ذكرٌ لِخَاطِرَةٍ وبيانٌ لِفِكْرَةٍ

 

عندما كان كاتب هذه السطور في السجن(45)، قال لي أحد الشيوخ مشيراً إلى الآية 21 من سورة الكهف الشريفة [إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا]: كيف لا نبني ضريحاً على قبور أئمة أهل البيت الذين مقامهم أرفع من مقام أصحاب الكهف ولا نجدِّد قبورهم في حين أن القرآن يذكر أنهم بنوا على أصحاب الكهف مسجداً؟

 

فأجبته قائلاً: أوَّلاً لقد جاءت في الآية الكريمة كلمة يتنازعون، وانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء:59]، لا بد أن نتبيَّن: أيُّ الفريقين كان قوله موافقاً لتعاليم الله، وقد شرح آخرون كما فصّلتُ أنا في كتابي الخرافات الوافرة في زيارات القبور هذا الموضوع. ثم إن الفريق الأول الذين قالوا: رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ذكروا الحق وذكروا اسم الله المبارك أما الفريق الثاني فلم يتمسكوا بأي دليل شرعي بل أرادوا مستبدين برأيهم أن ينفذوا هذا الرأي ببناء المسجد على رفات أصحاب الكهف.

 

وأضفتُ قائلاً له: إنَّ النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعلياً عليه السلام كانا يعلمان بهذه الآية فلماذا لم يستنبطا منها ما تذكُرُهُ ولم يعملا بما تميل إليه، فلم يبنيا على قبر أحد ضريحاً ولا مسجداً ولم يأمرا الناس بضرب القباب وبناء الأضرحة، بل تمَّ دفنُ بعض عظماء الإسلام سرّاً كي لا يتحول قبرهم إلى مزار، كما نَهَيَا عن تعمير القبور وتزيينها؟ فهل مقام حمزة سيد الشهداء الذي استُشهد تحت لواء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقل من سيد نصر الدين في طهران حتى لم يبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبره مزاراً؟!

 

 وثانياً: جاء في الآية كلمة مسجد ولم تقل الآية: لنتخذنّ عليهم قبة وضريحاً ومزاراً!! فهل كلُّ هذه المقابر والقباب والأضرحة في إيران والعراق التي بُنيت على قبور الأئمة أو قبور أبنائهم وأحفادهم وبعضها يقع في أماكن نائية يصعب الوصول إليها ويتحمَّل المسافرون إليها متاعب جمة مسجدٌ أم شيء آخر؟ هل ضريح وعتبة الإمام الرضا في مشهد مسجدٌ؟

 

ثم قلتُ له: إن مقبرة امام زاده زيد في بازار (أي سوق) طهران وامام زاده داوود وامام زاده عبد الله وامام زاده قاسم وسيد نصر الدين وامام زاده صالح و... ليست بمسجد، فليس لدينا في المسجد ضريح. هل يستأذن أحد قبل الدخول إلى المسجد ويقرأ صفحة كاملة من دعاء الزيارة ويقول: السلام عليك يا....؟ وهل يشدّ أحد الرحال من أصفهان إلى مسجد الإمام في بازار طهران ليصلي فيه؟ هل ينطلق أحد من خوزستان ويسافر لأجل أن يصلي في مسجد كبود في تبريز أو مسجد السلطانية في زنجان؟ هذا في حين أن كثيراً من الناس يشدُّون الرحال لأجل زيارة مراقد الأئمة أو أولادهم أو أحفادهم لأنهم يعتبرون أن مراقد الأئمة شيء غير المسجد!

 

وقلتُ له أخيراً: قم بتغيير مقابر الأئمة وذراريهم التي لا تخلو منها مدينة ولا قرية وابنها من جديد بما يتطابق مع أحكام الإسلام وأزل الضريح وأدعية الزيارات منها واجعلها مسجداً بسيطاً فقط وخالياً من الزخارف والزينات وانهَ الناس فيها عن دعاء غير الله فسأكون أول من يصلي في هذه المساجد وأدعو لك بعظيم الأجر والثواب لأنك أصبحت من بناة المساجد.

 

الهوامش:

(45) لا يخفى أن أحد أسباب غضب مسؤولي الدولة عليّ وسجنهم لهذا العبد الفقير هو تأليفي لعدد من الكتب من جملتها هذا الكتاب أي الخرافات الوافرة في زيارات القبور.