جُمَلُ الزيارات وآيات كتاب الله

 

للإجابة عن هذا السؤال نبدأ بدراسة متون نصوص الزيارات، ولكن لما كانت بعض تلك الزيارات طويلةً جداً وكان التحقيق في جميع جُمَلِهَا يطول فإننا سنضطرُّ إلى الإشارة إلى بعض جملها فقط ويمكن للقرّاء أن يراجعوا القرآن في الموارد الأخرى ويقارنوا متون الزيارات بكتاب الله سبحانه.

 

1- روى المجلسيُّ في كتاب المزار من بحار الأنوار في باب زيارة النبيّ وسائر المشاهد في المدينة(49) [نقلاً عن كتابَي علل الشرائع وعيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق] عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: إذا حجَّ أحدكم فليختم حجَّهُ بزيارتنا لأن ذلك من تمام الحجِّ!.

 

وهنا نتساءل: أولاً: عندما كان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمامُ يحجُّ فإلى زيارة قبر أيِّ إمام كان يذهب؟؟ ولماذا لم يبيِّن الله تعالى في كتابه شرط كمال الحج هذا؟

 

ثانياً: لم يكن الإمام متكبراً حتى يجعل من زيارة قبره كمالاً للحجِّ خاصَّةً أن الله تعالى يقول: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ﴾ [القصص:83]، ويقول أيضاً: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النجم:32].

 

ثالثاً: لو قال الإمام مثل هذا الكلام حقَّاً فإنَّ قصده كان أن يزوره الناس ليستفيدوا من علمه حال حياته، وليس قصده أن يزوروا قبره، ولكن المحدّثين اعتبروا خطأً أن هذا الكلام دليلٌ على وجوب زيارة قبر الإمام!!

 

هل من الممكن أن يكون أئمة الهدى من آل الرسول عليهم السلام قد علَّمونا تلك الزيارات المملوءة بالغلوّ في حقِّهم والمبالغة في المديح والإطراء إلى حدّ أن ثلاثة مجلدات من بحار الأنوار خُصّصت لها، يَدْعُونَ الناس فيها أن يأتوا إلى قبورهم ويخشعوا أمامها ويمجِّدوهم بتلك العبارات المغالية كي يرضوهم فيشفعوا لهم في المحكمة الإلهية؟!

 

2- روى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب قُرب الإسناد للحميري] عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من زارني حيَّاً وميِّتاً كنتُ له شفيعاً يوم القيامة. نفهم من هذا الحديث أنَّ اختيار الشفيع وانتخابه بيد الزوّار، هذا في حين أن الله تعالى جعل اختيار الشفيع حقّاً خالصاً له وسلب عن الخلقِ هذا الحقَّ، وقال بشأن شفاعة الملائكة: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم:26]. وقال أيضاً: ﴿ وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ:23]، وكما قال الشاعر:

 

اگر خداى نبا شد زبنده اش خشنود شفاعت همه پيغمبران ندارد سود(50).   أي: إن لم يكن الله راضياً عن عبده لم تنفعه شفاعة جميع الأنبياء.

 

وأضيف قائلاً [في نقد متن هذه الرواية]:

 

أولاً: لو استحقَّ الإنسان الشفاعة لمجرَّد زيارته لقبر فيجب أن تشمل الشفاعة جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين زاروه حال حياته وجميع الفسّاق والفجّار الذين زاروا قبره فيما بعد وأن يدخل جميعهم الجنة بشفاعته. وبالتالي فإن القرآن والعقاب والحساب ستصبح كلُّها لغواً!!

 

ثانياً: تُبيِّنُ آياتُ القرآن الكريم، خلافاً لما يتصوَّره عوام الناس، أن الله تعالى لم يعطِ أفراد البشر حتى الأنبياء الإذن المطلق بالشفاعة لمن يريدون، ولا توجد آيةٌ تصرّح بإذن الله المطلق لأحد بأن يشفع لمن يشاء، بل لقد نفى الله الشفاعة [بهذا المعنى] يوم القيامة حتى للمؤمنين إذ قال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ﴾ [البقرة:254].

 

ثالثاً: لقد حصرت بعض آيات القرآن الشفاعةَ بالله تعالى كقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ﴾ [السجدة:4]، وقوله سبحانه: ﴿ قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [الزمر:44].

 

رابعاً: إذا كانت بعض آيات القرآن التي تتحدَّث عن شفاعة الملائكة تفيد أن الله أعطاهم الإذن بذلك، فلا يمكن أن نقيس على ذلك الأنبياء والأولياء، فمثلاً يذكر القرآن أن الملائكة تقبض أرواح بني آدم في حين أنه لا يمكن القول أن الأنبياء والأولياء أيضاً يقومون بمثل ذلك. أضف إلى ذلك أن شفاعة الملائكة والأنبياء والأولياء ليست سوى الرحمة الإلهية التي يتم إبلاغها للمشفوع له عبر الملائكة وربما الأنبياء والأولياء. لأن الله تعالى هو الوحيد البصير بعباده والخبير بأعمالهم وتصرّفاتهم، وآيات القرآن تدلُّ على هذا الموضوع بكلِّ وضوح.

 

3- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب علل الشرائع للشيخ الصدوق] حديثاً منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أتى مكة حاجّاً ولم يزرني في المدينة جفوته يوم القيامة. ومن جاءني زائراً وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة!. فانظروا كيف اتّهم هذا الراوي الكاذب الوضَّاع رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيجفو كل من لم يأتِ إلى زيارته، فهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجحف جافٍ حتى يتوعَّد كلَّ من لم يأت إلى زيارته بأنه سيجفوه يوم القيامة؟ حاشاه من ذلك، ولا أتصوَّر أن أيَّ عقل يمكنه أن يقبل هذا بشأن الرسول الكريم الذي وصفه ربُّهُ بأنه رحمةٌ للعالمين (الأنبياء: 107) [وبالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة:28)].

 

أضف إلى ذلك أن هذه الرواية تذكر أن كلَّ من شفع له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجبت له الجنة، أي أن الله مجبر على قبول شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحقِّ كلِّ شخص وأن يدخله الجنَّة بذلك، وهذا قلبٌ لمفهوم الشفاعة القرآني، إذْ إن القرآن الكريم يبيِّن لنا بأوضح العبارات أن الله تعالى هو صاحب الشفاعة وليس مطيعاً في شأنها لأحد بل يقول لرسوله: ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ [الزمر:19]، فمتن هذا الحديث مخالف للقرآن ويجرِّئُ الناس على الذنوب ويغريهم بالمعاصي.

 

4- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب كامل الزيارة لابن قولويه(51)] حديثاً آخر منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيه: ومن مات في أحد الحرمين: مكة أو المدينة لم يعرض إلى الحساب ومات مهاجراً إلى الله وحُشِرَ يوم القيامة مع أصحاب بدر!.

 

وهذه الرواية تخالف قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأعراف:6]، فهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي تُوفِّيَ في المدينة يُحاسَب أم لا حساب له؟ القرآن يقول إنه حتى المرسلين سيُسألون، فما بالك ببقية الناس! في رأينا إن هدف الوضَّاعين من اختلاق هذه الأحاديث أن يصبح القرآنُ وتعاليمه مهجورةً.

 

5- وروى المجلسيُّ والحُرُّ العامليُّ في الوسائل (ج10/الباب التاسع عشر الموسوم بباب استحباب النزول بالمعرّس(52) لمن مرّ به) حديثاً جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل في منزل بين المدينة ومكة وغشيَ أهله(53) ثم أخذه النوم حتى طلعت الشمس فصلّى الفجر قضاءً، لذا من المستحبّ لكل من حجَّ أن يذهب إلى ذلك المنزل وينام فيه!

 

أقول: إذا صحّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخذه النوم حتى صلّى صلاته قضاءً فهذا يدلُّ قطعاً على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره ذلك المكان الذي فاتته فيه الصلاة، وبالتالي فلا ينبغي على أحد أن يذهب للنوم في ذلك المكان بل عليه أن يمرّ به بسرعة(54).

 

هذا إضافةً إلى أنه ما حاجةُ الحجَّاج الذين لن يعاشروا زوجاتهم(55) [بحكم إحرامهم] إلى النوم في ذلك المكان؟ أليس هذا الحديث استهزاء بالدين؟ والطريف أن كتاب وسائل الشيعة يروي في الباب عشرين من ذلك الجزء العاشر/ص291 عن الإمام الرضا عليه السلام روايةً في استحباب الرجوع إلى المعرِّس لمن تجاوزه وأن شخصاً لم يعرِّس فأمره الرضا عليه السلام أن ينصرف فيعرِّس!!

 

6- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب ثواب الأعمال للشيخ الصدوق] روايةً أخرى أن الحسين صلوات الله عليه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أبتاه! ما لمن زارنا؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يا بُنَيَّ مَنْ زَارَني حيَّاً وميِّتَاً، وَمَنْ زَارَ أباك حيَّاً وميِّتَاً وَمَنْ زَارَ أخاكَ حيَّاً وميِّتَاً وَمَنْ زاركَ حيَّاً وميِّتَاً كان حقيقاً عليَّ أنْ أزورَهُ يوم القيامة وأخلِّصه مِنْ ذُنُوبِهِ وأُدْخله الجنة!(56).

 

أقول: هذه الرواية تُصَوِّرُ الإمام الحسين عليه السلام وكأنه كان منذ صغره ينتظر زيارة الزائرين ويستفهم عن أجرهم! وتُصَوِّرُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنَّه غفّارٌ للذنوب أو كأن الشفاعة ملك يديه أو يدي أهل بيته، هذا في حين أن القرآن الكريم يبين لنا قول الله تعالى لنبيِّه الكريم -صلوات ربِّي وسلامه عليه وآله-: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله ﴾ [التوبة:80] فالله تعالى ليس تابعاً مطيعاً لرسوله أو لغيره بل الأمر كلُّه بيديه تعالى وحده، وهو الوحيد الذي يملك غفران الذنوب.

 

7- وروى المجلسيُّ في الكتاب ذاته [نقلاً عن أمالي الصدوق] أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَنْ زَارَ الحسنَ في بَقيعِهِ ثَبَّتَ الله قَدَمَهُ على الصراطِ يومَ تزلُّ فيه الأقدامُ.

 

أقول: فهل تكفي زيارة الإمام الحسن (ع) حتى تُغفر جميع زلات الإنسان؟ هل هذه الزيارة رشوة لنقض قوانين الله؟ ولماذا يُخَصَّصُ كلُّ هذا الثواب والأجر لزيارة قبر الإمام بعد موته ولا يوجد مثله لمن زار الإمام حال حياته؟!

 

8- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته [نقلاً عن كتاب كامل الزيارة لابن قولويه] عن الإمام الجواد (ع) أنه سُئِلَ: جُعلتُ فداك! ما لمن زار رسولَ الله صلى الله عليه وآله متعمِّداً؟ قال: له الجنَّة!. قلت: إذا كان الأمر بهذه البساطة فجميع أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله ومعاصريه زاروه وبالتالي فطبقاً لهذه الرواية يجب أن يدخلوا الجنَّةَ جميعاً، فلماذا إذن تعترضون على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدحون بهم؟ إلا أن يقول بعضهم إن هذا الأجر والثواب هو لمن زار القبر لا لمن زار رسول الله ذاته صلى الله عليه وآله وسلم. إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ!

 

9- وروى المجلسيُّ في الباب ذاته عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: من زارني غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَمْ يَمُتْ فَقِيْرَاً.

 

قلتُ: فهل يُحِبُّ الإمامُ زيارةَ الناس له إلى هذه الدرجة التي تجعله يحكم بغفران جميع ذنوب زائره وأن كل من جاء إليه لا يموت إلا غنياً؟!

 

يقول علماء الاقتصاد إن الوصول إلى الرفاهية وسعة العيش يتطلَّب اتِّباع القوانين الاقتصاديّة الصحيحة والجدّ والنشاط ولكنّ رواة تلك الأحاديث يقولون إن من أراد الغِنَى فعليه أن يذهب لزيارة القبور!! فأيُّ القولين صحيح؟ أترك الحكم في ذلك إلى القارئ!

 

في رأيي إن أعداء الإسلام أرادوا إضعاف دين الإسلام بأمثال تلك الروايات وأن يُغروا الناس بالمعاصي ويصوِّروا لهم أن زيارة القبر كفيلة بغفران جميع جناياتهم وآثامهم.

 

10 - وفي الباب ذاته روايةٌ عن الإمام العسكري عليه السلام قال فيها: من زار جعفراً وأباه لم يشكو عينه ولم يصبه سقم. فلنا أن نتساءل: لماذا كان الذين يزورون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرونه يمرضون إذن؟ بل عليٌّ عليه السلام ذاته أصابه رمد العين كما مرض عددٌ من المهاجرين في سبيل الله من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عندما وصلوا إلى المدينة وأصابتهم الحمّة. فكيف لا يمرض زائرُ قبر حفيد حفيد النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؟! إن هذا الحديث مخالفٌ لكتاب الله وللعقل السليم. وروايات هذا الباب أغلبها من هذا القبيل. فاقرأ أنت الحديث المفصّل من هذا الكلام المجمل.

 

الهوامش:

(49) قمنا في أغلب هذا الفصل بتمحيص روايات المجلسي في بحار الأنوار لأن المطالب التي ذكرها موجودة في كتب سائر محدثي الشيعة أيضاً. (المؤلف).   قلت (المترجم): ويقع باب  المزار في المجلد 97 منه هذا ومن الجدير بالذكر أن بحار الأنوار من الكتب التي أراد مؤلفها أن يجمع ويقمِّش فيها كل ما وجده في عصره من كتب الرويات والأحاديث والأخبار والآثار بغض النظر عن كونها معتمدة أم غير معتمدة وموثوقة أم غير موثوقة ومسندة أم غير مسندة بل حتى لو كانت مجرد وجادات (أي كتب قديمة وجدها في خزانة ما أو عند شخص ما دون أن يعرف من صاحبها وما سندها!)، بل المجلسي نفسه يصرح في عدد من مواضع كتابه بحار الأنوار بعدم صحة خبر أو قصة رغم روايته لها! فكأنه أراد أن يوثق التراث المنقول ويترك للعلماء التحقيق فيه، ولذلك فإجماع علماء الشيعة الإمامية قاطبة - حتى أشدّ الأخباريين تعصّباً - على أنه ليس كل ما في البحار صحيحاً بل هو - على حد قولهم - كالبحر يضم الخزف والحصى وما لا ينفع كما يضم اللؤلؤ والمرجان، لذا فالإنصاف يقتضي معرفة ذلك، ولا ينبغي أن نتصور أن كل رواية موجودة في كتاب بحار الأنوار مقبولة لدى الشيعة ومعتمدة لديهم!! (المترجم)

 

(50) من المناسب هنا أن أنقل بعض الفقرات من كتاب العدل الإلهي للشيخ مرتضى المطهّري، هذا رغم أن رأيه في موضوع الشفاعة غير صحيح في بعض الموارد لأنه لا يذكر الآية الكريمة حتى آخرها، كما يفعل سائر المشايخ (أنظر ص283 من الطبعة العاشرة لكتابه العدل الإلهي)، ولكن مع ذلك فقد ذكر مطالب ممتازة حول الشفاعة جديرة بالانتباه إليها، إذ يقول: [[إن النوع الخاطئ من الشفاعة الذي اعتُبر مرفوضاً لدلائل عقلية ونقلية هو أن يستطيع المذنب الآثم أن يحرّض وسيلة ما على أن تتدخل في الحكم الإلهي بما لها من نفوذ وتمنع ذلك الحكم، أي تماماً كما يحصل في الوساطات والمحسوبيات التي تتمّ في المجتمعات البشرية المنحطّة. كثيرٌ من عامَّة الناس يتوهَّم أنَّ شفاعة الأنبياء والأئمَّة -عليهم السلام- هي كذلك؛ إذ يظنون أن النبيَّ الأكرم  صلى الله عليه وآله وسلم  وأمير المؤمنين (ع) وحضرة الزهراء سلام الله عليها والأئمة الأطهار لاسيما الإمام الحسين (ع) أصحاب نفوذ في حكومة الله فهم يُعْمِلُون نفوذَهُم ويغيِّرون إرادةَ الله وينقضون قوانينه. وهذا هو التصور ذاته الذي كان للعرب زمن الجاهلية تجاه أصنامهم التي جعلوها شركاء لله ، إذْ كانوا يقولون إن الخلق منحصر بيد الله ولا شريك له فيه، أما في إدارة العالم فالأصنام تشارك الله، فشرك عرب الجاهلية لم يكن شركاً في الخالق أو الخالقية بل كان شركاً في الربّ أو الربوبيَّة. أحياناً يحصل في حياة المجتمعات البشرية أن يقوم أحد الناس بإنشاء مؤسَّسة ثمَّ َيَكِلُ إدارتها إلى شخص آخر، أو يقوم بإدارتها بنفسه بالمشاركة مع آخرين. كانت عقيدة المشركين في الله والعالم وإدارته على ذلك النحو. وقد حارب القرآن الكريم هذا الشرك بشدَّة وأعلن مراراً أنه ليس لله  شريك في الخلق والإيجاد كما لا شريك له في الأمر والتدبير والربوبية، فهو وحده الذي ابتدع العالم وهو وحده المدبّر له. هو وحده مالك العالمين وهو وحده ربّ العالمين. كان المشركون الذين يتصورون أن ربوبية العالم موزعة بين الله وغيره لا يشعرون أنهم ملزمون بالسعي للحصول على رضا الله، ويقولون يمكننا بتقديم القرابين للأصنام وعبادتها أن نحصل على رضا أرباب آخرين وتأييدهم لنا، حتى ولو كان ذلك مخالفاً لرضا الله، إذ أننا لو استطعنا الحصول على رضا تلك الأصنام الآلهة فإنها تستطيع أن تدبِّر لنا الأمر وترتِّب لنا وضعنا مع الله! إذا وُجد بين المسلمين من يعتقد مثل هذا الاعتقاد بأنه توجد إلى جانب نظام السلطة الربوبية، سلطة أخرى تمتلك القدرة على التصرف مثلها فإن هذا لن يكون سوى شرك محض. وإذا ظن رجل أن طريق الحصول على رضا الله تعالى هو غير طريق الحصول على رضا الإمام الحسين مثلاً وأن كلاً من الاثنين يمكنه أن يؤمِّن سعادةَ الإنسان، فهو واقعٌ في ضلال كبير. في هذا الوهم يُقال إن الله ترضيه أشياء والإمام الحسين (ع) أشياء أخرى، مثلاً الله يرضى عن العبد إذا أدّى فرائضه من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد وصدق وأمانة وخدمة للخلق وبرّ للوالدين وأمثالها وَتَرَكَ المعاصي مثل الكذب والظلم والغيبة وشرب الخمر والزنا، أما الإمام الحسين (ع) فلا شأن له بمثل هذه الأعمال والوصول إلى رضاه يتم بأن يبكي الإنسان على ابنه علي الأكبر أو على الأقل يتباكى! ويستنتج من هذا التقسيم أن تحصيل رضا الله صعب في حين أن الوصول إلى رضا الإمام الحسين (ع) سهل إذ يتم من خلال البكاء ولطم الصدور. وعندما يحصل على رضا الإمام الحسين (ع) فإنه أي الإمام يتوسط له في نظام الله ويشفع له ويسيِّر له أمره، بل يمكنه حتى أن يصفي له حساب الصلوات والصوم والحج والجهاد والإنفاق في سبيل الله التي لم يقم بأي شيء منها ويمحي له جميع الذنوب والآثام بجرّة قلم كما يُقال.  مثل هذا التصور للشفاعة تصوُّرٌ باطلٌ وخاطئٌ وليس هذا فحسب بل هو شركٌ في الربوبية وإهانةٌ للساحة المقدسة للإمام الحسين (ع) الذي كان أبرز مفاخره عبوديته الكاملة لله عز وجل كما كان أبوه شديد الغضب جداً على الغلاة ويستعيذ بالله من أقاويلهم. إن الإمام الحسين (ع) لم يُقتل كي يُنشئ - والعياذ بالله- نظاماً نداً لنظام الله تعالى أو لشريعة جدِّه رسول الله أو ليفتح طريقاً للهروب من قانون الله عز وجل. لم تكن شهادته لأجل إضعاف البرامج العملية للإسلام وأحكام القرآن، بل على العكس إنما نهض لإحياء الدين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وضحَّى بنفسه وتقدّم نحو الشهادة لإحياء شرعة الإسلام.]]. انتهى. قلتُ: فأنصف أيها القارئ العزيز! هل صيغت أدعية الزيارات الموجودة إلا على أساس ذلك التصوُّر الشركيّ؟ وهل رأيتَ حتى الآن قارئاً للمراثي أو مدّاحاً على المنبر يقول كلاماً مغايراً لذلك التصوّر الذي اعتبره المطهّري باطلاً أو رأيته يخالف ذلك التصوّر ويحاربه ويبين للناس أنه خلاف للشرع؟! أجل، ينقل مؤلف العدل الإلهي في موضع آخر من القسم ذاته من كتابه هذا عن المجلد الثاني لشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد جزءاً من خطبة النبيّ -صلى الله عليه وآله- التي قالها في أواخر عمره: ﴿ أيها الناس! إنه ليس بين الله وبين أحد نسب ولا أمر يؤتيه به خيراً أو يصرف عنه شراً إلا العمل، ألا لا يَدَّعِيَنَّ مُدَّعٍ ولا يتمنَّيَنَّ مُتَمَنٍّ، والذي بعثني بالحق لا يُنْجِي إلا عملٌ مع رحمةٍ ولو عصيتُ لهويت. اللهم هل بلّغت؟ ﴾.

 

(51) معظم الروايات التي أوردها المجلسي في كتاب المزار منقول عن كتاب كامل الزيارة لـابن قولويه لذا يجدر بنا أن نعرِّف القارئ عليه: فهو هو الشيخ أبو القاسم، جعفر بن محمد بن جعفر بن قولويه القمِّي، من أبرز الشخصيات بين رواة الشيعة في القرن الرابع الهجري، ويُعَدُّ من أفضل تلامذة محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي، ومن أبرز مشايخ الشيخ المفيد، ولد في قم وتوفي فيها سنة 367 هـ ومن أشهر مؤلفاته: كامل الزيارات المليء والمشحون - مع الأسف - بالروايات الضعيفة والموضوعة. (المترجم)

 

(52) جاء في حاشية وسائل الشيعة للحُرِّ العامليِّ (ط. مؤسسة آل البيت، 1414هـ): [المعرّس:  مسجد ذي الحليفة، كان رسول الله  صلى الله عليه وآله  يعرِّس فيه ثم يرحل لغزاة أو غيرها والتعريس: نومة خفيفة.]. (المترجم)

 

(53) ليس في أحاديث الباب التي رواها المجلسيُّ في البحار ولا الحُرُّ العامليُّ في الوسائل أي إشارة إلى أن رسول الله  صلى الله عليه وآله  جامع أهله أو بنى بإحدى زوجاته في ذلك المكان، ومن الواضح أن المؤلِّف البرقعي اشتبه عليه المعنى العربي لألفاظ الحديث وخلط بين لفظ التعريس الذي معناه: نزول القوم من السفر آخر الليل للاستراحة والنوم الخفيف، وبين الإعراس مصدر أعْرَسَ فلانٌ بأهله أي بنى بها، أو غشيها. (المترجم)

 

(54) كما ذكرتُ في كتابي جامع المنقول في سنن الرسول نقلاً عن وسائل الشيعة (ج3/ص207)، والمصنف لعبد الرزاق (ج1/ص587)، أنه لما فاتت النبي الأكرم  صلى الله عليه وآله  الصلاة أدّاها قضاءً وقال جملة فحواها: ﴿ قوموا فتحوَّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة ﴾. أما رواية المجلسي فعلى العكس من ذلك تقول إذا مررتم من ذلك المكان فعودوا إليه من جديد!

 

(55) كما قلت في الحاشية قبل السابقة: اشتبه على المؤلف البرقعي فهم معنى التعريس بالعربيَّة فظنَّه المبيت لمعاشرة الأهل، مع أن التعريس هو الاستراحة من السفر والنوم الخفيف فقط لاغير، ولا علاقة له بغشيان الأهل مطلقاً، والواقع أن روايات وسائل الشيعة واضحة في ذلك إذ جاء في بعضها: ﴿ عن العيص بن القاسم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الغسل في المعرس؟فقال: ليس عليك فيه غسل، والتعريس هو أن تصلي فيه وتضطجع فيه، ليلاً مَرَّ به أو نهاراً. ﴾. (المترجم)

 

(56) بحار الأنوار، ج97/ص140. (المترجم)