تمحيص آداب الزيارة

 

قبل أن ندرس موضوع الزيارات يجب أن ننظر في أمر الآداب الخاصة بزيارة المراقد والمذكورة في كتب الدعاء وغيرها ونرى هل لها من مستند صحيح أم لا؟

 

توجد في الكتب الخاصة بالزيارات مثل مصباح المتهجِّد للشيخ الطوسي ومفاتيح الجنان للشيخ عباس القمّيّ وبحار الأنوار للمجلسيّ وكتب ابن طاووس [مثل إقبال الأعمال] وكتاب كامل الزيارة لابن قولويه، مطالب وجمل وتعليمات تخالف العقل والشرع والتاريخ وهي من وضع الجهلة أو المغرضين. فمثلاً في فصل آداب زيارة الإمام الحسين (ع) نسبوا إلى الإمام الصادق (ع) قوله: إذا أردت أن تدخل الحائر فادخل من الباب الشرقي، هذا في حين أنه لم يكن هناك بناء على قبر الإمام الحسين (ع) في زمن الإمام الصادق (ع)، وبالتالي لم يكن هناك باب شرقي ولا غربي، بل إن كتابَيْ مفاتيح الجنان وبحار الأنوار عينهما يذكران أن الإمام الصادق عليه السلام قال: كل من نظر إلى قبر الحسين وابنه في صحراء لا قريب فيها ولا صديق... الحديث وسبب ذلك أنه لما لم تكن في ذلك الزمان أيَّة علامة للقبر كان وجدانه أمراً صعباً فلم يكن هناك حرم، فكيف قال الإمام ادخل من الباب الفلاني للحرم؟!

 

أضف إلى ذلك أنه من القبيح جداً أن يقول الإمام كل من أتى إلى منزلنا أو حرمنا فعليه أن يُقبّل عتبتنا ويتمسّح بباب وجدران منزلنا ويقبّلها، ويستأذن للدخول! وكلّ هذا الحُرُم لم تكن موجودةً أساساً، ثم إنه لا معنى لأن يقول الإمام عليك بقراءة إذن دخول من صفحتين ثم ادخل رغم عدم صدور الإذن والسماح بالدخول بعد!

 

هل كانت هذه الأعمال من سنة عليّ عليه السلام وطريقته أنه كلما أراد أن يأتي إلى منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يتلو صفحتين لإذن الدخول!!

 

إن أحكام دين الإمام والمأموم واحدة ولا فرق بينها، وفي الإسلام سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطريقته هي التي يجب اتّباعها، وليس طريقة الملوك الذين يحتاج من يريدون الدخول عليهم أن يستأذنوا للدخول ويقفوا ساعات للانتظار.

 

جاء في كتابَيْ بحار الأنوار ومفاتيح الجنان وغيرها من كتب الشيعة منسوباً إلى الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إنَّ من الآداب تقبيل عتبة الحرم حتى إذا وصل إلى البند الثاني عشر من الآداب يذكر الذهاب إلى قرب الضريح وتقبيله والتمسّح به! هذا في حين أن الأضرحة لم تُبنَ إلا بعد قرون من زمن الأئمة عليهم السلام وقد بناها سلاطين الجور والوزراء الخائنون، فهذا يبين بوضوح أن هذه الروايات وُضعت في زمن أولئك السلاطين وإلا فإنَّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لم ينطقوا بمثل هذا الكلام. ولا ندري لماذا ابتدعوا كل هذه الطقوس والآداب باسم الدين؟

 

كما جاء في تلك الكتب أنَّ كلَّ مَن أراد الذهاب إلى الحرم فعليه أن يغتسل ويقف بجانب باب الحرم حتى يرّق قلبه ثم يضع قدمه اليمنى وخده الأيمن على الضريح ومن الآداب الأخرى أنه يجوز أن يستدبر القبلة ويستقبل قبر الإمام في دعائه!! وأن يعطي لخدّام الحرم شيئاً من المال -أي يُوجد مركزاً للتسوّل- وأن يتصدّق على من يوجد هناك من الفقراء لأن ثوابه يكون مضاعفاً!! هذا مع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تتخذوا قبري قبلةً، وطبقاً للأحاديث التي جاءت في كتاب الوسائل باب 22 من أحكام الطواف أن أئمّة الإسلام قالوا: كل من نذر أو أوصى للكعبة أو المسجد الحرام فلا يجوز أن يعطي هذا النذر أو الوصية لخدّام الحرم أو حجّاب الكعبة حتى لا يحوِّل حرم الله إلى مركز للتسوّل(46)!

 

لقد وُضعت في كتب الدعاء والزيارة نصوص استئذان للدخول إلى الحرم والأروقة وآداب للزيارة منسوبة إلى الإمام كذباً، وأوضح دليل على كذبها أنه لم تكن في زمان الأئمة عليهم السلام قباب وأروقة وحرم للقبور فلم تكن مثل تلك الأشياء قد بُنيت بعد بمال السلاطين الحرام. لماذا أضاف المجلسيّ والقمّيّ وابن طاووس هذه الآداب والأحكام التي ما أنزل الله بها من سلطان إلى دين الله؟ هم أنفسهم نقلوا في كتبهم عن محمد بن علي الشيباني: أنه قال ذهبتُ أنا وأبي وعمِّي ليلاً خفيةً سنة 260هـ إلى زيارة مرقد أمير المؤمنين عليه السلام ورأينا القبر وسط البادية قد وُضِعَ حولَه عددٌ من الأحجار السوداء، ولم يكن عليه بناء.

 

إذن حتى سنة 260هـ التي توافق سنة وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام آخر أئمة الشيعة الظاهرين، لم يكن لمرقد أمير المؤمنين عليه السلام حَرَمٌ ولا قُبَّةٌ ولا رُوَاقٌ ولا فِنَاءٌ ولا صَحْنٌ، فلنا أن نسأل من السادة ابن طاووس والشيخ الطوسي والمجلسي والقمي لماذا أوردتم هذه الروايات المنسوبة إلى الأئمة عليهم السلام حول الرواق والحَرَم؟

 

رُوي في كتابَيْ بحار الأنوار ومفاتيح الجنان في الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام أنه إذا ظهرت قبّة الإمام فَقُلْ كذا، وإذا وصلتَ إلى باب النجف فاقرأ الدعاء الفلاني، وإذا وصلتَ إلى صحن الحرم فقل كذا، وإذا وصلت إلى الرواق فقل: يا أمير المؤمنين عبدك!! فما معنى هذه التعليمات في الوقت الذي لم يكن في زمن الإمام فناء ولا باب ولا قبَّة؟ لا ندري متى وفي أي زمنٍ نُسبت هذه الأقوال إلى الأئمّة عليهم السلام ووضعت على ألسنتهم؟!

 

فهل يجوز للسادة ابن طاووس والمجلسي والكفعمي والشهيد والشيخ الطوسي أن يضيفوا أشياء حسب ذوقهم إلى دين الإسلام سواء كان ذلك الأمر مستحباً أم غير مستحب؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حلالُ محمَّدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة وحرامُهُ حرامٌ إلى يوم القيامة؟(47)، كما قال: لا رأيَ في الدين، إنَّما الدين من الربِّ أمرُهُ ونَهْيُهُ (وسائل الشيعة،ج18/ص40)، مما يعني أنه لا يحق لأحد أن يزيد على آداب وأحكام الدين أو ينقص منها؟

 

لقد تمَّ إبعاد الناس- للأسف - عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَشَغْلِهِمْ بالبدع وجَعْلِهِمْ يغترُّون بها، وقد رُوي عن الإمام علي عليه السلام في الكافي قوله: السنة ما سنّ رسول الله والبدعة ما أُحدث بعده(48).

 

وللأسف اخترع العلماء والمتقدّسون هذه الآداب لإظهار محبتهم للأئمة عليهم السلام وظنُّوا مخطئين أنهم يحسنون صنعاً. وظن اللاحقون استناداً إلى حسن ظنهم بهؤلاء السابقين أن تلك الأعمال هي فعلاً من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجزءاً من الدين، فمثلاً ذكروا في زيارة أئمَّة البقيع أنه عند دخولك حَرَمِهِم اقرأ إذن الدخول وقُلْ لهم كذا وكذا، مع أنه لو كان الإمام قد قال للراوي فعلاً مثل هذا الكلام لكان من الطبيعي أن يسأله الراوي أيُّ حرم؟

 

وكذلك كتبوا في زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا ذهبت إلى زيارة رسول الله فقبّل منبره وافعل كذا وكذا عند عمود حنانة وامسح العمود بعينيك فإذا وصلت إلى باب جبريل ووقفت تحت الميزاب فقل كذا وكذا، فكأنَّهم يتصوَّرون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحل حديثاً عن الدنيا وأن باب بيته والميزاب والمنبر والعمود هي عينها التي كانت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم؟! ويبدو أنهم لم يقرؤوا التاريخ ولم يفكِّروا ولو ساعة أن الباب والعامود وسواها التي كانت زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد زالت منذ أكثر من ألف عام وهُدمت وجُدّد بناؤها مرات عديدة، فليت شعري! هل أوكل الله تعالى إلى هؤلاء أمرَ دينِهِ -والعياذ بالله- حتى يضيفوا إليه كلَّما أرادوه؟!

 

الآن نبدأ بتمحيص متون وأسانيد نصوص الزيارات لنرى هل تتَّفق مضامينها مع أحكام الإسلام وتعاليم القرآن أم لا؟ فإذا لم تتوافق مع القرآن كان ذلك دليلاً كافياً على أنها موضوعة مُخْتَلَقَة.

 

الهوامش:

(46) إذا نذر أحدهم للكعبة نذراً فبما أن الكعبة لا تحتاج للمال فعليه أن يعطي هذا النذر للحجاج الذين لا يملكون زاد السفر أو لأبناء السبيل أو للفقراء أو لمن سُرق ماله وانقطع السبيل به.

 

(47) رواه الشيخ الكليني في الكافي بسنده عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله  عليه السلام  عن الحلال والحرام فقال: ﴿ حلال محمّد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره، وقال: قال عليٌّ  عليه السلام : ما أحدٌ ابتدع بدعةً إلا ترك بها سنةً. ﴾. (الكافي:  ج 1/ ص 58، ح19) (المترجم).

 

(48) بحار الأنوار، الطبعة الجديدة، ج2/ص266، حديث 23.  (المترجم)