مسألة تعظيم الأموات وزيارات القبور

 

ينبغي أن نعلم أن مسألة الاهتمام بالأموات مسألة قديمة في الأمم السالفة وكان لها عندهم طقوس وشعائر وآداب خاصة فيدفن الميّت ويوضع ما يلزم من الطعام والمصابيح في غرفة الأموات وكانوا يظنون أن رضا الأموات أو سخطهم ودعاءهم للأحياء أو لعنهم لهم يؤثر في الأحياء، وقد جاء في كتاب تاريخ جامع أديان (أي التاريخ الجامع للأديان) تأليف جان ناس أن بعض الأقوام القدماء كانوا يعتقدون أن السماء بَلَدٌ مسكونٌ مثل الأرض وأن فيها الأشجار والأنهار وتعيش فيها أرواح الأموات التي يمكنها أن تأتي إلى الأرض وتلتقي في الرؤيا ببني آدم وإذا جاؤوا إلى أحد في منامه فلا بد عليه أن يهيّئ لهم طعاماً يأخذه إلى قبرهم ويشعل لهم فيه ناراً. وكان الآرييون القدماء يحترمون أرواح الأجداد إلى حد التمجيد، وكذلك كان الطورانيون، وتمارس بعض الأديان كالبراهمة في الهند والبوذية في الصين آداب وطقوس مفصلة أكثر تجاه الأموات، وكان الهندوس يحملون زوجة الميت بزينتها على محمل إلى جانب جثمان زوجها لتحرق معه. وكانت بعض الملل الأخرى تضرب أعناق عبيد وإماء الميت كي يكونوا أعوان سيِّدهم في العالم الآخر! وخلاصة الكلام إن الأمم القديمة كانت تخاف الأموات وترجوهم.

 

 لما ظهر دين الإسلام، دين التوحيد الخالص، كان العالم غارقاً في ظلمات الجهل والأوهام لذا بدأ بمحاربة الأوهام منذ فجر دعوته وأمر المؤمنين أن لا يتّكلوا على أحد سوى الله سبحانه وألا يعتبروا أحداً سوى الله مؤثراً في تقدير الأمور، وألا يعتبروا أي أحد قاضي الحاجات وباب الحوائج سوى الله تعالى، وأن يعلموا أن لا وسيلة توجب النجاة سوى العلم والإيمان والعمل الصالح، فيجب أن لا يتوسَّل المؤمنون إلى الله بشيء سواها وألّا يعتبروا أحداً سوى رب العالمين مؤثراً حقيقياً في هذا الوجود. ونهى الإسلام في بداية أمره عن زيارة الأموات ولم يسمح بذلك فيما بعد إلا لأجل العبرة [والدعاء لأصحابها] ومع ذلك نهى النساء اللواتي يُكْثِرْنَ من زيارة القبور كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: لَعَنَ الله زوّاراتِ القُبُور(42)، كما نهى عن تعمير القبور وتزيينها، كما جاء في دعاء جوشن الكبير ومناجاة الله: يا من في القبور عبرته.

 

ولكن مع الأسف سرت إلى المسلمين شيئاً فشيئاً روح عبادة الأوهام وعادت إليهم العادات الشركية وانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف:106].

 

وقد قال الله العليم بعباده: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر:45]، أي إذا ذُكر الذين من دون الله كأرواح الأموات وأرواح الأولياء والأنبياء وغيرهم استبشروا بها. فالحفاظ على توحيد العبادة وأن لا يرجوا الإنسان غير الله أمر في غاية الصعوبة، ولم يكن المؤمنون في صدر الإسلام يتردَّدون إلى زيارة القبور وإذا فعل أحدهم ذلك تعرّض إلى اللوم.

 

وفي آخر ساعات عمره الشريف توجّه رسول الله إلى ربِّه داعياً متضرِّعاً وقال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد(43) لأنه كان يعلم أن روح عبادة الأموات راسخة في الناس وكان يخشى أن تُبتلى أمته بذلك. ولم يطل الزمن مع الأسف الشديد حتى قام محترفو الدين الذين يتخذونه حانوتاً يتكسّبون به ببناء مئات القباب والعتبات المزينة بالزخارف والمرايا التي تخدع العوام على قبور الأموات واخترعوا الثواب العظيم على شدِّ الرحال إلى زيارتها وأوقفوا لها الأوقاف ونذروا لها النذور إلى حدِّ أن أحد المتصدِّين لأمور الأوقاف ادَّعى أن ربع أملاك إيران موقوفة على قبور الراحلين. ورغم أن كل العائدات التي تأتي من هذه البدع غير شرعية ومحرّمة وأنه يتم أخذ ملايين التومانات شهريّاً في كل قرية باسم الآجار أو حقّ التنازل (خلو الرجل أو الفراغة)، فإن القليل منها يُصرف على تعمير القبور وسائر ما يتعلق بها من البدع في حين تُصرف البقية على القرّاء في المآتم وعلى مصاريف متولي شؤون المقابر والقائمين عليها والأمناء والمستأجرين ونتيجة لذلك يزداد الضغط يوماً بعد يوم على المستضعفين والفقراء وتزداد ديونهم ومشاكلهم، وقد بلغت بعض الإيرادات من بيع القبور المجاورة للإمام أو الصالح من ذرية الإمام مئات آلاف التومانات.

 

كل عدة سنوات يتم بيع الأشياء الثمينة من قبيل السجاد والثريات والذهب والمراوح وغيرها من النذور والهدايا المقدمة لقبر كل إمام أو حفيد الإمام بالمزاد العلني لتُصرف أثمانها في مصارف باطلة إضافة إلى الأموال النقدية التي تُرمى داخل الأضرحة أو التي تعود من الأملاك الموقوفة وأكثر قبور ذراري الأئمة تلك بل جميعها تمتلك مثل تلك العائدات، كقبر المعصومة في قم الذي يدر كل شهر ملايين التومانات من الأموال النقدية أو عائدات الأوقاف غير الشرعية هذا في حين أن أكثر الشعب لا يجد قوت يومه وضروريات حياته وأكثر القرى لا تمتلك الماء وتمد أيديها إلى الخارج لأجل إبرة أو برغي وحزقة. أليس من الحماقة أن يتم صرف تلك الأموال الطائلة على القبور أو وقفها عليها؟ جاء في صحيفة كيهان العدد 8642 الصادر بتاريخ 17/2/1351 هجري شمسي أن الحاج السيد حسين مَلَك الذي بلغت قيمة أمواله الوقفية ثلاثة مليارات تومان! أوقف السنة الماضية أربعمئة مليون تومان المتبقية من أمواله والموجودة في متحف مَلَك على شكل عملات مسكوكة ولوحات زيتية وسجاد وكتابات خطية للملوك وأشياء عتيقة على العتبة الرضوية المقدّسة... وهذه الأموال والأملاك ستُصرف على مصاريف وملذات متولّي تلك القبور من الطفيليين العاطلين عن العمل.

 

علماً أن وقف الأوقاف ونذر النذور على قبور الأموات بدعة وعمل مخالف للشرع.

 

ونتيجةً لهذه الأوقاف أصبح كثيرٌ من الأراضي الموات التي يتم وقفها تُبَاع أو تُؤَجَّر بعد أخذ خلو رجل (فراغة) باهظة، أي لو استأجر أحدهم مئة متر من الأرض الموقوفة فعليه أن يدفع مثلاً مئة ألف تومان خلو رجل دون أن يحصل على أي وصل إضافة إلى الآجار السنوي الذي عليه أن يدفعه. أليس هذا ظلماً وإفكاً؟ في نظرنا إن موقوفات إيران ليست من الباقيات الصالحات بل معظمها من الباقيات الطالحات، ويشهد الله أن عديداً من أوقاف القبور تُصرف إيراداتها على أمور لا ترضي الله ولا رسوله، هذا على رغم أنف عشرات الأحاديث في حرمة أو كراهة هذه الأعمال لاسيّما الأحاديث الناهية عن تعمير القبور أو تزيينها أو الاعتكاف فيها، فضلاً عن وقف الأملاك عليها مما يكون إثمه أكبر.

 

ويا ليت أولئك الأغنياء الذين يقفون أموالهم على تلك العتبات ينفقونها لوفاء ديون الغارمين وتزويج الأيامى والعزّاب بدلاً من مساعدة بعض الطفيليين على المزيد من الانغماس في الملذات والشهوات وزيادة الفساد في المجتمع يوماً بعد يوم. هذا فضلاً عن الأضرار الأخرى الناجمة عن تلك الأعمال مثل ابتلاء المجتمع بالشرك والخرافات.

 

وكما نقل المرحوم قلمداران عن كتاب الذكرى للشهيد الأول فإن وضع قماشة على القبر الشريف لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لا دليل شرعي عليه، وتركه أولى، كما لم يكن عليٌّ عليه السلام يجيز المبالغة في بناء المساجد حيث نقرأ: عن عليٍّ عليه السلام أنه مرّ على منارة طويلة فأمر بهدمها وقال: لا تُرفع المنارة إلا مع سطح المسجد(44). ونقول لفقهاء وعلماء عصرنا لماذا لا توعّون الناس كما فعل الشهيد الأول وتقولون لهم إن هذه الزينات والزخارف والتزيين بالمرايا وأحجار المرمر والطلاء بالذهب إسراف وحرام وإتلاف للمال ويجب أن تُصرف الأموال على أعمال ذات نفع عام ويُؤخذ بواسطتها بأيدي الفقراء والضعفاء. إذا كان رمي قطعة قماش فوق قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إتلاف للمال، فما حكم تعطيل ملايين التومانات من الأموال برميها تحت القباب الذهبية للقبور؟

 

أجل، لقد راج شيئاً فشيئاً بناء مثل هذه القصور والزخارف على القبور وقراءة الجمل المشوبة بالعبارات الكفرية ودفع عوام الناس إلى التملّق والتزلّف إلى القبور، وأصبحت تلك الأمور في زماننا جزءاً من العقائد الأساسية للشيعة التي يُعدّ إنكارها كفراً!! ولو نطق شخص بكلمة خلافاً لذلك لسارع محترفو الخرافات الدينية الذين اتخذوا الدين حرفةً وحانوتاً يتكسَّبون به إلى تكفيره متجاهلين جميع الأدلة العقلية والنقلية التي جاء بها وكالوا له آلاف التهم حتى أصبحت محاربة هذه البدع ومجاهدة هذه الخرافات أصعب من مجاهدة عباد الأوثان وكل من أظهر الحق طُرد من المجتمع.

 

الهوامش:

(42) الحديث رواه لدى أهل السنة: الترمذي وابن ماجه في سننهما وأحمد في مسنده، وقال الترمذي: وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ،  ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن ابن عباس قال: ﴿ لعن رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  زائراتِ القبور والمتخذاتِ عليها المساجد والكنس. ﴾. انظر مصنف ابن أبي شيبة: ج2/ص 269. (المترجم)

 

(43)  روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع بسنده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له الصلاة بين القبور؟ قال: ﴿ صلِّ في خلالها ولا تتخذ شيئاً منها قبلةً، فإن رسول الله (صَلَّى الله عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نهى عن ذلك وقال: ولا تتخذوا قبري قبلةً ولا مسجداً فإن الله تعالى لَعَنَ الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد!. ﴾ علل الشرائع/باب العلة التي من أجلها لا تتخذ القبور قبلة، ( ج 2/ص 358)، وروى الصدوق نحوه أيضاً في كتابه من‏لا يحضره‏الفقيه ( ج1/ص 178) باختلاف يسير.  (المترجم). ومن طرق أهل السنة أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده/مسند أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : (اللهمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُصَلَّى له، اشْتَدَّ غضبُ الله على قَومٍ اتخذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِم مَسَاجِدَ) المنصف لابن أبي شيبة: ج2/ص269. (المترجم)

 

(44) وسائل الشيعة، ج3/ص505، باب كراهة طول المنارة.