بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال الصادق عليه السلام: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصَّة.

«من لا يحضره الفقيه»

 

بحث عميق في
مسـألة الخُمْـس

فـي الكتــاب والسنــة

 

 

تأليف الأستاذ:

حيدر علي قلمداران القُمِّيّ

(1332-1411هـ = 1913 – 1989م)

 

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سـعد رسـتم


 

 

 

 

 

 

P


 

مقدِّمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمّدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار الأبرار الميامين أجمعين، وبعد،

فإن مسألة وجوب دفع خمس أرباح المكاسب والتجارات والصناعات والزراعات وغيرها من المكاسب.. من المسائل التي اختص بها فقه المذهب الإمامي الاثني عشري وفارق بها سائر المذاهب الإسلامية حتى الشيعية منها كالزيدية والإسماعيلية، وهي مسألة هامة وذات آثار كبيرة، وقد اختلفت فيها أنظار الإمامية منذ القديم فذهب بعض كبار فقهاء الإمامية القدماء مثل الشيخ «ابن جنيد الإسكافي» (381هـ) والشيخ «ابن أبي عقيل العماني» (القرن الرابع الهجري)، والشيخ «سلار الديلمي» (463هـ) -، وبعض المتأخرين - مثل المحقق السبزواري (1090هـ) والشيخ عبد الله بن صالح البحراني (1135هـ)- إلى سقوط «الخُمُس» كلياً في العصور التي تلت عصر الأئمة من آل الرسول والتي يطلق عليها لدى الإمامية تعبير عصر الغيبة -، فيما ذهب فقهاء الإمامية الآخرون مذاهب شتى فيه فمنهم من أسقط نصفه أي سهم الإمام منه في عصـر الغيبة وأبقى النصف الآخر أي سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل من بني هاشم، ومنهم من أفتى بعزل سهم الإمام وإبقائه والوصية به لشخص أمين وهكذا حتى ظهور الإمام المهدي! بل منهم من قال بدفنه أو رميه في البحر إلى حين ظهور الإمام المهدي!! هذا في حين ذهب معظم المتأخرين إلى إعطائه كاملاً للمراجع المجتهدين.

فما هي قصة هذا الخمس وما أصلها؟ ومتى بدأ أخذه؟ وهل له مستند شرعي في الكتاب والسنة؟ وما مدى صحة الأخبار المنسوبة إلى الأئمة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشأنه؟ وهل في الإسلام فعلاً تمييزٌ لأسرة أو نسب معين مثل ذرية بني هاشم أو ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم - على سائر المسلمين بحق ماليٍّ؟ وهل في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسيرة علي بن أبي طالب عليه السلام ما يشهد لمثل هذا الخمس الذي يتحدثون عنه؟ وإن لم يكن كذلك فمن وضع هذه الفكرة؟ ولماذا وكيف؟

هذه أسئلة هامة ربما تدور في خلد كثير من المسلمين بل من الشيعة أنفسهم وتبحث عن جواب شافٍ، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا قد أجاب عنها كلها إجابةً شافيةً وافيةً، حث قام مؤلفه الأستاذ الفاضل المرحوم «حيدر علي قلمداران» القمّي (1411هـ) المعروف بأفكاره التصحيحية الإصلاحية ونقده الذاتي الجريء والمخلص لكل ما يراه من أخطاء أو بدع أو انحرافات لدى المسلمين في بلاده في العقائد أو الفقه، ببحث هذا الموضوع بحثاً شافياً وهو فيما أعلم أول من بحث هذا الموضوع بهذا الاتساع والتحليل الجذري للمسألة وبذل جهداً مضنياً في تتبع أصلها وفي بيان الشواهد القرآنية والتاريخية على عدم وجود أثر لمثل هذا الأمر زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم، ودرس الأحاديث المنسوبة لآل الرسول في هذا الصدد سنداً ومتناً وبيَّن تهافتها جميعاً، وقد أبدع في ذلك، ووضع نتيجة بحثه في كتابه هذا (بلغته الفارسية بالطبع) الذي أسماه «بحث عميق في مسألة الخمس في الكتاب والسنة» ونشره عام 1388هـ (= 1968م)، وبالطبع أثار الكتابُ عليه المتعصبين من فقهاء زمانه فرد عليه بعضهم في رسائل خاصة فأجاب عن تلك الردود جميعاً.

هذا وقد طُبع كتابه بالفارسية مرةً ثانيةً وكانت الطبعة مليئة بالأخطاء الطباعية، وتفتقر إلى المزيد من العناوين التوضيحية والتوثيق اللازم لجميع الاقتباسات، لذا قمنا بترجمته إلى العربية في هذا الكتاب الذي بين يديك، وخدمناه بعون الله وتوفيقه بتصحيح تصحيفاته وتوثيق اقتباساته وشرح غريبه وترجمة أعلامه ووضع بعض العناوين التوضيحية الإضافية له، فجاء بهذا الثوب القشيب المتكامل ليكون ميسوراً في أيدي الباحثين والقارئين المتَطَلِّعِين إلى معرفة الحقيقة واتباع الكتاب والسنة الصحيحة، نسأل الله تعالى أن ينفع به إنه ولي التوفيق والقادر عليه.

ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن هذا الكتاب جاء تتميماً لكتاب سبقه ألفه مؤلفه حول موضوع الزكاة نقد فيه المشهور في مذهب الإمامية من حصـر الزكاة في الأجناس التسعة مع تحديد شروط عديدة لوجوبها مما أسقط أهميتها في عصورنا الحالية، وأثبت فيه وجوب الزكاة في مطلق النقد (بما في ذلك العملات المتداول بها حالياً ولو لم تكن من الذهب أو الفضة)، وفي جميع الغلات والحبوب والثمار الزراعية وفي مال التجارة، وقد أحال كثيراً في كتابه الحالي حول الخمس إلى كتابه السابق حول الزكاة.

ولا بد لنا هنا في ختام المقدمة من نبذة سريعة عن مؤلفه:

 

+            +             +


 

نبذة عـن مؤلِّف الكتاب

ولد المرحوم حيدر علي بن إسماعيل قلمداران في قرية "ديزيجان" من أعمال مدينة قـم في إيران سنة 1913م، وبدأ دراسته بتعلم القرآن الكريم في كتَّاب القرية، وكان كثير الشغف بالقراءة والبحث ومطالعة الكتب الإسلامية منذ صغره، وما لبث - وهو في ريعان الشباب - أن قرض الشعر وأصبح كاتباً في عدد من المجلات التي كانت تصدر في عصره في قم وطهران، وعمل في سلك التدريس في مدارس مدينة قم، وكان يسخِّر قلمه لكتابة المقالات الإسلامية التي يدافع فيها عن تعاليم الدين الحنيف، ويردّ على مخالفي الإسلام، ويدعو لإصلاح الأوضاع وإيقاظ همم المسلمين. تأثّر المؤلف كثيراً بالمرجع الشيعي المصلح آيـة اللـه الشيـخ محمد مهدي الخالصي (رحمه الله) وقام بترجمة أغلب كتبه إلى الفارسية، لكنه تجاوز شيخه الخالصي بخطوات أكثر انفتاحاً وخرج عن إجماع الإماميّة في بعض المسائل كَنَفْيِهِ وجوب أداء خمس المكاسب والأرباح، وقوله بأن الأئمة الاثني عشر ليس منصوصاً عليهم من قبل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بل هم علماء ربانيون وفقهاء مجتهدون فحسب، وأفضل أهل عصرهم وأولاهم بالاتباع، وألف في هذا الموضوع كتابه الشهير «طريق الاتحاد» وقد تعرض بعد نشره إلى محاولة اغتيال فاشلة من بعض المتعصبين الغلاة. كما قال قلمداران بأنه لا ثبوت لإمامٍ غائبٍ مستترٍ إلى الآن ولا رجعة ولا عصمة مطلقة لأحد إلا عصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ رسالات ربه، ورأى كذلك، من خلال دراسته لتاريخ زيارة القبور في الإسلام، عدم صحة نصب القباب وإقامة الأضرحة على قبور الصالحين سواء من أئمة آل البيت أو أولادهم وجعلها مزارات يحج لها الناس ويطوفون بها داعين مستغيثين ورأى ذلك من مظاهر الشرك في العبادة، وألف في ذلك كتابه «بحث حول زيارة المزارات»، وهو الجزء الخامس من كتاب شامل ألفه في الرد على الغلو والغلاة سماه "راه نجات از شر غلاة " أي: طريق النجاة من شر الغلاة.

ومن أهم كتبه الأخرى التي كان لها أثر وفائدة كثيرة في عصره، ولا يزال الباحثون يستفيدون منها: «شاهراه اتحاد يا بررسى نصوص امامت» أي (طريق الاتحاد أو دراسة وتمحيص روايات النصّ على الأئمة) الذي فند فيه عقيدة النصّ الإلهي والنبوي على عَليٍّ والأئمة خلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حكم المسلمين، وقد ترجمناه إلى العربية، و«أرمغان إلهي» أي: الهدية الإلهية، وهو ترجمة للفارسية لكتاب «الجمعة» للعلامة الخالصي (رحمه الله) الذي بين فيه الوجوب العيني لصلاة الجمعة في كل العصور خلافاً لفتوى القائلين بوجوبها التخييري في عصر الغيبة. و«حكومتِ اِسلامي» أي: الحكومة الإسلامية، في مجلدين، وهو من أهم كتب المؤلف، وكان سبَّاقًا لهذا الموضوع في عصره.

 تُوُفِّي الأستاذ قلمداران عام 1989م، عن عمر ناهز السادسة والسبعين، أفاد فيه المسلمين بدراساته وتحقيقاته القيِّمة فرحمه الله وغفر له وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. والحمد لله أولاً وآخراً.

المترجم

ملاحظة أخيرة: ميزتُ حواشيّي عن حواشي المؤلف بتذييل حواشيي بكلمة (المترجِم).

 

+            +             +


 

P1 khoms-qalamdaran

P2 khoms-qalamdaran

صورة للصفحة 1 من الأصل الفارسي للكتاب

صورة للصفحة 2 من الأصل الفارسي للكتاب

P4 khoms-qalamdaran

P296 khoms-qalamdaran

صورة للصفحة 4 من الأصل الفارسي

صورة للصفحة الأخيرة من الأصل الفارسي

 


المقدِّمة

﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الحَقَّ (النساء/171)

ميَّز اللهُ الإنسانَ وحدَه عن جميع كائنات الكرة الأرضية من جمادات ونباتات وحيوانات بالعقل والذكاء واختصَّه بالقدرة على التمييز بين الأمور. وهذه الميّزة هي التي منحته القدرة المنفردة على تسخير الطبيعة واستغلال ثرواتها وذخائرها، فأخضع جميع كائنات الأرض البسيطة لسيطرته وجعلها مطيعة له. أجل لقد منح هذا الامتياز الإنسان تسلطاً على الكائنات والموجودات الأخرى في هذا العالم فاستغلها لمنافعه أو استخدمها لتحقيق أغراضه وأهوائه واستفاد منها في تلبية حاجاته وتحقيق آماله، ونتيجةً لذلك توسَّع في رغباته يوماً بعد يوم. ولكن من الجهة الأخرى أدت هذه الميّزة والخاصيّة التي اختُصَّ بها الإنسان إلى قلقه الروحي واضطراب وجدانه حتى فقد راحة البال وسلبت عنه السكينة والطمأنينة، لأنه رغم استطاعته، بفضل امتلاكه لمزية الذكاء والتفكير هذه، أن يدرك حقيقة كثيرٍ من الأمور التي قد لا تدركها الموجودات الأخرى، إلا أن نور عقل الإنسان – مهما كان قوياً - يبقى شعلةً ضعيفة مثلها مثل مصباحٍ صغير أعطي لسائرٍ في وسط صحراء الوجود المظلمة المترامية الأطراف، كي يستكشف بها طريق عيشه ومعاده البعيد والطويل ويقطعه بسلام.

فالإنسان الذي يحركه دافع حب السيطرة على العالم والوقوف على جميع أسرار الكون، يجد نفسه بهذه الوسيلة الضعيفة التي مُنِحت له غير قادرٍ على تحقيق مناه. لأن سعة عالم الوجود وتعقيد أسراره أكبر بكثير من أن يستطيع الإنسان بعقله المجرَّد وتفكيره الذي يشبه الساق الكسيرة العرجاء أن يدركها. رغم ذلك يبقى الإنسان دائماً في حالة سعي وتلاطم وبحثٍ واستكشافٍ للأسرار. وهذه الحالة تسيطر أحياناً بشكل مفرط على بعض الناس فتجعلهم أسرى للأوهام والعواطف التي يعرف الجميع ما تؤدي إليه من جنون. هذا المد والجزر الروحي والصعود والهبوط العقلي والبحث يمنةً ويسرةً بالعاطفة والمنطق جعلت الإنسان في مسرح الحياة وفي معمعة أعمال معيشته تختلط أفعاله الحكيمة بأفعاله الجنونية وتمتزج ببعضها حتى لكأن الطبيعة تسخر منه وتستهزئ به أو تمزح معه.

وأياً كان الأمر فإن هذا الإنسان يعيش في بحثٍ وسعيٍ دائبين كي يصل إلى شيءٍ يُسَكِّن روحه الهائجة المضطربة ويهدِّئُ ذهنه المشوش المتزلزل. ويبدو أنه لو حقق أمله هذا فإنه سيؤمِّن أيضاً حاجاته الجسمية التي توقعه باستمرار -من بداية حياته وحتى نهايتها- في متاعب ومشقات، أو على الأقل ستصبح حياته أسهل إذْ من البديهي أن راحة الجسم مرتبطةٌ تماماً براحة الروح وسكينتها.

إن ما يطرحه تاريخ البشرية الطويل أمامنا بشأن هذه الحالة الإنسانية هو أن الإنسان خلال عمره الطويل قد وصل بعد سعيه الحثيث لتحقيق ذلك الهدف المنشود [سكينة الروح وطمأنينة النفس] إلى تلك الظواهر التي تُعرف باسم الأديان وخلّفها لنا. جميع أديان العالم بدءاً من المذاهب والنحل الأسطورية القديمة ومروراً بالأديان الحيَّة الموجودة حالياً تعكس هذه الحقيقة.

إن هذا الإنسان لم يستطع أن يعيش في هذه الدنيا لحظةً واحدةً دون دينٍ وعقيدةٍ وإذا بحثنا بدقةٍ وجدنا على وجه اليقين أن ارتقاء وانحطاط كل أمة وشعب ناتجٌ مباشرةً عن دينه ونحلته التي يتبعها في حياته. ذلك لأن الأديان التي أخذت على عاتقها قيادة المجتمعات البشرية المختلفة في العالم لا تنبع جميعها من مصدرٍ واحد وحتى لو كان مصدرها واحداً فإن آراء وأهواء أتباعها أو أغراضهم تدخَّلت بشكل مباشر أو غير مباشر فقامت بتحريفها وحرفها عن مسارها وغالباً ما أدّت هذه الأغراض والأهواء إلى نتائج عكسية ومضرة.

إذا نظرنا بعين الإنصاف والبحث والتفكير العميقين نجد أن دين الإسلام المقدس وحده - من بين جميع أديان العالم الحية أو البائدة – هو أوضح الطرق وأسهلها وأكثرها منحاً للطمأنينة والسكينة لهذه البشرية التي تقف اليوم على مفترق طريقي الفناء والبقاء بأرجلها المرتجفة وقلبها الخائف قلقةً بشأن مستقبلها ومتحيرةً في طريقها، إذ يمكن للإسلام أن يأخذ بيد جميع المجتمعات البشرية إلى طريق النجاة الواسع والفلاح الكامل، وهذا الادعاء إنما يمكن تصديقه إذا درس الباحث سائر أديان العالم دراسةً معمّقةً وقرأ بدقَّةٍ آراء العلماء المنصفين المتعمِّقين في أمور الدنيا من كل أمةٍ وشعبٍ حول هذه القضية وحلَّل وجهات نظرهم وألقى نظرةً أيضاً على المدارس الفكرية الموجودة والأنظمة السياسية لشعوب العالم المختلفة. والشرط الثاني لتصديق هذا الادعاء أن يتعرَّف الباحث على دين الإسلام من منابعه الأصلية وعلى رأسها وأساسها القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم المتواترة التي عاشها نبي الإسلام الكريم خلال ثلاثة وعشرين عاماً من فترة نبوته المضيئة، أي أن يتعرَّف على الإسلام من مصدريه الأصيلين ومنبعيه النقيين قبل أن يختلط هذا الدين بالآراء والأهواء التي دخلته بعد نصف قرنٍ أو قرنٍ من غروب شمس الرسالة المحمدية حتى أصبحت الرسالة ميداناً واسعاً لحملات كل مغرضٍ وبدع وأمراض أرباب الأهواء والنزعات.

إن دراسةً ولو مختصرة لتاريخ العالم تظهر بشكلٍ لا يقبل الجدل أن ظهور الإسلام كان أعظم حادثةٍ مرت على حياة البشرية وغيَّرت مسيرها واتجهت بها نحو الرقي والتعالي فانتشلتها من مستنقع الهلاك إلى أرفع مقامٍ من الحضارة والإنسانية وارتقت بجسمها وروحها إلى أعلى مقامٍ يليق بهذا الإنسان وأرفعه.

لقد أنقذ الإسلام جسم الإنسان بتخليصه من الأعمال الشاقة لحمل أثقال طاعة الجبابرة أو مشقات الرياضات الروحية القاسية لتعاليم الأحبار والرهبان كما أنقذه من رجس وخبائث الأطعمة والأشربة وهداه إلى الراحة والرفاه بطيبات ملذات الحياة من طعام ونكاح، كما أنقذ الإسلام روح الإنسان التي كانت مكبلة بقيود الشرك والوثنية وأسيرةً للخضوع لكائنات حية من أمثاله أو للفراعنة والجبابرة وعبادتها فحرَّرها من تلك العبوديات وعرج بها إلى مجالسة الملائكة الكروبيين في الملأ الأعلى، وأوصل كرامة الإنسان وشرفه إلى مقام مسجود الملائكة الذي سُخِرت له الكواكب السماوية وكائنات عالم الوجود كلها(1) فعليه أن يعرف قدر نفسه وأن يطوي سير كماله بالتوجه إلى ذات خالق العالم ويسعى إلى لقاء رب الوجود جاعلاً هذا الهدف نصب عينيه حيث بُشِّر بلذَّات النفس والروح إلى ما لا يمكن تصوره وبالرضوان الإلهي الذي يوصله إلى عندية الذات اللامتناهية التي هي غيب الكمال ويمنحه نعماً وبركاتٍ أخرى لا تُحصى ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا..﴾ (إبراهيم/34).

ولكن واحسرتاه، وواأسفاه، لم تمضِ عدة سنوات على غروب شمس النبوَّة حتى انبعثت من جديد تلك الآفات ذاتها التي كانت تتعقب هذه البركات على الدوام، ونبت التقليد والتعصب لنحلة الآباء والأجداد من سبخة الجاهلية المالحة فصار كالأعشاب الضارةِ التي تحيط بورود روضة أزهار الشريعة الأحمدية لتخنقها من كل حدبٍ وصوب وتضيّق على أزهار التعاليم الإسلامية وتعكّر أنظار عقلاء العالم الذين كانوا مبهوتين من عظمة الإسلام، فتسحب أنظارهم تلك نحو أوهامها المظلمة... وهكذا بدأت تصعد غصون وأوراق تلك الأعشاب والنباتات المُرّة الضارة وتغطي بأوراقها شجرة الدين المبين الطيبة وتلتف حولها فتكاد تخنقها.

حتى أصبح من الصعب بمكان على كثيرٍ من الخبراء والمتخصصين اليوم أن يميزوا الحق من الباطل والصالح من الطالح وابن الحلال من ابن الحرام بل حتى تمييز الكفر من الإيمان أصبح صعباً أيضا وغير يسير! وإذا صرفنا النظر عن المسائل العقائدية والإيمانية - حيث يشكل التوحيد قاعدة الإسلام وحقيقته التي لوثتها مع الأسف الشديد [الأعمال والعقائد الشركية] - ونظرنا فقط إلى فروع الإسلام وأحكامه العملية: نجد كثيراً منها قد طُمِسَت حقيقته فمثلاً:

إحدى تعاليم الإسلام الأصيلة والعظيمة والرفيعة فريضة «الزكاة»، حيث أن العمل بهذه الفريضة الإلهية كفيلٌ بحل مشاكل الحرمان والحاجة الاجتماعية والإنسانية التي لا مفر منها في الحياة في هذا العالم.

فقد حدَّد الله تعالى للمسلمين في كتابه السماوي المجيد ميزانيةَ الزكاة لتأمين مصاريف ثمانية أقسامٍ من حاجات المجتمع فأمر بصرفها للفقراء والمساكين كي يستطيعوا العيش بكرامته، ثم للعاملين على جمعها ثم للمؤلفة قلوبهم الذين يميلون نحو حقيقة الإسلام ثم للمفلسين الذين ركبتهم الديون كي ينجوا من ذلك الوضع الذي وقعوا فيه، ثم للعبيد حيث أن العبودية كانت عاراً حلّ بالبشرية فأراد الإسلام بهذه الوسيلة أن يرفع هذا العار تدريجياً، ثم أمر بصرفها في قضاء جميع الحاجات الاجتماعية للبلدان الإسلامية وفي الجهاد وفي كل ما فيه قوة وصلاح لمجتمع المسلمين حسب مقتضيات الزمان من تعبيد للطرق وتعميم وتسهيل للتربية والتعليم وإعداد وسائل الصحة والعلاج وبناء السدود والجسور وسائر الإصلاحات الاجتماعية من هذا القبيل، وفي النهاية أمر بصرفها لتأمين خاطر أبناء السبيل المسافرين الذين تقطَّعت بهم السبل لمساعدتهم في العودة إلى بلدانهم. وقد جاء في أكثر من مائة آية من آيات القرآن المجيد الأمر بالإنفاق مما رُزِقه الإنسان أي مما كسبه من عمله وتجارته وغلات أرضه ومواشيه والمعادن وغيرها. قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ...﴾ (البقرة/254) و﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ..﴾ (البقرة/267) و﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ...﴾ (البقرة/3) وأمثالها. ولكن يد الفضول والجهل والهوى والغرض لعبت بهذه الميزانية العظيمة فحصرتها في تسعة أشياءٍ أكثرها لم يعد رائجاً بين أبناء البشر في زماننا.

لم يبقَ من هذه الأشياء التسعة سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر تُزرع بكميات كبيرة في مناطق من الدنيا ونصابها أيضاً يصل إلى قرابة /1000/ كيلوغرام، فإذا أخذنا تكاليف الزراعة بعين الاعتبار ثم قمنا بحساب ما سيدفعه الذين يشملهم وجوب أدائها، وحسبنا ذلك طبقاً للوثائق والمستندات الحكومية كما ذكرناه في كتابنا عن الزكاة حيث بيّنا أننا [طبقاً لما يذكره هؤلاء الفقهاء] لو طبقنا زكاة الغلات الزراعية الأربعة في إيران وافترضنا أن جميع الغلات كانت لشخصٍ واحدٍ وأنه أدى زكاته بشكل كامل وافترضنا أنه لا يوجد من بين كل ألف شخص من المسلمين سوى /25/ فقيراً فقط، فإن هذه الزكاة التي يذكرونها لو أعطيت لهؤلاء الفقراء وقُسمت بينهم تقسيماً عادلا لما نال كل واحد منهم سوى نصف ريال أو ريال واحد!! نعم ريالٌ واحد في اليوم(2)!!

هل يُصَدَّق أن ربَّ العالمين قرَّر مثل هذه الزكاة لتأمين حاجات الفقراء وسائر أصناف المحتاجين؟! هل تعلمون ما هو مستند الفقهاء الذين أفتوا بمثل هذه الزكاة ودعوا الناس إليها؟ إنهم صرفوا النظر عن جميع آيات كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة مسلمي صدر الإسلام التي تبيّن بوضوح أن الزكاة كانت تؤخذ من جميع المحاصيل والمداخيل والإيرادات الناتجة عن غلات الأراضي الزراعية والبساتين والحقول وعن المواشي وأرباح التجارة والكسب والإيرادات الناجمة عن استغلال المعادن والمراتع والأموال المخلوطة بالحرام والكنوز، وتعلقوا بعدد من الأحاديث والروايات الضعيفة المذكورة في كتب الأحاديث والأخبار، والتي يرويها، لحسن الحظ أو لسوئه، أسوأ الرواة سمعةً... فمثلا يستند القول بانحصار الزكاة في الأشياء التسعة في كتب حديث الشيعة إلى ستة أحاديث خمسة منها مروية عن أحد أسوء رواة الأخبار سمعةً وهو «علي بن فضال» الذي قال عنه صاحب السرائر(3): «عليُّ بن فضّال ملعونٌ ورأس كل ضلال هو وأبوه»(4). وقد بيّنا حال «علي بن فضال» في كتابنا (الزكاة) بشكلٍ مفصل وسنذكر مختصراً عن حاله في هذا الكتاب، وهو لم يكن شيعياً إمامياً بل كان في بداية أمره فطحيَّ المذهب ثم انتقل إلى القول بإمامة جعفر الكذاب وكان من الضالين وهو من قادة الفقهاء القائلين بانحصار الزكاة في الأشياء التسعة.

هذه هي إحدى الفرائض الإسلامية العظيمة التي شُوِّهت حقيقتها وصارت تُعرض بهذه الصورة في دنيا اليوم المتعطشة إلى صيغة اقتصادية صحيحة.

هكذا لعبوا بسائر الفرائض والقوانين والأحكام الإسلامية حتى خرجت جميع أحكام الإسلام المحيية للمجتمعات والكفيلة بتأمين سعادتها من دائرة العمل وأصبحت نسياً منسياً، إلى الحد الذي وصل الأمر فيه إلى أننا إذا أردنا اليوم أن نطبق تلك الأحكام بل حتى إذا تكلمنا بشأنها حَكَمَ علينا المُتَسَمُّون بالمسلمين المنتسبون إلى الإسلام بالزندقة والابتداع في الدين!

والأمر ذاته وقع مثلاً على «صلاة الجمعة والجماعة» حسبما أرادها صاحب الشريعة، وعلى «الحج» واجتماع عموم أغنياء المسلمين ولو مرةً في العمر لتحقيق ذلك المؤتمر الإسلامي، وعلى «الجهاد» وإعداد مقدماته من أسلحةٍ وآلات عصرية وسائر الأمور وإعداد القوى النظامية وتعليم الأتباع والأطفال والنساء فنون الدفاع وحفظ بلاد الإسلام ونصرة الأخوة في الدين والقيام بالفريضة الهامة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ومنع البدع وإحياء السنن المتروكة وتسليم الأراضي المفتوحة عنوةً إلى مال «سندات التمليك» وأخذ الخراج وإعطاء الأراضي لمن يمتلكون الأهلية والاستعداد لعمارتها واستثمارها وأخذ ريعها لصالح بيت مال المسلمين و... و... و...

والأهم والأعظم من كل ذلك هو أمر «الحكومة الإسلامية» وانتخاب وتعيين القائد السياسي للإسلام الذي يُسمَّى بلغة الفقهاء الإمام كي يقوم بتطبيق أحكام القرآن وتنفيذها.

إذا أراد المسلمون اليوم أن يسعوا إلى تطبيق أيٍٍّ من تلك الأمور والأحكام بصورتها الحقيقيَّة سارع أعداء شريعة سيد المرسلين الحقيقيون الذين يتسمى بعضهم لسوء الحظ باسم العلماء والمراجع إلى الحكم على من يريد تطبيق تلك الأحكام بالكفر والزندقة والخروج من الدين! ولا يقتصر الأمر على إدانة من يريد تطبيق تلك الأمور بل يتعدّاه إلى إدانة من يتكلّم بوجوبها وربّما حكموا بقطع لسانه وحرقه في النار!!

ومن الناحية الأخرى تم إحداث وتقوية البدع الرائجة والضلالات الموجودة والخرافات الشائعة والأوهام المتبعة مثل عبادة الأشخاص ورفع بعض مشاهير رجال الإسلام إلى مصاف الآلهة أو أبناء الله مما يفوق شرك الجاهلية، وابتداع مراسم وطقوس عزاء غير مشروعة وتوسلات شركية وزيارات للمراقد خاطئة تشبه تردُّد المجوس وأهل الجاهلية إلى معابد النيران والأصنام، وتعمير المشاهد على القبور وتزيين الأضرحة وترغيب الناس بالاعتكاف بها والإقامة عندها وكله مما نهى عنه العقل والشرع، ووقف الأرضي على مثل تلك الأمكنة والبقاع لتقوية تلك المزارات وتزيينها، وإحياء التفاخر بالنسب والعرق والقومية التي حاربها الإسلام بكل قوَّة وشدَّة، وتعيين حقوق ومزايا خاصة لِنَسَبٍ خاص (بنو هاشم) ومن جملة ذلك «الخمس» الذي شاع بين الشيعة الإمامية بنفس القوة والشدة التي شاعت بها البدع الأخرى بل بقوَّةٍ أشد...

إن «الخمس» بنص القرآن الصريح وطبقاً لسنة نبي آخر الزمان الواضحة ولسيرة عامة المسلمين اسمٌ للخمس الذي يؤخذ من غنائم الحرب التي تقع بين المسلمين والمشركين وتعود لجيش المسلمين المجاهد، فللحاكم وقائد تلك الحرب أن يأخذ خمس الغنائم ثم يوزع أربعة أخماسها الباقية طبقاً لشريعة الإسلام على المجاهدين. هذا «الخمس» تحول إلى ضريبة ظالمةٍ تؤخذ لا من أموال المشركين بل من عرق جبين الشرائح الغنية والفقيرة من شيعة أمير المؤمنين المخلصين الأوفياء وكدِّ يمينهم، تأخذها طبقة من الطفيليين الذين لا يرحمون حتى الضعفاء من أمثال الحمّالين ونجّاري الحطب أو الذين يعملون بغزل الخيوط فيأخذون منهم هذه الضريبة بعد أن يخوِّفوهم من عذاب الله إن لم يؤدوها لهم، ليديروا بها مجالس السرور والانبساط لعدد معين من الناس. ويتشـبثون بأن زكاة الأغنياء - التي هي عبارة عن عشر الغلة الزراعية الخالصة للقمح والشعير والزبيب والتمر أو واحد من أربعين جزء من البقر والأغنام السائمة (غير المعلوفة) والتي ينبغي القول إنه لم يعد لها وجود اليوم [لأن كل الأنعام والمواشي صارت تُعْلَف]، ومن الذهب والفضة المسبوكة المسكوكة التي لم يعد أحد يتعامل بها اليوم -، محرمةٌ على السادات (عنوان لم يكن له وجود في الإسلام أصلاً) ولا يصدِّق القرآن مثل هذا الادعاء.

ولما كان دين الإسلام وأحكامه لجميع أهل الدنيا فإن حكم الخمس يشمل جميع الأموال ومكاسب المسلمين بل جميع مكاسب وإيرادات جميع أهل الدنيا وجميع المعادن والثروات الطبيعية في الأرض بما في ذلك النفط (البترول) وجميع الكنوز والدفائن في العالم، وباختصار جميع ما له عنوان المال والقيمة، فكل ذلك يجب أن يؤدى خمسه من أي نوع كان ليُعطى لطبقة خاصة ذات امتياز كي يقوم الشيخ أو ما يُسمَّى بالمرجع بصرف نصفها في أمور لا يسأل عنها ويعطي النصف الآخر إلى مساكين السادة [أي الأشراف من بني هاشم] وأيتامهم وأبناء السبيل منهم (مع أن هؤلاء يمكنهم أن يستفيدوا من الزكوات والصدقات من أمثالهم من الأشراف وأحياناً من غيرهم أيضاً). وَيُعْطَوْنَ منه حتى لو كانوا أغنياء، وفي الواقع يبقى المساكين والفقراء من أصحاب هذا النسب في مأمن من الفقر والعوز جميع حياتهم!! حيث يقوم السيد [أي الهاشمي أو علوي النسب] بأخذ المال سنةً بعد سنة حسب حاله كي يعيش كل سنته مرتاح البال وينشغل بتكثير نسل الكسالى والمتواكلين أمثاله!

لو أدِّيت هذه الضريبة الباهظة والعجيبة لأمكن أن توفر دخلاً عظيماً وموائد متنوعة دسمة وفرشاً فاضحة ومخزية لطبقة معينة معدودة! ولو تم دفع الخمس من جميع الأموال في بلد مثل إيران لا يُعَدُّ غنياً جداً من حيث مداخيله ويُعَدُّ من أغنى البلاد من ناحية وجود السادات فيه، بل لو لم يؤدَّ فيه إلا خمس المعادن فقط، لنال كل سيد [أي الهاشمي أو علوي النسب] ألف تومانٍ(5) يومياً. وقد يُقال إنه كلما زاد الإنفاق على هذه الشريحة في المجتمع فإنهم سيصرفونها في الأمور الاجتماعية ذات النفع العام، لكن فتوى فقهاء الشيعة الكبار صريحة في تحريم إعطاء أحد من هذا المال إلا لهذه الشريحة فقط [أي الهاشميين] ولا يمكن صرفه في أي أمر آخر، كما سنبين فتاواهم في هذا الأمر في كتابنا هذا عن قريب.

وأما إنفاق النصف الثاني الذي يؤخذ باسم سهم الإمام، فبغض النظر عن عدم وجود شيء تحت هذا العنوان في شريعة الإسلام الحقة وأنه في صدر الإسلام لم يكن أي مسلم يعطي أحداً من أئمّة الإسلام - سواء كان إمامتهم حقة أم باطلة - ديناراً واحداً باسم سهم الإمام، ولم يكن يصرفه في ذلك، ولسوء حظ هذا الإمام، إنه لا يستفيد شيئاً من هذا الخمس المأخوذ باسمه: أي أنه لا وجود لإمام ظاهر حتى يستفيد منه لأن مال الشخص هو لأجل مصاريفه الخاصة به.

بمعزل عن أن أكثر فقهاء الشيعة القدماء لم يوجبوا دفع مثل هذا المال بل لم يوجبوا دفع الخمس كله إذْ اعتبروا أن الخمس أصبح زمن الغيبة مباحاً للشيعة وحلالاً لهم، إلا أنه طبقاً لفتوى بعضهم يجب دفعه احتياطاً، أي أنهم أعملوا عقلهم وفكرهم وخرجوا بفتوى تقول إنه لا بد من أن يعزل المسلم سهم الإمام عن ماله ويضعه جانباً وينتظر ظهور حضرة القائم كي يقدّمه له فور ظهوره! فإن لم يظهر الإمام الغائب حال حياة المسلم وجب عليه أن يوصي عند احتضاره بتلك المبالغ التي حفظها إلى وصيه الأمين كي يقوم بدفعها للإمام الغائب إذا تمكَّن من لقائه، وإلا وجب على الوصيِّ أن يفعل مثل ذلك أيضاً عند احتضاره بأن يوصي بهذه الأموال لوصيه الأمين وهكذا تتوالى الوصية بهذا المال جيلاً بعد جيل لعلَّ أحد الأوصياء ينال ذلك الفضل العظيم بتمكُّنه من دفع مال الإمامة الذي تمَّ حفظه خلال مئات السنوات بل ربّما آلاف السنوات إلى صاحبه الأصلي وإيصال الحق لمن له الحق؟ هذا أحد الطرق!

وأما الطريق الثاني فهو أسهل وهو أن يقوم المسلم بدفن سهم الإمام في صحراء أو بادية ما حتى يظهر الإمام الغائب فيستدعي تلك الدفينة ويأتي بها كي يصرفها في مصارف فترة الإمامة التي تصل إلى سبع سنوات أو على أكثر تقدير أربعين سنة (مدة إمامة حضرة المهدي حسب الروايات والأخبار سبع سنوات وبعضها ذكر أنه أربعين سنة).

والطريق الأفضل والأسهل والأكثر اطمئناناً أن يرمي بتلك الأموال في البحر إذ يُخشى إذا دفنها في الصحراء أن يكتشفها أحد الأحياء فيأخذها، أما عندما ترمى في البحر فإنها تصبح باستقرارها في قاعه بمأمنٍ السرقة فتبقى في قعر البحر إلى أن يظهر الإمام فيصرفها!.

هل تدركون ما هي نتيجة هذا الحكم العظيم الذي تفتقت عنه عقول مروجي الدين المبين ونسبوه ظلماً لشريعة السماء الإلهية التي جاء بها سيد المرسلين؟

إن معنى هذا الحكم أن كل سنة لا بد من إلقاء خمس كل درهم من الثروة الموجودة على سطح الأرض في البحر كي يأتي الإمام الغائب بعد عدة آلاف من السنين فيأخذ هذه الثروة الهائلة من قعر البحر (ليصرفها فترة إمامته التي يُقال إن المعاملات فيها ستكون بالصلوات ولن يحتاج أحدٌ فيها لدرهم ولا دينار) ربما ليبني بها ناطحات سحاب من ذهب وفضة!!

لذلك جزى الله خيراً المشايخ ومراجع التقليد في عصرنا الذين قدموا لإنفاق هذه الميزانية العظيمة حلا آخر – رغم أن الخمس لا يُؤدَّى بشكل كامل لأنه يستند إلى خطأ يدرك بطلانه من له أدنى شعور – إذ يعطيه أكثرهم لطلاب العلوم الدينية رغم أن أكثرهم من العاطلين الباطلين الذين يعملون على ترويج تلك الأباطيل والبدع ذاتها التي سبق ذكرها. أما لو عمل الناس بفتوى ذلك الفريق من الفقهاء القدامى الذين اقترحوا رمي ذلك السهم من المال في البحر لأصيبت أسماك البحر بالشقاء ولزكمت غلاصمَها بتراكم الفضة والذهب من سهم الإمام!

إذا كان تحمل كل تلك الفضائح الناجمة عن قلة العقل وشدة الجهل وتلوث المذهب الذي ابتلي به المسلم الشيعي ممكناً، فإن ما لم يُطِقْ وجدانُنا تحمُّلَه وما نراه فضيحةً وعاراً كبيراً هو أن ننسب وضع تلك الفتوى أو الحكم لِـلَّهِ الحكيم، وننسب تبليغه للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو رحمة للعالمين.

هذا في حين أن ذلك النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد أمره ربُّه بنص آيات القرآن الكريمة وتبعاً لنهج جميع الأنبياء أن لا يسأل على رسالته أجراً من أحد وأن لا يأخذ - احترازاً ومن باب الاحتياط - ديناراً من مال مسلم ليصرفه على حاجاته وحاجات عائلته، وقد قامت سيرته العطرة في جميع مراحلها على ذلك النهج والطريقة الحكيمة الرفيعة. هذا بعكس ما يدعيه هؤلاء الذين ينسبون إليه أنّه أعدَّ لورثته ميراثاً أبدياً وافياً من مال المسلمين ترثه منه ذريته وعشيرته وأقربائه من بعده إلى يوم القيامة، مما لم يقم بمثله أي سلطان جبار أو فرعونٍ جائر في كل التاريخ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (النور/16).

إن ضجرنا ونفورنا من أن ينسب مثل هذا الأمر لِـلَّهِ ورسوله وأن توصم حقيقة الدين بمثل هذا الأمر هو الذي حفزنا على أن نخوض غمار هذا البحث رغم معرفتنا بالمخاطر التي سيجلبها علينا ذلك وبآثاره الوخيمة التي ستصيبنا من قبل المغرضين والجاهلين، لكننا لم نستطع أن نسكت ونضغط على أسناننا ونكظم غيظنا ونحبس ألمنا في صدورنا ونحن نرى بأم أعيننا هذه الجريمة ترتكب أمام ناظرينا فنقف صامتين متفرجين بل نهضنا لبحث هذا الموضوع كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة المسلمين لنضع أمامك أيها القارئ العزيز هذا البحث المختصر إن كنت طالباً للحق وباحثاً عن الحقيقة كي ترى منصفاً ماذا فعلوا بشريعتك التي هي عين حياة سعادتك في الدارين؟! ومن هذا النموذج ستدرك أي مصائب وكوارث أوقعوها بهذه الشريعة! عسى أن تنهض أنت أيضاً وتقوم بالبحث والتحقيق بقدر وسعك في دينك العزيز لتنقذه من مخالب حراس الطلاسم والسحر والخرافات كي تصل قبل حلول أجلك لمنبع الحقيقة فترحل عن هذه الدنيا إلى الحياة الأبدية برفقة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع جميع مسلمي العالم. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو مؤسس شريعة الإسلام المقدسة لم يجمع في جميع مدة حياته ديناراً ولا درهماً ولم يأخذ لنفسه من أحدٍ حبةً أو فلساً باسم خمس الأرباح أو يختصها لنفسه بوصفه إمام المسلمين أو يعطيها لأهل بيته الطاهرين، ورغم أن الوضاعين نسبوا إليه كثيراً من الأكاذيب حتى قام في زمن حياته فقال: «قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(6) رغم ذلك لم نجد، لحسن الحظ، حديثاً واحداً بل نصف حديث ولو موضوعاً ومكذوباً لدى جميع المسلمين يفيد أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمثل هذا الخمس من مكاسب الناس وأرباحهم!

والواقع أن ظهور هذه البدعة يعود إلى قرنٍ ونصف بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث وضعها الغلاة والكذابون من أمثال «علي بن أبي حمزة البطائني» و«علي بن فضال» الضال المضل و«أحمد بن هلال» و«سهل بن زياد» و«سماعة بن مهران» و«علي بن مهزيار» الذين كانوا يعدون أنفسهم ممثلين ونواباً للأئمة المعصومين فكانوا يأخذون ذلك الخمس بهذه الحجة من شيعة الأئمة. وسنطلع في هذا الكتاب على الهوية الحقيقية لأولئك الرواة.

لكن الذي أدى إلى حيرة فقهاء الشيعة هو أن هناك أحاديثَ عن خمس غنائم الحرب وهذا «الخُمْس» كان يؤخذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أموال المشركين التي يتم غنيمتها في الحرب وربما كانت عائلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستفيد من ذلك المال حال حياته الشريفة، واستناداً إلى تحوُّل كلمة «الخُمْس» التي هي رقمٌ كسري معروف، إلى حقيقة شرعية معناها ذلك «الخُمْس» الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه يأخذونه من المسلمين من قيمة بعض المعادن والكنوز وأمثالها من باب الزكاة، ثم أصبحت مثل هذه المسائل من المسائل التي ابتلي بها المسلمون فكانوا يسألون فقهاء زمانهم مثلا: كم يجب أن ندفع زكاة المعادن كالنفط والكبريت والنحاس والحديد؟ فكان كلُّ واحدٍ من الفقهاء يجيب سائليه في ذلك الزمن بفتوى حسب رأيه، فاشتبه الأمر على الفقهاء، حيث أن الإمام مالك يقول أن زكاة المعادن والركاز هي العشر والشافعي يقول إنها الخمس.

وكذلك سأل بعض الشيعة من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم عن هذه المسائل وأجاب أولئك الكرام بأنه الخمس. مثل هذه الأحاديث أدت إلى أن يخلط بعض الناس زكاة المعادن التي مقدارها الخمس ومصارفها هي مصارف الزكاة عينها بالخمس الذي مصارفه مصارف خمس غنائم الحرب، وإلا فإن الأئمة لم يخترعوا شريعة في مقابل شريعة سيد المرسلين ولم يقولوا بأي حكم سوى ما بيّنه القرآن المجيد وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونسبة مثل هذا الأمر والعياذ بالله إلى الأئمة الكرام أسوأ ألف مرة من قتلهم بالسيف والسنان لأنه في مثل هذه الصورة يجب اعتبارهم مدّعين لنبوة جديدة بعد خاتم الأنبياء والعياذ بالله أو محرفين لكتاب الله ومثل هذه العقيدة والقول كفر صريح.

إذا كان أساس الدين كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كتاب الله وسنة رسول الله لا يعرفان شيئاً من مثل هذا الخمس الذي يتكلمون عنه وإلا فإن طريق الضلال واسعٌ!

ومن عجائب الأمور أنه عندما قمت بإظهار هذه الحقيقة في إحدى مدن إيران الكبيرة احتجَّ أحد علماء هذه الديار ممن يرتدي العمامة والعباءة وله أصحاب وأنصار بأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذ من المسلمين في زمنه خمس أرباح المكاسب فعلَّة ذلك أنَّ المسلمين كانوا حينها في غاية الفقر والحرمان ولذلك لم يكن بينهم أي شخص يشمله حكم وجوب أداء الخمس!

وهذا القول أشبه بالهذيان منه بالبرهان، والتفوُّه به من قبل شخص عالمٍ يتطلَّب جرأةً وجسارةً، لأن هذا الشخص يعلم تمام العلم بحكم القرآن وآياته الصريحة وسنة رسول الله المتواترة أن سيد الكائنات عظيم البركات صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ الزكاة والصدقات زمن حياته من المسلمين رغم أن للزكاة نصاب محدد فهي لا تشمل إلا أغنياء الأمة، فمثلاً لا بد أن يكون مقدار المحاصيل الزراعية زائداً عن قرابة طن من الغلة حتى تجب على صاحبه الزكاة وكذلك من يملك أقل من أربعين رأساً من الغنم لا تجب عليه الزكاة وكذلك من يملك أقل من عشرين مثقالاً من الذهب المسكوك أو مائتي مثقال من الفضة المسكوكة لا تجب عليه زكاتها، وهذا كله بعد مضي الحول. هذا في حين أن الخمس الذي يتكلمون عنه يشمل كل حمال وبقالٍ وجامع حطب وامرأة تغزل الخيوط على نولها ولو كان ما يزيد على مصروفها اليومي نصف ريال فقط ولا يشترط فيه مضي الحول بل يجب أداء الخمس بمجرد الحصول على نصف الريال الفائض عن الحاجة، غاية ما في الأمر أنه يحق لمالكه أن يدفعه بعد المؤونة. فهل أولئك المسلمين الذين كانت تشملهم الزكاة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن منهم شخصٌ واحدٌ يشمله مثل هذا الخمس الذي يتحدثون عنه؟! أجل هذه هي حجّة أولئك الذين يهربون من الحق ويضطرون للتوسل بمثل هذا الهذيان.

نسأل الله تعالى أن ينقذ الإسلام من تلك المفتريات.

وآمل أن تُظهرَ مطالعة هذا الكتاب الحقيقة كما هي لأنظار أولي الألباب.

إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

حيدر علي قلمداران

+            +             +


 

100

 

الحمد لِـلَّهِ كما هو أهله والصلاة والسلام على محمد نبيِّه وعلى أهل بيته

توطئة وتمهيد

إن دليل حكم «الخُمْس» ومستنده من كتاب الله (القرآن الكريم) هو الآية الكريمة 41 من سورة الأنفال التي تقول:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ باللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال/41]

وقد بيَّنَتْ الآيات التي تلت هذه الآية تلك الأمور التي حدثت في ذلك اليوم الذي أشارت إليه – أي يوم الفرقان – والتي كانت أحداث معركة بدر. كما أن الآيات التي تسبق الآية المذكورة تتعلق أيضاً بالحرب والجهاد وهو ما سنشرحه عن قريب إنشاء الله خلال بياننا لآيات الغنائم.

يجمع أكثرية المفسرين والمؤرخين وأرباب السير على أن نزول هذه الآية كان عقب معركة بدر التي يتفق المؤرخين على أنها وقعت في السنة الثانية للهجرة، وأن الآية الكريمة نزلت لرفع الاختلاف وإنهاء النزاع الذي وقع بين المجاهدين حول تقسيم الغنائم التي وقعت بأيدي المسلمين إِثْر تلك المعركة. وقد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى هذه الآية. وهناك أقوال أخرى أيضاً ترى أن المراد من غنيمة الحرب في هذه الآية ليس غنائم معركة بدر فقط بل غنائم الغزوات الأخرى قبلها أو بعدها، ولكن لما كان هذا الخلاف غير مؤثر في موضوعنا لذا لن نتعرض له.

هنا نرى من الضروري لأجل توضيح الموضوع والوصول إلى الحقيقة بشأن مسألة الخمس أن نقدم له بذكر عدَّة نقاط:

1- النقطة الأولى: كانت الآية المذكورة أول حكم يتعلق بموضوع الأموال وحقوق الله ورسوله بشأن تقسيمها، كما كانت أول ما تم تنفيذه في هذا المجال. فرغم أن الآيات المتعلقة بالزكاة قد نزلت في عدد من السور المكية في مكة المكرمة أي قبل الهجرة إلى المدينة إلا أنها كانت دون بيانٍ لكيفية تقسيمها أو تحديدٍ لمصارفها أو لمقدار نصابها، وذلك لأن آيات الزكاة لم تأخذ طريقها إلى العمل في ذلك الوقت [حيث لم تقم دولة الإسلام بعد] ولم يكن لها ملاك محدد. واستمر ذلك حتى السنة التاسعة أو العاشرة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما نزل أمر الله سبحانه وتعالى الذي يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا..﴾ (التوبة/103)، ونزلت الآية التي تحدد مصارفها وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة/60).

بعد نزول هذه الآيات نفذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أمره به ربه وأرسل العمال لأخذ الزكاة إلى القبائل والبلاد. هذا في حين أن خمس الغنائم بدأ العمل به منذ السنة الثانية للهجرة.

2- النقطة الثانية: لكي نعرف لماذا تأخر العمل بحكم الزكاة رغم نزول الأمر بها في الآيات المكية (قبل الهجرة)، في حين تمَّ العمل فوراً بآية الخمس، لا بد أن نلاحظ وضع المسلمين المالي في تلك الأيام، حيث كان أكثر المسلمين في تلك الفترة فقراء مساكين، لأن جميع المهاجرين الذين تركوا مكة خائفين فارِّين بدينهم خلَّفوا وراءهم كل ما كانوا يملكونه من مال وأرض ومتاع وخرجوا لينجوا بأنفسهم فقط إلى المدينة أو إلى بلاد أخرى (الحبشة وغيرها)، فصار المهاجرون ضيوفاً على إخوانهم في الدين «الأنصار». كما كان أكثر الذين آمنوا من أهل المدينة من الفقراء فمثلاً: كانت كل ثروة أبي أيوب الأنصاري مضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبارة عن منزل صغير مؤلف من غرفتين إحداهما فوق الأخرى حيث أعطى الغرفة العلوية لرسول الله واختار هو البقاء في الغرفة السفلية مع أمه. ولم يكن حال بقية المسلمين أفضل من حال أبي أيوب بكثير. وإذا ألقينا نظرة على عدة المسلمين في معركة بدر والتي كانت كما ذكر المؤرخون فرسان وسبعة سيوف وسبعون جملاً فقط أدركنا جيِّداً وضع الفقر والعوز الذي كانوا يعيشون فيه. والأكثر دلالة من كل ذلك، الدعاء الذي دعا به نبيّ الله للمسلمين لدى خروجه بهم إلى «بدر» كما ذكره الواقدي في «المغازي» (1/26) ورُوِيَ في السنن الكبرى للبيهقي (6/305): «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ في ثَلاَثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمُ اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمُ اللَّهِمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ».

وكذلك جاء في كتاب «المصنَّف» القيِّم لعبد الرزاق الصنعاني (ج5/ ص209، ح9402) ما نصُّه: «عبد الزراق عن معمر يعني عن أيوب عن بن سيرين عن عبيدة قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: إن ربك يخيِّرك إن شئت أن تقتل هؤلاء الأسارى وإن شئت أن تفادي بهم وتقتل من أصحابك مثلهم(7) فاستشار أصحابه فقالوا نفاديهم ونتقوَّى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء».

3- النقطة الثالثة: كان أخذ الخمس من غنائم الحرب أمراً معمولاً به ورائجاً قبل الإسلام، ولذا فإن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام في السرايا التي وقعت قبل معركة بدر وغنم المجاهدون فيها بعض الغنائم بإخراج الخمس منها والإتيان به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(8) [رغم عدم نزول حكم خمس الغنائم بعد].

فحكم الخمس لم يكن حكماً جديداً مختصاً بدين الإسلام بل كان أخذ خمس غنائم الحرب وحتى ربعها رائجاً ومعمولاً به في الأمم السالفة وفي الجاهلية كذلك، وكان رؤساء القبائل وقادة المعارك يختصون أنفسهم بمقدارٍ من غنائم الحرب إما الخمس أو الربع، ولكن دين الإسلام لم يشرع مثل هذا الاستئثار والاختصاص(9).

4- النقطة الرابعة التي يجب أن ننتبه إليها في مسألة الخمس هي أن آية الخمس الكريمة (في سورة الأنفال) التي ذكرناها أول الفصل صُدِّرَت بقوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا..﴾ وهذه الكلمة إذا تأملناها بدقة لاحظنا أن لحنها ولهجتها ليست لهجة أمرٍ أو مطالبة بأخذٍ بل لجتها لهجة إعلام وإرشاد أي أنها لم تأتِ على النحو الذي جاءت به آيات الأمر بالصلاة والزكاة والتي جاءت بصيغة الأمر الواضح. والسبب هو أن غانم الغنيمة ليس مالكاً لها قبل تقسيمها حتى يتوجه إليه وجوب دفعها. وهذه النقطة تفطَّن إليها كثير من فقهاء الشيعة الكبار في مسألة خمس الغنائم واعترف بها وأشار إليها(10). ولذلك نلاحظ الفرق بين هذه الآية وبين آيات الزكاة التي تتصدر بصيغة الأمر كقوله تعالى:

﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة/43] ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام/141] ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة/254] ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة/267] -﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ [النور/33]

وقد جاء عقب أكثر آيات الزكاة التهديد المنكرين والمخالفين بالعذاب الشديد، وأمثالها من الآيات التي تهدِّد بعذاب الله في نار جهنم.

أما في الآية الكريمة المتعلِّقة بالخمس فقد جاء الكلام بلهجةٍ وصيغةٍ إعلامية وإرشادية فابتدأ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾ والتي لا يخفى على أهل الأدب والعارفين بلغة العرب ما فيها من لطف واختلاف عن تلك الأوامر، وذلك لأن المسألة هنا مسألة علمية وليست عمليةً، ومسألة اعتقادية وليست اكتسابية ومعرفية لا مسألة أمر بإعطاء وإيجاب لدفع؛ لذا بدأت بعبارة ﴿وَاعْلَمُوا..﴾ وليس بعبارة "وآتُوا أو وأدُّوا" واختتمت بعبارة ﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ [الأنفال/41]. حيث تستدعي الآية قوة الإيمان وعقيدة المجاهدين والغانمين لتدعوهم إلى التسليم بتقسيم الغنائم! وإذا لاحظنا جميع الآيات التي ذُكرت فيها كلمة ﴿وَاعْلَمُوا..﴾ لرأينا أن جميعها ذا جانب إرشادي وخاصية وعظية إرشادية تدعو مخاطبيها إلى الإيمان والتقوى، كما نلاحظ ذلك في الآيات التالية:

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة/194]

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة/196]

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة/231]

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة/203]

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة/223]

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة/233]

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة/235]

حيث أنه بعد الأمر بالتقوى يأتي الإعلام بطريقة الوعظ والإرشاد بحقيقة إيمانية اعتقادية، كما نجد ذلك في الآية التالية من سورة الأنفال التي تبتدئ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِـلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ،

ليأتي بعدها مباشرةً قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال/24] حيث جاء الإعلام بمسألة اعتقادية.

واللطيفة في هذه النقطة هي أنه في الآيات الكريمة التي استعملت فيها كلمة ﴿وَاعْلَمُوا..﴾ جاء قبلها أو بعدها أمرٌ بالتقوى كما نجد ذلك الأمر مباشرة في الآية التي تلت الآية الأخيرة من سورة الأنفال أي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال/25].

ثم نجد قوله تعالى في السورة ذاتها بعد آيتين: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال/28].

ونقرأ بعدها:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال/29].

ونقرأ في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا..﴾ [الحديد/17].

فنلاحظ أنه في جميع هذه الآيات كانت كلمة ﴿وَاعْلَمُوا..﴾ ذات جانب وعظي وإرشادي وإعلامٍ بمسألة اعتقادية ولم يأتِ في أي منها أمرٌ بحكم عبادي.

وعلى هذا الأساس نجد أن الآية الكريمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ... الآية﴾ [الأنفال/41]

إنما تُعْلِمُ بحقيقة اعتقادية ولا تبيِّن وجوب الإتيان بأمرٍ، أي أنه إذا عَزَل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخمس من غنائم الحرب ليعطيه لأرباب الخمس فإن على المجاهدين وغانمي الغنائم أن يعلموا أن هذا حق خاصٌّ بالله وليس لأحد الحقُّ في الاعتراض عليه. ولم يؤمر المسلمون أبداً بدفعه لأن خمس الغنائم بل جميعها هو ملكٌ لرسول الله أو قادة المعركة قبل التقسيم فلا يملك الآخرون شيئاً حتى يؤمروا بدفعه!

وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو قادة المعارك [النائبين عنه] أن يجمعوا الغنائم ثم يُخرجوا منها الخمس ويقسِّموا البقيةَ بين المجاهدين ولذلك فإن هذا العمل لم يكن بحاجة لصيغة أمرٍ بالأداء والدفع، وكل ما كان مطلوباً هو أن يعلم المسلمون أن خمس الغنائم ملكٌ لِـلَّهِ تعالى. ولا توجد أيَّة آيةٍ في القرآن تأمر المسلمين بأداء خمس الغنائم ودفعها أو أداء الأنفال لأنه لم يكن شيءٌ منها ملكٌ لهم، كما نلاحظ أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه تعكس هذه الحقيقة وتبينها بوضوح.

في صدر الإسلام لم يقم أي مسلم بدفع الخمس بالصورة التي أصبحت رائجةً الآن! في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمن خلفائه، كان الرسول وخلفاؤه إذا اعتبروا أن مالاً ما يشمله حكم الخمس يقومون بأنفسهم بحجز ذلك المال ليكون تحت تصـرفهم [لعزل الخمس منه ثم تقسيمه] قبل أن يملك الآخرون منه شيئاً. وهذا خلاف لأمر الزكاة التي كان المسلمون مأمورين بدفعها فوراً وإذا أهملوا دفعها أو غفلوا عنه طولبوا بذلك بكل شدة، فإذا تأخروا عن أدائها أو توقفوا عنه هُدِّدوا بإعلان الحرب وأخذها منهم بكل شدة.

في الخمس وتوزيع الغنائم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المعطي والمسلمون المجاهدون هم الآخذون، كما تدل على ذلك الآية الكريمة:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ...﴾ [الحشر/7](11) أي ما أعطاكم إياه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (من الغنائم) فخذوه.

أما في الزكاة فكان المسلمون هم المعطون، لذلك نجد قوله تعالى:

﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ [البقرة/43] -﴿وَآَتُوا حَقَّهُ [الأنعام/141] ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة/254] ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة/267] ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آَتَاكُمْ [النور/33].

وكان الله ورسوله هما الآخذان كما يقول سبحانه: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة/104] ويقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة/103].

أما إذا رأينا عبارات فيها الأمر بأداء الخمس في بعض رسائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي كتبها إلى رؤساء القبائل وشيوخ العشائر أو الولاة كما نجد ذلك مثلاً في رسالته إلى شرحبيل بن عبد کلال التي جاءت فيها هذه الجملة: وأعطيتم من‌ المغانم خمس ‌الله أو في رسالته إلى عمرو بن معبد ‌الجهنی التي كتب إليه فيها يقول: وأعطي من‌ المغانم‌ الخمس. ومثلها قوله لمالک بن الأحمر: وأدوا الخمس من ‌المغنم. وفي رسالة النبيِّ لعبد يغوث: وأعطي خمس ‌المغانم فی ‌الغزو، وفي رسالة النبيِّ لجنادة وقومه: وأعطي الخمس من ‌المغانم خمسَ ‌الله، فالسبب في ذلك أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يحضر تلك المعارك بنفسه لذا كان يطالب أولئك القادة الذين كانوا نواباً عنه بأن يؤدوا خمس غنائمها، وإلا فإن حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذاته كان يأخذ خمس غنائم الحروب بذاته الشريفة عندما يكون حاضراً في المعركة.

كما جاء في كتاب «التهذيب» [للشيخ الطوسي] بسنده عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْجَارُودِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ حضرة الصادق عليه السلام قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله إِذَا أَتَاهُ المَغْنَمُ أَخَذَ صَفْوَهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ وَيَأْخُذُ خُمُسَهُ ثُمَّ يَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بَيْنَ النَّاسِ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَسَمَ الْخُمُسَ الَّذِي أَخَذَهُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ يَأْخُذُ خُمُسَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعاً وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ يَأْخُذُ كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ‏».

5- النقطة الخامسة: جاءت في الآية الكريمة کلمة: ﴿ غَنِمْتُمْ..﴾ [الأنفال:41] فتشبَّث بها بعضهم واعتبرها مستنداً ومستمسكاً به فيما يذهب إليه [من شمول الخمس لكل ما يكتسبه الإنسان]، في حين أن كلمة الغنيمة في اللغة إنما تُستعمل في الشيء الذي يحصل عليه الإنسان دون مشقةٍ كما جاء في القاموس: «والمَغْنَمُ والغَنيمَةُ والغُنْمُ: الفَيءُ، غَنِمَ غُنْماً وغَنيمَةً: الفَوْزُ بالشّـَيْءِ بلا مَشَقَّةٍ» أما في اصطلاح الشرع فتُطْلَق «الغنيمة» على الأموال التي ينالها المسلمون من المشـركين بقهرهم والتغلب عليهم في القتال. وفيما يلي بعض النصوص الفقهية في ذلك:

ألف - قال الشافعي في كتابه «الأم» (4/64): «والغنيمة هی الموجَف عليها بالخيل والرکاب، والفيء هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا رکاب!».

ب - وقال يحيى بن آدم في کتاب «الخراج» (ص 17): «سمعنا أن الغنيمة ما غلب عليه المسلمون بالقتال حتى يأخذوه عنوة(12)، وأن الفيء ما صولحوا عليه.».

ج - وقال الماورديُّ في «الأحكام السلطانية» (ص 121): «الغنيمة والفيء يفترقان فی أن الفيء مأخوذٌ عفواً ومال‌ الغنيمة مأخوذٌ قهراً.».

هذا رغم أن هناك خلاف بين الفقهاء في معنى «الفيء» إذْ اعتبره بعضهم بمعنى الغنيمة أيضاً.

د - وكتب أبو وسف القاضي في كتابه «الخراج» (ص 18-19) في بيان معنى «الغنيمة»: «أما ما سألت عنه يا أمير المؤمنين من قسمت الغنائم إذا أصيبت من العدو..، فإن الله تبارك وتعالى قد أنزل بيان ذلك في كتابه فقال.. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ.. الآية﴾ فهذا - والله أعلم - فيما يصيب المسلمون من عساكر أهل الشرك، وما أجلبوا به من المتاع والسلاح والكراع فإن في ذلك الخمس لمن سمى الله عز وجل في كتابه العزيز،أربعة أخماس بين الجند الذين أصابوا ذلك...».

ه‍ - ويقول المرحوم الشيخ الطوسي (ره) في تفسير (التبيان) (ج1/ص797 من طبعة طهران الحجرية أو ج5/ص117من الطبعة الجديدة) بعد ذكره لآية الخمس الكريمة من سورة الأنفال: «الغنيمة ما أخذ من أموال أهل ‌الحرب من ‌الکفار بقتال وهي هبة من ‌الله للمسلمين. والفيء ما أخذ بغير قتال في قول عطاء بن السائب، وسفيان الثوري وهو قول الشافعي، وهو المروي في أخبارنا.».

و - وقال الطوسي في الكتاب ذاته (ج2/ص666، أو ج9 / ص548): «والذي نذهب إليه أن مال الفيء غير مال الغنيمة، فالغنيمة كل ما أخذ من دار الحرب بالسيف عنوةً مما يمكن نقله إلى دار الإسلام، وما لا يمكن نقله إلى دار الإسلام، فهو لجميع المسلمين ينظر فيه الإمام ويصرف انتفاعه إلى بيت المال لمصالح المسلمين.».

ز - ويقول الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان (ج4/ص543، طبع المطبعة الإسلامية) ذيل تفسيره لآية الخمس من سورة الأنفال: «الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال وهي هبة من الله تعالى للمسلمين والفيء ما أخذ بغير قتال وهو قول عطاء ومذهب الشافعي وسفيان وهو المرويُّ عن أئمتنا عليهم السلام».

ح - ونقل المرحوم المقدّس الأردبيلي في كتابه «زبدة البيان» عين هذه العبارة عن تفسير «مجمع البيان» وارتضاها وقَبِلَ بها.

ط - وقال المرحوم «الفاضل الجواد الكاظمي» في «مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام» لدى تفسيره لآية الخمس من سورة الأنفال (2/76 -81):

«ظاهر «الغنيمة»: ما أخذت من دار الحرب، ويؤيّده الآيات السابقة واللاحقة، وعلى ذلك حملها أكثر المفسّرين، والظاهر من أصحابنا أنّهم يحملونها على الفائدة مطلقا، وإن لم يكن من دار الحرب..... [إلى قوله:] والحقّ أنّ استفادة ذلك من ظاهر الآية بعيدة بل الظاهر منها كون الغنيمة غنيمة دار الحرب.».

ي- ونقل العلامة المجلسي في «مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول» (ج1/ص441) عن «المقدس الأردبيلي» قوله: «و الذي ينبغي أن يذكر هنا مضمون الآية فهي تدل على وجوبه في غنائم دار الحرب مما يصدق عليه شيء أي شيء كان منقولا وغير منقول.. فإن المتبادر من الغنيمة هنا هي ذلك. ويؤيده تفسير المفسرين به، وكون ما قبل الآية وما بعدها في الحرب.».

هذا هو المعنى الذي ذكره فقهاء الإسلام من العامة والخاصة لكلمة «الغنيمة» وكما لاحظنا ليس بينهم خلاف في حقيقة معناها ولا ينبغي أن يكون هناك خلاف، لأن جميع الآيات القرآنية المباركة التي وردت فيها هذه الكلمة، يُفهم من سياقها وما جاء قبلها وبعدها من آيات أنها غنيمة دار الحرب:

ألف - في الآية الكريمة ذاتها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ...﴾ [الأنفال/41]

نجد أن الآيتين اللتين سبقتاها مباشرةً هما: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِـلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الأنفال/39-40]، ثم عُطِف عليهما بواو العطف قوله: ﴿وَاعْلَمُوا...﴾ مما يدل بوضوح على أن الغنيمة المذكورة تتعلق بدار الحرب، هذا إضافة إلى أنه في الآية الكريمة ذاتها ذكر يوم ‌الفرقان ﴿يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ﴾ [الأنفال/41] أي اليوم الذي تميز فيه الحق من الباطل، وهو اليوم الذي التقى فيه المسلمون بالكفار في وقعة بدر. ونجد في الآية التالية مباشرة قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ..﴾ [الأنفال/42] والتي تصور لنا صورة اصطفاف المؤمنين أمام الكفار في ذلك اليوم المشهود.

ب- في الآية 69 من ذات السورة المباركة يذكر الله تعالى أحد مشتقات «الغنيمة» فيقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا...﴾ [الأنفال/69] والآيات التي قبلها متعلقة بشكل كامل وواضح بأحكام دار الحرب، بدءاً من الآية 55 من سورة الأنفال وحتى يصل تعالى إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ..﴾ [الأنفال/65]، ثم إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ..﴾ [الأنفال/67].

ج - وذكرت كلمة «الغنائم» في سورة الفتح أيضاً في قوله عز من قائل:

﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ... [الفتح/15]

وجميع الآيات السابقة على هذه الآية من سورة الفتح تتكلم بشكل عام عن واقعة الحديبية والبشارة بفتح مكة وإشارة إلى ما سيمنحه الله للمسلمين من مغانم في معركة حُنَيْن وأمثال ذلك. والآيات التالية للآية المذكورة تتعلق أيضاً بموضوعات الحرب والمتخلفين عن القتال وعن الأنصار والمجاهدين في سبيل الله.

د - وجاءت كلمة «مغانم» في سورة النساء أيضاً في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَـتـَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ...﴾ [النساء/94].

هنا إضافة لكون نص الآية ذاته شاهد على أن هذا الحكم متعلق بالحرب والقتال، فإن الآيات التي تسبق هذه الآية المباركة بدءاً من الآية 71 فما بعد بل حتى ما قبل ذلك تتعلق جميعاً بأحكام الحرب والدفاع وقتل العمد وقتل الخطأ. ثم الآيات التي تتلو الآية المذكورة مباشرةً تتكلم أيضاً عن أحكام الحرب والقتال، كما يقول تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً...﴾ [النساء/95]

وهكذا يستمر الكلام عن أحكام الجهاد والقتال في سبيل الله بشكل عام حتى الآية 104 من السورة المباركة.

إذن تعميم كلمة «غنمتم» لتشمل كل دخل وإيراد مالي يكسبه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها حتى الكسب الناجم عن حمل الحطب وتقطيعه والعمل كنس الطرق وغزل الخيوط! ليس سوى سفسطة وفراراً من الحقيقة، سوء استخدام لهذه الكلمة المباركة ليس له من هدف سوى المطالبة الظالمة بالخمس. وذلك لأننا لا نشاهد لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في سيرة من خلفوه بحق أو بباطل ولا في عمل مسلمي صدر الإسلام شيئاً من مثل هذه المطالبة. وبمعزلٍ عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين لا نجد ذلك حتى في سيرة سلاطين الجور من ملوك بني أمية وبني العباس أنهم كانوا يأخذون الخمس من أموال المسلمين خاصة من أرباح مكاسبهم وتجاراتهم، هذا في حين أنه لو وجد أولئك الخلفاء أدنى مستند ودليل وحجة على ذلك لسارعوا للتمسك به وطالبوا المسلمين بخمس مكاسبهم بكل شدة، ولبين التاريخ لنا ذلك بكل وضوح، كما نقل لنا التاريخ حال أخذ الزكاة وجباية الخلفاء للخراج(13).

أما خمس غنائم دار الحرب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاته يأخذها زمن حياته كان خلفاؤه بعد رحيله يأخذونها بأنفسهم؛ فوجوبه – هذا إن صح أن نستخدم هنا كلمة الوجوب – كان مختصاً بغنائم دار الحرب(14).

والأحاديث الواردة عن أهل البيت تؤيد هذه الحقيقة بأن الخمس يشمل فقط غنائم دار الحرب، فمن ذلك ما رواه المرحوم الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» (ج1/ص21) طبع النجف، ورواه الشيخ الطوسي في كتابيه التهذيب (ج4/ص124) طبع النجف، والاستبصار (ج2/ص56) طبع النجف «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) يَقُولُ لَيْسَ الخُمُسُ إِلَّا فِي الْغَنَائِمِ خَاصَّةً»(15).

6- النقطة السادسة التي يجب أن ننتبه إليها في فهمنا للآية الكريمة هي أن كلمة ﴿غَنِمْتُمْ جاءت بصيغة المخاطب الماضي مما يدل على عدة أمور:

أ- أن الكلام عن أمر قد وقع وعن شيءٍ كان حاضراً في حينها، فلا يصح إذن أن يقصد بها غنائم لم يتم الحصول عليها بعد وأنها ستختص برسول الله وبآله فيما بعد (هذا إذا اعتبرنا أن «ذي القربى» أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك لأنه لا يمكن تقسيم الشيء المعدوم على الأشخاص الموجودين كما أنه لا يمكن تقسيم الشـيء الموجود على أشخاص معدومين، ولم يأتِ الأمر في تلك الآية على النحو الذي جاءت به الآيات الآمرة بالزكاة التي أتت بصيغ مختلفة (الماضي والحاضر والمستقبل) وشملت بذلك عامة الحاضرين والغائبين(16).

ب- إن الخطاب في تلك الآية موجه لأفراد موجودين ومعلومين في ذلك الزمن، كما نشاهد في الآيات السابقة واللاحقة لها تصويراً لكيفية المعركة ثم خطاباً لأفراد معينين خاصين بقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ باللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (الأنفال/41)، ثم قال بعدها ﴿ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (الأنفال/42).

وانسحاب الحكم من الحاضرين إلى غير الحاضرين يستند إلى الإجماع، ولا إجماع هنا بين عامة المسلمين بل لا إجماع بين علماء الشيعة أنفسهم! وبناءً على ذلك فإن سهم رسول الله وسهم ذي القربى منحصران بزمن رسول الله وزمن حياة ذي القربى وأما شمولها للأموال التي لم يتم الحصول عليها بَعْدُ، بَعْدَ حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك شمولها لما بعد حياة ذي القربى يحتاج إلى دليل آخر ولا يوجد مثل هذا الدليل لا عقلاً ولا نقلاً! وهذا مثله مثل الأحكام الخاصة برسول الله وأزواجه المطهرات والتي لا مصداق لها بعد حياتهم الشريفة. فمثلاً الأحكام المتعلقة بحلية أو حرمة النساء على رسول الله وكيفية تردد الناس ودخولهم إلى بيت رسول الله وكيفية تكلمهم وندائهم ومخاطبتهم لحضرته وكيفية سلوكه وسلوك الناس مع أزواجه المطهرات والأحكام المتعلقة بزواج رسول الله وأمثالها وكثيراً من الآيات في القرآن المجيد التي تتعلق بمثل هذه الأحكام والأحوال، كلها تختصُّ بذلك الزمن وليس لها مصداق بعد وفاة رسول الله ووفاة زوجاته، بل حكمها ينقطع بعدهم، اللهم إلا من باب الأسوة الحسنة. فمن البديهي أن ما يتعلق بمنامه ومأكله وملبسه ومعشـره حكمه منقطع بعده. وبالتالي فإن حكم خمس الغنيمة الذي يتعلق سهمٌ منه برسول الله وسهمٌ آخر بذي قرباه حكمه منقطع بعد رحيل الجميع. لأن الاستفادة من أموال الغنيمة إنما كان لأجل الأكل واللبس وتلبية حاجات المعيشة، فالاستفادة منها منوطة وموقوفة ومشـروطة بوجود حياة المستفيد منها، أما بعد وفاته فجميع الخواص والأحكام تنتفي.

ويؤكد ذلك أن عبارة ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى، التي تتحدث عن أقرباء رسول الله القريبين منه بشكل خاص، جاءت بصيغة المفرد، فلم يقل «ولذَوِي القُرْبَى»، مما يدل على أنها منحصرة بشخص واحد. والأحاديث أيضاً تبين أن المراد من «ذِي الْقُرْبَى» في الآية الكريمة الأخرى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (الإسراء/26) منحصرٌ بحضرة الزهراء سلام الله عليها كما جاء في المجلد الثامن من «بحار الأنوار» (ص91 من طبعة تبريز القديمة الحجرية) نقلاً عن مناقب ابن شهرآشوب في باب نزول رسول الله إلى فدك: «وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، فَأَقَرَّهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وأَخَذَ مِنْهُمْ أَخْمَاسَهُمْ. فَنَزَلَ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ﴾. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: أَعْطِ فَاطِمَةَ فَدَكاً، وَهِيَ مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْ أُمِّهَا خَدِيجَةَ، وَمِنْ أُخْتِهَا هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي هَالَةَ، فَحَمَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ، وَأَخْبَرَهَا بِالْآيَةِ.» والذي يتبين منه أن المراد من ذي القربى إذا اعتبرناهم أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لن يكون سوى فاطمة سلام الله عليها.

والتاريخ يشهد أنه عندما نزلت آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى.. والتي كان نزولها مقارناً أو لاحقاً لمعركة بدر أي في الشهر الخامس عشر أو السادس عشر لهجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة لم يكن لرسول الله أقرباء يمكن أن نسميهم «ذي القربى» سوى حضـرة الزهراء عليها السلام والتي كانت أيضاً في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحت كفالته، لأنه لم يكن هنالك في ذلك الزمن أحدٌ من أولاد رسول الله سوى زينب التي كانت زوجة أبي العاص ورقية التي كانت زوجة عثمان فتوفيت وتزوج عثمان بأختها أم كلثوم ابنة رسول الله الأخرى، وفاطمة الزهراء التي لم تكن قد تزوجت بعد من أمير المؤمنين علي عليه السلام بل لا تزال تعيش في كنف أبيها صلى الله عليه وآله وسلم. ولم يكن من أزواج حضرته (هذا رغم أنه لا يمكن تسمية الزوجة بذي القربى) سوى سودة بنت زمعة ولم يكن من أعمامه من هو مسلمٌ سوى «حمزة» وكذلك من بني أعمامه لم يكن هناك مسلم سوى «عليّ»، لأن العبّاس عمّ النبيّ الآخر وأولاده وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب أولاد عمّ النبيّ كانوا لا يزالون على الكفر، ولما كان حمزة وعلي أنفسهما من المجاهدين والغانمين لم يكن يشملهم سهم خمس الله، ولم يكن هناك مسلم آخر من أقرباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى يمكن اعتباره من «ذي القربى» وإعطائه من خمس الغنائم.

وتشهد سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً أنه لم يعطِ أحداً من أقربائه أي شيء من غنائم الحرب إلا لحضرة الزهراء عليها السلام ولكن ليس من غنائم بدر بل إنما نالت من خمس بدر ذلك المقدار الذي نالته بوصفها تعيش تحت كفالته صلى الله عليه وآله وسلم.

فإذا كان المراد من «وَلِذِي الْقُرْبَى» أقرباء رسول الله فلن يكون لذلك مصداق سوى فاطمة عليها السلام، ويصبح المعنى أن على رسول الله أن يعطي هذا الفرد أو الأفراد الموجودين من ذي القربى من خمس الغنيمة الموجودة ﴿مَا غَنِمْتُمْ، أما خمس الغنائم غير الموجودة التي تؤخذ من حروب لم تقع بعد فلا يمكن أن تكون شيئاً ينتقل إلى الآخرين عبر الإرث (أي لا يمكن أن يرث أشخاص غير موجودين شيئاً غير موجود؟؟!) اللهم إلا أن يكون شيئاً قد أعطاه رسول الله لفرد من ذي قرباه، فهذا الشيء الموجود يصل لورثة ذي القربى ذاك، هذا إن فسَّرنا كلمة ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى بأنها قربى رسول الله (مع أن هناك كلامٌ وشكٌّ في صحة هذا التفسير).

7- النقطة السابعة إذا أخذنا ﴿ذِي الْقُرْبَى على معناها المطلق المطابق لمعناها في المواضع الأخرى في القرآن فعندئذ سيكون للآية معنى آخر غير المعنى المشهور، فقد وردت كلمة ﴿ذِي الْقُرْبَى في الآيات الكريمة التالية دون قيد:

أ- ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ..﴾ [البقرة/83].

فهنا من الواضح تماماً أنه ليس المقصود من «وَذِي الْقُرْبَى» قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.

ب- ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ..﴾ [البقرة/177].

فهنا أيضاً ذُكرت عبارة «ذَوِي الْقُرْبَى» بصيغة الجمع لتتناسب مع اليتامى والمساكين الآتية بصيغة الجمع.

ج- ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْـرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ.. ﴾ (النساء/36).

هنا جاءت عبارة ذي القربى بصيغة الفرد تماماً مثلما جاءت في آية خمس الغنائم ومما لا شك فيه أنه لا يُقصد من القربى واليتامى والمساكين أولئك الذين هم من آل محمد فقط!.

د- وردت عبارة ذي القربى أيضاً في آيات الحكمة من سورة الإسراء التي بدأت من الآية 23 حتى 29 أي من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (الإسراء/23) مروراً بقوله تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (الإسراء/26).

هـ- وفي سورة الروم: ﴿فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ...﴾ (الروم/38).

و- وفي الآية 8 من سورة النساء نجد كلمة «أولو القربى» بدلاً من «ذي القربى» حيث يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا حَضَـرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ (النساء/8).

في جميع هذه الآيات كانت كلمة ذي القربى ذات معنى عام يدل على أقرباء كل مسلم من الأمم الماضية ومن هذه الأمة. وقد أوصت بالإحسان إلى الأقرباء والإنفاق عليهم وإعطائهم حقهم ولم يُقصد من «ذِي الْقُرْبَى» في أي من تلك الآيات – باتفاق المفسرين – أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقط ولا ينبغي أن يُقصد ذلك(17) كما سنبين ذلك بعون الله لاحقاً إنشاء الله.

نعم، الأمر المُسلَّم به أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي جزءاً من خمس الغنائم الذي يأخذه لبعض أقربائه أو يقضـي فيه حوائجهم كما جاء في كتاب «المغازي» للواقدي (ص381) وفي كتاب «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني (ج5/ص237): «وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعْطِي بَنِي هَاشِمٍ مِنْ الخُمْسِ وَيُزَوّجُ أَيَامَاهُمْ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ دَعَاهُمْ إلَى أَنْ يُزَوّجَ أَيَامَاهُمْ وَيَخْدُمَ عَائِلَهُمْ وَيَقْضِـيَ عَنْ غَارِمَهُمْ فَأَبَوْا إلّا أَنْ يُسَلّمَهُ كُلّهُ وَأَبَى عُمَرُ»(18).

وهناك أخبار أخرى أيضاً تفيد أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام والعباس عم النبي طالبا عمر بسهم ذي القربى من خمس غنائم بعض الغزوات، ولكن عمر طلب منهم أن يكون ذلك السهم في بيت مال المسلمين وأن يكتفوا بذلك السهم الذي قرر لهم في الديوان وقد قبلا بذلك الاقتراح. ولكننا ننظر بعين الشك والحيرة لهذه الأخبار لأنها لا تنسجم مع الأصول والقواعد التي قررها الإسلام والتي نؤمن بها كما سنبين ذلك لاحقاً إنشاء الله.

8- النقطة الثامنة: تمسك الموجبون للخمس في كل ما يكسبه الإنسان من أرباح المكاسب بعبارة ﴿من شيءٍ التي وردت في آية خمس الغنائم (في سورة الأنفال) قائلين إن عبارة ﴿من شيءٍ تفيد العموم وتدل على جميع الأموال بمعنى أن الخمس يجب أن يؤدى من كل شيء يغنمه – أي يكتسبه – الإنسان، وتمسكهم هذا أشبه بتمسك الغريق بالقشة ولا ينسجم مع دعواهم بحال من الأحوال. فحرف «مِنْ» لبيان الجنس مثله مثل «من» في جملة ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (الحـج/30)؛ فالمراد منها الأشياء التي غنمتموها من غنائم الحرب بمعنى أن كل شيء أو أي شيء غنمتموه ولو كان قليلاً فإن حكم خمس الغنائم يشمله ولا يمكنكم أخذه أو التصرف به قبل أن يتم تقسيم الغنائم [وعزل الخمس منها]، فعبارة «من شيء» إذن لم تخرج عن جنس الغنائم ولا تعم سائر الأشياء (فمن شيءٍ يعني من شيءٍ من الغنائم). وحقاً إنه لعمل عجيب وطريقة تفكير غريبة هذه التي يعتمدها من يتشبث بمثل هذه الاستدلالات ليثبت مثل هذا الأمر ويحمّل الآية المعنى الذي يريده.

إذا دخلتَ إلى محل بائع للساعات أو إلى صيدلية أدوية فرأيت إعلاناً فيه يقول فيه صاحب المحل لزبائنه: كل شيء تريدوه موجود لدينا فإنك تدرك فوراً أن مقصوده الأشياء التي تتعلق بالساعات أو بالأدوية ولا تتوقع أن تشمل عبارة (كل شيء) الأشياء الأخرى التي لا تتعلق بالمحل كالخبز أو أسرجة الخيل أو نعل الفرس أو الحلويات أو الأثاث من طاولات وكراسي!.

فكلمة ﴿.. مِنْ شَيْءٍ.. في الآية الكريمة تتعلق بالغنيمة التي ذكرت قبلها بقوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ أي ما غنمتموه في الحرب من أشياء ففيه الخمس، فلا يتعلق ذلك بكل شيء كسبتموه في حياتكم ككسبكم نتيجة عملكم بحمل الأمتعة أو كنس الطرق أو غيرها من الأعمال؟!!

وهناك في الأخبار والأحاديث المتعلقة بالخمس شواهد عديدة حول هذا الموضوع تقضي على كل وسوسة وتشبث بعبارة ﴿.. مِنْ شَيْءٍ.. فيما يلي بعضها:

أ- جاء في كتب السيرة وكتب الحديث، ككتاب «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني (ج5/ص242، ح9494) وكتاب المغازي للواقدي (ج3/ص918): «وَكَانَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَسَيْفُهُ مُتَلَطّخٌ دَمًا: فَقَالَتْ إنّي قَدْ عَلِمْت أَنّك قَدْ قَاتَلْت المُشْرِكِينَ فَمَاذَا أَصَبْت مِنْ غَنَائِمِهِمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْإِبْرَةَ تَخِيطِينَ بِهَا ثِيَابَك، فَدَفَعَهَا إلَيْهَا. وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. فَسَمِعَ مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ المَغْنَمِ فَلْيَرُدّهُ. فَرَجَعَ عَقِيلٌ فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَى إبْرَتَك إلّا قَدْ ذَهَبَتْ. فَأَلْقَاهَا فِي الْغَنَائِمِ.».

ب- وجاء في مغازي الواقدي أيضا (3/918) ذاته وفي سائر كتب التاريخ: «أَنّ عَبْدَ اللهٍ بْنَ زَيْدٍ المَازِنِيّ أَخَذَ يَوْمَئِذٍ [أي يوم حنين] قَوْسًا فَرَمَى عَلَيْهَا المُشْـرِكِينَ ثُمّ رَدّهَا فِي المَغْنَمِ».

ج- وجاء في الكتاب ذاته (ص943) وفي موطأ مالك (ص304) وفي «المصنف» (ج5/ص243) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلن عند تقسيم غنائم حنين قائلاً: «أَدّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ(19) وَإِيّاكُمْ وَالْغُلُولَ فَإِنّهُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ(20) يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وهناك عشرات الروايات حول هذه القضية تبين أن المقصود من ﴿مِنْ شيءٍ كلَّ شيءٍ من الغنائم.

ومثل ذلك ما جاء في كتاب «المصنف» لعبد الرزاق الصنعاني (ج5/ص242، رقم 9493): «عن معمر عن قتادة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غنم مغنماً بعث منادياً: لا يغلنَّ رجلٌ مخيطاً فما دونه، ألا لا يغلنَّ رجلاً بعيراً فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلنَّ فرساً فيأتي به يوم القيامة على ظهره له حمحمةٌ»(21).

وكذلك مات رجل من أشجع فلم يصلِِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه لأنه غلّ من غنائم خيبر بقدر درهمين!!

9- النقطة التاسعة: تدل جملة: ﴿فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَه على أن هذا الخمس حق الله وليس مختصاً بشخص بعينه وإذا جاء ذكر اسم الرسول بعد ذلك فينبغي أن نعلم أن هذا من أدب القرآن أن يأتي في كثير من المواضع باسم الرسول بعد اسم الله دون أن يعتبر أن الرسول له ما لِـلَّهِ فعلاً أو أنه على درجة مساوية لِـلَّهِ! وربما كان السـر في ذكر اسم النبي بعد اسم الله أن أول من تجب طاعته ويستحق الطاعة بعد الله هو رسول الله لأنه ممثل الله وسفيره في بيان أحكامه، فالرسول واسطة الله في إبلاغ الناس أحكام الله ووصاياه، ومن يطع الرسول فهو وإن كان حسب الظاهر يطيع شخص النبيَّ إلا أنه في واقع الأمر وحقيقته إنما يطيع الله تعالى، وهذا الأمر لا يجعل اللهَ ورسولَه أبداً على مرتبةٍ واحدةٍ وعلى مساواة في الدرجة، كما نجد في الآيات التالية ذكر اسم الرسول بعد اسم الله دون أن يعتبر أحد أن ذلك يدل على أن الرسول شريكٌ لِـلَّهِ أو نظير له أو مشترك معه:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (النساء/13).

﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسولَهُ وَيَتَعَدَّ حدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا (النساء/14).

﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ (النساء/100).

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ (التوبة/59).

﴿يَحْلِفُونَ باللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مؤْمِنِينَ (التوبة/62).

﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ (التوبة/74).

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ (النور/48).

﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (النور/51).

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ (الأحزاب/57).

﴿لِتُؤْمِنُوا باللهِ وَرَسولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفتح/9).

﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا (الحجرات/14).

لاحظوا أنه في جميع تلك الآيات لم يأت الفاعل أو المفعول به بعد ذكر الله ورسوله بصيغة المثنى – كما كان المفروض – بل جاء بصيغة المفرد والضمير يعود لِـلَّهِ، مما يعني أن اسم الرسول لم يذكر إلا لأنه ممثلٌ ظاهرٌ لِـلَّهِ فاسمه يأتي كالظل اللاحق لاسم الله، أما الذي يُدْخِلُ المطيعَ لِـلَّهِ ورسوله في الجنة فهو الله وحده، والذي يدخل العاصي لِـلَّهِ ورسوله في النار هو الله وحده، والذي يلعن من يؤذي الله ورسوله هو الله وحده، والذي ينبغي توقيره وتسبيحه بكرةً وأصيلاً هو الله وحده، فذكر الرسول بعد اسم الله ليس إلا لكونه رمز وممثل لطريق الله وإلا فليس للرسول استقلال أو تشخُّصٌ أو تعيُّن في هذا الأمر وهذا نظير قوله تعالى:

 ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ [الفتح/10] وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى...﴾ [الأنفال/17].

وعليه فإذا وجدنا ذكر اسم الرسول بعد الله في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ..﴾ [الأنفال/41] فإن ذلك مشابه لقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قلِ الأَنْفَالُ لِـلَّهِ وَالرَّسُولِ.. [الأنفال/1] ولقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِـلَّهِ وَلِلرَّسولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ..﴾ [الأنفال/24]. حيث أنه كما أن الأنفال لِـلَّهِ، كذلك من يُحيي الناس هو الله أي فاعل فعل يحييكم هو الله.

وعليه فلا يصح في نظرنا ذلك المعنى الذي قالوه بأن الخمس ستة أسهم سهمٌ لِـلَّهِ وسهمٌ لرسول الله وسهمٌ لذي القربى وثلاثة أسهم لكل من اليتامى والمساكين وابن السبيل وذلك للأدلة التي سنوضحها فيما يلي إنشاء الله:

إضافةً إلى الجملة الصريحة الواردة في الآية والتي تقول ﴿فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ، فإنَّ هناك كثيراً من العبارات التي جاءت في كتب السيرة النبوية وفي بعض الأحاديث الواردة من طريق أهل بيت الطهارة عليهم السلام تثبت أن الخمس هو لِـلَّهِ فقط وأنه حقٌّ لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، نذكر بعضها فيما يلي:

أ- جاء في «أُسْد الغابة» (ج 1/ص 175)، و«الإصابة» (ج1/رقم 696) والطبقات الكبرى لابن سعد (ج1/ص274) «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم للفجيع كتاباً: من محمدٍ النبيِّ للفجيعٍ ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأطاعَ الله ورسوله وأعطى من المغانم خُمْسَ الله، ونصر النبيَّ وأصحابه، وأشهدَ على إسلامه، وفارق المشركين، فإنه آمن بأمان الله وأمان محمدٍ»

ب- وفي المصادر السابقة ذاتها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كتب لبني جوين الطائيين لمن آمن منهم، بالله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وفارق المشـركين، وأطاع الله ورسوله، وَأَعْطَى مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ وسهم النبيِّ، وأشهدَ على إسلامه، فإنَّ له أمان الله ومحمد بن عبد الله..».

ج- وكذلك طبقاً لما رواه اليعقوبي في تاريخه (ج2/ص64) وما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج1/ص264) «كتب [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] إلى أهل اليمن:... وأن الله قد هداكم أن أصلحتم وأطعتم الله وأطعتم رسوله.. وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ وَسَهْمَ النبيِّ والصفيَّ..».

د- وفي الرسالة التي كتبها خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم إلى «نهشل بن مالك الوائلي»: «باسمك اللهم هذا كتاب من محمد رسول الله لنهشل بن مالكٍ ومن معه من بنيٍ وائل لمن أسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وَأَعْطَى مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ وسهم النبي..».

هـ- وفي رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى «جنادة الأسدي» وقومه، طبقاً لما رواه ابن سعد في الطبقات ولما ورد المتقي الهندي في «كنز العمال» (ج5/ص320): «وأعطوا مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ...».

و- وطبقاً لما رواه الطبري في تاريخه (ج2/ص281) وابن كثير في البداية والنهاية (ج5/ص75) ولما جاء في فتوح البلدان (ص82) وسيرة ابن هشام: «وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ...».

ز- كذلك روى الطبري في تاريخه (ج2/ص388) وابن كثير في البداية والنهاية (ج5/ص76) والبلاذري في فتوح البلدان (ص80) وابن هشام في السيرة النبوية (ج4/ص265) وفي كنز العمال (ج3/ص186) وفي صبح الأعشى (ج10/ص10) والخراج لأبي يوسف (ص72) في الرسالة التي كتبها حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «...وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ...».

 وفي كتاب الأموال للقاسم بن سلام (ص 19) في الرسالة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني زهر بن حبش جاءت جملة: «وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ» وفي رواية أخرى في الكتاب ذاته: «وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ المَغَانِمِ خُمُسَ اللهِ وَسَهْمَ النبيِّ». وكذلك في الكتاب ذاته (ص 427): «أن رجلاً سأل رسول الله عن الغنيمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لِـلَّهِ سهمٌ ولهؤلاء أربعة».

فلاحظوا أن في جميع هؤلاء الرسائل التي كتبها رسول الله جاءت عبارة (خمس الله) التي تدل على أن الخمس خاص بالله وحده لا أن له سهم واحدٌ من أصل ستة أسهم!!

أما في أحاديث أهل البيت عليهم السلام:

أ- روى الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» كتاب الوصايا: «رَوَى السَّكُونِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع): الْوَصِيَّةُ بِالخُمُسِ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالخُمُسِ».

ب- وروى النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» (ج1/ص551): «الْجَعْفَرِيَّاتُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)‏ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْوَصِيَّةَ بِالخُمُسِ وَيَقُولُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَضِيَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالخُمُسِ».

ج- وروى الشيخ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ» (ص290) روايةً عن حضرة أبي جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام فيها الجملة التالية: «.. وَاللهِ لَقَدْ يَسَّرَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَرْزَاقَهُمْ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ جَعَلُوا لِرَبِّهِمْ وَاحِداً وَأَكَلُوا أَرْبَعَةً حلالاً!».

د- وروى الحر العاملي رحمه الله في «وسائل الشيعة»، باب وجوب الخمس في غنائم دار الحرب، الحديث 12: (عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ:... فَأَمَّا وَجْهُ الْإِمَارَةِ فَقَوْلُهُ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى‏ وَالْيَتامى‏ وَالمَساكِينِ﴾ فَجُعِلَ لِـلَّهِ خُمُسُ الْغَنَائِمِ وَالْخُمُسُ يُخْرَجُ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ مِنَ الْغَنَائِمِ الَّتِي يُصِيبُهَا المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ وَمِنَ المَعَادِنِ وَمِنَ الْكُنُوزِ وَمِنَ الْغَوْصِ».

هـ- إن أحاديث أهل بيت الطهارة المذكورة أعلاه تدل على أن خمس الغنائم لِـلَّهِ وحده.

وهذا الأمر تؤيده الأحاديث الواردة من طرق العامة أيضاً، فمن ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته (ج3/ص 194): «.. عن خالد بن أبي عزة أن أبا بكر أوصى بخمس ماله، أو قال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين». وفي رواية أخرى «عن قتادة قال: قال: أبو بكر: لي من مالي ما رضي ربي من الغنيمة، فأوصى بالخمس.».

ومنها ما رواه البيهقي في السنن الكبرى (ج6/ص336): «عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْقَيْنَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِوَادِى الْقُرَى وَهُوَ يَعْرِضُ فَرَسًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِى الْغَنِيمَةُ قَالَ: «لِـلَّهِ خُمُسُهَا وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجَيْشِ».

وما رواه الصنعاني في «المصنف» (ج5/ص238): «عن الثوري عن قيس بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن على ابن الحنفية عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ..﴾ [الأنفال/41]؟ قال: هذا مفتاح كلام، لِـلَّهِ الدنيا والآخرة..».

نتيجة هذا البحث أن خمس الغنائم لِـلَّهِ وحده وأن ذكر اسم الرسول بعد اسم الله إنما جاء على نمط ما جاء في آيات مثل قوله تعالى: ﴿... وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (التوبة/62)، و﴿قُلِ الأَنفَالُ لِـلَّهِ وَالرَّسُولِ (الأنفال/1)، و﴿... اسْتَجِيبُواْ لِـلَّهِ وَلِلرَّسُولِ...﴾ (الأنفال/24)، والذي يعني أنه لا يمكن جعل الله رديفاً مساوياً لبقية المذكورين الستة، وليس هذا فحسب، بل حتى لا يمكن إثبات حقٍّ مستقلٍّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها أيضاً.

ولهذا لا نجد في تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته أن حضرته كان يأخذ جزءاً من خُمْسِ الله لنفسه في أيٍ من غنائم الغزوات، بل كان يأخذ من صفايا المعركة ما يختص به، وكان يكتب في رسائله لرؤساء القبائل يطالبهم بما يسمى «صفيَّ النبيِّ»(22). ولا نجد في أي تاريخ أن حضرته صلى الله عليه وآله وسلم أخذ حصة خاصة به من خمس الغنائم، بل كان يعزل خمس الله الذي هو حق ذي القربى والمساكين واليتامى وابن السبيل ويعطيه لمستحقيه لأنه لم يكن بحاجة إلى ذلك الخمس فقد كانت معيشته تؤمَّن من الفيء الذي كان مختصاً به.

ولدينا شواهد عديدة في كتب التواريخ المعتمدة على أن حاجته كان مؤمَّنة تماماً من الفيء ولم يكن بحاجة لأي مصدر آخر، ومثال على ذلك ما جاء في سيرة ابن هشام (ج2/ص140) وتاريخ الطبري (2/209) والأحكام السلطانية للماوردي (ص161) وفتوح البلدان للبلاذري (ص26) والخراج ليحيى بن آدم (36) في بيان قصة مخيريق اليهودي كما يلي:

«وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْرِيقٍ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النّخْلِ وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِصِفَتِهِ وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ، قَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ وَاللهِ إنّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنّ نَصْرَ مُحَمّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقّ. قَالُوا: إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ قَالَ لَا سَبْتَ لَكُمْ. ثُمّ أَخَذَ سِلَاحَهُ فَخَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأُحُدٍ وَعَهِدَ إلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ إنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ فَأَمْوَالِي لِمُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللهُ. فَلَمّا اقْتَتَلَ النّاسُ قَاتَلَ حَتّى قُتِلَ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم - فِيمَا بَلَغَنِي - يَقُولُ مُخَيْرِيقُ خَيْرُ الْيَهُودِ وَقَبَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمْوَالَهُ - وَكَانَتْ لَهُ سَبْعَةُ حَوَائِطَ وَهِيَ: المَبِيتُ وَالصَّافِيَةُ وَالدَّلَّالُ وَجَسَّنِي وَبُرْقَةَ وَالْأَعْرَافُ وَالمُسَرَّبَةُ - فَعَامّةُ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ مِنْهَا..». «والصَّدَقَةُ الثَّانِيَةُ أَرْضُهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بِالمَدِينَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ أَرْضٍ أَفَاءَهَا اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فَأَجْلَاهُمْ عَنْهَا - لما كان من نقض العهد الذي قام به زعيمهم كعب بن الأشرف -.. وَجَعَلَ لَـهُمْ مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا الحَلَقَةَ، وَهِيَ السِّلَاحُ، فَخَرَجُوا بِمَا اسْتَقَلَّتْ إبِلُهُمْ إلَى خَيْبَرَ وَالشَّامِ وَخَلَصَتْ أَرْضُهُمْ كُلُّهَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم... فَكَانَتْ مِنْ صَدَقَاتِهِ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَيُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَزْوَاجِهِ...»(23) «وَالصَّدَقَةُ السَّادِسَةُ النِّصْفُ مِنْ فَدَكَ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ جَاءَهُ أَهْلُ فَدَكَ فَصَالَحُوهُ بِسِفَارَةِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ أَرْضِهِمْ وَنَخْلِهِمْ يُعَامِلُهُمْ عَلَيْهِ وَلَهُمْ النِّصْفُ الْآخَرُ...»(24).

وذكر الواقدي في المغازي (ج1/ص 378): «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ بَنِي النّضِيرِ كَانَتْ لَهُ خَالِصَةً فَأَعْطَى مَنْ أَعْطَى مِنْهَا وَحَبَسَ مَا حَبَسَ. وَكَانَ يَزْرَعُ تَحْتَ النّخْلِ زَرْعًا كَثِيرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَدْخُلُ لَهُ مِنْهَا قُوتُ أَهْلِهِ سَنَةً مِنْ الشّعِيرِ وَالتّمْرِ لِأَزْوَاجِهِ وَبَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ، فَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ(25) وَالسّلَاحِ وَإِنّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ ذَلِكَ السّلَاحُ الّذِي اُشْتُرِيَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.» وقال: «فَكَانَتْ بَنُو نّضِيرِ حَبْساً لِنَوَائِبِهِ(26) وَكَانَتْ فَدَكُ لِابْنِ السّبِيلِ وَكَانَتْ خَيْبَرُ قَدْ جَزّأَهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجُزْءَانِ لِلْمُهَاجِرِينَ وَجُزْءٌ كَانَ يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ فَإِنّ فَضْلَ رَدّهِ عَلَى فُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ».

والحاصل، أنه لم يأتِ في أي تاريخ أو كتاب سيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم خمس الغنائم ستَّةَ أقسام قسماً لِـلَّهِ وقسماً له خاصاً به وبنفقاته، وقسماً لذي قرباه وثلاثة أقسام لكل من اليتامى والمساكين وابن السبيل! وكما قلنا لا يمكننا أن نستنبط من كلمة ﴿فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ بشكل قاطع أن رسول الله كان له سهم من أسهم خمس الغنائم الستة، لأننا لا نجد في سيرته أي شاهد يثبت عمله على هذا النحو(27)، هذا فضلاً عن أن يستنبط أحد ثبوت مثل هذا السهم للرسول بعد وفاته من الغنائم التي لم تقع بعد بيد المسلمين أو ثبوت هذا السهم لخلفائه، ويؤكد نفي ذلك أننا لا نرى في تاريخ خلفائه – سواءً كانوا خلفاء بحق أم بباطل – أي واحد منهم طالب بمثل هذا السهم حتى تحت عنوان حق رئاسته وقيادته للمسلمين، وكما قلنا إن ذكر اسم الرسول بعد اسم الله في آية خمس الغنائم إنما جاء على نحو ذكر اسمه في قوله تعالى: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِـلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ...﴾ [الأنفال/1]. وإذا أردنا أن نستند إلى أقوال الفقهاء ونثبت سهماً لرسول الله من خمس الغنائم فإن هذا السهم لن يبقى له أي مصداق بعد وفاته إلا أن يُعطى للإمام أي حاكم المسلمين الذي يقود ويرأس الحروب، مع أننا لا نجد له – للأسف أو لحسن الحظ – أي أمثلة أو نماذج من سيرة الخلفاء للعمل بهذا الأمر رغم أن بعض الأحاديث جاءت في ذلك(28).

10- النقطة العاشرة: لا بد من التأمل والتدقيق بكلمات اليتامى والمساكين وابن السبيل التي وردت في الآية الكريمة حيث أن كثيراً من فقهاء الشيعة اعتبروا – استناداً إلى بعض الأحاديث – أن المقصود منهم اليتامى والمساكين وابن السبيل من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل محمد خاصَّة، مع أن الحقيقة غير ذلك!

ولكي تتضح حقيقة الأمر لا بد من الانتباه إلى عدة نقاط:

أ- كان زمن نزول الآية الكريمة: ﴿وَاعْلَموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ...﴾ [الأنفال/41] عقب معركة بدر، وعلى أكثر تقدير نزلت - كما ذكر الواقدي - في غزوة بني قينقاع التي وقعت في منتصف شوال من الشهر العشـرين للهجرة (أي بعد ثلاثة أشهر من معركة بدر)، فعلى أي حال الكُلُّ متفقٌ على أنها نزلت في السنة الثانية للهجرة، وكما نعلم كان وضع المسلمين في ذلك من حيث الفقر والفاقة وضعاً سيئاً كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وذكرنا دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند خروجه إلى بدر الذي يعكس تماماً حالة الفقر التي كان يعيشها أغلب المسلمين حيث دعا لهم قائلاً: «اللهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمُ اللهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمُ اللَّهِمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ»(29).

فلم تكن الفتوحات قد حصلت بعد ولم يكن الإسلام قد اتسعت رقعته إلى خارج المدينة ولم ينزل الأمر بوجوب جباية أموال الزكاة إلى بعد اتساع الإسلام فنزل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة/103]، رغم أن الأمر بأداء الزكاة والصدقات قد نزل في مرحلة سابقة في مكة إلا أنه لم يتم تطبيق ذلك الأمر عملياً، وطبقاً لما تصرِّح به التواريخ والأحاديث الصحيحة أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة التاسعة أو العاشرة للهجرة بأخذ الزكاة فأرسل موظفيه وعماله إلى أنحاء القبائل والبلاد لجباية زكاة الأموال [من الأغنياء وردها على الفقراء وسائر المصارف].

ب- من البديهي أن الذين كانوا يستشهدون في ميادين القتال كان لهم زوجات وأولاد وقد قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - طبقاً لعدد من الروايات – بتعيين سهم مقرر من بيت المال لعوائل الشهداء، كما يروي الواقدي في المغازي (1/102) «أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ [بسهم من الغنائم] لِقَتْلَى بَدْرٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا قُتِلُوا بِبَدْرٍ. قَالَ زَيْدُ بْنُ طَلْحَةَ حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ قَالَ أَخَذْنَا سَهْمَ أَبِي الّذِي ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَحَمَلَهُ إلَيْنَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.».

ومع ذلك فإن بعض المسلمين لم ينالهم هذا النصيب. وعلى كل حال كان هناك أيتام وكان أكثرهم فقراء بالطبع إذ فقدوا من يعيلهم، كما كان كثير من المسلمين فقراء ومحرومين وما كانوا يستطيعون الحضور في ميادين القتال ربما بسبب كبر سنهم أو فقرهم، كما تعكس ذلك بعض آيات القرآن كقوله تعالى في سورة التوبة:

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (التوبة/92).

ولا شك أن هذا الحرمان من فيض بركة الجهاد بسبب الفقر والفاقة كان يستتبع حرماناً آخر من الحصول على سهم من غنائم الحرب(30)، لأجل كل ذلك اقتضى الأمر أن يتم تخصيص سهم من الغنائم لهذه الطبقة من المساكين لتسكين خاطرهم وتخفيف حرمانهم.

أضف إلى ذلك أنه على إثر هجرة بعض المسلمين من ديارهم وفرارهم بدينهم من قبائلهم، وتقطُّع السبل بهم، صاروا من أبناء السبيل، مثل هجرة المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان اللذَيْن خرجا مع كفار قريش الذين خرجوا لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرجوا معهم عسى أن يتمكنوا بهذه الطريقة من أن يلتحقوا بالمسلمين قبل أن يعيدهم المشـركون معهم إلى مكة(31)! كما جاء ذلك في تاريخ ابن خلدون (ج2/ص18)؛ لذا كان من الواجب على المسلمين وخاصة المجاهدين إذا حصلوا على مال وثروة أن يخصصوا شيئاً منه لهذه الطبقة من المهاجرين الفقراء.

من هنا نلاحظ مجيء ﴿ وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ مباشرةً بعد كلمة ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وذلك لأجل طمأنة المجاهدين بأنهم إذا رزقوا درجة الشهادة الرفيعة فليطمئنوا بشأن عيالهم وأطفالهم إذ جعل الله لهم سهماً من المال يسد حاجاتهم، وأنه إذا وفإذا كان المجاهدون قد حرموا من الغنيمة بموتهم فإن أيتامهم سينالون سهماً ونصيباً منها!

ومن الجهة الأخرى فإن الفقراء والمساكين وأبناء السبيل من المسلمين بشكل عام كانوا في ذلك الحين يبحثون عن مرجع وملجأ يساعدهم في تأمين حاجاتهم ورفع فاقتهم لذلك خصص رب العالمين لهم سهماً من غنائم الحرب.

ج- أما قولهم إن المقصود من اليتامى والمساكين وابن السبيل المذكورين في الآية هم من كانوا من ذوي قربى رسول الله وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذا لا يصح مطلقاً لأنه في زمن نزول تلك الآية الكريمة وعند تقسيم غنائم بدر لم يكن بين أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتامى أو مساكين أو أبناء سبيل حتى يخصص الله لهم سهماً، فكما ذكرتُ في بحث «ذي القربى» [في النقطة السادسة] لم يكن أحد ممن أسلم من آل محمد حين نزول آية الخمس من اليتامى أو من المساكين أو من أبناء السبيل لا من بنات رسول الله ولا من أعمامه ولا من بني أعمامه، بل أكثر ذوي قربى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الوقت كانوا لا يزالون على الكفر فلا يشملهم حكم الآية أبداً فكيف يمكن أن يختص رب العالمين من بين جميع المسلمين اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط الذين لم يوجدوا بعد فيختصهم بخمس الغنائم ويميزهم بهذا الامتياز في شريعة الإسلام القائمة على المساواة وعدم التمييز؟!

لذا كان من المحال عقلاً وشرعاً واستناداً إلى التاريخ أن يكون المُراد من اليتامى والمساكين وابن السبيل في الآية الكريمة اليتامى والمساكين وابن السبيل من آل محمدٍ فقط.

إذن العقل والتاريخ يحكمان بأن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل في الآية يعمون جميع المسلمين ولا يقتصرون على من هم كذلك من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء في كتاب الله وفي الأحاديث الواردة من طريق أهل البيت ذكر اليتامى والمساكين وابن السبيل على سبيل الشمول والعموم لعامة المسلمين، من ذلك الآية التالية التي تتعلق تعلقاً كاملاً بموضوعنا وهي الآية السابعة من سورة الحشر حيث قال تعالى:

﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...﴾ (الحشر/7).

ثم قال مباشرةً في الآية التي تلتها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ (الحشر/8)، وهذا بعد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ... الآية﴾ (الحشر/9).

وهكذا إلى آخر الآية 9 من هذه السورة المباركة والتي يظهر منها بشكل واضح كل الوضوح بأن المراد من اليتامى والمساكين وابن السبيل فيها يتامى ومساكين وأبناء سبيل المهاجرين والأنصار الذين يشملهم الفيء ولا يختصون بآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هذا بمعزل عن أنه في ذلك الزمن لم يكن هناك أصلاً يتامى ومساكين وأبناء سبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

أما ما جاء في ذلك من الأحاديث المنسوبة لأهل البيت عليهم السلام بغض النظر عن صحتها أو سقمها فنذكر ما يلي:

1- جاء في كتاب «تحف العقول» لابن شعبة الحراني الذي يعد من الكتب الموثوقة والمعتمدة لدى فرقة الإمامية في (ص 555) حديث طويل عن حضرة الصادق عليه السلام حول موضوع الغنائم جاء فيه:

«وَ الْأَنْفَالُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَا أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَمِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِـلَّهِ والرَّسُولِ فَاخْتَلَجَهَا اللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَجَعَلَهَا لِـلَّهِ ولِرَسُولِه ثم قال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهٍ صلى الله عليه وآله وسلم لِلْمَدِينَةِ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْه‏:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ باللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ..﴾ [الأنفال/41] فَكَمَا يَقُولُ الْإِنْسَانُ هُوَ «لِـلَّهِ» ولَكَ وَلَا يُقْسَمُ «لِـلَّهِ» مِنْهُ شَيْ‏ءٌ فَخَمَّسَ رَسُولُ اللهٍ صلى الله عليه وآله وسلم الْغَنِيمَةَ الَّتِي قَبَضَ بِخَمْسَةِ أَسْهُمٍ فَقَبَضَ سَهْمَ اللهٍ لِنَفْسِهِ يُحْيِي بِهِ ذِكْرَهُ ويُورَثُ بَعْدَهُ وسَهْماً لِقَرَابَتِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَأَنْفَذَ سَهْماً لِأَيْتَامِ المُسْلِمِينَ وسَهْماً لِمَسَاكِينِهِمْ وسَهْماً لِابْنِ السَّبِيلِ مِنَ المُسْلِمِين‏‏»(32).

من هذا الحديث يتبيَّن بوضوح أن الأسهم المخصصة لليتامى والمساكين وابن السبيل إنما هي لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من عامة المسلمين.

2- وجاء في روضة الكافي (الكافي: ج8/ص285)عن ابن حمزة عن حضـرة الباقر عليه السلام رواية بالمضمون ذاته حيث قال الإمام فيها: «...إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى جَعَلَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ سِهَاماً ثَلَاثَةً فِي جَمِيعِ الْفَيْ‏ءِ..»....

إلى أن يقول: «دون سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل فإنها لغيرهم...»(33)

3- وروى الشيخ الطوسي في «التهذيب» (ج2/ص125)، والصدوق في «من لا يحضره الفقيه» (ج2/ص22) طبع النجف، وفي كتاب «مختلف الشيعة» (ج2/ص34) الرواية التالية:

«سَأَلَ زَكَرِيَّا بْنُ مَالِكٍ الْجُعْفِيُّ أَبَا عَبْدِ اللهٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهٍ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..﴾؟ قَالَ: أَمَّا خُمُسُ اللهٍ فَلِلرَّسُولِ يَضَعُهُ فِي سَبِيلِ اللهٍ وأَمَّا خُمُسُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلِأَقَارِبِهِ وَخُمُسُ ذِي الْقُرْبَى فَهُمْ أَقْرِبَاؤُهُ وَالْيَتَامَى يَتَامَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَجَعَلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ الْأَسْهُمِ فِيهِمْ وَأَمَّا المَسَاكِينُ وَأَبْنَاءُ السَّبِيلِ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ولَا تَحِلُّ لَنَا فَهِيَ لِلْمَسَاكِينِ وأَبْنَاءِ السَّبِيل‏».

4- وروى الصدوق أيضاً في «من لا يحضره الفقيه» (ص158) والشيخ الطوسي في «التهذيب» (ج4/ص134) طبع النجف عن حضرة الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: «وَ أَمَّا قَوْلُهُ ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى..﴾‏ [الحشر/7] فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ المَغْنَمِ كَانَ أَبِي (ع) يَقُولُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَنَا فِيهِ غَيْرُ سَهْمَيْنِ سَهْمِ الرَّسُولِ وَسَهْمِ الْقُرْبَى ثُمَّ نَحْنُ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا بَقِيَ.».

5- في تفسير العياشي (ج2/ص63) رواية نقلها العلامة المجلسي في «بحار الأنوار» (ج20/ص52) طبع كمپاني (الحجرية القديمة في تبريز)(34)، ورواها السيد هاشم البحراني في «تفسير البرهان» (ج2/ص88) طبع سالك، كما رواها صاحب وسائل الشيعة أيضاً في أبواب تقسيم الخمس، كلهم عن حضرة الصادق عليه السلام أنه قال بعد بيانه لسهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذي القربى من خمس المغانم: «سَهْمٌ لِذِي الْقُرْبَى وهُوَ لَنَا وَثَلَاثَةُ أَسْهَامٍ لِلْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ يَقْسِمُهُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمْ..».

فذكر اليتامى والمساكين وابن السبيل على نحو الإطلاق ولم يقيدهم بأنهم من آل محمد فهم يعمون إذن جميع المسلمين.

6- في «تهذيب‏الأحكام» للشيخ الطوسي (ج4/ص 128) ح(365) و«الاستبصار» (ج2/ ص56) ح(176):

«عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهٍ بْنِ الجَارُودِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهٍ (ع) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهٍ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَتَاهُ المَغْنَمُ أَخَذَ صَفْوَهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ ويَأْخُذُ خُمُسَهُ ثُمَّ يَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بَيْنَ النَّاسِ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَسَمَ الخُمُسَ الَّذِي أَخَذَهُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ يَأْخُذُ خُمُسَ اللهٍ عَزَّ وجَلَّ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى والْيَتَامَى والمَسَاكِينِ وأَبْنَاءِ السَّبِيلِ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعاً وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ يَأْخُذُ كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم».

في هذا الحديث أيضاً ذُكِر «الْيَتَامَى وَالمَسَاكِينُ وَأَبْنَاءُ السَّبِيلِ» دون تقييد بكونهم من قرابة رسول الله فيشملون بعمومهم كل يتامى ومساكين وأبناء سبيل المسلمين عامة، بل حتى كلمة «ذي القُرْبَى» جاءت مطلقة وغير مقيدة.

7- وفي كتاب «عيون أخبار الرضا» للشيخ الصدوق/23- باب ذكر مجلس الرضا (ع) مع المأمون في الفرق بين العترة والأمة (ج1/ص237-238)، قال الإمام الرضا (ع) ضمن مناظرة بينه وبين العلماء، شارحاً آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ...﴾ [الأنفال/41]: «و أما قوله وَالْيَتامى‏ وَالمَساكِينِ فإن اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من‏الغنائم ولم يكن له فيها نصيب وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب من المغنم ولا يحل له أخذه..».

ففي هذا الحديث ذكر الإمام اليتامى والمساكين بشكل مطلق دون قيد مما يبين شمولهما لكل اليتامى والمساكين من المسلمين أيَّاً كان نسبهم.

8- وأيضاً روى الصدوق في «عيون أخبار الرضا»/59- باب الأسباب التي من أجلها قتل المأمون علي بن موسى الرضا (ع) بالسم (ج2/ص 238-239)، بسنده إلى علي بن إبراهيم بن هاشم عَنْ أَبيهِ: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَوْلَايَ الرِّضَا (ع) بِخُرَاسَانَ وكَانَ المَأْمُونُ يُقْعِدُهُ عَلَى يَمِينِهِ إِذَا قَعَدَ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمِيسِ فَرُفِعَ إِلَى المَأْمُونِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصُّوفِيَّةِ سَرَقَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَجَدَهُ مُتَقَشِّفاً بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ فَقَالَ سَوْأَةٌ لِهَذِهِ الْآثَارِ الجَمِيلَةِ ولِهَذَا الْفِعْلِ الْقَبِيحِ أَتُنْسَبُ إِلَى السَّرِقَةِ مَعَ مَا أَرَى مِنْ جَمِيلِ آثَارِكَ وظَاهِرِكَ؟؟ قَالَ فَعَلْتُ ذَلِكَ اضْطِرَاراً لَا اخْتِيَاراً حِينَ مَنَعْتَنِي حَقِّي مِنَ الخُمُسِ وَالْفَيْ‏ءِ! فَقَالَ المَأْمُونُ: وَأَيُّ حَقٍّ لَكَ فِي الخُمُسِ والْفَيْ‏ءِ؟؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَسَمَ الخُمُسَ سِتَّةَ أَقْسَامٍ وَقَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ باللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ...﴾ [الأنفال/41] وقَسَمَ الْفَيْ‏ءَ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبى‏ والْيَتامى‏ والْمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر/7) قَالَ: بِمَا مَنَعْتَنِي وأَنَا ابْنُ‏ السَّبِيلِ مُنْقَطَعٌ بي ومِسْكِينٌ لَا أَرْجِعُ إِلَى شَيْ‏ءٍ ومِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ أُعَطِّلُ حَدّاً مِنْ حُدُودِ اللهٍ وحُكْماً مِنْ أَحْكَامِهِ فِي السَّارِقِ مِنْ أَسَاطِيرِكَ هَذِهِ فَقَالَ الصُّوفِيُّ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَطَهِّرْهَا ثُمَّ طَهِّرْ غَيْرَكَ وأَقِمْ حَدَّ اللهٍ عَلَيْهَا ثُمَّ عَلَى غَيْرِكَ فَالْتَفَتَ المَأْمُونُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ (ع) فَقَالَ مَا تَقُولُ فَقَالَ إِنَّهُ يَقُولُ سَرَقْتَ فَسَرَقَ فَغَضِبَ المَأْمُونُ غَضَباً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ لِلصُّوفِيِّ وَاللهِ لَأَقْطَعَنَّكَ فَقَالَ الصُّوفِيُّ أَ تَقْطَعُنِي وأَنْتَ عَبْدٌ لِي فَقَالَ المَأْمُونُ وَيْلَكَ ومِنْ أَيْنَ صِرْتُ عَبْداً لَكَ قَالَ لِأَنَّ أُمَّكَ اشْتُرِيَتْ مِنْ مَالِ المُسْلِمِينَ فَأَنْتَ عَبْدٌ لِمَنْ فِي المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ حَتَّى يُعْتِقُوكَ وأَنَا لَمْ أُعْتِقْكَ ثُمَّ بَلَعْتَ الخُمُسَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَعْطَيْتَ آلَ الرَّسُولِ حَقّاً ولَا أَعْطَيْتَنِي ونُظَرَائِي حَقَّنَا والْأُخْرَى أَنَّ الخَبِيثَ لَا يُطَهِّرُ خَبِيثاً مِثْلَهُ إِنَّمَا يُطَهِّرُهُ طَاهِرٌ ومَنْ فِي جَنْبِهِ الحَدُّ لَا يُقِيمُ الحُدُودَ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ أَ مَا سَمِعْتَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ فَالْتَفَتَ الْمَأْمُونُ إِلَى الرِّضَا (ع) فَقَالَ مَا تَرَى فِي أَمْرِهِ فَقَالَ (ع): إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَلِلَّهِ الحُجَّةُ الْبالِغَةُ وهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ الجَاهِلَ فَيَعْلَمُهَا بِجَهْلِهِ كَمَا يَعْلَمُهَا الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ والدُّنْيَا والْآخِرَةُ قَائِمَتَانِ بِالحُجَّةِ وقَدِ احْتَجَّ الرَّجُلُ فَأَمَرَ المَأْمُونُ عِنْدَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِ الصُّوفِي».‏

في هذا الحديث الشريف، ادعى الرجل الصوفي الذي لم يكن بداهةً من بني هاشم حقه من خمس وسهم المساكين وأبناء السبيل، وقد صدَّقه حضرة الرضا (عليه السلام) وأدان المأمون. مما يبين بوضوح أن المسكين وابن السبيل في آية خمس المغانم هم مساكين وأبناء سبيل عامة المسلمين.

9- جاء في مسند حضرة الإمام زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) لأبي خالد الواسطي (ص356، طبع بيروت) في باب الخمس والأنفال: «سألتُ زيدَ بن علي (عليه السلام) عن الخمس قال: هو لنا ما احتجنا إليه فإذا استغنينا فلا حق لنا فيه، ألم تر إن الله قرننا مع اليتامى والمساكين وابن السبيل فإذا بلغ اليتيم واستغنى المسكين وأمن ابن السبيل فلا حق لهم وكذلك نحن إذا استغنينا فلا حق لنا.».

في هذا الحديث جعل الإمام زيد، الذي كان نفسه من ذرية بني هاشم وذوي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن كبار أهل البيت الطاهرين، جعل من نفسه قريناً ليتامى ومساكين وأبناء سبيل سائر المسلمين وفرَّق بين نفسه وبينهم بكلمة لنا ولهم، والتي يتبين منها أن اليتامى والمساكين وابن السبيل هم من عموم المسلمين لا من بني هاشم وذرية رسول الله فقط!

10- جاء في تفسير «تنوير المقباس» لحبر الأمة عبد الله بن عباس المطبوع في حاشية تفسير «الدر المنثور» للسيوطي، طبع مصر (ج2/ص64) ذيل تفسيره لآية خمس المغانم ما نصه:

«﴿واعلموا يا معشر المؤمنين ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ من الأموال ﴿فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ يخرج خمس الغنيمة لقبل الله ﴿وَلِلرَّسُولِ لقبل الرسول ﴿وَلِذِي القربى ولقبل قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ﴿واليتامى ولقبل اليتامى غير يتامى بني عبد المطلب ﴿والمساكين ولقبل المساكين غير مساكين بني عبد المطلب ﴿وابن السبيل﴾ ولقبل الضيف والمحتاج كائناً من كان وكان يقسم الخمس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خمسة أسهم سهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو سهم الله وسهم للقرابة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي قرابته لقبل الله وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل فلما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم سقط سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي كان يعطى للقرابة لقول أبي بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول «لكل نبيٍّ طعمة في حياته فإذا مات سقطت فلم يكن بعده لأحد» وكان يقسم أبو بكر وعمرو وعثمان وعليّ في خلافتهم الخمس على ثلاثة أسهم سهم لليتامى غير يتامى بني عبد المطلب وسهم للمساكين غير مساكين بني عبد المطلب وسهم لابن السبيل للضيف والمحتاج».

ومما يجدر التنبيه إليه أن استدلالنا بالأحاديث المذكورة هو فقط بسبب كونها نصاً قاطعاً على أن اليتامى والمساكين وابن السبيل المذكورين في الآية يعمُّون جميع المسلمين ولا يختصون ببني هاشم، وأما كلمة «ذي القربى» فعلى فرض أن المقصود منها قرابة رسول الله فإنها تشمل عموم بني هاشم لا أفراداً خاصين مثل علي وفاطمة والحسين عليهم السلام، وكما ذكرنا سابقاً المُراد بذي القربى – على هذا الفرض – أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك اليوم والذين لم يعد لهم أي مصداق اليوم بدليل ما مر من الدلائل، وقد أتينا بهذه الأحاديث من باب إسكات الخصم وإتمام الحجة فقط.

أقوال علماء الشيعة في المقصود من اليتامى والمساكين وابن السبيل في آية خمس الغنائم:

لقد تبين عقلاً ونقلاً من الآيات الكريمة والأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام [أو المنسوبة] أن اليتامى والمساكين وابن السبيل في آية الخمس يشملون عامة المسلمين ولا يختصون باليتامى والمساكين وأبناء السبيل من بني هاشم فقط، وهذا الأمر نص عليه أيضاً بعض فقهاء الشيعة استناداً إلى بعض الروايات، وفيما يلي نذكر بعض آراء وأقوال عددٍ من علماء الشيعة الكبار في هذا الصدد:

1- قال المرحوم الكليني صاحب الكافي في كتابه «الكافي»: «فَجُعِلَ لِمَنْ قَاتَلَ مِنَ الْغَنَائِمِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّسُولِ سَهْمٌ وَالَّذِي لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقْسِمُهُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ ثَلَاثَةٌ لَهُ وَثَلَاثَةٌ لِلْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ»(35).فذكر اليتامى والمساكين وابن السبيل على سبيل الإطلاق دون أي قيد.

2- وقال المرحوم الشيخ الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان» (ج9/ص612)، طبع إسلامية، طهران: «و روى المنهال بن عمرو عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال قلت قوله: ﴿.. وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.. [الأنفال/41] قال: هم قربانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. وقال جميع الفقهاء: هم يتامى الناس عامة وكذلك المساكين وأبناء السبيل، وقد روي أيضاً ذلك عنهم (عليهم السلام) وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال كان أبي يقول لنا سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذي القربى ونحن شركاء الناس فيما بقي».

3- وقال المرحوم الشيخ يوسف البحراني في كتابه «الحدائق الناضرة» (ج12/ص387) طبع النجف، والمرحوم المحقق الحلي في كتابه «المعتبر»، والمرحوم الحاج آغا رضا الهمداني في كتابه «مصباح الفقيه» (ج1/ص145): جميعاً أن ابن جنيد قال إن أسهم اليتامى والمساكين وابن السبيل التي تشكل نصف الخمس تتعلق بمن كانوا من أهل تلك الصفات سواءً كانوا من ذوي قربى النبي أم لم يكونوا من ذوي قرباه بل من سائر المسلمين إذا استغنى عنه [من كانوا على تلك الصفة من] ذوي القربى(36).

4- قال الشيخ الجليل محمد بن علي ابن شهرآشوب في كتابه «متشابهات القرآن ومختلفه» (ج2/ص175 من الطبعة الجديدة) ذيل تفسيره لآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...﴾ [الأنفال/41] ما نصه: «ولفظ اليتامى والمساكين وابن السبيل عامٌّ في المشرك والذمي والغني والفقير».

5- حكى في مصباح الفقيه (ج2/ص144) عن صاحب الشرائع والعلامة عن بعض علماء الشيعة قولاً يفيد أن خمس الله خمسة أقسام: أحدها سهم رسول الله والثاني سهم ذوي القربى والأسهم الثلاثة الباقية هي لليتامى والمساكين وأبناء السبيل وأكثر العلماء على هذا القول.

6- نقل صاحب «الحدائق» (ج12/ص382) وفي (ص387) عن قول صاحب المدارك قوله: «والظاهر أن ما ذكر في بعض الأخبار من قيد يتامى آل محمد على سبيل الأفضلية لا على سبيل التعيين». ثم قال: «والدليل إطلاق الآية الشريفة وصحيحة ربعي».

7- قال المرحوم المحقق السبزواري في كتاب «ذخيرة العباد» في باب الخمس حول هذا الموضوع: «إن المراد باليتامى والمساكين في الآية: الجنس، لتعذر الحمل على الاستغراق، ويؤيده صحيحة محمد بن أبي نصر».

8- وقال المرحوم الملا محمد تقي المجلسي الأول (1070هـ) في كتابه: «اللوامع الصاحب قرانية»(37) شرح كتاب من لا يحضره الفقيه [بالفارسية] (ج2/ص50) في شرح حديث عيون أخبار الرضا الذي ذكرناه ذيل الرقم 7 قبل صفحات: «ظاهره أن اليتامى والمساكين هم من غير السادات».

9- وروى صاحب الرياض عن الإسكافي أنه لم يكن يشترط في صرف سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل من الخمس أن يكونوا منتسبين لبني عبد المطلب بل أجاز صرفه لغيرهم من المسلمين إذا استغنى [من كانوا على تلك الصفة من] ذوي القربى.

10- وذكر الشيخ يوسف البحراني نفسه في «الحدائق» (ج12/ص377) ذيل خبر زكريا بن مالك الجعفي الذي أوردناه تحت الرقم 3 من الأحاديث المروية عن أهل البيت والذي روي فيه عن الإمام قوله: «وأما المساكين وأبناء السبيل فقد عرفتَ أن لا نأكل الصدقة» فقال الشيخ يوسف البحراني ما نصه:

«وأمَّا قوله في تتمَّة الخبر «وأما المساكين وأبناء السبيل فقد عرفتَ أنا لا نأكل الصدقة.. إلى آخره»: فيحتمل أن يكون المعنى فيه الاستدراك لما ورد في آية الزكاة من دخول المساكين وأبناء السبيل فيها فربما يتوهم عمومها للهاشميين أيضاً فأراد (عليه السلام) دفع هذا الوهم بأنهم وإن دخلوا في عموم اللفظين المذكورين لكن قد عرفت أن الزكاة محرمة علينا أهل البيت فلا تدخل مساكيننا وأبناء سبيلنا فيها فلابد لهم من حصة من الخمس عوض الزكاة التي حرمت عليهم.».

تلك كانت آراء وأقوال وفتاوى عشرة من علماء الشيعة الكبار حول شمول اليتامى والمساكين وأبناء السبيل لعامة المسلمين فالذي ذهب إليه بعض فقهاء الشيعة من أن المراد من اليتامى والمساكين وابن السبيل في الآية يتامى ومساكين وأبناء السبيل من آل محمد وبني هاشم فقط قولٌ بعيد عن الحقيقة ومنافٍ للعقل والإنصاف، فلا يعقل أن يقوم رسول الله بعد حصوله على أول غنيمة وأموال بالاهتمام فقط بأقربائه وباليتامى والمساكين وأبناء السبيل من قرابته فقط ولا يقرر حقاً ليتامى شهداء ميدان المعركة ومساكين الأمة المحرومين من المهاجرين والأنصار وأبناء سبيلهم بل يكل سد حاجاتهم إلى الزكاة التي ستؤخذ وتجبى بعد تسع سنوات! كم هو سوءٌ للظن وقلّة وجدان أن ننسب مثل هذه النسبة إلى نبي الرحمة الحريص على أمته الرؤوف بهم: معاذ الله!! معاذ الله!! كيف وقد قال الله تعالى:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة/128].

فهل يمكن لمثل هذا النبيّ الكريم أن ينسى جميع المسلمين بمجرد أن يصل إلى يديه مالٌ ومنالٌ ولا يفكر إلا باليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أقربائه الذين لم يكن لهم وجود بعد؟‍‍!! إن أسوأ قتلة الأنبياء والأولياء هم الذين ينسبون مثل هذه التهم الباطلة له ويحرفون آيات الكتاب!

بعد أن ذكرنا في الصفحات السابقة ما جاء في الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام وفي أقوال علماء الشيعة وفقهائهم الكبار بشأن اليتامى والمساكين وابن السبيل في آية خمس الغنائم، ننتقل إلى ذكر ما جاء في هذا الباب من طرق العامة [أي أهل السنة] كي يعلم القراء أن ذلك التقسيم الذي ذهب إليه بعض الفقهاء بجعل الخمس ستة أسهم: سهمٌ لِـلَّهِ وسهمٌ لرسول الله وسهمٌ لذي القربى وسهمٌ لليتامى وسهمٌ للمساكين وسهمٌ لابن السبيل، لم يكن له وجود زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل كان خمس غنائم الحرب في تصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيه لكل من وجده بحاجة واستحقاق(38).

جاء في السنن الكبرى للبيهقي (ج6/ص340) بشأن غنائم خيبر رواية عن عبد الله بن عمر يصل فيها إلى القول: «وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ وَيَأْخُذُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الخُمُسَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُطْعِمُ كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِ مِنَ الخُمُسِ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْراً وَعِشْرِينَ وَسْقاً شَعِيراً».

ثم يقول البيهقي في حديث آخر: «ثُمَّ قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم خُمُسَهُ بَيْنَ أَهْلِ قَرَابَتِهِ وَبَيْنَ نِسَائِهِ وَبَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أَعْطَاهُمْ مِنْهَا فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لاِبْنَتِهِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ مِئَتَيْ وَسْقٍ وَلِعَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِائَةَ وَسْقٍ وَلأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِئَتَي وَسْقٍ مِنْهَا خَمْسُونَ وَسْقًا نَوًى وَلِعِيسَى بْنِ نُقِيمٍ مِئَتَيْ وَسْقٍ وَلأَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِئَتَيْ وَسْقٍ فَذَكَرَا جَمَاعَةً مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَسَمَ لَـهُمْ مِنْهَا.»(39).

وكتب الطبري في تاريخه (ج2/ص306) ضمن بيان حوادث سنة 7 للهجرة والكلام عن تقسيم غنائم خيبر:

«كانت الكتيبة خمس الله عز وجل وخمس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وطعم أزواج النبيّ، وطعم رجال مشوا بين رسول الله وبين أهل فدك بالصلح؛ منهم محيصة ابن مسعود، أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها ثلاثين وسق شعير، وثلاثين وسق تمر.».

فلا يستنبط من هذا الحديث أن خمس غنائم الحرب كان تحت تصرف رسول الله يعطيه لمن يرى في إعطائه مصلحة أو ضرورة أعم من أن يكون الآخذون من بني هاشم أو من غير بني هاشم، فلم يكن هذا المال أبداً مختصاً بأصحاب نسب محدد من الناس، وكان عليه الصلاة والسلام قد ذهب في الإعطاء من هذا المال إلى حد جرأ جفاة الأعراب على أن يحيطوا به ويجذبوا ثيابه ويحاصروه إلى شجرة سمرا حتى وقع الرداء عن كتفه الشريفة وهم يطالبونه قائلين: «مُرْ لنا من مال الله الذي عندك».

جاء في كتب السير والتواريخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حصل بعد فتح مكة وغزوة حنين سنة 8 للهجرة على غنائم بلغت أربعين ألف رأس غنم وأربعة وعشرين ألف رأس جمل وعدة آلاف أوقيات من الفضة فأعطى أكثرها لسهم المؤلفة قلوبهم بما في ذلك إعطائه أبي سفيان مائة ناقة وإعطائه يزيد بن أبي سفيان مائة ناقة أيضاً وإعطائه معاوية بن أبي سفيان مائة ناقة كذلك. وجاء في صحيح البخاري (ج2/ص121) طبع اسطنبول: «إِنِّى أُعْطِى قُرَيْشًا أَتَأَلَّفُهُمْ، لأَنَّهُمْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ».

وقد اغتم المهاجرون والأنصار الذين كانوا يشكلون النواة المركزية للإسلام وحزَّ في أنفسهم ما قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال قائلهم (والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم)!!

سمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحضرهم وسألهم: (ما الذي بلغني عنكم؟) وكانوا لا يكذبون، فقالوا: (هو الذي بلغك). فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا. وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ؟؟ أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللّهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟...»(40).

قال «جرجي زيدان» النصراني في الجزء الأول من كتابه القيم «تاريخ التمدن الإسلامي» حول موضوع غنائم معركة بدر: «كاد يقع نزاع بين المسلمين حول تقسيم الأموال لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسَّمَها بينهم تقسيماً عادلاً ولم يأخذ لنفسه شيئاً منها ومنع بتدبيره هذا التنازع بين المسلمين».

والواقع إنه مما لا يُعْقَل ولا يمكن أن يُقْبَلَ أساساً أن يقوم النبيٌّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان شعاره منذ أول بعثته المباركة ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [هود/51]. وكان يحترز على الدوام ويحذر من أن يتهمه أحد بأنه قام برسالته سعياً لجلب المال والوصول للرئاسة، ثم عند أول حصول على مال ووصول لغنيمة يختص ذلك المال بذاته وبأقربائه دون أن يفكر بحال الفقراء والمحرومين الآخرين ويقول إن خمس غنائم الحرب لي ولأقربائي فقط، هذا مع أنه لم يكن أحد يعرف في ذلك الوقت أي أحد من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أقربائه!!

وإذا وجدنا في بعض الأحاديث قولاً لأحد الأئمة (ع) اعتبر فيه نفسه يتيماً كالحديث التالي الذي رواه الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» (ج2/ص41): «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع): أَصْلَحَكَ اللهُ! مَا أَيْسَرُ مَا يَدْخُلُ بِهِ الْعَبْدُ النَّارَ؟ قَالَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ دِرْهَماً، وَنَحْنُ الْيَتِيمُ». فهذا الحديث الذي يبدو أنه قيل في تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعيراً [النساء/10]، وأضيفت إليه كلمة «وَنَحْنُ الْيَتِيمُ» فإن هذا لا يتعلَّق أبداً باليتامى والمساكين وابن السبيل الذين ذُكروا في آية خمس الغنائم. فضلاً عن أنه من البعيد جداً أن يعتبر حضرة الإمام الباقر نفسه يتيماً، لاسيما أن هذا الحديث مروي عن «علي بن أبي حمزة البطائني» الذي لا يوجد أسوء منه سمعةً في كتب الرجال إلى الحد الذي قال عنه ابن الغضائري «عليُّ بن حمزة لعنه الله أصل الوقف وأشدّ الخلق عداوةً للمولى «يعني الرضا - عليه السلام -»» وهذا الرجل كان من مؤسسي ذلك الخمس [الذي عُرف بين الإمامية] حيث أخذ أموالاً طائلة من الشيعة باسم حضرة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام. ثم استولى على تلك الأموال بعد وفاة الإمام موسى بن جعفر واستولى حتى على الإماء اللواتي أخذهن باسم الإمام وابتدع مذهب الواقفة(41)، ولعله وضع هذا الحديث ليكون حجة له ومستمسكاً!.

وأما الأحاديث التي جاء فيها أن اليتامى والمساكين وابن السبيل في آية خمس الغنائم هم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة فلا يصح أي واحد منها ومعظمها مروية عن رواة من أمثال «علي بن أبي حمزة» و«علي بن فضال» و«الحسن بن فضال» الضالين المضلين الذين بينا سوء أحوالهم في كتابنا «الزكاة».

فمثلاً جاء في كتاب «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي (رض) (ج4/ص125) طبع النجف في باب (تمييز أهل الخمس ومستحقه) في آخر الحديث (361)(42) العبارة التالية: «وَالْيَتَامَى يَتَامَى آلِ الرَّسُولِ وَالمَسَاكِينُ مِنْهُمْ وَأَبْنَاءُ السَّبِيلِ مِنْهُمْ فَلَا يُخْرَجُ مِنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ».

وهذا الحديث يرويه «أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ عَنِ أَبِيه الحَسَنِ بن عَلِيِّ بنِ فَضَّال» عن الإمام. و«الحسَنُ بنُ عليِّ بن فَضَّال» هذا، قال عنه المرحوم صاحب السرائر أنه كافر وملعون ورأس كل ضلال.

والحديث الآخر، أي الحديث الثالث في الباب ذاته من كتاب «التهذيب» في (ج4/ص 128-129) جاء في آخره جملة: «وَ نِصْفُ الخُمُسِ الْبَاقِي بَيْنَ أَهْلِ بَيْتِهِ سَهْمٌ لِأَيْتَامِهِمْ وَسَهْمٌ لِمَسَاكِينِهِمْ وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْكَفَافِ وَالسَّعَةِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ فِي سَنَتِهِمْ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْ‏ءٌ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ فَهُوَ لِلْوَالِي وَإِنْ عَجَزَ أَوْ نَقَصَ عَنِ اسْتِغْنَائِهِمْ كَانَ عَلَى الْوَالِي أَنْ يُنْفِقَ مِنْ عِنْدِهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ وَإِنَّمَا صَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُونَهُمْ لِأَنَّ لَهُ مَا فَضَلَ عَنْهُمْ. وَإِنَّمَا جَعَلَ اللهُ هَذَا الخُمُسَ خَاصَّةً لَـهُمْ دُونَ مَسَاكِينِ النَّاسِ وَأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ عِوَضاً لَـهُمْ مِنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ تَنْزِيهاً لَـهُمْ مِنَ اللهِ لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَكَرَامَةً لَـهُمْ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فَجَعَلَ لَـهُمْ خَاصَّةً مِنْ عِنْدِهِ مَا يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ أَنْ يُصَيِّرَهُمْ فِي مَوْضِعِ الذُّلِّ وَالمَسْكَنَة..».

ومتن هذا الحديث بحد ذاته دليل على بطلانه كما سنبين ذلك إنشاء الله، وسنده يصل إلى «عليِّ بن فضال» الذي بينا حاله بشكل مفصل في كتابنا الزكاة ورأينا أن صاحب السرائر اعتبره هو وأباه من الملعونين. وهذا الحديث مضطرب مشوش إلى درجة لا يمكن معها أن ننسبه إلى المعصوم، هذا أن رغم أن بعض مضامينه المتعلقة بوظائف الحكومة الإسلامية تنسجم مع مضامين سائر الأحاديث الصحيحة.

وفي ختام هذا المبحث ينبغي أن نذكر أن جميع الأخبار والروايات التي وردت في كتب الحديث في تفسير وتعيين اليتامى والمساكين وابن السبيل وذكرت أنهم اليتامى والمساكين وابن السبيل من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، خمسة أحاديث فقط، ثلاثة منها مروية عن بني الفضال لعنهم الله، كما مر معنا.

والحديث الرابع (التهذيب: 4/125) فيدل على عكس ما يذهب إليه من يتمسكون به لأن الحديث المنسوب إلى حضرة الإمام الصادق يقول: «وَ أَمَّا المَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَلَا تَحِلُّ لَنَا فَهِيَ لِلْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيل‏» والذي يقصد من مساكين وأبناء سبيل عامة المسلمين كما شرحنا ذلك سابقاً.

والحديث الخامس يرويه «محمد بن الحسن الصفار» وهو حديث مجهول ومنقطع ولا قيمة له ولا يمكن التعويل عليه.

والأهم والأوضح من كل ذلك هو تاريخ وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي تشهد بكذب هذه النسبة لأنه بمعزل عن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤثر قرابته ولم يختصهم أو يميزهم عن سائر المسلمين وأن نسبة مثل هذه التهمة إليه ظلم كبير، فإنه لم يكن هناك أساساً، حين نزول الآية، يتامى أو مساكين أو أبناء سبيل مسلمين من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقرِّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل هذا السهم لأقربائه بل كان يصرف الغنائم بين أيتام عامة المسلمين ومساكينهم وأبناء سبيلهم وينفقها في حاجات المسلمين الضرورية ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً [يونس/17].

بطلان العلّة التي ذكروها لاختصاص الخمس ببني هاشم:

ذكر القائلون باختصاص الخمس ببني هاشم علَّةً لهذا الأمر مفادها أنهم لما كانوا من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الله تعالى أكرمهم وميزهم عن سائر الخلق فحرَّم عليهم الصدقة، ولما كانت الزكاة – والتي يقال لها أيضاً الصدقات – محرمةٌ عليهم لأنها من أوساخ الناس ولأن في أخذها نوع من الذل وقد أراد الله أن لا يتعرض أولئك القوم الشرفاء المتميِّزون بنسبهم إلى النبيِّ إلى مثل تلك الذلَّة، ومن الجهة الأخرى لما كان بعضهم بحاجة إلى المال، لذا قرر لهم الله تعالى الخمس ليعوض حرمانهم من الزكاة ويحافظ على علو مرتبتهم وكرامتهم وتميزهم.

وهذا الادعاء باطل لعدة وجوه:

أولاً: العلة التي ذكروها باطلةٌ عقلاً لأنه ليس هناك أي ميِّزة وأفضليَّة - من حيث النسب أو العرق أو القبيلة أو العشيرة أو الوطن أو المسكن وأمثالها - لأيِّ فرد على فرد آخر ولا لأيِّ قوم على قوم آخرين، بل فضيلة كل شخص وتميزه إنما يكون بما كسبه بنفسه، ومثل هذه الفضيلة لا تسري إلى الآخرين ولا تورثُ لأن الفضائل الإنسانية والنفسية ليست مثل مال الإنسان أو متاعه كي تورث عنه وتنتقل من بعده إلى ورثته! أو يهبها ويوصي بها لأقربائه! بل الطريقة الوحيدة لكسب الفضائل والتميُّز هي أن يسعى الإنسان بنفسه ويبذل جهده لتحصيل الكمالات، لا أن يفتخر بما كان عليه آباؤه وأجداده! وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى دليل أو برهان.

ثانياً: والعلة التي ذكروها باطلةٌ نقلاً، وأول ما يبطلها كتاب الإسلام السماوي القرآن الكريم الذي بيَّن أن من خصوصيات دين الإسلام المبين إلغاءَه للامتيازات الموهومة، وهذا أحد مزايا الإسلام الأساسية وفيما يلي الآيات التي تفيد ذلك:

أ- في مطلع سورة النساء المباركة بين الله تعالى في أول آية منها أن جميع بني آدم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة وبالتالي فهو يذكرهم بحقيقة أن جميعهم متساوون في الخلق والأصل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء/1].

فالآية دليل واضحٌ وبرهانٌ ساطعٌ على أنه لا يمكن لأي فرد أن يدعي مزية على فرد آخر من جهة آبائه وأجداده ونسبه.

ب- ويقول تعالى في سورة الحجرات:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات/13].

هذه الآية نصٌّ إلهيٌّ صريحٌ بأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، ومثل هذا الأتقى لا يعلم حقيقته سوى الله وأجره وثوابه عند الله، أما في الدنيا فلا يمكن لأحد أن يعتبر نفسه أتقى وأكرم من الآخرين أو يطالب الآخرين بإعطاء مزية وأفضلية كأجرٍ على تقواه.

ج- وفي سورة الحجرات المباركة ذاتها - ولكأنها سورة خاصة ومستقلة لإلغاء الامتيازات الموهومة التي تعد من آثار الجاهلية - يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات/10].

فبإعلان القرآن للأخوة الإسلامية ألغى الإسلامُ جميع الامتيازات والافتخارات العرقية المبنية على الأوهام والخرافات الجاهلية ونسخ أي تميز بين سيد قرشي وعبد حبشي.

د- وفي السورة المباركة ذاتها يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ [الحجرات/11].

ولما كان العلم بخيرية الإنسان وأفضليته خاصٌّ بالله وحده لذا لا يجوز لأحد أن يفتخر على آخر أو يتعالى عليه ويسخر منه لأنه لا يعلم هل أن الساخر أفضل أم الذي يُسخر منه أم العكس هو الصحيح؟! ففي هذه الدنيا لا يستطيع أحد أن يعلم أي قوم وأي شخص أفضل من قوم أو أشخاص آخرين! وربما تصور بعضهم أن كون الشخص من ذرية نبيٍّ امتيازٌ منحه الله لبعض عباده، كما أن منصب النبوة هو كذلك، لذا لا بد من إعطائهم الخمس الذي هو امتياز خاص من الأموال والضرائب! لكن هذا التصور خاطئ من جميع الجهات لما يلي:

أولاً: إن الخمس الذي أُعطي في مذهب الشيعة الإمامية للسادات ليس لأجل كونهم من ذرية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بل لجهة انتسابهم لهاشم جدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحتى أبناء أخ هاشم أي أبناء المطلب الذين كانوا بتصديق التاريخ من عباد الأصنام يستحقون الخمس فقط لأنهم من أقرباء رسول الله!!

ثانياً: إن كون الإنسان من ذرية نبي لا يعطيه في الدين الصحيح أي مزية أو فضيلة إذا لم يكن بحد ذاته من أهل التقوى والصلاح! لذلك نجد أن الله تعالى قال في القرآن الكريم لنوح عن ابنه:

﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِن‏ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود/46].

بل يمكننا أن نقول إن ابن نوح مشمولٌ بدعوة نوح على الكفار بالهلاك حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح/26]، فكون الإنسان من ذرية نبيٍّ بل نشأته في بيت نبيٍّ لا تعطيه أي امتياز إذا لم يكن هو بحد ذاته مؤمناً صالحاً، لذا نجد أن حضرة نوح عليه السلام يقول في دعائه واستغفاره:

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ [نوح/28].

ففي دين الإسلام لا تُعطى أيُّ ميزة على الإطلاق لإنسانٍ لمجرد كونه ابناً لنبيٍّ أو من أحفاد نبيٍّ أو نشأ في بيت نبيٍّ، بل الذي يميز الإنسان هو إيمانه وعمله الصالح، كما قال تعالى في سورة آل عمران:

 ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ [آل عمران/68].

ففي هذه الآية الكريمة يلوم الله تعالى بكل صراحة من يفتخرون بأنهم من ذرية إبراهيم ويقول لهم: إن أولى الناس بإبراهيم هم الذين يتبعونه في دينه ويؤمنون به وبهذا النبيّ الخاتم وهذا خطاب لليهود وبني إسرائيل الذين كانوا يعدون أنفسهم من أبناء إبراهيم ويفتخرون بذلك!

وربما تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران/33-34]. فاستدل بمثل هذا الامتياز والاصطفاء على اصطفاء أسرة بني هاشم أيضاً، في حين أن ذلك الاصطفاء كما يدل عليه صدر الآية وسياقها إنما كان للأنبياء من تلك الأسر ولم يكن أبداً امتيازاً لجميع أفراد تلك الأسر، كما نجد الآية التي سبقتها تنفي ذلك، وإلا ففي غير هذه الصورة سيلزم من ذلك أن يكون يهود بني إسرائيل وآل عمران الذين كان عيسى المسيح منهم على نفس درجة سادات بني هاشم أو على الأقل أن يكونوا كذلك بعد قبولهم للإسلام فيشاركونهم في الفضل والشأن والأمر ليس كذلك! هذا إضافة إلى أن الآيات الأخرى في القرآن الكريم تنقض هذا التصور كالآية التي مرت معنا من سورة الحجرات وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران/68] التي تنفي ذلك التصور تماماً.

الأحاديث الشريفة التي تؤيِّد هذه الحقيقة:

لقد جاءت أحاديث كثيرة إلى حد التواتر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الخصوص خاصةً تلك الجملة الشهيرة التي خطب بها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَاب‏»، و«النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ المُشْطِ»، و«لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى‏».

بل إن أحد أهم مزايا الإسلام المشرقة التي امتاز بها من بين سائر أديان وملل العالم الأخرى أنه ينفي تماماً أي امتياز عرقي أو لوني بين أبناء البشر وقد كانت هذه المزية من أسباب اكتساح الإسلام السريع للعالم الذي أدهش العقول.

ثانياً: هناك أحاديث شريفة أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيت العصمة سلام الله عليهم كثيرة إلى حد الاستفاضة والتواتر في هذا الباب. من جملتها:

1- روى الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» (ج 4/ص 363) ضمن وصايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعليٍّ عليه السلام: «يَا عَلِيُّ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَامِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَفَاخُرَهَا بِآبَائِهَا أَلَا إِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ وَآدَمَ مِنْ تُرَابٍ وَأَكْرَمَهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ»(43).

وقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى (ج1/ص25) هذا الحديث من طريق أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ وَلَدُ آدَمَ وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ».

2- جاء في كتاب الأشعثيات [ويُسَمَّى أيضاً «الجعفريات»] (ص147): «أخبرنا محمد بن الأشعث حدثني موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبي عن أبيه [الإمام موسى بن جعفر (ع)] عن جده جعفر بن محمد (ع) عن أبيه [محمد الباقر (ع)] عن جده علي بن الحسين (ع) عن أبيه عن علي بن أبي طالب (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله تبارك وتعالى رفع عنكم عُبِّـيَّـة(44) [عنية] الجاهلية وفخرها بالآباء فالناس بنو آدم وآدم خُلِقَ من تراب.».

3- وجاء في رجال الكشي (ص9) وفي الأمالي للشيخ الطوسي (147):

«عن حنان بن سدير الصيرفي، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان (رحمه الله)، فقال له عُمَر ما نسبتك أنت يا سلمان وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله، كنت ضالاً فهداني الله بمحمد صلى الله عليه وآله ، وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد صلى الله عليه وآله ، وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد صلى الله عليه وآله ، فهذا حسبي وَنَسَبي يا عُمَر. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر له سلمان ما قال عمر، وما أجابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر قريش! إن حسب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، قال الله (تعالى): ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى‏ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ثم أقبل على سلمان (رحمه الله) فقال له يا سلمان، إنه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه.»(45).

4- وجاء في كتاب «صفات الشيعة» للشيخ الصدوق (ص 16):

«عن أبي عبيدة الحذاء قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة قام عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا بَنِي هَاشِمٍ! يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ. لَا تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا، فوَاللهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ إِلَّا المُتَّقُون‏». وفي آخر الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَفِيمَا بَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَكُم وَإِنَّ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلَكُمْ»(46).

5- وجاء في «المناقب» لابن شهرآشوب: «دَخَلَ زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) عَلَى المَأْمُونِ فَأَكْرَمَهُ وَعِنْدَهُ الرِّضَا (ع) فَسَلَّمَ زَيْدٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ أَنَا ابْنُ أَبِيكَ وَلَا تَرُدُّ عَلَيَّ سَلَامِي؟! فَقَالَ (ع): أَنْتَ أَخِي مَا أَطَعْتَ اللهَ فَإِذَا عَصَيْتَ اللهَ لَا إِخَاءَ بَيْنِي وَبَيْنَك‏»(47).

6- وروى الشيخ الصدوق في «عيون أخبار الرضا (ع)» (ج2/ص232) وفي «معاني الأخبار» (ص 105-106):

«.. عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْوَشَّاءِ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ: كُنْتُ بِخُرَاسَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (ع) فِي مَجْلِسِهِ وَزَيْدُ بْنُ مُوسَى حَاضِرٌ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِي المَجْلِسِ يَفْتَخِرُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ نَحْنُ وَنَحْنُ، وَأَبُو الْحَسَنِ (ع) مُقْبِلٌ عَلَى قَوْمٍ يُحَدِّثُهُمْ، فَسَمِعَ مَقَالَةَ زَيْدٍ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا زَيْدُ! أَ غَرَّكَ قَوْلُ بَقَّالِي الْكُوفَةِ إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَحَرَّمَ اللهُ ذُرِّيَّتَهَا عَلَى النَّارِ؟ وَاللهِ مَا ذَلِكَ إِلَّا لِلْحَسَنِ وَالحُسَيْنِ وَوُلْدِ بَطْنِهَا خَاصَّةً فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (ع) يُطِيعُ اللهَ وَيَصُومُ نَهَارَهُ وَيَقُومُ لَيْلَهُ وَتَعْصِيهِ أَنْتَ ثُمَّ تَجِيئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَوَاءً؟! لَأَنْتَ أَعَزُّ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْه، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (ع) كَانَ يَقُولُ لِمُحْسِنِنَا كِفْلَانِ مِنَ الْأَجْرِ وَلِمُسِيئِنَا ضِعْفَانِ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَالَ الحَسَنُ الْوَشَّاءُ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا حَسَنُ! كَيْفَ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾؟ فَقُلْتُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقْرَأُ ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْرَأُ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ. فَقَالَ (ع): كَلَّا لَقَدْ كَانَ ابْنَهُ وَلَكِنْ لَمَّا عَصَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَفَاهُ اللهُ عَنْ أَبِيهِ، كَذَا مَنْ كَانَ مِنَّا لَمْ يُطِعِ اللهَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَأَنْتَ إِذَا أَطَعْتَ اللهَ فَأَنْتَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْت.‏».‏

7- وروى الشيخ الصدوق أيضاً في «عيون أخبار الرضا (ع)» (2/234-235):

«تَمِيمٌ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ الْهَرَوِيِّ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا (ع) يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ قَالَ لِلصَّادِقِ (ع): يَا أَبَتَاهْ! مَا تَقُولُ فِي المُذْنِبِ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا؟ فَقَالَ (ع): لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ‏».

8- وروى الشيخ الصدوق في «الأمالي» (ص 110، المجلس 34):

«عَنْ عَبَّادٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ قَالَتْ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَاهَى بِكُمْ وَغَفَرَ لَكُمْ عَامَّةً وَلِعَلِيٍّ خَاصَّةً وَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ غَيْرَ مُحَابٍ(48) لِقَرَابَتِي‏».(49)

9- وقال المحقق البحراني في كتابه «الحدائق الناضرة» (ج12/ص227، طبع النجف):

«روى الشيخ في التهذيب(50) بسنده عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) يَقُولُ وَسُئِلَ عَنْ قَسْمِ بَيْتِ المَالِ فَقَالَ: أَهْلُ الْإِسْلَامِ هُمْ أَبْنَاءُ الْإِسْلَامِ أُسَوِّي بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَفَضَائِلُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ أُجْمِلُهُمْ كَبَنِي رَجُلٍ وَاحِدٍ لَا نُفَضِّلُ أَحَداً مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ وَصَلَاحِهِ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى آخَرَ ضَعِيفٍ مَنْقُوصٍ. وَقَالَ: هَذَا هُوَ فِعْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي بَدْوِ أَمْرِهِ..»(51).

10- وروى الصدوق في «عيون أخبار الرضا (ع)» (2/236):

«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ نَصْرٍ الرَّازِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لِلرِّضَا (ع) واللهِ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَشْرَفُ مِنْكَ أَباً! فَقَالَ: التَّقْوَى شَرَّفَتْهُمْ وَطَاعَةُ اللهِ أَحْظَتْهُمْ. فَقَالَ لَهُ آخَرُ: أَنْتَ وَاللهِ خَيْرُ النَّاسِ! فَقَالَ لَهُ: لَا تَحْلِفْ يَا هَذَا! خَيْرٌ مِنِّي مَنْ كَانَ أَتْقَى لِـلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْوَعَ لَهُ. وَاللهِ مَا نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ آيَةٌ: ﴿.. وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ..﴾ [الحجرات/13].».

إن هذه الأحاديث الشريفة تدل على أنه لا يوجد بين أبناء الإسلام أي امتياز وأفضلية من حيث العرق والنسب، وأن مثل هذه الموهومات لا قيمة لها أصلاً في دين الإسلام لأن ملاك الفضيلة في نظر الإسلام هو التقوى وعبادة الله. وهناك أكثر من مائة حديث آخر في هذا المضمون أو المعنى وهي أحاديث يؤيد صحتها القرآن الذي هو ميزان الصحة ودليلها، ولكن ليس في مقدورنا للأسف أن نذكر كل تلك الأحاديث خشية الإطالة، فسأكتفي كعادتي وسيرتي في كل مبحث بعشرة نماذج، تلك عَشَرَةٌ كامِلَةٌ. وللأسف فإن مثل هذا التمييز والتفاخر العرقي قد شاع أخيراً بشدة بين شعوب العالم حتى المتحضرة منها وراج للأسف تحت اسم القومية (العنصريَّة) بين أمة الإسلام أيضاً، خاصّة بين العرب، مع أن هذا يتنافى مع تعاليم الإسلام ويخالفها، وجميع الملل والأديان الحقَّة ترفض مثل هذا التمايز العرقي وتردّه(52).

وربما قال البعض إن هذا الامتياز الخاص الذي منح لبني هاشم هو امتياز مالي محض ولا علاقة له بأي تمييز عرقي ونسبي مما ألغاه الإسلام وأبطله، فأقول: رغم أنه من البعيد أن يقول شخص عاقل بمثل هذا القول لأن من الواضح تماماً أن هذا التمييز الماليّ الخاص الذي منح لهذه العشيرة أو الأسرة إنما منح لها بناء على أصلها العرقي ونسبها الخاص، والقائلون بذلك يرون في ذلك النسب فضيلة كبيرة أوجبت ذلك التمييز، فلا معنى للقول بأنه تمييز مالي محض، ومع ذلك نقول ما يلي رداً على هذا الادعاء:

إن التاريخ وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلاهما يشهدان بأن بني هاشم لم يكن لهم في صدر الإسلام أي أفضلية وتمييز ماليٍّ على غيرهم من الناس، وإذا رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطي أحياناً بعض من يمتّ إليه بصلة قرابة من خمس الغنائم، فإن ذلك لم يكن بسبب قرابته له، بل كما أوضحنا في الصفحات الماضية، بل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم خمسه بين أقربائه وزوجاته وجميع المستحقين من الرجال والنساء من المسلمين، وفي هذا الإطار مثلاً قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لاِبْنَتِهِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ مِئَتَىْ وَسْقٍ وَلِعَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ مِئَةَ وَسْقٍ وَلأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِئَتَى وَسْقٍ مِنْهَا خَمْسُونَ وَسْقًا نَوًى هذا مع أن لم يكن من بني هاشم ولا حتى من قريش أصلاً وَقَسَمَ كَذَلِكَ لِعِيسَى بْنِ نُقِيمٍ مِئَتَىْ وَسْقٍ وَلأَبِى بَكْرٍ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ مِائَتَىْ وَسْقٍ وذكروا جَمَاعَةً مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَسَمَ لَـهُمْ مِنْهَا(53)، وفعل الأمر ذاته في تقسيم غنائم هوازن وحنين حيث أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف الناس يتألفهم ويتألف بهم قومهم فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير وأعطى ابنه معاوية مائة بعير وأعطى يزيد بن أبي سفيان مائة بعير وأعطى عباس بن مرداس خمسين بعيراً(54)، وبعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لبني هشام خلال جميع الحكومات المتعاقبة سواء كانت حكومات حقّ أم باطل أي سهم ماليٍّ خاصٍّ ينالونه لمجرد كونهم من أسرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانتسابهم لبني هاشم.

وإذا وجدنا أنه في زمن عمر عندما دوَّن الدواوين وفرض العطايا فأعطى العطايا على السابقة في الإسلام والمنزلة في الدين فأعطى زوجات النبي وأقاربه صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من غيرهم، فإن عمله هذا كان مخالفاً بشكل واضح لروح المساواة في شريعة الإسلام وقد ذكر المؤرخون أنه ندم على عمله هذا في آخر عمره ورغب في تغيير تلك السنة الخاطئة ولكن الأجل لم يُمْهِلْهُ. وفي حكومة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكن لأحد من بني هاشم أدنى تميُّز على سائر المسلمين في أي شيء، ولا غرو فقد كان عليٌّ تابعاً لدين الله عَزّ وَجَلّ، ومطيعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يميِّز ولا يفضل أحداً من قرابته على سائر المسلمين في أمر الأموال، وكان عليٌّ أعْلَمَ الناس بحقائق الإسلام والإيمان، ولو كان لمثل هذا التمييز الماليّ لبني هاشم على غيرهم أصلٌ لعمل عليٌّ به بلا ريب.

يروي عبد الرزاق بن همام الصنعاني في كتابه «المصنَّف» (الذي يُعَدُّ من أقدم ما وصل إلينا من كتب الحديث والفقه إذ إن مؤلفه ولد عام 126هـ وتوفي عام 211هـ وكان بتصريح علماء الرجال- شيعي المذهب)، في (ج 5/ص 238) [ح (9482)] روايةً بسنده «عن الثوري عن قيس بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن على ابن الحنفية عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ﴾؟ قال: هذا مفتاح كلام، لِـلَّهِ الدنيا والآخرة، وللرسول، ولذي القربى، فاختلفوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذين السهمين، قال قائل: سهم ذي القربى لقرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، واجتمع رأي أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل، والعدة في سبيل الله، وكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر. وفي حديث ابن إسحق عن أبي جعفر (أي الإمام محمد الباقر عليه السلام) قلت له: فما منعه؟ [يعنى ما منع عليَّاً أن يعمل فيه برأيه؟] قال: كره والله أن يدعي عليه خلافهما [أي خلاف أبي بكر وعمر.]»(55)، وقد روى الطحاوي (321هـ) أيضاً هذا الحديث في كتابه (ج2/ص136).

 لكننا لا نقبل بمثل هذا الادعاء عن علي عليه السلام أبداً، ذلك لأن أمير المؤمنين علياً لم يكن ذلك الشخص الذي يدعُ كتابَ الله ويتركُ اتِّباعَ سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتبع رأي أبي بكر وعمر. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة والتواريخ المعتبرة أنه لما اعترض طلحة والزبير على عليٍّ لعدم اتباعه في تقسيم الأموال سنة أبي بكر وعمر، و«قَالَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَانَ يُعْطِينَا عُمَرُ! قَالَ عليه السلام: فَمَا كَانَ يُعْطِيكُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فَسَكَتَا. فَقَالَ عليه السلام: أَلَيْسَ كَانَ النَّبِيُ‏ صلى الله عليه وآله وسلم يَقْسِمُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِالسَّوِيَّةِ؟ قَالَا: نَعَمْ. فقال لهما: فَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ عِنْدَكُمَا أَمْ سُنَّةُ عُمَرَ؟ قَالَا: سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.»(56).

وقال لهما صريحاً في موقف آخر: «فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ [أي الخلافة] نَظَرْتُ فِي كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ فَأَمْضَيْتُ مَا دَلَّانِي عَلَيْهِ واتَّبَعْتُهُ ولَمْ أَحْتَجْ إِلَى رَأْيِكُمَا فِيهِ ولَا رَأْيِ غَيْرِكُمَا ولَوْ وَقَعَ حُكْمٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ بَيَانُهُ ولَا فِي السُّنَّةِ بُرْهَانُهُ واحْتِيجَ إِلَى المُشَاوَرَةِ فِيهِ لَشَاوَرْتُكُمَا فِيهِ وأَمَّا القَسْمُ وَالأُسْوَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ فِيهِ بَادِئَ بَدْءٍ قَدْ وَجَدْتُ أَنَا وأَنْتُمَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَحْكُمُ بِذَلِكَ وكِتَابُ اللهِ نَاطِقٌ بِهِ وهُوَ الكِتَابُ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»(57).

ولا غرو، أوليس عليٌّ هذا هو تلك الشخصية الفريدة وصوت العدالة الإنسانية القائل: «وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الأَقَالِيمَ السَّـبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ»؟ (الخطبة 219 من نهج البلاغة).

أوليس عليٌّ هو ذلك الإمام الذي لا نظير له الذي أجاب طائفةً من أصحابه اقترحت عليه أن يعطي الناس شيئاً من هذه الأموال ويفضل أشراف العرب على غيرهم وقريش على الموالي والعجم ليستميل بذلك قلوب من يخشى مخالفتهم فأجابهم قائلاً: «أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بالجَوْرِ؟؟ لَا وَاللهِ مَا أَفْعَلُ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَما لَاحَ فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ. وَاللهِ لَوْ كَانَ مَالُهُمْ لِي لَوَاسَيْتُ بَيْنَهُمْ وَكَيْفَ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْوَالُهُمْ؟!»(58)؟ فهل يعقل أن يقبل مثل هذا الشخص بحرمان ذوي القربى من حق شرعي ثابت لهم اتباعاً لسنة أبي بكر وعمر [أو خوفاً من أن يُتَّهم بمخالفتهما]؟! معاذ الله ونستجير بالله من هذا المقال.

نرجع إلى موضوعنا حيث كنا نقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يميز خلال سيرته الشريفة بني هاشم وأقربائه بأي عطاء ماليٍّ خاص بهم، لا بل كان يحرمهم – قدر الإمكان – من بعض الامتيازات التي منحها للآخرين، أو يحرم عليهم بعض ما كان مباحاً للآخرين، ومن جملة ذلك:

1- جاء في سنن البيهقي الكبرى (ج7/ص31):

«عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ حَدَّثَهُ قَالَ: اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الحَارِثِ [ابن عم النبيّ] وَالعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ [عمّ النبيّ]فَقَالاَ: لَوْ بَعَثْنَا بِهَذَيْنِ الغُلاَمَيْنِ قَالَ لِى وَلِلْفَضْلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَكَلَّمَاهُ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّى النَّاسُ وَأَصَابَا مَا يُصِيبُ النَّاسُ فَبَيْنَمَا هُمَا في ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا فَذَكَرَا لَهُ فَقَالَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لاَ تَفْعَلاَ فَوَاللهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ انْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الحَارِثِ فَقَالَ: وَاللهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلاَّ نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا فَوَاللهِ لَقَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَما نَفِسْنَاهُ قَالَ أَنَا أَبُو حَسَنٍ القَرْمُ أَرْسِلُوهُمَا فَانْطَلَقَا فَاضْطَجَعَ فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم سَبَقْنَاهُ إِلَى الحُجْرَةِ فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِآذَانِنَا ثُمَّ قَالَ:«أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ». ثُمَّ دَخَلَ فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَتَوَاكَلْنَا الكَلاَمَ ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَ أَمَنُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ فَجِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّى النَّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُ النَّاسُ فَسَكَتَ طَوِيلاً فَأَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تُلْمِعُ إِلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ أَنْ لاَ تُكَلِّمَاهُ ثُمَّ قَالَ:«إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ.»(59).

 

 2- وفي الكتاب نفسه (ج7/ ص31-32): «حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ العَبَّاسِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي فِتْيَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ: وَاللهِ مَا اخْتَصَّنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِشَيْءٍ دُونَ النَّاسِ إِلاَّ ثَلاَثٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الوُضُوءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لاَ نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ وَلاَ نُنْزِيَ الحُمُرَ عَلَى الخَيْلِ(60)(61).

هنا من اللازم أن نذكِّر بأمر هام وضروريٍّ لفهم ما سيأتي من موضوعات، وهو أن أكل الصدقة الذي ورد ذمُّه في هذه الأحاديث وفي الروايات المنقولة عن أهل البيت إنما هو عمل مكروه وليس محرّماً، والدليل الواضح على ذلك أنه جُعِل رديفاً لأمور هي بالاتفاق مكروهة وليست محرمة مثل نزو الحُمُر على الخيل وترك إسباغ الوضوء. كما سيأتي توضيحه لاحقاً إن شاء الله.

3- رغم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له في آخر عمره، عندما فاضت عليه الأموال الطائلة من الغنائم كغنائم خيبر وحُنَـيْن وأمثالهما، إلا ابنة واحدة هي فاطمة عليها السلام ، مع ذلك كان يحتاط جداً في موضوع بذل المال لابنته ويحترز من بذل أي مقدار إضافي أو زائد من المال لحبيبته، حتى أن تلك المعصومة عليها السلام لما طلبت من أبيها خادمةً تساعدها في أعمال المنزل امتنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إعطائها ذلك وعلَّمها بدلاً من ذلك قراءة التسابيح المعروفة بـ «تسبيحات فاطمة الزهراء عليها السلام » كما رويت هذه القصة في الكتب الموثقة، مثلما رواه الشيخ الصدوق في كتابه «من‏ لا يحضره‏ الفقيه» (ص88 من طبعة سالك الحجرية)(62) قال:

«وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ أَ لَا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وعَنْ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدِي فَاسْتَقَتْ بالقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَ فِي صَدْرِهَا وطَحَنَتْ بِالرَّحَى حَتَّى مَجِلَتْ يَدَاهَا وكَسَحَتِ البَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا وأَوْقَدَتْ تَحْتَ القِدْرِ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا فَأَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ ضُرٌّ شَدِيدٌ فَقُلْتُ لَهَا لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِهِ خَادِماً يَكْفِيكِ حَرَّ مَا أَنْتِ فِيهِ مِنْ هَذَا العَمَلِ فَأَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَوَجَدَتْ‏ عِنْدَهُ حُدَّاثاً فَاسْتَحْيَتْ فَانْصَرَفَتْ فَعَلِمَ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ لِحَاجَةٍ فَغَدَا عَلَيْنَا ونَحْنُ فِي لِحَافِنَا فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَسَكَتْنَا واسْتَحْيَيْنَا لِمَكَانِنَا ثُمَّ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَسَكَتْنَا ثُمَّ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَخَشِينَا إِنْ لَمْ نَرُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَرِفَ وقَدْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَيُسَلِّمُ ثَلَاثاً فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وإِلَّا انْصَرَفَ فَقُلْنَا وعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللهِ ادْخُلْ فَدَخَلَ وجَلَسَ عِنْدَ رُءُوسِنَا ثُمَّ قَالَ يَا فَاطِمَةُ مَا كَانَتْ حَاجَتُكِ أَمْسِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ نُجِبْهُ أَنْ يَقُومَ فَأَخْرَجْتُ رَأْسِي فَقُلْتُ أَنَا وَاللهِ أُخْبِرُكَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا اسْتَقَتْ بِالقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَ فِي صَدْرِهَا وجَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى مَجِلَتْ يَدَاهَا وكَسَحَتِ البَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا وأَوْقَدَتْ تَحْتَ القِدْرِ حَتَّى دَكِنَتْ ثِيَابُهَا فَقُلْتُ لَهَا لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِهِ خَادِماً يَكْفِيكِ حَرَّ مَا أَنْتِ فِيهِ مِنْ هَذَا العَمَلِ قَالَ أَ فَلَا أُعَلِّمُكُمَا مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنَ الخَادِمِ إِذَا أَخَذْتُمَا مَنَامَكُمَا فَكَبِّرَا أَرْبَعاً وثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً وسَبِّحَا ثَلَاثاً وثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً واحْمَدَا ثَلَاثاً وثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً فَأَخْرَجَتْ فَاطِمَةُ (ع) رَأْسَهَا وقَالَتْ رَضِيتُ عَنِ اللهِ وعَنْ رَسُولِهِ رَضِيتُ عَنِ اللهِ وعَنْ رَسُولِهِ.».

هذه القصة وقعت بالتأكيد بعد معركة بدر وفي زمن كانت فيه فاطمة قد أصبحت فيه ذات عيال وأرهقتها الأعمال المنزلية، أي حصلت بعد زمن الفتوحات وتدفق الغنائم على بيت المال، ومع ذلك أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطي لابنته الحبيبة الوحيدة أَمَةً تخدمها، ولم يرتضِ أن يميِّزَها عن غيرها بمثل هذا العطاء البسيط للغاية!!

4- وَفي كتاب «ذخائر العقبى»(63) (ص 51) «عَنِ حضرة ثامِنِ الأئِمَّةِ عَلِيِّ بنِ موسى الرِّضَا عليه السلام عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ فَاطِمَةَ جَدَّتِكَ إِذْ دَخَلَ عليها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَفِي عُنُقِهَا قِلَادَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَتَى بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام اشْتَرَاهَا لَهُ مِنْ سَهْمٍ صَارَ إليه فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: يَا بُنَيَّةُ! لَا تَغْتَرِّي أَنْ يَقُولَ النَّاسُ فَاطمةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْكِ لِبَاسُ الجَبَابِرَةِ! فَقَطَعَتْهَا لِسَاعَتِها وَبَاعَتْهَا لِيَوْمِهَا وَاشْتَرَتْ بالثَّمَنِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَأَعْتَقَتْهَا. فبلغَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَسُرَّ.»(64).

5- وفي الكتاب ذاته أيضاً [أي «ذخائر العقبى»] (ص 51-52):

«عَنْ ثَوْبَانَ [مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم] قَالَ: قدم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ غَزَاةٍ لَهُ فَأَتَى فَاطِمَةَ (وكان من عادة رسول الله إذا رجع من سفرٍ أن يبدأ بزيارة بيت فاطمة)(65) فَإذَا هُوَ يَمْسَحُ عَلَى بَابِهَا(66) وَرَأَى عَلَى الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ(67)فَرَجَعَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ ذَلِكَ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ مَا رَأَى فَهَتَكَتْ السِّتْرَ وَنَزَعَتْ القُلْبَيْنِ مِنْ الصَّبِيَّيْنِ فَقَطَعَتْهُمَا فَبَكَى الصَّبِيَّانِ فَقَسَمَتْهُ بَيْنَهُمَا فَانْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُمَا يَبْكِيَانِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْهُمَا فَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى بَنِي فُلَانٍ - أَهْلُ بَيْتٍ بِالمَدِينَةِ - فَاشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ(68) وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَذْهَبوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ الدُّنْيَا(69).

وفي قصة أخرى مشابهة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ مرَّةً فرأى على فاطمة بعضَ الحليِّ والزينةِ [مَسَكَتَيْنِ مِنْ وَرِقٍ وَقِلَادَةً وَقُرْطَيْنِ وَسِتْراً لِبَابِ البَيْتِ] فعرفت بوجهه الغضب من ذلك فَنَزَعَتْ قِلَادَتَهَا وَقُرْطَيْهَا وَمَسَكَتَيْهَا وَنَزَعَتِ السِّتْرَ فَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَقَالَتْ لِلرَّسُولِ قُلْ لَهُ: تَقْرَأُ عَلَيْكَ ابْنَتُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ اجْعَلْ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ. فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «فَعَلَتْ فِدَاهَا أَبُوهَا. فَعَلَتْ فِدَاهَا أَبُوهَا. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»(70).

تلك كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسنته في قرابته وأهل بيته، ونكتفي بهذا المختصر الذي ذكرناه.

أما سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالنسبة إلى تمييز أي فرد أو أي أسرة أو أصحاب نسب معين في تقسيم الأموال فهي أوضح من أن تحتاج إلى شرح أو بيان؛ فقد كان حضرته يقول دائماً: «إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَمْ أَجِدْ لِوُلْدِ إِسْمَاعِيلَ (مثل قريش وبني هاشم) عَلَى وُلْدِ إِسْحَاقَ (بني إسرائيل واليهود) فَضْلاً». ورغم أن أهم سبب لمعارضة بعض الناس لعليٍّ عليه السلام كان أمر المال حيث لم يكن الإمام يفضِّل في العطاء شريفاً على مشروف ولا عربِيّاً على عجميٍّ ولا أبيضَ على أسودَ ولا سيِّداً على عَبْدٍ ولم يكن يعطِ أحداً ديناراً زيادةً على غيره! ولهذا السبب بالذات لقي كل ما لقيه من أذى وعنت ومصائب إذْ إنه انتهج هذا النهج منذ أول يوم لخلافته، كما يروي ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة [ج2/ص197]:

«رَوَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ المَدَائِنِيِّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الجَعْدِ قَال: آكَدُ الأَسْبَابِ كَانَ فِي تَقَاعُدِ العَرَبِ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمْرُ المَالِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَضِّلُ شَرِيفاً عَلَى مَشْرُوفٍ، وَلَا عَرَبِيّاً عَلَى عَجَمِيٍّ...»(71).

ألف- عندما اعترض عليه طلحة والزبير لأنه لم يميزهما على غيرهما في العطاء بل ساوى بينهما وبين أيَّ فرد عاديٍّ من أفراد الأمة، قال لهما بكل صراحة ووضوح: «لا وَلكنكما شريكاي في الفي‏ء والله لا أستأثر عليكما وَلا على عبد [حبشي] مجدع بدرهم فما دونه لا أنا وَلا وَلَدَاي هذان‏ الحسن والحسين»(72).

ب- كما جاء في الخطبة 125 من «نهج البلاغة»: «126- وَمن كلام له ِعليه السلام لما عوتب على التسوية في العطاء: أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْـرَ بِالجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ؟! وَاللهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً. لَوْ كَانَ المَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا المَالُ مَالُ اللهِ.»

ج- وفي روضة الكافي (ص34، طبع إسلامية) وَفي «وسائل الشيعة» (ج2/ص431، طبع أمير بهادر): «...عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ: لَمَّا وُلِّيَ عَلِيٌّ (ع) صَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنِّي وَاللهِ مَا أَرْزَؤُكُمْ(73)مِنْ فَيْئِكُمْ هَذَا دِرْهَماً مَا قَامَ لِي عِذْقٌ بِيَثْرِبَ، فَلْتَصْدُقْكُمْ أَنْفُسُكُمْ، أَفَتَرَوْنِي مَانِعاً نَفْسِي وَمُعْطِيَكُمْ؟؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَقِيلٌ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فَقَالَ: فَتَجْعَلُنِي وَأَسْوَدَ فِي المَدِينَةِ سَوَاءً؟؟ فَقَالَ: اجْلِسْ مَا كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ غَيْرُكَ وَمَا فَضْلُكَ عَلَيْهِ إِلَّا بِسَابِقَةٍ أَوْ تَقْوَى.»(74).

أي أنه لو كان هناك فضلٌ لأحد على أحد فهو التفاضل في السابقة في الإسلام أو في التقوى وأجر كلا الأمرين عند الله وحده يوم القيامة.

د – في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص393، طبعة تبريز الحجرية) نقلاً عن كتاب الكافي: «.. عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ العَقَبِيِّ رَفَعَهُ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ آدَمَ لَمْ يَلِدْ عَبْداً وَلَا أَمَةً وَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ وَلَكِنَّ اللهَ خَوَّلَ بَعْضَكُمْ بَعْضاً فَمَنْ كَانَ لَهُ بَلَاءٌ فَصَبَرَ فِي الخَيْرِ فَلَا يَمُنَّ بِهِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلَا وَقَدْ حَضَرَ شَيْ‏ءٌ وَنَحْنُ مُسَوُّونَ فِيهِ بَيْنَ الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ فَقَالَ مَرْوَانُ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ مَا أَرَادَ بِهَذَا غَيْرَكُمَا قَالَ فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَأَعْطَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَجَاءَ بَعْدُ غُلَامٌ أَسْوَدُ فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَذَا غُلَامٌ أَعْتَقْتُهُ بالأَمْسِ تَجْعَلُنِي وَإِيَّاهُ سَوَاءً فَقَالَ: «إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَمْ أَجِدْ لِوُلْدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى وُلْدِ إِسْحَاقَ فَضْلًا»»(75).

وهذه المقولة الأخيرة كانت شعار علي ومبدؤه الذي تعلمه من كتاب الله بأن أولاد إسماعيل الذين زبدتهم قريش وبني هاشم ليس لهم فضيلة من النواحي المادية على أولاد إسحق الذين كانوا في ذلك اليوم وهم اليوم كذلك أسوأ وأحقر خلق الله وهم اليهود، بل جميع الخلق يجب أن يأكلوا مثل بعضهم ويلبسوا مثل بعضهم ويعيشوا مثل بعضهم إلى أن يعودوا إلى ربهم ويلقى كل واحد منهم نتيجة عمله.

هـ - روى المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص 367، طبع تبريز) وابن الأثير في «الكامل في التاريخ» قصة مبايعة الناس حضرة أمير المؤمنين بعد مقتل عثمان إلى أن وصل إلى القول:

«فَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ الْبَيْعَةِ وَهُوَ يَوْمُ الجُمُعَةِ حَضَرَ النَّاسُ المَسْجِدَ وَجَاءَ عَلِيٌّ (ع) فَصَعِدَ المِنْبَرَ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ عَنْ مَلَإٍ وَإِذْنٍ إِنَّ هَذَا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَّرْتُمْ وَقَدِ افْتَرَقْنَا بِالْأَمْسِ عَلَى أَمْرٍ وَكُنْتُ كَارِهاً لِأَمْرِكُمْ فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي دُونَكُمْ إِلَّا مَفَاتِيحُ مَا لَكُمْ مَعِي وَلَيْسَ لِي أَنْ آخُذَ دِرْهَماً دُونَكُمْ فَإِنْ شِئْتُمْ قَعَدْتُ لَكُمْ وَإِلَّا فَلَا آخُذُ عَلَى أَحَدٍ فَقَالُوا نَحْنُ عَلَى مَا فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اشْهَد».

ثم نقل قصة اعتراض طلحة والزبير على أمير المؤمنين بسبب تسويته في العطاء وأن أمير المؤمنين سألهما:

«قَالَ فَمَا الَّذِي كَرِهْتُمَا مِنْ أَمْرِي حَتَّى رَأَيْتُمَا خِلَافِي؟؟ قَالَا: خِلَافَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي الْقَسْمِ. إِنَّكَ جَعَلْتَ حَقَّنَا فِي الْقَسْمِ كَحَقِّ غَيْرِنَا وَسَوَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ لَا يُمَاثِلُنَا فِيمَا أَفَاءَ اللهُ تَعَالَى بِأَسْيَافِنَا وَرِمَاحِنَا وَأَوْجَفْنَا عَلَيْهِ بِخَيْلِنَا وَرَجِلِنَا وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ دَعَوْتُنَا وَأَخَذْنَاهُ قَسْراً وَقَهْراً مِمَّنْ لَا يَرَى الْإِسْلَامَ إِلَّا كَرْهاً»(76).

وبعد أن ينقل إجابة أمير المؤمنين عَلَى اعتراضاتهما بالتفصيل ينقل أن أمير المؤمنين قال لهما بشأن تسويته بينهما وبين سائر الناس في العطاء:

«وَ أَمَّا الْقَسْمُ وَالْأُسْوَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ فِيهِ بَادِئَ بَدْءٍ قَدْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُمَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَحْكُمُ بِذَلِكَ وَكِتَابُ اللهِ نَاطِقٌ بِهِ وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ وَأَمَّا قَوْلُكُمَا جَعَلْتَ فَيْئَنَا وَمَا أَفَاءَتْهُ سُيُوفُنَا وَرِمَاحُنَا سَوَاءً بَيْنَنَا وَبَيْنَ غَيْرِنَا فَقَدِيماً سَبَقَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَوْمٌ وَنَصَرُوهُ بِسُيُوفِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ فَلَمْ يُفَضِّلْهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الْقَسْمِ وَلَا آثَرَهُمْ بِالسَّبْقِ وَاللهُ سُبْحَانَهُ مُوَفٍّ السَّابِقَ وَالْمُجَاهِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَالَهُمْ وَلَيْسَ لَكُمَا وَاللهِ عِنْدِي وَلَا لِغَيْرِكُمَا إِلَّا هَذَا»(77).

و- وروى ابن شهر آشوب في كتابه «المناقب» (ج2/ص111، طبع قم): «في رواية عن أبي الهيثم بن التيهان وعبد الله بن أبي رافع أن طلحة والزبير جاءا إلى أمير المؤمنين وقالا: لَيْسَ كَذَلِكَ كَانَ يُعْطِينَا عُمَرُ! قَالَ: فَمَا كَانَ يُعْطِيكُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فَسَكَتَا. قَالَ: أَلَيْسَ كَانَ رَسُولُ اللهِ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ عِنْدَكُمْ أَمْ سُنَّةُ عُمَرَ؟ قَالَا: سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. لَنَا سَابِقَةٌ وَعَنَاءٌ وَقَرَابَةٌ. قَالَ: سَابِقَتُكُمَا أَسْبَقُ أَمْ سَابِقَتِي؟ قَالَا: سَابِقَتُكَ. قَالَ: فَقَرَابَتُكُمَا أَمْ قَرَابَتِي؟ قَالَا: قَرَابَتُكَ. قَالَ فَعَنَاؤُكُمَا أَعْظَمُ مِنْ عَنَائِي؟ قَالَا: عَنَاؤُكَ. قَالَ: فَوَ اللهِ مَا أَنَا وَأَجِيرِي هَذَا إِلَّا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَة وأومأ بيده إلى الأجير».

هكذا كان سلوك أمير المؤمنين مع رجال قريش وأقربائه البعيدين عنه نَسَبِيَّاً هذا رغم أن «الزبير بن العوام» كان ابن عمته أي ابن صفية بنت عبد المطلب.

الآن لنرَ كيف سلوك أمير المؤمنين عليه السلام مع أقربائه الأدنين ومع أبناء هاشم وعبد المطلب وأبي طالب وأي امتياز كان يرى لهم على غيرهم من المسلمين:

1- رُوِيَ في الكتب الموثوقة لاسيما في «نهج البلاغة» (الخطبة رقم 219) تلك الخطبة الشهيرة عن أمير المؤمنين والتي تبدأ بجملة:

«وَ اللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَغَاصِباً لِشَيءٍ مِنَ الحُطَام‏...» حتى يصل إلى قوله:

«وَ اللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ كَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي فَأَحْمَيْتُ‏ لَهُ حَدِيدَةً ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا وَكَادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيسَمِهَا فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟؟ أَتَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظى؟!».

وكما نعلم لم يستطع عقيل أن يقتنع بحقه من بيت المال في حكومة عدل عَلِيٍّ عليه السلام فذهب إلى معاوية [فأغدق عليه العطاء]!

2- روى السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» (ص 204، طبع سنة 1964م) ما نصه:

«وأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل علياً فقال إني محتاج وإني فقير فأعطني. فقال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم. فألحَّ عليه فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت، قال: تريد أن تتخذني سارقاً؟؟ قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقاً أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم؟! قال: للآتين معاوية قال: أنت وذاك فأتى معاوية فسأله فأعطاه مائة ألف ثم قال اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به على وما أوليتك فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني أخبركم أني أردت علياً على دينه فاختار دينه وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه.».

3- وروى ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، والمجلسي (رحمه الله) في المجلد الثامن من بحار الأنوار: «عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! لَوْ أَمَرْتَ لِي بِمَعُونَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فَوَ اللهِ مَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ أَبِيعَ دَابَّتِي. فَقَالَ لَا وَاللهِ، مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئاً إِلَّا أَنْ تَأْمُرَ عَمَّكَ يَسْرِقُ فَيُعْطِيكَ!»

4- روى الشيخ «ورام بن أبى فراس»(78) في «مجموعة ورام» (ج2/ص3) والشيخ الطوسي في كتابه الشريف «تهذيب الأحكام» (ج10/ص151، طبع النجف) قصة استعارة ابنة أمير المؤمنين عقد لؤلؤ من بيت المال، وفيما يلي نصها:

«عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ كُنْتُ عَلَى بَيْتِ مَالِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَكَاتِبَهُ وَكَانَ فِي بَيْتِ مَالِهِ عِقْدُ لُؤْلُؤٍ كَانَ أَصَابَهُ يَوْمَ الْبَصْرَةِ قَالَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَقَالَتْ لِي بَلَغَنِي أَنَّ فِي بَيْتِ مَالِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (ع) عِقْدَ لُؤْلُؤٍ وَهُوَ فِي يَدِكَ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُعِيرَنِيهِ أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي أَيَّامِ عِيدِ الْأَضْحَى فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا عَارِيَّةً مَضْمُونَةً مَرْدُودَةً يَا بِنْتَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ نَعَمْ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً مَرْدُودَةً بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهَا وَإِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (ع) رَآهُ عَلَيْهَا فَعَرَفَهُ فَقَالَ لَهَا مِنْ أَيْنَ صَارَ إِلَيْكِ هَذَا الْعِقْدُ؟ فَقَالَتِ: اسْتَعَرْتُهُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ خَازِنِ بَيْتِ مَالِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ لِأَتَزَيَّنَ بِهِ فِي الْعِيدِ ثُمَّ أَرُدُّهُ. قَالَ فَبَعَثَ إِلَيَّ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) فَجِئْتُهُ، فَقَالَ لِي: أَتَخُونُ المُسْلِمِينَ يَا ابْنَ أَبِي رَافِعٍ؟؟ فَقُلْتُ لَهُ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَخُونَ المُسْلِمِينَ! فَقَالَ: كَيْفَ أَعَرْتَ بِنْتَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ الْعِقْدَ الَّذِي فِي بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِي وَرِضَاهُمْ؟؟ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّهَا ابْنَتُكَ وَسَأَلَتْنِي أَنْ أُعِيرَهَا إِيَّاهُ تَتَزَيَّنُ‏ بِهِ فَأَعَرْتُهَا إِيَّاهُ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً مَرْدُودَةً فَضَمِنْتُهُ فِي مَالِي وَعَلَيَّ أَنْ أَرُدَّهُ سَلِيماً إِلَى مَوْضِعِهِ. قَالَ فَرُدَّهُ مِنْ يَوْمِكَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا فَتَنَالَكَ عُقُوبَتِي ثُمَّ قَالَ أَوْلَى لِابْنَتِي لَوْ كَانَتْ أَخَذَتِ الْعِقْدَ عَلَى غَيْرِ عَارِيَّةٍ مَضْمُونَةٍ مَرْدُودَةٍ لَكَانَتْ إِذَنْ أَوَّلَ هَاشِمِيَّةٍ قُطِعَتْ يَدُهَا فِي سَرِقَةٍ قَالَ فَبَلَغَ مَقَالَتُهُ ابْنَتَهُ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَا ابْنَتُكَ وَبَضْعَةٌ مِنْكَ فَمَنْ أَحَقُّ بِلُبْسِهِ مِنِّي فَقَالَ لَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع) يَا بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَا تَذْهَبَنَّ بِنَفْسِكِ عَنِ الحَقِّ أَ كُلُّ نِسَاءِ المُهَاجِرِينَ تَتَزَيَّنُ فِي هَذَا الْعِيدِ بِمِثْلِ هَذَا قَالَ فَقَبَضْتُهُ مِنْهَا وَرَدَدْتُهُ إِلَى مَوْضِعِهِ.».

5- وروى ابن أبي الحديد قصة أخذ الحسين بن علي (ع) رطلاً من العسل من بيت المال على سبيل القرض لضيف نزل به، وما كان من رد فعل أبيه الغاضب لما علم بذلك، وفيما يلي نص القصة:

 «سأل معاويةُ عقيلاً رحمه الله عن قصة الحديدة المحماة المذكورة، فبكى وقال: أنا أحدثك يا معاوية عنه، ثم أحدثك عما سألت، نزل بالحسين ابنه ضيف، فاستسلف درهما اشترى به خبزاً، واحتاج إلى الأدام، فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقاً من زقاق عسل جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلاً، فلمّا طلبها ليقسمها قال: «يا قنبر أظن أنه حدث في هذا الزق حدث». قال: نعم يا أمير المؤمنين، وأخبره، فغضب وقال: «عليَّ بحسين»، ورفع الدرة فقال: «بحق عمي جعفر» - وكان إذا سئل بحق جعفر سكن - فقال له: «ما حملك إذ أخذت منه قبل القسمة؟» قال: «إن لنا فيه حقاً، فإذا أعطيناه رددناه». قال: «فداك أبوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، أما لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل ثنيتك لأوجعتك ضرباً»، ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصروراً في ردائه وقال: «اشتر به خير عسل تقدر عليه». قال عقيل: والله لكأني أنظر إلى يدي عليٍّ وهي على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكي ويقول: «اللهم اغفر للحسين فإنه لم يعلم»(79).

تلك كانت بعض القصص التي يوجد عشرات أمثالها حول تصرّف عليٍّ عليه السلام مع أقربائه وأبنائه بشأن المال العام.

فإذا كان الأمر كذلك فليت شعري كيف يتسنَّى لمدَّعي التشيُّع لعليٍّ عليه السلام الذين يزعمون أنهم يتَّبعونه، أن يزعموا انطباق سلوكهم مع سلوك أمير المؤمنين أو يزعموا أن مذهبهم الذي يطلقون عليه مذهب الشيعة ينتسب لحضرته عليه السلام!

هل يمكن أن يدّعوا أن عليَّاً عليه السلام لم يكن له علم بذلك الخمس الذي يتحدثون عنه أو كان له علم لكنه أهدر حق َّبني هاشم وضيَّع حق أقربائه الثابت وحرمهم بتصرفه ذاك من حقوقهم المالية؟! ذاك الذي لم يكن يرضى أن يظلم نملةً بسلبها حبة شعيرٍ جَلَبَتْها لنفسها ولو أُعطي مقابل ذلك الأَقَالِيمَ السَّـبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا! وذاك الذي كان يقسم بالله العظيم: لَأَنْ يَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ يُـجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ! ومع ذلك يتجاهل هذا الإمام الماجد الكريم حق بني هاشم في الخمس ولا يعطيهم أي امتياز مالي على الآخرين، بل يساوي بينهم وبين عامة المسلمين، ويقول بكل صراحة في هذا الصدد: «إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَمْ أَجِدْ لِوُلْدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى وُلْدِ إِسْحَاقَ فَضْلًا»(80).

أو كما ذكر صاحب كتاب «الغارات» «عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيِّ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا عَلِيّاً (ع) عِنْدَ الْقِسْمَةِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْعَرَبِ وَالْأُخْرَى مِنَ المَوَالِي فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدَةٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَماً وَكُرّاً مِنَ الطَّعَامِ فَقَالَتِ الْعَرَبِيَّةُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنِّي امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ وَهَذِهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَجَمِ؟! فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): وَاللهِ لَا أَجِدُ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فِي هَذَا الْفَيْ‏ءِ(81) فَضْلًا عَلَى بَنِي إِسْحَاق»(82).‏

أما ما قالوه من أن الصدقة حُرِّمت [للأبد] على بني هاشم وعلى ذوي النسب الشريف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذا جعل الله لهم الخمس لتعويضهم عن حرمانهم من الصدقات، فإن هذا الادعاء لا يصدِّقُهُ القرآن وليس هذا فحسب بل إن القرآن ينطق بضده ويثبت أن الصدقة حلال زلال حتى لمن كانوا من أولاد النبي المباشرين، حيث نقرأ قول رب العالمين في كتابه المحكم في سورة يوسف: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ (يوسف/88).

فانظروا كيف طلب أولاد النبي يعقوب المباشرين من عزيز مصر الذي كان في نظرهم شخصا غريباً وربما كان وثنياً وعلى الأقل كان خارجاً عن دينهم وملتهم، ومع ذلك طلبوا منه أن يتصدق عليهم ولم يعتبروا ذلك مخالفاً لكرامتهم أو لكونهم أولاد نبيٍّ من أنبياء الله تعالى. ولابد من ملاحظة عدة نقاط في فهم وتفسير هذه الآية الكريمة:

1- أن طلب التصدق عليهم إنما كان في ذلك الوقت الذي كان أخوهم «بنيامين» قد قُبض عليهم بتهمة السرقة، ولا ريب أن دولة مصر كانت تنظر إلى بني إسرائيل الذين كانوا يخالفونها في الدين والعقيدة بعين العداوة والكراهية.

2- ذكرت في الآية جملة: ﴿ يَا أَيُّهَا العَزِيزُ حتى لا يقول المتشبِّثون بكل حُجَّة إن أخوة يوسف إنما طلبوا الصدقة من أخيهم «يوسف» وأن تصدق ابن النبي على مثله ليس حراماً، بل جاءت كلمة العزيز كما جاءت قبل ذلك في السورة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ [يوسف/30]، مما يبين بوضوح أن لقب «العزيز» خاص برئيس وزراء البلاد ولا علاقة له بيوسف.

3- جاء في الآية الكريمة قيد ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ [يوسف/88]، وهذا القيد والشرط يسري في جميع آخذي الصدقات، ولا ينحصر بأولاد الأنبياء فكل من كان مضطراً ومحتاجاً كان له الحق في أخذ الصدقات أو الاستفادة والارتزاق منها هو وأهله.

4- جاءت في الآية الكريمة جملة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ [يوسف/88] لتدل على أنه عندما يعطِي ابنُ نبيٍّ شيئاً قليل القيمة لشخصٍ فيُجزى عليه فهذا ضرب من التصدّق، كما هو رائج اليوم من أن يقوم الشحاذون من السادة (ذوي النسب الهاشمي) بإعطاء حبة سكاكر أو مُلَبَّس أو تمرة لشخص وينتظرون منه إحساناً مقابل ذلك ولو كان بقيمة تزيد على قيمة حبة الملبس أو التمرة فإن هذا يُعد صدقة عليهم وجائز عليهم أن يأخذوها طالما كانوا مساكين في فاقة واضطرار، وإلا فلا.

5- روح الآية الكريمة تدل على شرف وعلو المُحسن حتى ولو كان دينه باطلاً ودين المُحْسَنُ إليه حقّاً، لأن مقام الإحسان مقام رفيع حتى ولو كان صاحبُهُ كافراً [واليد العليا خير من اليد السفلى].

6- الآية تعلمنا أدب وتواضع الآخذ تجاه المنفِق عليه وأنه ينبغي عليه احترام المحسن إليه.

إذا كان الأمر كذلك فكيف كانت الصدقة بنص القرآن - حلال على أولاد يعقوب الذين هم أولاد مباشرون ليعقوب بن إسحق بن إبراهيم أبي الموحّدين أي كانوا أولاد أنبياء أبا عن جد، ولكنها حرام على أحفاد الحارث وأبي لهب (عبد العُزَّى) بسبب شرف نسبهم رغم أن آباءهم كانوا عباد أصنام مشركين، ووجب لأجل ذلك أن يعطوا من ذلك الخمس الذي يقولون به؟! إن هذا التمييز أيا كان صاحبه مخالفٌ للعقل والوجدان ولشريعة القرآن الحقَّة ولا علاقة له بالنبيّ والأئمّة. والواقع أننا إذا دققنا النظر في قضية حرمة الصدقة على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي اشتهرت استناداً إلى بعض الأحاديث الضعيفة وبحثنا حقيقتها في كتب الأخبار والسيرة لوجدنا أن المسألة ليست على ذلك النحو الذي اشتهر، بل حقيقة القضية أنه في بدء تشريع فريضة الزكاة، لما كان دفع الزكاة أمراً ثقيلاً في البداية على المسلمين الجدد (كما بينا الدلائل على كراهتهم لذلك في كتابنا الزكاة) مما جعل بعض حديثي العهد بالإسلام يحاول الخيانة في هذا المجال بإخفاء أمواله التي كانت تتألف عادة في ذلك الزمن من إبل وبقر وشياه أو أحياناً من أموال نقدية من ذهب وفضة لكي لا يدفع ما يستحق عليه لعامل الصدقات المرسل إليهم من قِبَل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر رسول الله أن يتم أخذ شطر أموال هؤلاء الخائنين إضافة إلى أخذ مال الزكاة منهم كغرامة مالية وعقاب على ما قاموا به من خيانة بشأن الزكاة، وعندئذٍ حَرَّمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاستفادة من هذه الغرامة المالية على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يكن يعطهم منها، ولكن أخذ هذه الغرامة نُسِخَ فيما بعد، كما نجد ذلك واضحاً فيما رواه البيهقيُّ في السنن الكبرى (ج4/ص105): «عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ:«فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الإِبِلِ سَّائِمَةِ ابْنَةُ لَبُونٍ مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا (أي راضياً ومحتسباً أجره عند الله) فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ كَتَمَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ عَزِيمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّكَ لاَ يَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآلِ مُحَمَّدٍ». كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا.»

ثم عقَّب البيهقيُّ على الحديث قائلاً: «وَقَدْ كَانَ تَضْعِيفُ الْغَرَامَةِ عَلَى مَنْ سَرَقَ (أي أخفى أمواله ليتهرَّب من دفع الزكاة ويسرق حق الفقير) فِى ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا».

وقد رُوي هذا الحديث في سنن النسائي (ج5/ص 12)(83) وقال المُحشِّي: «وهذا الحديث منسوخٌ». أي أن أخذ الغرامة وتحريم الصدقة على محمد وآل محمد منسوخان. وتؤيد الشواهد التي ستأتي لاحقاً هذا المدَّعى. فتبيَّن إذن أنه لما كان دفع الزكاة على بعض المسلمين شديداً وغير مستساغ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذها منهم بشدة وقوة حتى ولو استدعى الأمر قتالهم عليها كما شرحنا كل ذلك في كتابنا «الزكاة» ولذلك واحترازاً من أي تهمة باطلة قد يبثها المنافقون وبعض ضعاف الإيمان من أنه صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك ليأكل منهم هذا المال حرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه وعلى آله حتى لا يفسح أي مجال للشيطان ليلقي الشبهة في أذهان البعض بأنه إنما يتشدد كل هذا التشدد في أخذ الزكاة لأنه يريد أن يرتزق منها هو وأسرته وأقرباؤه، ونحن نعلم أنه في ذلك الزمن كان معاش النبيِّ ونسائه وأبنائه يؤمَّن عن طريق الفيء الذي أفاءه الله عليه من أموال بني النضير، ومن غنائم خيبر وأمثالها(84)، إذ إن تلك الأموال كانت أموال الكفار ولم يكن في ارتزاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته منها أي ضغط على المسلمين أو أمر غير مستساغ يثقل عليهم تحمّله، بل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يوظف أقرباءه بوظيفة جباية الصدقات كما مر بيانه من قبل - لشدة احترازه من تلك التهمة.

ولكن بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تعد الخشية من مثل تلك التهمة مطروحةً، لذا رأينا أن تحريم الصدقة على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد فلسفته ومعناه، وصار أهل بيت النبي وأقرباؤه ونساء النبيِّ والأشخاص الذين كانوا يُعَدُّون زمن حضرته من ذوي قرباه يستفيدون من بيت المال ويرتزقون منه كسائر المسلمين رغم أن أحد أهم مصادر أموال بيت المال هي أخذ الصدقات وأموال الزكاة كما تشهد لذلك كتب التواريخ والسِّيَر وتصرِّح به الأحاديث الصحيحة الموثوقة، وسنذكر بعض الشواهد على ذلك في الصفحات المقبلة إن شاء الله، وسنذكر أحاديثَ من كتب الحديث الشيعية المعتمدة تبين أن تلك الصدقات ومال الزكاة إنما كانت محرّمةً على شخص النبيِّ الأكرم فقط وكانت هذه الحرمة سارية أيضاً على الأشخاص الذين كانوا مباشرةً تحت كنفه أي الذين كان صلى الله عليه وآله وسلم يعيلهم وينفق عليهم بوصفهم عياله وأبنائه الذين تجب عليه إعالتهم، كما جاء بيان ذلك في «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي (ج4/ص58، طبع النجف) وفي «الكافي» للكُلَيْنِيّ:

1-«عَنْ حضرة الباقر وحضرة الصادق عليهما السلام قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ أَيْدِي النَّاسِ وَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيَّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا مَا قَدْ حَرَّمَهُ...».

فهذا الحديث يبين أنه إنما حُرِّمت الصدقةُ على النبيِّ لكونها أوساخ أيدي الناس أي ناتجة عن كدهم وعرق جبينهم، لأنه من الممكن أن يرى بعض الناس في أخذ النبيِّ من صدقاتهم أخذه لأجرٍ على رسالته، فكما كان أخذ أي أجر ماديٍّ على رسالته حراماً عليه صلى الله عليه وآله وسلم كذلك كان أخذه لمال الصدقات من أيدي الناس، خاصَّةً أن رسول الله قد أغناه الله بما أفاءه عليه من أموال الكفار لذا كان تحريم أموال الصدقات عليه من خصوصياته التي اختص بها ضمن مجموعة من الأمور الأخرى التي كانت حراماً عليه وحده دون غيره، مما فصلنا بيانه في الحاشية في الصفحات السابقة.


ذكر خصائص النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم

ذكر العلامة الحلي في كتابه «تذكرة الفقهاء» [ج2/ص565، من الطبعة الحجرية القديمة] بعض خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي اختص بها دون سائر أمته فقال ما ملخصه:

فأما الواجبات عليه دون غيره من أمته أمورٌ:

(1) السواك. (2) الوتر. (3) الأضحية. رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ كُتِبَ عَلَيَّ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ السِّوَاكُ وَالْوَتْرُ وَالْأُضْحِيَّةُ(85). (4) قيام الليل لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء/79]. (5) تحريم زوجاته صلى الله عليه وآله اللواتي مات عنهن على غيره تحريماً مؤبَّداً قال الله تعالى: ﴿..وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا [الأحزاب/53]. (6) جواز دخوله المسجد ولو كان جنباً. (7) جواز زواجه من أكثر من أربع كما يدل عليه عدد زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم. (8) جواز النكاح بلفظ الهبة: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا [الأحزاب/50]. (9) وجوب الصلاة عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب/56].

وأما ما سقط من قلم العلامة الحلي وهو من خصائص النبي كما تصرح به آيات الكتاب من أن مراعاة هذا الأمور هي من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم:

ألف- حرمة رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ [الحجرات/2].

ب- عدم جواز مناداة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وراء حجراته المباركة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [الحجرات/4].

ج- تميز نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وافتراقهم عن سائر النساء: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب/32].

تلك كانت بعض الامتيازات والخصائص الخاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما كان لابد من مراعاته زمن حيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إلى ما يتعلق به صلى الله عليه وآله وسلم، أو زمن حيات زوجاته مما كان يتعلَّق بهن من خصائصه. أما بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد انتفى موضوع هذه الخصائص اللهم إلا وجوب الصلوة والسلام على حضرته والذي هو مطلوب من باب الاستغفار والدعاء لجميع المؤمنين المتوفين.

فإذا فرضنا أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سهم خاص من خمس الغنائم أو كان محرَّمٌ عليه أو مكروهٌ عليه أن يأخذ من أموال الزكاة، فإن هذا كان من خصائصه المتعلِّقة بزمن حياته صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعد لها موضوع ومصداق بعد انتقاله إلى ربه، فلا يصل سهم خمسه إلى أحد ولا تسري حرمة الأكل من الصدقة على أحد بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم، أن كل هذه الأمور من خصائصه حال حياته وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزُّمر/30].

الحديث الثاني الذي ينقض حديث حرمة الصدقة على بني هاشم حديثٌ رواه الكُلَيْنِيُّ في «الكافي»(86) والصدوق في «من لا يحضره الفقيه»(87) والطوسي في «التهذيب»(88) بأسانيدهم(89): «...عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ أَعْطُوا الزَّكَاةَ بَنِي هَاشِمٍ مَنْ أَرَادَهَا مِنْهُمْ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَـهُمْ، وَإِنَّمَا تَحْرُمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَعَلَى الْإِمَامِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ.».

الحديث الثالث: في كتاب «المحاسن» لأحمد بن محمد بن خالد البرقي(90) الذي يُعد من كتب حديث الشيعة المعتبرة (ج1/ص145، طبع طهران) حديثٌ عن «عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ [الشورى/23]؟ فَقَالَ: نَعَمْ هُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ وَلَا تَحِلُّ لَهُم‏»(91).

الحديث الرابع: الذي يخالف ويناقض أحاديث حرمة الصدقة على بني هاشم، ما رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب» (ج4/ص61، طبع النجف):

«عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَجَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ لِأَنَّ كُلَّ مَاءٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَهُوَ صَدَقَةٌ.».

حقيقةً لو أن الزكاة كانت محرمة فعلاً على بني هاشم [ولو كانوا فقراء] لما بقي منهم اليوم أحد فوق الأرض ولانقرضوا جميعاً! لأن معظم المؤسسات الخيرية الاجتماعية لا سيما في بلاد الحجاز إنما تأسست من أموال الزكاة، فكل بئر حُفِرَ وكل ماء تم توصيله وكل نُزُلٍ للمسافرين تم بناؤه وكل ما يمكن أن يطلق عليه «في سبيل الله» إنما تم تمويله من مال الزكاة التي أحد مصاريفها «في سبيل الله»، فهل يمكن لنبيّ الرحمة أن يوقع قرابته وذريته في مثل هذا العسر وهذه المشقة والحرمان؟! وإذا قبلنا بأن الله جعل لهم «الخمس» بدلاً من حرمانهم من مال الصدقة، وقد علمنا بما لا يبقي مجلاً للشك بأن الخمس هو من غنائم الحرب فقط، فعندما لا تكون هناك حروب ولا غنائم، فما ذا يكون مصير المساكين من بني هاشم؟؟

الحديث الخامس: رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب» بإسناده عن محمد بن يعقوب الكُلَيْنِيّ ورواه الشيخ المفيد في «المقنعة» بإسناده عن جعفر بن إبراهيم الهاشمي والشيخ الحرّ العاملي في «وسائل الشيعة» (ج2/ص 37، طبع أميربهادر) نقلاً عن الكافي للكُلَيْنِيّ ومضمونه ونتيجته مضمون الحديث السابق من أن جميع المياه والآبار بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ إنما تم تأمينها بواسطة أموال الصدقة والزكاة، فلو كانت الاستفادة من مال الزكاة محرمة على بني هاشم لتدمرت حياتهم وهلكوا!

هذه الأحاديث تناقض وتعارض أحاديث تحريم الصدقة على بني هاشم، ويضاف إليها سيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام في الاستفادة والأكل من مال الزكاة والتي تخالف وتناقض القول بتحريم الأكل من الزكاة عليهم.

ونقول بشكل أساسي إن حرمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنبي هاشم من حق الاستفادة من مال الزكاة ليس عليه أي دليل من كتاب الله. ولم يكن لهذا الموضوع في بداية الإسلام أي جانب تشريعي عام بل كان عملاً مستنداً إلى اختيار النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، الذي لم يسمح لنفسه ولا لأهل بيته أن يأكلوا من أموال الزكاة حال حياته الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم والحكمة من ذلك حسبما يبدو لنا هي أن لا يدع مجالاً لأحد أن يأتي إلى ذهنه أن النبي إنما ادعى الرسالة كي يحصِّل – كما يفعل طلاب الدنيا المال ووسائل العيش والرفاهية لنفسه ولأهله، لا سيما أن أخذ الزكاة كان في بداية الإسلام بمثابة حمل ثقيل على بعض حديثي العهد بالإسلام مما حدا ببعضهم إلى الارتداد عن دينه لهذا الغرض ليخلص من دفع الزكاة، إلى الحد الذي جعل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم - كما أوضحنا ذلك في كتابنا «الزكاة» - يحارب مانعي الزكاة، فيقتل رجالهم ويأسر نساءهم وفرض غرامة مالية على أولئك الذين يتظاهرون بالطاعة والاستعداد لدفع زكاة أموالهم ولكنهم كانوا يخونون بكتمان حقيقة ما يملكونه من أموال، ففرض عليهم غرامة أن تؤخذ نصف أموالهم، ولأجل ذلك كله كان يحترز من أن يأتي لذهن أي أحد من الناس أي تفكير بأنه إنما يفعل ذلك لمصلحته الشخصية ولينفق هذه الأموال على نفسه وعلى أهله وأولاده وقرابته لذا حرم أكل الصدقة على نفسه وعلى آله، ليعرف الجميع أنه إنما يجبي الزكاة لتأمين حاجات الفقراء وليصرفها في «سبيل الله».

ولما لم يكن لمثل هذه التحريمات التي يحرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه -التي ذكرنا نماذج منها في الصفحات الماضية جانب تشريعي عام، ولا كان مما يُطلب من الناس أن يتأسوا به ويتبعوه لذا لا نجد لها أي إشارة إليها في كتاب الله، بل إن القرآن لما رأى أن بعض التحريمات التي حرمها رسول الله على نفسه قد تقتدي به أمته فيها، نهى بصراحة ووضوح عن هذه التحريمات، مثل قصة تحريم النبي العسل على نفسه أو تحريم معاشرة مارية القبطية على نفسه، والتي عاتبه عليها ربه إذ لم يكن فيها أي مصلحة فقال له سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ..﴾ [التحريم/1]، أما سائر التحريمات التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه كتحريمه على نفسه أكل البصل والثوم والكراث النيِّئ وأكل كل ما له رائحة كريهة، والأكل من الصدقة فلم ينهه الله تعالى عنها لأن فيها مصلحة لنفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ويوجد أمثلة ونظائر لمثل هذه الحوادث في أنبياء الأمم السالفة، حيث كان النبي من الأنبياء يحرم أحياناً على نفسه شيئاً لمصلحة أقل بكثير، ولكن هذا التحريم كان يأخذ مع الأسف جانباً تشريعياً ويعتبره أتباع ذلك النبي من الفرائض الواجبة، مع أن النبيَّ لم يقصد أبداً ذلك الأمر.

من ذلك تحريم إسرائيل (أي النبي يعقوب) لحم الجمل على نفسه، لأن الأكل منه كان مضرّاً بسلامته، وفي هذا نقرأ قوله تعالى:﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ..﴾ [آل عمران/93]، ولكن لسوء الحظ أعطى اليهود لهذا التحريم جانباً تشريعيّاً واعتقدوا أنه حكم الله الأبدي فحرموا على أنفسهم أكل لحمل الجمل!!! وهذا التعدي لحدود الله وتجاوزها موجود للأسف في جميع الأمم والملل، وفي هذه المسألة وقع تجاوز كثير في مذهب الشيعة، حتى وصل الأمر إلى أن بعض الأحاديث حرَّمت أخذ مال الزكاة حتى على الشيعيّ، لأنه أخوك ولا ينبغي أن توسخه بزكاة مالك!! تقول الرواية ما نصه: «وَ لْيَكُنْ مَا تُعْطُونَهُ إِخْوَانَكُمُ المُسْتَبْصِـرِينَ مِنَ الْبِرِّ وَارْفَعُوهُمْ عَنِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَنَزِّهُوهُمْ عَنْ أَنْ تَصُبُّوا عَلَيْهِمْ أَوْسَاخَكُمْ أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْسِلَ وَسَخَ بَدَنِهِ ثُمَّ يَصُبَّهُ عَلَى أَخِيهِ؟؟ إِنَّ وَسَخَ الذُّنُوبِ أَعْظَمُ مِنْ وَسَخِ الْبَدَنِ فَلَا تُوَسِّخُوا بِهَا إِخْوَانَكُمُ المُؤْمِنِينَ!!» (من التفسير [المنسوب] للإمام [الحسن العسكري])(92).

جميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو معظمهم كانوا يأخذون معاشهم ويرتزقون من بيت المال الذي كان من مصادره الزكاة:

سنبحث في هذا الفصل نوعين من أخذ الزكاة من قبل الأئمة (الإثني عشر):

الأول: أن حضـرات الأئمة عليهم السلام كانوا أنفسهم يأخذون الزكاة مباشرةً من المعطين لها.

الثاني: أنهم كانوا يقبلون الجوائز والهدايا والعطايا من خلفاء وسلاطين زمانهم.

أما الأخبار حول القسم الأول: فقد روى الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه» والشيخ الطوسي في «التهذيب» قالا: «وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ بَعَثْتُ إِلَى الرِّضَا (ع) بِدَنَانِيرَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ أَهْلِي وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أُخْبِرُهُ أَنَّ فِيهَا زَكَاةً خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ وَالْبَاقِيَ صِلَةٌ فَكَتَبَ (ع) بِخَطِّهِ قَبَضْتُ وَبَعَثْتُ إِلَيْهِ بِدَنَانِيرَ لِي وَلِغَيْرِي وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مِنْ فِطْرَةِ الْعِيَالِ فَكَتَبَ (ع) بِخَطِّهِ قَبَضْتُ»(93).

وقد روى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» هذا الحديث عن «مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ» وذكر إضافة إلى كلمة قبضتُ، كلمة «قبلتُ»(94)، مما يدل على أن الإمام اعتبر المال حقه الخاص لأن كلمة «قبلتُ» تدل على قبول الحقّ.

والخبر الثاني رواه أيضاً الكُلَيْنِيّ في «الكافي»: «عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الحَسَنِ (ع): أَنَّ قَوْماً يَسْأَلُونِّي عَنِ الْفِطْرَةِ وَيَسْأَلُونِّي أَنْ يَحْمِلُوا قِيمَتَهَا إِلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ هَذَا الرَّجُلُ عَامَ أَوَّلٍ وَسَأَلَنِي أَنْ أَسْأَلَكَ فَنَسِيتُ ذَلِكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ الْعَامَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ مِنْ عِيَالِهِ بِدِرْهَمٍ عَنْ قِيمَةِ تِسْعَةِ أَرْطَالِ تَمْرٍ بِدِرْهَمٍ فَرَأْيُكَ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ فِي ذَلِكَ؟؟ فَكَتَبَ (ع): الْفِطْرَةُ قَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ كُلَّ مَا أَدَّى إِلَى الشُّهْرَةِ فَاقْطَعُوا ذِكْرَ ذَلِكَ فَاقْبِضْ مِمَّنْ دَفَعَ لَهَا وَأَمْسِكْ عَمَّنْ لَمْ يَدْفَعْ»(95).

وثمة أحاديث أخرى أيضاً في هذا الباب لا مجال الآن للإطالة بذكرها. ونحن نحمل أخذ الإمام أي الحاكم السياسي والديني في الإسلام لمال زكاة الفطرة ومال الزكاة، على أنه يريد توزيعها على المستحقين لها الذين يعرفهم، كما يُستفاد من الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي في «التهذيب»:

«عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ كَانَ جَدِّي (ع‏) يُعْطِي فِطْرَتَهُ الضُّعَفَاءَ وَمَنْ لَا يَجِدُ وَمَنْ لَا يَتَوَلَّى قَالَ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) هِيَ لِأَهْلِهَا إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَهُمْ فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُمْ فَلِمَنْ لَا يَنْصِبُ وَلَا تَنْقُلْ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ وَقَالَ: الْإِمَامُ أَعْلَمُ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَيَصْنَعُ فِيهَا مَا يَرَى»(96).

هذا على الرغم أنه ليس لدينا دليل من الأخبار حول تقسيم الإمام بنفسه لتلك الأموال على مستحقيها.

 

أما ما كان المعصومون عليهم السلام يأخذونه كحصتهم من بيت المال وما يقبلونه من جوائز الخلفاء وعطاياهم:

1- في قضية تصرف الخليفة الأول في أرض فدك بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نرى أنه لما اشتكت ابنة النبي فاطمة الزهراء عليها السلام من غصبها فدك واعترضت على ذلك بسؤالها: كيف سيكون مصيرها ومعاش أولادها إذا أُخِذَتْ منها فدك؟ أجابها أبو بكر- طبق لروايات نقلها المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص103) طبع تبريز بأن لها حقها كسائر المسلمين من بيت المال، وفيما يلي نص رواية المجلسي: «وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ فَاطِمَةَ (ع) وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ.. يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله قَالَ: لَا نُوَرِّثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ..»(97). مما يثبت ما قلناه من أن الأكل من الصدقة ومن بيت المال جائز وحلال بالنسبة إلى جميع المستحقين للأخذ من بيت المال أيا كان نسبهم أو طبقتهم. وجاء في روايات عديدة أخرى من طرق العامة والخاصة أحاديثُ متفقةٌ تقريباً في لفظها ومعناها تفيد أن أبا بكر قال: «وَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَكَفَى بِهِ شَهِيداً أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرِّثُ ذَهَباً وَلَا فِضَّةً وَلَا دَاراً وَلَا عَقَاراً وَإِنَّمَا نُوَرِّثُ الْكُتُبَ وَالْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ بَعْدَنَا أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ»...»(98).

أي أن ولي الأمر هو الذي يحدد أمر صرف المعاش للمستحقين، فهذا يدل على أن معاش وارتزاق أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله يُعْطى من بيت المال كما يُعطَى سائر المسلمين، ولا يمنع أن فاطمة الزهراء عليها السلام اعترضت على القسم الأول من الحديث الذي رواه أبو بكر أي عبارة «لا نُوْرَث» واحتجَّت على عدم صحته بآياتٍ من كتاب الله، لكنها لم تعترض على القسم الآخر من الحديث أي قوله «إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ» والذي يفيد أن من مسؤولية الحاكم أن يؤمن معاش أسرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد رحيله من بيت المال.

هذا ولما كانت تلك الحادثة قد وقعت في محضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين مدحهم القرآن وأثنى عليهم ولم يعترض أحد منهم على هذا الأمر فإن هذا دليل قاطع أن أبا بكر كان صادقاً ومصيباً فيما رواه، خاصة أننا نرى عامة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد صدَّقوا قول أبي بكر عملياً إذْ كانوا يأخذون عطاءهم من بيت المال الذي أحد مصادر أمواله هو يقيناً وبالتأكيد الزكاةُ والصدقات. وكذلك بعد أن وضع عمر الدواوين كان أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله يأخذون سهمهم من بيت المال.

2- وجاء في جميع التواريخ والسير، ومنها ما نقله المجلسي في المجلد الثامن من بحار الأنوار (ص109)(99) قال: «وكان (عمر بن الخطاب) فرض للعباس خمسة وعشرين ألفاً، وقيل: اثني عشر ألفاً، وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشـرة آلاف عشرة آلاف، إلا من جرى عليها الملك. فقال نسوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفضلنا عليهن في القسمة، فسو بيننا؛ ففعل.»(100).

وفي حديث تقسيم الخمس الذي رواه الكُلَيْنِيّ في «الكافي»(101) بسنده عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (أي الإمام موسى بن جعفر عليه السلام) عبارة: «...فَسَهْمُ اللهِ وَسَهْمُ رَسُولِ اللهِ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم... وَلَهُ نِصْفُ الْخُمُسِ كَمَلًا وَنِصْفُ الْخُمُسِ الْبَاقِي بَيْنَ أَهْلِ بَيْتِهِ فَسَهْمٌ لِيَتَامَاهُمْ وَسَهْمٌ لِمَسَاكِينِهِمْ وسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ فِي سَنَتِهِمْ فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْ‏ءٌ فَهُوَ لِلْوَالِي وَإِنْ عَجَزَ أَوْ نَقَصَ عَنِ اسْتِغْنَائِهِمْ كَانَ عَلَى الْوَالِي أَنْ يُنْفِقَ مِنْ عِنْدِهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ..الحديث»، وبغض النظر عن أن هذا الحديث مجهولٌ ومُرسَلٌ [أي غير صحيح]، فإن عبارته تبين أن للوالي الحق أن يعطي فقراء السادة سهماً من بيت المال [من غير الخمس إذا لم يكفهم الخمس].

3- وكتب المؤرخ اليعقوبي في تاريخه (ج2/ص106) حول موضوع ديوان عمر يقول: «دوَّن عُمَرُ الدواوينَ وفرضَ العطاءَ سنة عشرين، وقال: قد كثرت الأموال. فأشير عليه أن يجعل ديواناً، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف، وقال: اكتبوا الناس على منازلهم. وابدءوا ببني عبد مناف. فكتب أول الناس عليّ بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن عليّ في ثلاثة آلاف، والحسين بن عليّ في ثلاثة آلاف، وقيل بدأ بالعباس بن عبد المطلب في ثلاثة آلاف، وكلّ من شهد بدراً من قريش في ثلاثة آلاف....».

فهذا الخبر يدل على أن الخليفة أعطى جميع الرعيّة بما فيهم بني هاشم سهماً قرَّره لهم من بيت مال المسلمين وقد قبلوا هذا العطاء وأخذوه وكانوا يعيشون منه ويصرفونه، ولم يُسْمع أن أحداً منهم اعتراض على ذلك أن أتى بأي كلام عن حليَّة أو حرمة أموال بيت المال التي تتكون من الصدقات على بني هاشم أو غيرهم.

4- جاء في كتاب «الخراج» لأبي يوسف القاضي (ص43) وفي كتاب «الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص 322): «ففرض [أي عُمَرُ] للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً اثني عشر ألفاً... (إلى قوله):... وفرض للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف،... وفرض للحسن والحسين خمسة آلاف، ألحقهما بأبيهما لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ألفين.. إلى آخر الخبر»(102).

ومن الجدير بالذكر أن هذا التفاضل والتمايز في العطاء بحسب السابقة والمنزلة في الإسلام الذي اعتمده عمر في ديوانه لم يكن صائباً بل كان مخالفاً لروح [المساواة في] الإسلام، ولم يكن مقبولاً، وقد روى المؤرخون أنه ندم على ذلك في آخر عمره وعزم على تبديل سياسة التفضيل في العطاء لكن الأجل لم يمهله(103). وعلى كل حال فالقصد من هذا الشاهد أن بني هاشم كان شأنهم شأن سائر المسلمين يأخذون سهماً من بيت مال المسلمين حسبما قرَّره لهم الخليفة ولم يُسْمَع عن أحد منهم أي كلام حول حرمة مثل هذا العطاء عليهم [رغم أن من مصادره الزكاة].

5- روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» (ج 6/ص 327، طبع النجف) والعلامة الحلي في «منتهى المطلب» (ج2/ص1025) والحميري(104) في «قرب الإسناد» والحر العاملي في «وسائل الشيعة» [ج 17 /ص 214]:

«عَنْ أَبَانٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) عَنْ أَبِيهِ (ع) أَنَّ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (ع) كَانَا يَقْبَلَانِ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ.»

6- روى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الطَّبْرِسِيُّ في كتابه «الاحْتِجَاجِ» (2/298): «عَنِ حضرة الإمام الحُسَيْنِ (ع) أَنَّهُ كَتَبَ كِتَاباً إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَذَكَرَ الْكِتَابَ، وَفِيهِ تَقْرِيعٌ عَظِيمٌ وَتَوْبِيخٌ بَلِيغٌ. قَالَ: فَمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِشـَيْ‏ءٍ يَسُوؤُهُ، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ سِوَى عُرُوضٍ وَهَدَايَا مِنْ كُلِّ ضَرْبٍ»(105). حتى ذكروا أنه كان يبعث إليه بحمل بعير من الطيب والعطور وكان الحسين (ع) يقبلها ويأخذها.

ولعلَّ قائلٍ يقول: إن هذه الأموال التي كان الأئمة والآخرون من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأخذونها من الخلفاء إنما كانت من الخراج والغنائم والجزية، وليست من مال الزكاة. ولكن هذا القول غير صائب لأنه لم يكن للخلفاء في أي يوم من الأيام خزانتان لبيت المال إحداهما لأموال الزكاة والأخرى لأموال الفيء والخراج ونحوهما، بل كانت جميع الأموال تصب في بيت مال واحد.

7- وروى عبدُ الله بن جعفر الحِمْيَرِيّ في كتاب «قرب الإسناد» (ص 45):

«عَنِ‏الحَسَنِ بْنِ ظَرِيفٍ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ (ع) أَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ (ع) كَانَا يُغْمِزَانِ مُعَاوِيَةَ وَيَقَعَانِ فِيهِ وَيَقْبَلَانِ جَوَائِزَهُ»(106).

8- وروى الغزالي في «إحياء علوم الدين» (ج2/ص102، طبعة مصر القديمة): «ولما قدم الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية فقال لأجيزك بجائزة لم أجزها أحدا قبلك من العرب ولا أجيزها أحداً بعدك من العرب، قال فأعطاه أربعمائة ألف درهم فأخذها».

9- وروى أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» (ج16/ص 150) في قصة زواج مصعب بن الزبير من سكينة ابنة حضرة سيد الشهداء عليه السلام:

«زوجه إياها أخوها علي بن الحسين، ومهرها مصعب ألف ألف درهم. قال مصعب: وحدثني مصعب بن عثمان: أن علي بن الحسين أخاها حملها إليه، فأعطاه أربعين ألف دينار.».

أي أن حضرة الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام لما حمل أخته سكينة إلى مصعب بن الزبير [الذي كان والي المدينة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير] أجازه مصعب بن الزبير وأكرمه بمكرمة مقدارها أربعين ألف دينار، فقبل الإمام زين العابدين الجائزة وأخذها.

10 – وروى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج2/ص213):

«قال: أخبرنا علي بن محمد عن سعيد بن خالد عن المقبري قال: بعث المختار إلى عليِّ بن حسين عليه السلام بمائة ألف، فَكَرِهَ أن يقبلها وخاف أن يردّها فأخذها فاحتبسها عنده، فلما قُتِلَ المختار كتب علي بن حسين عليه السلام إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إليَّ بمائة ألف درهم فكرهت أن أردّها وكرهت أن آخذها فهي عندي فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا بن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها.».

11- وروى القطب الراوندي(107) في كتابه «الخرائج والجرائح» (ص 194)، وروى المجلسي في المجلد 11 من البحار نقلاً عن كتاب «كشف اليقين» ضمن بيان معجزات حضرة الإمام زين العابدين عليه السلام فقالوا:

«رُوِيَ أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكَ فَاقْتُلْ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (ع) فَكَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَجَنِّبْنِي دِمَاءَ بَنِي هَاشِمٍ وَاحْقُنْهَا فَإِنِّي رَأَيْتُ آلَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا أَوْلَعُوا فِيهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَى أَنْ أَزَالَ اللهُ المُلْكَ عَنْهُمْ وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ سِرّاً أَيْضاً فَكَتَبَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (ع) إِلَى‏ عَبْدِ المَلِكِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أَنْفَذَ فِيهَا الْكِتَابَ إِلَى الحَجَّاجِ وَقَفْتُ عَلَى مَا كَتَبْتَ فِي دِمَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَقَدْ شَكَرَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ وَثَبَّتَ لَكَ مُلْكَكَ وَزَادَ فِي عُمُرِكَ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ غُلَامٍ لَهُ بِتَارِيخِ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْفَذَ فِيهَا عَبْدُ المَلِكِ كِتَابَهُ إِلَى الحَجَّاجِ فَلَمَّا قَدِمَ الْغُلَامُ أَوْصَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ عَبْدُ المَلِكِ فِي تَارِيخِ الْكِتَابِ فَوَجَدَهُ مُوَافِقاً لِتَارِيخِ كِتَابِهِ فَلَمْ يَشُكَّ فِي صِدْقِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِوِقْرِ دَنَانِيرَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَبْسُطَ إِلَيْهِ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهِ وَحَوَائِجِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ.»(108).

12- وفي كتاب «مستدرك‏الوسائل» [ج 13/ص 178] نقلاً عن كتاب فَتْحِ الْأَبْوَابِ للسَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ طَاوُسٍ: بسنده «عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (ع) عَلَى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَاسْتَعْظَمَ عَبْدُ المَلِكِ مَا رَأَى مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ بَيْنَ عَيْنَيْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (ع). إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ حَاجَاتِهِ وَمِمَّا قَصَدَ لَهُ فَشَفَّعَهُ فِيمَنْ شَفَعَ وَوَصَلَهُ بِمَالٍ».

13- وروى المجلسيُّ في «بحار الأنوار» (ج11/ص2، طبع تبريز) [نقلاً عن كتاب المحاسن للبرقي] قال:

«بَلَغَ عَبْدَ المَلِكِ أَنَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عِنْدَهُ (أي عند الإمام علي بن الحسين زين العابدين) فَبَعَثَ يَسْتَوْهِبُهُ مِنْهُ وَيَسْأَلُهُ الحَاجَةَ، فَأَبَى عَلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ المَلِكِ يُهَدِّدُهُ وَأَنَّهُ يَقْطَعُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ فَأَجَابَهُ (ع): أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ ضَمِنَ لِلْمُتَّقِينَ المَخْرَجَ مِنْ حَيْثُ يَكْرَهُونَ وَالرِّزْقَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ فَانْظُرْ أَيُّنَا أَوْلَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِه...»(109).

فهذه الرواية تدل على أن معاش وارتزاق حضرة الإمام زين العابدين كان في ذلك الزمن من مال بيت المال.

14- روى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج 5/ص111-112):

«أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: لما صار محمد بن علي [ابن الحنفيَّة] إلى المدينة وبنى داره بالبقيع كتب إلى عبد الملك [بن مروان] يستأذنه في الوفود عليه، فكتب إليه عبد الملك يأذن له.. فقدم على عبد الملك بدمشق فاستأذن عليه فأذن له وأمر له بمنزل قريب منه، وأمر أن يجرى عليه نزل يكفيه ويكفي من معه... فلما مضى من ذلك شهر أو قريب منه كلم عبد الملك خالياً فذكر قرابته ورحمه وأمره [عبد الملك] أن يرفع [إليه] حوائجه. فرفع محمد [بن الحنفية] دينه وحوائجه وفرائض لولده ولغيرهم من حامته ومواليه فأجابه عبد الملك إلى ذلك كله.. فلم يبق له حاجة إلا قضاها..».

15- روى النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» [ح (15031)، ج13/ ص178] قال:

«السَّيِّدُ عَلِيُّ بْنُ طَاوُسٍ فِي أَمَانِ الْأَخْطَارِ، نَقْلًا عَنْ كِتَابِ دَلَائِلِ الْإِمَامَةِ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ الْإِمَامِيِّ مِنْ أَخْبَارِ مُعْجِزَاتِ مَوْلَانَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ (ع) ذَكَرَ خَبَراً طَوِيلًا فِي أَمْرِ هِشَامٍ بِإِشْخَاصِهِ وَإِشْخَاصِ أَبِيهِ (ع) إِلَى الشَّامِ وَمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا (ع) إِلَى أَنْ قَالَ (ع) فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِالْجَائِزَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَنْصَرِفَ إِلَى المَدِينَةِ الخَبَرَ».

16- وروى النوري الطبرسي في «مستدرك الوسائل» [ج 2/ ص450، الطبعة الحجرية القديمة](110) قال:

«ابْنَا بِسْطَامَ فِي طِبِّ الْأَئِمَّةِ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ‏ عِيسَى عَنْ أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ لَمَّا طَلَبَ أَبُو الدَّوَانِيقِ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) وَهَمَّ بِقَتْلِهِ فَأَخَذَهُ صَاحِبُ المَدِينَةِ وَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ ذَكَرَ دُخُولَهُ (ع) عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ وَحَبَاهُ وَأَعْطَاهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ شَيْئاً وَقَالَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَا فِي غَنَاءٍ وَكِفَايَةٍ وَخَيْرٍ كَثِيرٍ فَإِذَا هَمَمْتَ بِبِرِّي فَعَلَيْكَ بِالْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَارْفَعْ عَنْهُمُ الْقَتْلَ. قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ وَقَدْ أَمَرْتُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَرِّقْ بَيْنَهُمْ فَقَالَ وَصَلْتَ الرَّحِمَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ الخَبَرَ».

17- وروى الشَّيْخُ المُفِيدُ في كتابه «الاخْتِصَاصِ» [ص 58]:

«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْم