روايات الباب الثاني من أبواب زيارة النبيّ

 

1- أورد المجلسيُّ في هذا الباب رواياتٍ فيها دعوة الزائرين إلى تقبيل عامود التوبة وعامود حنانة ومنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن يمسحوا أعينهم بها، وأن يزوروا مقام جبريل والميزاب الذي كان فوق رأس جبريل.. الخ. ولنا أن نتساءل: هل تلك العواميد ومنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تزال موجودة بعينها الآن؟ ألم يكن المجلسيُّ أو رواةُ حديثه يعلمون أن تلك الأعمدة والمنبر قد اندثرت منذ مئات السنين؟!

 

2- وذكر المجلسيُّ في هذا الباب أدعيةً مفادها أن يقول زائر قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بعد وقوفه أمام قبره وقراءته ألفاظ الزيارة وما فيها من عبارات الغلوّ في الإطراء والتمجيد - في آخر كلامه: اللهمَّ إنَّكَ قُلْتَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ الله وَاسْتَغْفَرَ لَـهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ الله تَوَّابًا رَّحِيمًا(57). وإنِّي أتَيْتُ نَبِيَّكَ مُسْتَغْفِرَاً تَائِبَاً مِنْ ذُنُوبِي...الخ.

 

فنسأل: هل يجب على كلّ مذنب عاصٍ أن يذهب إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل غفران ذنوبه كما يفعل النصارى عندما يذهبون إلى قسِّيسيهم ويعترفون بذنوبهم لتُغفر لهم؟ أليس هذا نوعٌ من اللعب بآيات القرآن والتحريف المعنوي لها؟

 

إن الله تعالى لم يقل أبداً إن كلَّ من أذنب عليه أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والآية التي ذُكرت في الرواية لا علاقة لها بذلك الموضوع، لأن سياقها الكامل كالتالي: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:64-65]، فهذه الآيات تتعلق بالمنافقين الذين تخاصموا مع اليهود فقال اليهودي: أنا أقبل بحكم محمَّد ولكن المنافق قال: أنا لا أقبل بحكمه. كما أشارت إلى ذلك الآيات التي جاءت قبلها أي قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [النساء:61]، ثم قال تعالى: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65]، وذلك أن المنافقين الذين كانوا يدّعون الإسلام كانوا مستعدِّين للقبول بحكم كعب بن الأشرف اليهودي ولكنهم غير مستعدين للقبول بحكم نبيِّ الإسلام الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم!! وهذا معناه أنهم لم يكونوا يؤمنون بقوانين الله تعالى وأحكام شرعه ولا يعتبرونها صحيحةً عادلةً! أو أنهم لم يكونوا يعتبرون رسول الله -والعياذ بالله- عادلاً، وهذا أوضح دليل على كفرهم وإهانتهم لنبيِّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم. وبناء على ذلك فالآية تقول إن علامةَ الإيمان قبولُ حكم الشرع، وتقول: إذا أراد هؤلاء القوم أن يكفّروا عما ارتكبوه من إهانة وظلم بحقِّ النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعن اتِّهامهم له بالحيف وعدم العدل فعليهم أن يأتوا إليه ويطلبوا رضاه، وعلى الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلب من الله المغفرة لهم علامةً على عفوه عنهم ورضاه عنهم. ولكنهم لم يفعلوا ذلك، لذا قال الله تعالى لرسوله في هذه الآيات: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء:63]، ثم قال في الآية التالية: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء:64]، فهذا الاستغفار وطلب الاستغفار من الرسول هو بالنسبة إلى الظلم والإهانة التي فعلوها بحق النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس بالنسبة إلى جميع الآثام. فلاحظوا أن هذه الآية لا تعود للمؤمنين أصلاً. لذا يجب أن نقول لواضع تلك الرواية:

 

أولاً: الآية تتعلَّق بالمنافقين.

 

ثانياً: إن الله تعالى لم يقل إنَّ على كلِّ من ارتكب ذنباً أن يحضر إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن كلمة القبر لم تأت في الآية أصلاً، فالآية متعلِّقة بزمن حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتبيِّنُ أن على الناس أن يذهبوا إليه في منازعاتهم ودعاويهم فهذا كان واجبهم أثناء حياته صلى الله عليه وآله وسلم.

 

فلاحظوا كيف تلاعب هذا الوضّاع بمعاني القرآن واستخرج الشرك من آية التوحيد ليسوق الناس نحو عمل شركي! إن دين الإسلام ليس كالمسيحية في دعوته كل من ارتكب ذنباً أن يذهب إلى مخلوق مثله فضلاً عن أن يذهب إلى قبر مخلوق، ويطلب منه غفران ذنبه، بل قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]. وقال كذلك: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ [غافر:49]. وقال: ﴿ فَادْعُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر:14]. وقال: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ [هود:3]، وقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد:19]، وقال: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [غافر:55]، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت:6]، فأمرهم أن يستقيموا إلى الله أي يتجهوا مباشرة إليه بوصفه إلههم ومعبودهم الأوحد ويطلبوا منه غفران ذنوبهم، ولم يقل لهم اذهبوا وابحثوا عن شفيعٍ ليأتيني ويشفع لكم.

 

كيف لم ينتبه المجلسيّ وسائر المحدثين إلى هذه الآيات واستسلموا إلى ذلك الحدّ إلى الرواة الكذبة؟!

 

وينقل المجلسيّ في البحار، باب زيارة النبيِّ من قريب، الحديث رقم (41) بدون سند عن ابن طاووس والشيخ المفيد وفيه: إذا وردتَ مدينةَ النبيِّ صلى الله عليه وآله فاغتسل للزيارة...(إلى قوله عن كيفية الزيارة): يمشي إلى الحجرة فإذا وصلها استلمها وقبَّلها وقال: السلام عليك يا رسول الله... إلى آخر الرواية المليئة بجمل الغلوّ في إطراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمبالغات في مديحه، ونتساءل هل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كسائر الناس يسرّ من تجاوز الحدّ في مدحه وإطرائه؟ وهل يطلع صلى الله عليه وآله وسلم - كالله تعالى- على أحوال جميع الناس والزوّار ويسمع ثناءهم وتمجيدهم له أم لا؟

 

3- ويروي المجلسيّ في الباب الأخير ذاته روايةً أخرى تقول: إنَّ على الحاجّ أن يذهب إلى المدينة ويزور قبور الشهداء و... ويزور بيت علي بن أبي طالب ودار جعفر بن محمد عليهما السلام ثم يقرأ نصّ الزيارة -التي لا سند لها- التي أوردها الشيخ المفيد وابن طاووس(58). ولنا أن نسأل: هل بيت علي بن أبي طالب (ع) ودار جعفر (ع) لا تزال موجودة؟ هل لأولئك السادة العلماء الحق في وضع زيارات؟ لقد جمع المجلسيّ في هذا الباب وأبواب أخرى كل دعاء وصلاة كتبها أي عابد أو شيخ وجعل العمل بها أمراً مشروعاً ومستحباً! فهل لغير الله أن يشرع عبادات؟!

 

الهوامش:

(57) النساء، آية 64.

 

(58) بحار الأنوار، ج97/ص 160، الحديث رقم 40. (المترجم)