفاعة ليست حسب رغبتنا وأنها منحصرة بيد الله وأننا إذا تحمّلنا أوزاراً ثقيلة من الذنوب على ظهورنا فلا ينقذنا من تبعاتها شيء سوى التوبة النصوح. إن تبتم غفر الله ذنوبكم، ولا ينبغي عليكم أن تُطْلِعُوا أحداً على ذنوبكم ولا يحقُّ لأي أحد أن يتتبع ذنوب الآخرين ويتجسس عليهم ويطَّلع على زلّاتهم. ولكن هذا المسكين الجاهل ترك أحكام الله وتعاليمه وتعاليم كتابه وآياته وذهب يطلب فكاك رقبته من النار بشفاعة حضرة حمزة -رضي الله عنه- وظنّ أن هذا الأمر بيده. الله تعالى قال للمذنب أنا معك في جميع الأحوال، عليمٌ بأعمالك وخبيرٌ بذنوبك وقادرٌ على نفعك وضرِّك، ولكن هذا الجاهل غفل عن آيات الله وذهب يقطع مسافات بعيدة حتى وجد حضرة حمزة رضي الله عنه ولم يدرِ أنه لا علم له بما في الدنيا بل هو سعيد منعّم يُرزق في دار السلام ولم يعد له أي صلة ولا أي شغل بالمذنبين الخطَّائين.

 

لقد أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن يلجأ إليه فقال: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ [المؤمنون:97-98]، وقال له كذلك: ﴿ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف:200]، وقال أيضاً: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ الله أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ [الجن:20-22]، وكان رسول الله يدعو ربه قائلاً: إلـهي لا مفزع ولا مفرَّ إلا إليك، فلاحظوا كم ذكروا في تلك الزيارات من مطالب مخالفة للقرآن!

 

كذلك نقرأ في زيارة حضرة حمزة رضي الله عنه: ألْـهَمَنِي طَلَبَ الحوائج عنده! ولكن الواقع أن الله لم يلهمه ذلك بل الشيطان هو الذي ألهمه أن يطلب الحوائج عند غير الله!! وقارنوا ذلك بالدعاء الصحيح المروي عن الإمام السجّاد عليه السلام الذي يقول فيه مناجياً ربَّه: الحمدُ لله الذي أغلق عنا باب الحاجة(75)، ويقول كذلك: لا أطلب الفرج إلا منك(76).

 

أجل، إن ما ذكره الخُرَافِيُّون من أعمال وزيارات للقبور ليس له أي مستند في الشرع، ويقول المجلسيُّ: لا أدرِي لماذا لم يذكر العلماء في كتبهم زيارة أبي طالب وعبد المطلب وزيارة عبد مناف(77) والسيدة خديجة مع أن قبورهم معروفة في مكّة!!

 

والجواب واضح أنه لا يوجد أي مستند لذلك أو أن وضّاعي الزيارات لم يجدوا الوقت الكافي لصنع زيارات لهم!!، وليت شعري هل يجب أن نصنع نص زيارة لكل قبر معروف؟! نحمد الله أنهم لم يدوّنوا لهم زيارات وإلا لوجب أن يدوّنوا زيارات لأبي ذرّ وسلمان و... و... رضي الله عنهم وكذلك لمئة وأربعة وعشرين ألف نبي وأولادهم وللسيدة آمنة وعبد الله والديّ نبي الإسلام ولحضرة جعفر والمقداد وعمّار وابن مسعود ومالك الأشتر وآلاف الصالحين غيرهم!

 

ثم يقول المجلسيُّ: صلّ في المدينة في بيت زين العابدين وبيت الإمام الصادق. ويبدو أن المجلسيَّ لم يكن يعلم أن بيوتهم قد تهدّمت منذ قرون وانتقلت تلك الأراضي إلى آخرين ولم تعد حدودها معلومة.

الهوامش:

(65) بحار الأنوار، ج97/6- باب زيارة الأئمة بالبقيع عليهم السلام، ص 203، حديث رقم 1. (المترجم)

 

(66) هل سند الدين وتكليف المؤمنين على هذه الدرجة من الوهن والضعف حتى يتم إبلاغه عن طريق رجل مجهول لا يعرف اسمه وعن إمام غير معين؟

 

(67) بحار الأنوار، ج97/6- باب زيارة الأئمة بالبقيع عليهم السلام، ص 206، حديث رقم 8. (المترجم)

 

(68) نهج البلاغة، الخطبة رقم 133.

 

(69) نهج البلاغة، الرسالة رقم 6.

 

(70) نهج البلاغة، الخطبة رقم 205.

 

(71) نهج البلاغة، الخطبة رقم 216.

 

(72) نهج البلاغة، الخطبة رقم 216.

 

(73) قال الشيخ الطوسي في الفهرست والاستبصار عنه: ﴿ ضعيف جداً عند نقّاد الأخبار ﴾. وقال ابن الغضائري عنه: ﴿ سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي، كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والدين... يروي المراسيل ويعتمد المجاهيل ﴾.  

 

(74) الفروع من الكافي، (ج1/ص319)،  وحديث ردت الشمس على علي بن أبي طالب رواه بعض أهل السنة أيضاً ولخّص العجلوني ما جاء في ذلك في كتابه كشف الخفاء فقال: ﴿  قال الإمام أحمد لا أصل له وقال ابن الجوزي موضوع، لكن خطَّؤُوه، ومن ثم قال السيوطي: أخرجه ابن مندة وابن شاهين عن أسماء بنت عميس وابن مردويه عن أبى هريرة وإسنادهما حسن، وصححه الطحاوي والقاضي عياض... وأقول في عمدة القاري للعيني، كفتح الباري للحافظ ابن حجر، أن الطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل أخرجوه عن أسماء بنت عميس ﴾ انتهى باختصار من كشف الخفاء. (المترجم)

 

(75) الصحيفة السجادية، الباب الأوَّل.

 

(76) مفاتيح الجنان، أواخر دعاء أبي حمزة الثمالي.

 

(77) نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن عبد مناف لم يكن مسلماً، ورغم ذلك فحضرة المجلسي يتعجّب من عدم وجود زيارة له في الكتب؟!!