بطلان العلّة التي ذكروها لاختصاص الخمس ببني هاشم

ذكر القائلون باختصاص الخمس ببني هاشم علَّةً لهذا الأمر مفادها أنهم لما كانوا من أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الله تعالى أكرمهم وميزهم عن سائر الخلق فحرَّم عليهم الصدقة، ولما كانت الزكاة – والتي يقال لها أيضاً الصدقات – محرمةٌ عليهم لأنها من أوساخ الناس ولأن في أخذها نوع من الذل وقد أراد الله أن لا يتعرض أولئك القوم الشرفاء المتميِّزون بنسبهم إلى النبيِّ إلى مثل تلك الذلَّة، ومن الجهة الأخرى لما كان بعضهم بحاجة إلى المال، لذا قرر لهم الله تعالى الخمس ليعوض حرمانهم من الزكاة ويحافظ على علو مرتبتهم وكرامتهم وتميزهم.

وهذا الادعاء باطل لعدة وجوه:

أولاً: العلة التي ذكروها باطلةٌ عقلاً لأنه ليس هناك أي ميِّزة وأفضليَّة - من حيث النسب أو العرق أو القبيلة أو العشيرة أو الوطن أو المسكن وأمثالها - لأيِّ فرد على فرد آخر ولا  لأيِّ قوم على قوم آخرين، بل فضيلة كل شخص وتميزه إنما يكون بما كسبه بنفسه، ومثل هذه الفضيلة لا تسري إلى الآخرين ولا تورثُ لأن الفضائل الإنسانية والنفسية ليست مثل مال الإنسان أو متاعه كي تورث عنه وتنتقل من بعده إلى ورثته! أو يهبها ويوصي بها لأقربائه! بل الطريقة الوحيدة لكسب الفضائل والتميُّز هي أن يسعى الإنسان بنفسه ويبذل جهده لتحصيل الكمالات، لا  أن يفتخر بما كان عليه آباؤه وأجداده! وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى دليل أو برهان.

ثانياً: والعلة التي ذكروها باطلةٌ نقلاً، وأول ما يبطلها كتاب الإسلام السماوي القرآن الكريم الذي بيَّن أن من خصوصيات دين الإسلام المبين إلغاءَه للامتيازات الموهومة، وهذا أحد مزايا الإسلام الأساسية وفيما يلي الآيات التي تفيد ذلك:

أ- في مطلع سورة النساء المباركة بين الله تعالى في أول آية منها أن جميع بني آدم ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة وبالتالي فهو يذكرهم بحقيقة أن جميعهم متساوون في الخلق والأصل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء/1].

فالآية دليل واضحٌ وبرهانٌ ساطعٌ على أنه لا يمكن لأي فرد أن يدعي مزية على فرد آخر من جهة آبائه وأجداده ونسبه.

ب- ويقول تعالى في سورة الحجرات:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات/13].

هذه الآية نصٌّ إلهيٌّ صريحٌ بأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، ومثل هذا الأتقى لا  يعلم حقيقته سوى الله وأجره وثوابه عند الله، أما في الدنيا فلا يمكن لأحد أن يعتبر نفسه أتقى وأكرم من الآخرين أو يطالب الآخرين بإعطاء مزية وأفضلية كأجرٍ على تقواه.

ج- وفي سورة الحجرات المباركة ذاتها - ولكأنها سورة خاصة ومستقلة لإلغاء الامتيازات الموهومة التي تعد من آثار الجاهلية - يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات/10].

فبإعلان القرآن للأخوة الإسلامية ألغى الإسلامُ جميع الامتيازات والافتخارات العرقية المبنية على الأوهام والخرافات الجاهلية ونسخ أي تميز بين سيد قرشي وعبد حبشي.

د- وفي السورة المباركة ذاتها يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ [الحجرات/11].

ولما كان العلم بخيرية الإنسان وأفضليته خاصٌّ بالله وحده لذا لا يجوز لأحد أن يفتخر على آخر أو يتعالى عليه ويسخر منه لأنه لا يعلم هل أن الساخر أفضل أم الذي يُسخر منه أم العكس هو الصحيح؟! ففي هذه الدنيا لا يستطيع أحد أن يعلم أي قوم وأي شخص أفضل من قوم أو أشخاص آخرين! وربما تصور بعضهم أن كون الشخص من ذرية نبيٍّ امتيازٌ منحه الله لبعض عباده، كما أن منصب النبوة هو كذلك، لذا لا بد من إعطائهم الخمس الذي هو امتياز خاص من الأموال والضرائب! لكن هذا التصور خاطئ من جميع الجهات لما يلي:

أولاً: إن الخمس الذي أُعطي في مذهب الشيعة الإمامية للسادات ليس لأجل كونهم من ذرية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بل لجهة انتسابهم لهاشم جدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فحتى أبناء أخ هاشم أي أبناء المطلب الذين كانوا بتصديق التاريخ من عباد الأصنام يستحقون الخمس فقط لأنهم من أقرباء رسول الله!!

ثانياً: إن كون الإنسان من ذرية نبي لا يعطيه في الدين الصحيح أي مزية أو فضيلة إذا لم يكن بحد ذاته من أهل التقوى والصلاح! لذلك نجد أن الله تعالى قال في القرآن الكريم لنوح عن ابنه:

﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِن‏ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود/46].

بل يمكننا أن نقول إن ابن نوح مشمولٌ بدعوة نوح على الكفار بالهلاك حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح/26]، فكون الإنسان من ذرية نبيٍّ بل نشأته في بيت نبيٍّ لا تعطيه أي امتياز إذا لم يكن هو بحد ذاته مؤمناً صالحاً، لذا نجد أن حضرة نوح عليه السلام يقول في دعائه واستغفاره:

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ [نوح/28].

ففي دين الإسلام لا تُعطى أيُّ ميزة على الإطلاق لإنسانٍ لمجرد كونه ابناً لنبيٍّ أو من أحفاد نبيٍّ أو نشأ في بيت نبيٍّ، بل الذي يميز الإنسان هو إيمانه وعمله الصالح، كما قال تعالى في سورة آل عمران:

 ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ [آل عمران/68].

ففي هذه الآية الكريمة يلوم الله تعالى بكل صراحة من يفتخرون بأنهم من ذرية إبراهيم ويقول لهم: إن أولى الناس بإبراهيم هم الذين يتبعونه في دينه ويؤمنون به وبهذا النبيّ الخاتم وهذا خطاب لليهود وبني إسرائيل الذين كانوا يعدون أنفسهم من أبناء إبراهيم ويفتخرون بذلك!

وربما تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران/33-34]. فاستدل بمثل هذا الامتياز والاصطفاء على اصطفاء أسرة بني هاشم أيضاً، في حين أن ذلك الاصطفاء كما يدل عليه صدر الآية وسياقها إنما كان للأنبياء من تلك الأسر ولم يكن أبداً امتيازاً لجميع أفراد تلك الأسر، كما نجد الآية التي سبقتها تنفي ذلك، وإلا ففي غير هذه الصورة سيلزم من ذلك أن يكون يهود بني إسرائيل وآل عمران الذين كان عيسى المسيح منهم على نفس درجة سادات بني هاشم أو على الأقل أن يكونوا كذلك بعد قبولهم للإسلام فيشاركونهم في الفضل والشأن والأمر ليس كذلك! هذا إضافة إلى أن الآيات الأخرى في القرآن الكريم تنقض هذا التصور كالآية التي مرت معنا من سورة الحجرات وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران/68] التي تنفي ذلك التصور تماماً.