ختام الكلام في هذا البحث

لقد تبين للقراء الطالبين للحقيقة والمنصفين الذين قرؤوا ما سطرناه فيما سبق من أوراق بدقة وتمعُّن وبروح التجرُّد والإنصاف، أن «الخُمُس» الرائج اليوم بين الشيعة وفقهائهم الذين يعتبرون الخمس واجباً في جميع الأشياء تقريباً وأنه حق حصري للإمام الغائب وبني هاشم، لم يكن له وجود أبداً بين المسلمين زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا زمن أئمة الهدى عليهم السلام ولا أثر له ولا خبر لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والأحاديث الضعيفة التي جاءت عن الأئمة بشأنه إنما تثبته حقَّاً للإمام المعصوم فقط، والأئمة المعصومين عليهم السلام طبقاً لمثل تلك الأحاديث ذاتها بل لما هو أكثر منها وأقوى، قد وهبوا الشيعة ذلك الخمس وأحلُّوه لهم.

والسؤال المطروح اليوم: ماذا كان الدافع وراء تحول الخمس إلى الصورة التي نجده عليها اليوم؟ وأين تصرف الأموال الباهظة التي تتجمع من هذا الطريق – رغم أن الكثيرين يمتنعون عن دفع الخمس – وما مصير تلك الميزانيات الضخمة؟ إذا طالعتم هذا الكتاب وقرأتموه بروح مجردة من الأحكام المسبقة الجائرة لأدركتم ذلك الدافع بوضوح: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر/2].

إن الذي دفعنا إلى تجشُّم عناء هذا البحث الطويل والتتبع والتحقيق المضنِيَيْن في هذا الموضوع وحثَّنا على تحمل المصاعب في تأليف هذا الكتاب الذي سيعرضنا بالتأكيد إلى الكراهية والعداوة من قبل الكثيرين، بل وكَيْلِهِم التُّهَم لنا، ليس سوى – والله شاهد على ما نقول ﴿وكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا] [الرعد/43] – رفع هذه التهمة عن الإسلام وإزالة هذه الثلمة التي ثلم بها الدين، وتنزيه صاحب الشـريعة نبي الإسلام الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان إضافةً إلى جانب نبوته، من أكثر أفراد بني البشـر حكمةً ورحمةً وشفقةً ورأفةً بالناس، من أن يُنسب إليه ظلماً وزوراً أنه اختص ذريته من ابنته وسائر ذوي قرابته القريبين منه والبعيدين وأبناء عشيرته بحقوق مالية خاصة ميزهم فيها عن سائر المسلمين، وفضلهم عليهم بامتياز مالي هو من حيث المادة والمدة أكبر وأطول وأدوم من أي امتياز مالي أعطاه أحد من السلاطين الجبابرة والملوك العظماء لذريتهم وقرابتهم في التاريخ، هذا فضلاً عن أنه لم يؤثر عن أي نبيٍّ من الأنبياء أنه خصص لذريته مثل هذا الحق المالي، الذي يمنح خمس ثروات العالم لأسرة واحدة لا يزيد عدد أفرادها عن نصف الواحد بالألف من مجموع البشـر الذين يعيشون على هذه الأرض، بحيث لو أن هذا الخمس طبق حقيقة لنالَ كلُّ سيد (هاشمي النسب) أكثر من ألف تومان بل عدة آلاف تومان في اليوم الواحد! في حين أن النصف الآخر من هذا الخمس الهائل سيبقى بلا صاحب ولا مالك ويجب (طبقاً لفتوى أولئك الفقهاء الذين أوجبوا دفعه) إما دفنه في الأرض أو إخفاؤه في الصحاري بصورة كنز مدفون إلى أن يظهر الإمام الغائب فيأخذه ويصـرفه! أو أن يوصي به صاحبه أمانةً ووديعةً إلى أشخاص موثوقين كي يسلِّموه بعد آلاف السنين إلى صاحب الزمان!. أو يأخذوه ويرموه في قاع البحر، وأخيراً أقرّ بعضهم مثل المرحوم كاشف الغطاء بأن التصرف به أصبح مشابهاً للتصرُّف بمال الكافر الحربيِّ! وفي مقابل ذلك يعطى الفقراء من غير السادة من الزكاة – [حسب القيود التي وضعها عليها هؤلاء الفقهاء أنفسهم]- ما لا يتجاوز عشـرة إلى خمسة عشـر توماناً في السنة!(208) كما أثبتنا صحة هذا المُدَّعى في كتابنا «الزكاة».

ألا يُعَدُّ مثلُ هذا الأمر أسوأَ تهمةٍ تُوَجَّه لشخص النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأمضـى ضربة توقع بجسد الإسلام العزيز؟ وينبغي أن أُقِرَّ أنَّني كُنْتُ - قبل البحث والتحقيق في هذا الموضوع – أتعجّب وأستغرب من هذا الأمر والحكم غير العادل بل الظالم والجائر وأتألّم له إلى أن وفَّقَني الله تعالى إلى الاهتداء إلى الحقيقة والنتيجة التي طالعتموها بفضل التتبع والبحث والتحقيق في هذا الأمر. والحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.

وهاأنذا أضع كتابي اليوم، بكلِّ أدبٍ واحترام، أمام أنظار أرباب الإنصاف وأولي الألباب، راجياً من العلماء المنصفين والمؤمنين الصادقين أن يطالعوه بدقَّةٍ وبروحٍ مجرَّدةٍ من كلِّ تعصُّبٍ وعنادٍ، فإن رأوا أنَّني أصبتُ في هذا الأمر فليعلموا أن ذلك كان من فضل الله عليَّ «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»، لأنَّني لما عزمتُ على تأليف هذا المختصر لم أتوقع أبداً هذا التوفيق. أما إذا رأوا أنَّني أخطأتُ واشتبهتُ فالله تعالى أكبر شاهد على أنَّني لم أسلك طريق الخطأ عامداً، بل كنتُ على الدوام أتضرع للرب المتعال وأبتهل إليه أن يهديني ويوفقني في هذا الأمر وسألته ذلك في كل الأمور موقناً أنه مجيب الدعاء.

فإذا وقعتُ في بعض الأخطاء فيما ذكرته فليس هذا بمستغرب لأنَّني سلكتُ طريقاً نَدَرَ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى سلوكه وخطوتُ في وادٍ غريبٍ خَطِرٍٍ قلَّما وَرَدَهُ أحد، بل فيما أعلم لم يقدِم أحدٌ بعدُ على مثل هذا البحث الذي قمتُ به! وهذا الوضع بحد ذاته مثير للاستغراب والعجب فرغم أنه يطبع وينشر كل يوم في عالم الإسلام على الأقل عشرات الكتب حول المواضيع الدينية المختلفة، كيف لم يتم البحث والتأليف في مثل هذا الموضوع رغم هذه الأهمية البالغة التي له؟! في حين أن البحث والتحقيق فيه أولى وأوجب من أي موضوع آخر، لأنه له ارتباط مباشر مع حقيقة الدين لأن حقيقة أي دين وصدقه إنما تظهر من تشريعاته وتعاليمه.

اليوم تَبْحَثُ الدنيا المضطربة والمجتمعات الضائعة عن نظام اقتصادي عادل وقد اتجه نصف سكان المعمورة إلى المسلك الشيوعي(209) لأن هذا المسلك المشؤوم يهتم في الظاهر بشكل أكثر بالمسألة الاقتصادية ويدعي أنه يؤمِّن حقوق العمال والفلاحين وأنه ليس فيه مكان للطفيليين والعاطلين، وأن بإمكانه أن يزيل الفقر والبؤس من المجتمعات. أفلا يدعو إلى الخجل أن نقدِّم دين الإسلام المبين الذي ندَّعي نحن المسلمون أنه من جانب خالق العالم وخالق الإنسان بهذه الصورة فنصوِّر زكاته على ذلك النحو وخمسه بذلك الشكل؟؟ ونقول إن هذا هو برنامجه الذي أعدَّه لحل مشكلة الفقر وتحقيق مصالح المجتمع!!؟ في حين أن مطالعةً مختصـرةً لكتاب الله ودراسةً لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته، والتأمل في سلوك مسلمي صدر الإسلام والصحابة الممدوحين في القرآن يُظهر عكس ذلك تماماً.

 وبمعزل عن كل ما مضى إذا وضعنا رأسنا في الرمال كالنعامة وأغمضنا أعيينا عن المتربصين بديننا الشر الملتمسين فيه العيب والنقص وواصلنا حياتنا بهذه الصورة البائسة الذليلة وكنا مصداقاً لقوله تعالى «كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»، فماذا سنجيب الله تعالى ورسوله يوم غداً يوم الفزع الأكبر يوم ينادي رسوله الله في تلك الساعة غاضباً ومخاصما في صحراء المحشر المهيبة كما أخبر الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا [الفرقان/30]، وماذا سنفعل في ذلك اليوم؟

لقد كان دافعنا لهذا العمل الخوف من ذلك اليوم فقط، فنرجو من الله تعالى أن يتقبَّل منا عملَنا هذا ويأجرَنا عليه، إن ربي لغفور شكور. وهو يعلم أننا بذلنا غاية جهدنا بقدر استطاعتنا في طلب الحقيقة! و﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة/286] و﴿إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [فاطر/31].

 

حيدر علي قلمداران

        الهوامش:

(208) هذا الحساب تم زمن تأليف الكتاب أي عام 1347 هـجرية شمسية. (أي 1968م)

(209) كان هذا زمن تأليف المؤلف لكتابه عام 1968م حيث كانت الشيوعية في أوجها، أما اليوم فقد انحسرت الشيوعية عن معظم أصقاع العالم وَلَفَظَهَا معظم أهلها ورموها في مزابل التاريخ. (المترجم)