المقدمة

 

الحمدُ لله مالك الملك ديَّان الدِّين مجيب الدَّاعين والمضطرِّين ومغيث المهمومين وصريخ المكروبين وهادي المضلِّين، وصلَّى الله على رسوله وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين.

 

إحدى البدع التي تندرج تحتها آلاف البدع الأخرى والتي ابتُليت بها أكثر الشعوب وأنست بها وبدَّدَت فيها أعمارها وأموالها زيارات القبور والاهتمام البالغ بها.

 

بدايةً لا بد من توضيح عدة أمور في موضوع زيارة القبور:

الأوَّل- هل أرواح العظماء من الأولياء والصالحين والأنبياء والشهداء توجد في جوف القبر أو فوقه أو في أطرافه وتشعر وتعلم بزوّار القبر أم لا؟

 

الثاني- إن لم تكن تلك الأرواح موجودة حول القبر أو لم تكن في الدنيا أصلاً فهل تطَّلع على زوَّارها وهي في عالمها الأخروي أم لا؟

 

الثالث- ولو فرضنا أنها مُطَّلعة على زوّارها فهل تستجيب لطلبات زوّارها وتعود إلى الدنيا وتلبِّي حاجاتهم أم لا؟

 

الرابع- هل هناك فائدة من اطلاعها على آلام الناس وعذاباتهم ومصائبهم أم لا؟ وهل تسعد وتُسرّ بمديحها وتمجيدها وذكر فضائلها ومناقبها في نصوص الزيارات التي يقرؤها زُوَّارُها أم لا؟ وهل ترغب بأن يخضع الناس أمام قبرها ويخشعون مردِّدين أكثر ما يمكن من المدائح والإطراء أم لا؟ وهل يفيد مَن لا يملك الصبر والتقوى أن يثني على صبر أولئك العظماء وتقواهم أو هل يفيد من يبخل ببذل روحه وماله في سبيل الله ولا يكون مستعداً للجهاد في سبيل الدين أن يثني على جهاد أولئك العظماء وشهادتهم بأبلغ العبارات أم لا؟ وهل ينفعُ من لا يعلم عن دينه ما يكفي ولا علم له بكتاب الله وشريعته، مدحُه صاحب القبر لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أم لا ينفعه؟

 

الخامس- هل وظيفة الإنسان الثناء والتمجيد والمديح للأموات الماضين، وهل طلب الله من الإنسان مثل هذا العمل؟ وهل كُلِّفَ العباد بذكر حسنات الماضين أو سيئاتهم أم لم يُكَلَّفُوا بذلك؟

 

السادس- هل من سنة الأنبياء والأولياء تزيين القبور وتشييدها أو بناء القباب والأضرحة والمنارات وتعمير الأفنية والأروقة للمقابر ووقف البساتين والمنازل والأراضي والدكاكين للأموات وصرف ريعها على حفظ مقابرهم أم أن ذلك من سنن الظلمة الجبارين الطغاة؟!

 

بعد توضيح هذه الأمور وإقامة البرهان عليها ننتقل إلى دراسة أحاديث الزيارات وتمحيصها وبيان صحة أو سقم عباراتها وهل هي حقٌّ أم باطل. وهدفنا من بيان هذه المسائل أن نوضِّح حقائق أحكام الدين ونميِّزها عن الخرافات المذهبية والأباطيل والأوهام التي تُعرَض على الناس باسم دين الإسلام.

 

ولكن قبل أن أبدأ بموضوع الكتاب أرى من اللازم عليّ أن أصرّح أنني كنت ولا أزال من شيعة إمام المتقين وأمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام وأتباعه وآخذ أصول ديني وفروعه عن ذلك الإمام الكريم ولكنني أختلف مع أولئك الذين خرّبوا دين الإسلام باسم ذلك الإمام، وادَّعَوْا محبَّته ومحبَّة أولاده الأطهار لكنَّهم أوهنوا بناء الدين وأهملوا أصول الإسلام وفروعه وتعاليم القرآن بزيارات خرافية، ولا أعتبرهم من محبي عليّ عليه السلام حقَّاً.

 

ولن أستدلَّ في دراستي لموضوع هذا الكتاب إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأدلّة العقليّة، وبالنسبة للحديث لا بد من التذكير بوجوب رفض كل حديث يخالف القرآن أيّاً كان صاحبه، كما أَمَرَنا بذلك الله ورسولُهُ والأئمَّةُ عليهم السلام، أمّا إذا وافق الحديثُ القرآنَ الكريمَ فإننا نقبله ونضعه على رؤوسنا.

 

لقد جعل الله تعالى قرآنه ميزاناً نفرّق به بين الحق والباطل وسماه لذلك بالفرقان فقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان:1] كما اعتبر القرآن ميزاناً ومعياراً لمعرفة الصحيح من الخطأ فقال: ﴿ الله الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴾ [الشورى:17]، كما اعتبره القول الفصل أي الذي يفصل بين الحقِّ والباطل فقال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ [الطارق:13]، واعتبر القرآن أحسن التفاسير فقال: ﴿ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان:33]، واعتبره هداية للناس وبياناً واضحاً لهم فقال: ﴿ ..أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الـْهُدَى وَالْفُرْقَانِ... ﴾ (البقرة:185) و﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ (آل عمران:138).

 

أما الأحاديث التي تدلُّ أيضاً على أن القرآن ميزانٌ لمعرفة الحقِّ من الباطل فهي كثيرةٌ ولكن لما كانت آيات القرآن ذاتها قد صرّحت بهذا المعنى بكل وضوح فهذا يغنينا عن ذكر الأحاديث في هذا الأمر، لذا سنكتفي بذكر ثلاثة أحاديث في ذلك نموذجاً:

 

1- في كتاب وسائل الشيعة (ج18:ص78) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مَا وَافَقَ كِتَابَ الله فَخُذُوهُ وَمَا خالَفَ كِتَابَ الله فَدَعُوهُ.

 

2- وفي الصفحة ذاتها من وسائل الشيعة نقلاً عن كتاب الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال: مَا لَمْ يُوَافِقُ مِنَ الحديثِ القرآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ.

 

3- وفي أصول الكافي (ج1: ص96) عن الإمام الرضا عليه السلام قال: إذا كانت الرواياتُ مُخالِفَةً للقرآن كذَّبتُها.

 

بناء على ما ذُكر إذا أثبتنا بالبراهين والأدلة أن زيارات القبور والنذورات التي تُصرف لها مخالفة للقرآن الكريم، فالأجدر بمحبِّي الخرافات أن يردُّوا على كلامنا بالدليل والبرهان بدلاً من كيل الاتهامات لنا والافتراء علينا.

 

ولمَّا كنَّا نعتبر أن محاربةَ الخرافات أهمُّ من أيِّ جهاد آخر فإننا لا نهاب في هذا السبيل أيَّ إيذاء أو تهمة، إذ كلّما كان العمل مهماً أكثر كان أجره وثوابه عند الله أكبر، ولما كنا نعتبر بعض الأعمال التي يؤديها بعض المتظاهرين بالتقوى نوعاً من الوثنية فإننا نعتبر محاربتها جهاداً في سبيل الله لأن مخالفينا أفسدوا أصول الإسلام.

 

ولا يخفى أنَّ الأخ المجاهد والمحقِّق الجليل الأستاذ حيدر علي قلمداران رحمه الله ألَّف قبل كاتب هذه السطور كتاباً مفيداً جداً في موضوع زيارة المزارات، نقلتُ بعض مطالبه في الطبعة الأولى لكتابي هذا دون أن أذكر اسمه خشية أن يتعرّض إلى الخطر من جديد على أيدي الخرافيين أو يعتقله مسؤولو الحكومة، أَمَا وقد انتقل الآن إلى رحمة ربِّه، ولم يبقَ من عمر هذا العبد الفقير سوى أيَّام معدودة فإنني قمتُ بعد خروجي من آخر اعتقالٍ لي بإصلاح كتابي هذا واختصاره بهدف إتمام وإكمال ما ألَّفه ذلك الأستاذ الكريم، حيث ألحقتُ جزءاً من موضوعات النسخة الأولى من كتابي هذا بكتابه لِتَنَاسُبها مع موضوعه، ونقلتُ بعض موضوعات النسخة الأولى من كتابي هذا إلى كتابي الآخر الموسوم بـ عرض أخبار أصول بر قرآن وعقول (أي عرض أخبار أصول الكافي على القرآن والعقل) واكتفيتُ في هذا التحرير الثاني لكتابي الحاضر بذكر الموضوعات التي لم يذكرها المرحوم قلمداران في كتابه، هذا رغم أنه قد لا يخلو كتابي الحاضر من بعض الموضوعات التي ذُكرت في كتابه أيضاً.

 

وعلى كلِِّ حال آمل أن تكون موضوعات الكتابين مفيدةً لطلاب الحقّ. وأسأل الله تعالى لي ولذلك الأخ الفاضل المثوبةَ والأجر، إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله.

 

 

خادم الشريعة المطهرة

 

سيد أبو الفضل بن الرضا البرقعي