الأحاديث المتعلِّقة ببناء القبور وتجديدها

 

لو أردنا أن نذكر جميع الروايات التي وردت في ذمّ بناء القبور وتزيينها لطال بنا الكلام، لذا سنكتفي بذكر عدد من الروايات مما يكفي لإيقاظ كل منصف طالب للحق وإتمام الحجة:

 

1- روى الشيخ الصدوق والشيخ الحُرّ العاملي صاحب وسائل الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي قِبْلَةً وَلَا مَسْجِداً فَإِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لَعَنَ الْيَهُودَ حَيْثُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ(27). بناء على هذا الحديث فإن جميع الروايات التي ذُكرت في كتب الزيارة والتي تقول اجعلوا قبر الإمام قبلة هي من وضع أشباه اليهود الذين افتروها على لسان الأئمة عليهم السلام.

 

2- وروى المحدِّث النوري في مستدرك الوسائل نقلاً عن العلامة الحليّ في كتابه النهاية رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول: نَهَى النبيُّ أن يُجصّص القبرُ أو يُبْنَى عليهِ أو يُكْتَبَ عليه لأنَّه من زينة الدنيا فلا حاجة بالميِّت إليه...(28).

 

3- وروى المحدِّث النوري أيضاً: عن أمير المؤمنين (ع) قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تتخذوا قبري عيداً ولا تَتَّخذوا قبوركم مساجدكم(29)، ولا بيوتكم قبوراً...(30).

 

4- وروى الشيخ الحرّ العاملي في وسائل الشيعة عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: لا ترفعوا قبري أكثر من أربع أصابع مفرّجات(31).

 

5- وجاء في ج22 من بحار الأنوار للعلامة المجلسي، وفي كُتُبٍ حديثيَّة موثوقة أن الإمام الصادق عليه السلام قال: لا تشرب وأنت قائم ولا تَطُف بِقَبْرٍ ولا تَبُل في ماء نقيع(32).

 

6- وروى زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام عن جدِّه علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: نهى رسول الله عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاثة أيام..... ونهانا عن زيارة القبور(33).

 

7- الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أنا عند القلوب المنكسرة والقبور المندرسة(34).

 

فهذا الحديث يدلُّ على أن الحقّ جلَّ وعلا لا ينظر إلى القبور المزيَّنة المزخرفة والمجدَّدة والمحلّاة بالمرايا والذهب ويمقتها.

 

8- رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: قبر رسول الله محصّبٌ حصباء حمراء(35).

 

9- وروى عبد الرزاق الصنعاني الذي كان من قدماء الشيعة، عن ابن طاووس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قبور المسلمين أن يُبنى عليها أو تُجصَّص أو تُزرع، فإن خير قبوركم التي لا تُعرف(36).

 

10- ونقل المرحوم آية الله شريعت سنغلجي رحمه الله عن كتاب الذكرى أن: الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم سوّى قبر ابنه إبراهيم ونقل أيضاً أن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والشيخين مسطّحة ونقل أن قبور المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة كانت مسطّحة(37).

 

11- وروى الحرّ العاملي عن الإمام الصادق أنه قال: لا تطيّنوا القبر من غير طينه(38).

 

12- وروى المحدِّث النوري عن علي بن أبي طالب عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يُزاد على القبر تراب لم يخرج منه(39).

 

لاحظوا إلى أي حد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دقيقاً حتى أنه نهى أن يُزاد ولو مقدار قليل على تراب القبر، فما بالك بالفضة والجصّ وأحجار المرمر وغيرها من الأحجار الثمينة!

 

ولكن أمتنا لم تلق بالاً لهذه الأوامر بل أسرفت في تعمير قبور عظماء الدين ووصل الأمر إلى وضع الكذابين الغلاة رواية نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل تعمير القبور، وفيما يلي نقوم بدراسة هذه الرواية متناً وسنداً:

 

روى الحر العاملي في وسائل الشيعة (باب 26 من كتاب المزار) بسنده عن عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ السَّاجِيِّ وَاعِظِ أَهْلِ الْحِجَازِ عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال (ضمن حديث طويل): يَا عَلِيُّ! مَنْ عَمَرَ قُبُورَكُمْ وتَعَاهَدَهَا فَكَأَنَّمَا أَعَانَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَلَى بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ومَنْ زَارَ قُبُورَكُمْ عَدَلَ ذَلِكَ لَهُ ثَوَابَ سَبْعِينَ حَجَّةً بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ زِيَارَتِكُمْ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ...(40).

 

 هذا الحديث فاسد السند كما هو فاسد المتن.

 

راويه الأول عبد الله بن محمد البلوي ضعّفه علماء الرجال واعتبروه كذّاباً ووضّاعاً وطعنوا به وقالوا: لا ينبغي الاعتناء بحديثه. وقد روى عن عمارة بن زيد الذي صرّح علماء الرجال بشأنه أنه رجل لا وجود له وأن ما نُسب إليه من روايات كله كذب. حتى أنهم لما سألوا عبد الله بن محمد البلوي من عمارة هذا الذي تروي عنه؟ فقال: رجلٌ نزلَ من السماء فحدَّثني ثم عَرَجَ!!(41).

 

والراوي التالي هو أبو عامر وَاعِظُ أَهْلِ الْحِجَازِ وهو مجهول الحال ومهمل.

 

فبالله عليكم لاحظوا كيف امتلأت بلاد الشيعة من القباب المطلية بالذهب والأضرحة والأفنية والأروقة المبنية على القبور ووكيف وُقِفَتْ الأوقاف على القبور استناداً إلى مثل هذا الحديث المتهافت -وهو بالمناسبة الحديث الوحيد الوارد في تعمير القبور- الذي يرويه كذاب وضّاع عن شخص معدوم عن شخص مجهول! أوقاف ذات عائدات هائلة أُوقفت ليُنفق ريعها على صيانة تلك المزارات ولكي يعتاش منها جماعة من الطفيليين العالة على المجتمع في حين أن أكثر الناس لا يجدون قوتهم وأن البلاد من أكثر البلدان تخلفاً وتأخراً من الناحية الصناعية.

 

والعجب من العلماء الذين ينقلون في كتبهم مثل هذا الحديث الفاضح!! وانظروا أي مصائب حلّت بالإسلام من ورائه، إذ ظنّ من جاء بعده من المسلمين أن هذه القباب والأضرحة وما فيها من الزينات والتشكيلات ليست بلا سند. لقد افترى أبو عامر المجهول هذه الرواية على الإمام الصادق (ع) كي يخدع بها العوام الذين لا علم لهم بكتاب الله، ولكن حبل الكذب قصير فإن هذا الراوي لم ينتبه إلى أن قبر أمير المؤمنين (ع) كان مخفياً زمن الإمام الصادق (ع) ولا أثر له! ولا يعلم أحد على وجه الدقة مكانه، وبالتالي فلم يكن هناك بناء حتى يُعمَّر وحتى يشترك من يعمّره مع سليمان في الأجر والثواب!!

 

وأما متن الحديث فإنه يشجع الناس على الذهاب إلى مجاورة قبر الإمام والتعطّل عن الكسب والعمل والصناعة مما يجعل البلاد بحاجة للأجانب ويجعل أهلها مستهلكين فقط، كما كان الشعراء ومدّاحو السلاطين يروّجون لهذه الخيانة أيضاً. من ذلك ما ورد في ديوان غزليات حافظ الشيرازي:

 

قبر امام هشتم وسلطان دين رضا    

 

از جان ببوس وبر در آن بارگاه باش

 

أي: قبر الإمام الثامن وسلطان الدين الرضا

 

قبِّلْهُ من روحك وكن عند باب تلك العتبة

 

لقد ظن الشاعر أن الدين له شاه وسلطان وبلاط وأن كل من ذهب إلى بلاطه وجاور عتبته حصل على عين ثواب من ساعد سليمان في بناء بيت المقدس، وثواب سبعين حجة، هذا في حين أنه ليس لدينا أي دليل شرعي قويم واحد يدل على أن المشاركة في بناء بيت المقدس تعادل ثواب حجة.

 

أجل، لقد رغّب هذا الحديث الموضوع الناس بعمل لا طائل تحته وأغرى الناس بالمعاصي قائلاً إنكم لو زرتم قبر الإمام الفلاني غُفرت لكم ذنوبكم ورجعتم كيوم ولدتكم أمكم!! إذا كانت الذنوب تُغفر بهذه السهولة فلا خطر في ارتكاب كل جرم إذ أن زيارة واحدة ستزيح عن كاهلنا عقاب ذلك الجرم، وعندئذ فلماذا الخوف من يوم الجزاء والحساب، ولا بد أن جهنم خاصة بمن ليس لديهم مقابر وقباب وعتبات وأضرحة!! لو كان تعمير القبور مهماً وله كل هذه الفوائد ولو كان مشروعاً أصلاً فلماذا لم يقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناء قبر عمّه حمزة سيد الشهداء أو ابنه إبراهيم أو سائر الشهداء، ولم يضع على قبرهم لبنة واحدة، وهل علينا أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونتبع سنته أم نتبع سنن الملوك الذين يخدعون العوام؟

 

الهوامش:

(27) وسائل الشيعة، ج2، باب 65، ص887.  (المترجم)

 

(28) مستدرك الوسائل، الطبعة الحجرية، ج1/ص127.

 

(29) في الأصل: مساجد. (المترجم)

 

(30) مستدرك الوسائل، الطبعة الحجرية، ج1/باب 55 من أبواب الدفن وما يناسبه، باب كراهة بناء المساجد عند القبور، ص132.

 

(31) وسائل الشيعة، ج2/باب 31 من أبواب الدفن، ص858.

 

(32) وسائل الشيعة، ج10/باب 92 من أبواب المزار في كتاب الحج، وج1/ص241. وسفينة البحار، ج2/ص99.

 

(33) مسند الإمام  زيد، كتاب الحج، باب الأكل من لحوم الأضاحي.

 

(34) الحديث لا أصل له في المرفوع، وقد ذكره العجلوني في كشف الخفاء  ج2/ص 325، في التعليق على الحديث رقم 2836. ولفظه فيه: ﴿ أنا عند المنكسرة قلوبهم المندرسة قبورهم وما وسعني أرض ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ﴾. (المترجم)

 

(35) وسائل الشيعة، ج2/باب 37 من أبواب الدفن، ص864.

 

(36) المصنف لعبد الرزاق، ج3/ص506.

 

(37) توحيد عبادت (أي كتاب توحيد العبادة)، انتشارات دانش، ص149.

 

(38)  وسائل الشيعة، ج2/باب 16 من أبواب الدفن، ص864.

 

(39) مستدرك الوسائل، الطبعة الحجرية، ج1، باب 34 من أبواب الدفن، ص146.

 

(40) الشيخ الطوسي، تهذيب ‏الأحكام، ج6/ص 227.

 

(41) رجال العلامة الحليّ، ص24.