مصرف سهم الإمام عليه السلام

تبيَّن مما مرَّ معنا من مباحث أنه حتى لو فرضنا جدلاً صحة الأخبار الموجبة للخمس في أرباح المكاسب (مع أن الواقع أنها جميعاً ضعيفة) فإن هذا الخمس خاصٌّ بالإمام عليه السلام فحسب، وفتاوى أقدم فقهاء الشيعة كانت على ذلك، وحتى عديد من المتأخرين أيضاً ذهبوا إلى مثل هذا القول، أي أنه لما حلَّل الأئمة عليهم السلام «الخُمُس» للشيعة فقد سقط عنهم أداؤه لهذا السبب ولأسبابٍ أخرى أيضاً.

أما بالنسبة إلى الفقهاء الذين يرون أن أداء هذا الخمس واجبٌ أو أنه أداءه أقرب للاحتياط وأولى، فما هي مصارف هذا الخمس في نظرهم؟

من الذين يرون أن إخراج الخمس واجب أو أقرب للاحتياط ظاهراً الفقهاء بعد الشيخ المفيد:

1- يقول الشيخ المفيد في المقنعة (ص46) بعد ذكر اختلاف الشيعة في موضوع الخمس ما نصُّه: «و قد اختلف قومٌ من أصحابنا في ذلك عند الغيبة وذهب كل فريق منهم فيه إلى مقال فمنهم من يسقط فرض إخراجه لغيبة الإمام وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار. وبعضهم يوجب كنزه وتناوَلَ خبراً ورد أن الأرض تظهر كنوزها عند ظهور القائم مهدي الأنام وأنه (ع) إذا قام دله الله سبحانه وتعالى على الكنوز فيأخذها من كل مكان. وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستحباب، ولست أدفع قرب هذا القول من الصواب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر (ع) فإن خشي إدراك المنية قبل ظهوره وصى به إلى من يثق به في عقله وديانته ليسلمه إلى الإمام (ع) إن أدرك قيامه وإلا وصى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان (عج). وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم! لأن الخمس حقٌّ وجب لغائب لم يرسم فيه قبل غيبته رسماً يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه أو التمكن من إيصاله إليه أو وجود من انتقل بالحق إليه. وجرى أيضاً مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند عدمه سقوطها ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك ويجب حفظها بالنفس والوصية بها إلى من يقوم بإيصالها إلى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف. وإن ذهب ذاهب إلى صنع ما وصفناه في شطر الخمس الذي هو حق خالص للإمام (ع) وجعل الشطر الآخر في يتامى آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأبناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم تبعد إصابته الحق في ذلك بل كان على صواب. » (207).

2- نقل الشيخ الطوسي في «التهذيب» (ج4/ص 147-148) عبارة الشيخ المفيد السابقة عينها مؤيداً لها ومتبعاً لها بحذافيرها وكتب في آخرها يقول أيضاً: «وَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي شَطْرِ الخُمُسِ الَّذِي هُوَ خَالِصٌ لِلْإِمَامِ (ع) وَجَعَلَ الشَّطْرَ الْآخَرَ لِأَيْتَامِ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ وَمَسَاكِينِهِمْ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يَبْعُدْ إِصَابَتُهُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ بَلْ كَانَ عَلَى صَوَابٍ » .

ولا يخفى أن قول الشيخ الطوسي هذا إنما يتعلق بخمس غنائم دار الحرب، أما خمس المكاسب والأرباح فهو خاصٌّ بالإمام كما دلَّت عليه الأخبار.

3- وقال المحقق الحلي في «شرائع الإسلام» (ص52) حول سهم الإمام، بعد أن أورد الآراء المختلفة في باب الخمس: «الرابعة: ما يجب من الخمس يجب صرفه إليه مع وجوده. ومع عدمه، قيل: يكون مباحاً، وقيل: يجب حفظه ثم يوصِي به عند ظهور إمارة الموت، وقيل: يدفن، وقيل: يصـرف النصف إلى مستحقيه ويحفظ ما يختص به بالوصاية أو الدفن.».

4- وقال العلامة الحلي في «منتهى المطلب» (ج1/ص 555): «واختلف علماؤنا في الخمس في حال غيبة الإمام فأسقط قوم عملاً بالأحاديث الدالة على ترخيصهم عليهم السلام لشيعتهم فيه ومنهم من أوجب دفنه لما روي أن الأرض يخرج كنوزها عند ظهوره عليه السلام ومنهم من يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على وجه الاستحباب ومنهم من يرى عزله فإن خشي من الموت وصى به إلى من يثق بدينه وعقله ليسلمه إلى الإمام إن أدركه وإلا وصى به كذلك إلى أن يظهر واختاره المفيد رحمه الله قال لأنه حق مالك لم يوسم فيه ما يجب الانتهاء إليه فوجب حفظه وجرى مجرى الزكاة عند عدم المستحق فكما لا يحكم بسقوطها ولا التصرف فيها بل وجب حفظها بالنفس والوصية فكذا هنا. قال رحمه الله وإن ذهب ذاهب إلى ما ذكرناه في النصف الخالص في الإمام وصرف النصف الآخر في مستحقه من يتامى آل محمد صلى الله عليه وآله ومساكينهم وأبناء سبيلهم على ما جاء في القرآن كان على جواز وهذا الأخير اختيار شيخنا أبي جعفر الطوسي وأبي الصلاح وابن البراج.».

5- وقال المرحوم الملا محمد تقي المجلسـي (الأول) في شرحه على «من لا  يحضره الفقيه» الموسوم بـ «لوامع صاحبقراني» (ج2/ص51) ما نصه:

«لا بد من حفظ مال الإمام وإيداعه لدى الثقات العدول كي ينتقل من يد إلى يد حتى يصل ليد الإمام صلوات الله عليه عند ظهوره. وقال بعضهم يجب دفنه لأن الأحاديث وردت بأن الأرض تخرج كنوزها عند ظهوره عليه السلام. وقال بعضهم بل يرميه في البحر.». إلى أن قال: «أما أخذه من أصحاب الأموال فنقول لهم إن هذا من باب الاحتياط، ويحتمل ألا يكون أداء الخمس أو العشر واجباً عليكم، ولكن عند الأداء تكون براءة الذمة ثابتةٌ يقيناً » .

أقول: حقاً كم هو حسنٌ هذا القول: إما أن يُعطي الناسُ «الخُمُس» على سبيل الاحتياط! أو الأفضل أن يرموه في البحر!! مرحى لهذه الآراء!!!

6- وقال المرحوم الميرزا القمي في كتابه «غنائم الأيام» (ص386): «هناك اختلافٌ شديدٌ في كلام الأصحاب بشأن الخمس» ثم ذكر قول الشيخ المفيد وأقوال الآخرين القائلين بسقوط إخراجه في عهد الغيبة.

7- وقال المرحوم محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه «سؤال وجواب» (ص55)، بعد إجابته عن سؤال حول إعطاء سهم الإمام للمجتهد: «أما اليوم فقد صار مال الإمام سلام الله عليه کمال الکافر الحربي ينهبه کل من استولی عليه فلا حول ولا قوة إلا بالله.».

 

الهوامش:

(207) الشيخ المفيد، المقنعة، ص 285 – 287. (المترجم)