في مصرف الخمس وسهم الإمام في زمن الغيبة

اتضحت لأهل التحقيق وطلاب الحقِّ، مما سبق بيانه، حقيقة قضيَّة «الخُمُس». فأصل الخمس في بداية الأمر كان ذلك الخمس الذي يؤخذ من غنائم دار الحرب ويوزَّع على ذي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وكان لفقراء بني هشام سهم منه أيضاً تحت إشراف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعطي منه من شاء منهم. ثم تطور الأمر تدريجياً حيث أدخلوا فيه بعض الأموال التي فيها الزكاة مثل المعادن والركاز (الكنوز المدفونة) ونتائج الغوص، ثم بعد ذلك تم تعميمه إلى جميع الأموال والأرباح التي يكسبها الإنسان. ولكن ورغم كل ذلك فقد تبين لنا من الأحاديث التي أوردناها أن الأئمة عليهم السلام أباحوا في النهاية كل ذلك الخمس لشيعتهم وحللوه لهم. ولكن أولئك الذين هم أكثر كاثوليكيةً من البابا والذين ينطبق عليهم المثال: المَلِكُ وهبَ وسامحَ ولكن الشيخ علي خان لا يُسامِحُ! بقوا مصرين على وجوب أداء الخمس من جميع الأشياء المذكورة ومن غنائم الحرب كذلك. لكنهم لما واجهوا إشكالاً بشأن خمس أرباح المكاسب الذي نصت الروايات على اختصاصه بالإمام، وهو أن الإمام الآن غير موجود ولا سبيل للوصول إليه لإعطائه هذا الخمس، وقع بينهم الاختلاف وتفرقت آراؤهم في ذلك.

فرأى بعضهم أن إعطاء الخمس لم يَعُدْ واجباً أصلاً:

1- جاء في كتاب «تجديد الدَّوَارِس» الذي يعتبر من أحدث الكتب الفقهية التي دونت في زماننا (ج5/ص311) النص التالي: «اختلف الأصحاب (يعني فقهاء الشيعة الإمامية) في حكم الأخماس زمن الغيبة وانقطاع السفارة إلى عدة أقوال، منها أن «الخُمُس» لا يتعلق بشيءٍ من الأموال التي بأيدي الشيعة. وقد نسب كلٌّ من الشيخ المفيد في «المقنعة» والشيخ الطوسي في «النهاية» وفي «المبسوط» هذا القولَ إلى بعض علماء الشيعة، والظاهر من كلام «الديلمي»(200) في «المواسم» هو هذا القول. وقد ذهب المرحوم المحقق السبزواري صاحب «ذخيرة المعاد» أيضاً إلى هذا القول » .

(ولقد ذكرنا آراء علماء الشيعة في هذا الخصوص في الصفحات الماضية).

2- وجاء في كتاب «مصباح الفقيه» للمرحوح الحاج «آقا رضا الهمداني» (ج3/ص158) ما نصه: «نظير هذا الاستدلال في الضعف ما عن الذخيرة (للمحقق السبزواري) من الاستدلال له بالأصل، بدعوى أنه لا دليل على ثبوت الخمس في زمن الغيبة لأنه منحصرٌ بالآية والأخبار ولا دلالة لشـيءٍ منهما عليه، أما الآية فلاختصاصها بغنائم دار الحرب المختصة بحال الحضور دون الغيبة مع أنها خطاب شفاهي متوجه إلى الحاضرين خاصةً والتعدية إلى غيرهم بالإجماع إنما يتم مع التوافق في الشرائط جميعاً وهو ممنوع في محل البحث، فلا تنهض حجةٌ في زمان الغيبة...».

وقد نقل المرحوم السبزواري قول الشيخ في النهاية في هذا الباب ثم قال:

«ولو أن إنساناً استعمل الاحتياط وعمل على الأقوال المقدم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوماً فأمّا التصرف فيه على ما تضمنه القول الأول فهو ضد الاحتياط والأولى اجتنابه حسب ما قدمناه، ويظهر من كلامه (أي من كلام الشيخ الطوسي) تجويز القول الأول (أي التحليل وجواز التصـرُّف في الخُمُس) ونحوه.».

ثم عاد وذكر أن الشيخ الطوسي لم يرتضِ هذا القول في كتابه «المبسوط» ورأى أن العمل بالدفن أو الوصاية ليس به بأس!!

وفيما يلي نص ما قاله الطوسي في كتابه «النهاية» (ص 200، طبع بيروت):

«أما في حال الغيبة، فقد رخَّصوا لشيعتهم التصـرُّف في حقوقهم مما يتعلّق بالأخماس وغيرها فيما لا بدّ لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن.فأمّا ما عدا ذلك، فلا يجوز له التصرُّف فيه على حال. وما يستحقُّونه من الأخماس في الكنوز وغيرها في حال الغيبة، فقد اختلف قول أصحابنا فيه، وليس فيه نصٌّ معيَّنٌ إلا أن كلَّ واحد منهم قال قولاً يقتضيه الاحتياط.».

ثم ذكر قول من يقول بوجوب حفظ هذا الخمس جانباً فإذا حضـرته الوفاة، وصَّى به إلى من يثق به من إخوانه..، وقول من يقول يجب دفنه، وكما هو مُلاحظٌ قول الشيخ مضطرب في هذا الأمر.

3- قال المرحوم الشيخ يوسف البحراني في المجلد 12من كتابه «الحدائق الناضرة» تحت فصل بعنوان (الأقوال في حكم الخمس في زمن الغيبة) ما نصُّه:

«الثاني - القول بسقوطه! كما نقله شيخنا المتقدم (أي الشيخ المفيد) في صدر عبارته، وهو مذهب سلّار على ما نقله عنه في المختلف وغيره، قال بعد أن ذكر المنع من التصرف فيه زمن الحضور إلا بإذنه عليه السلام: وفي هذا الزمان قد حللونا بالتصرُّف فيه كرماً وفضلاً لنا خاصة. واختار هذا القول الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة(201) وشيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، وسيجيء نقل كلاميها ومستندهم فيه أخبار التحليل المتقدمة. وسيجيء الكلام معهما فيه إن شاء الله تعالى، وهذا القول مشهور الآن بين جملة من المعاصرين.»(202).

4- وقال العلامة الحلي في «مختلف الشيعة» (ج2/ص31): «احتج ابن الجنيد بأصالة البراءة، وبما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة » (203).

ثم قال المرحوم الحلي بعد ذلك بصفحات (ص 39): «احتج القائلون بالإباحة كسلار وغيره بالأحاديث الدالة على الإباحة، وقد سبقت. وبما رواه حُكيم مولى بني عبس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...﴾ [الأنفال/41] قال: هي والله الإفادة يوما بيوم، إلا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا. وإذا أباحوا في حال ظهورهم ففي حال الغيبة أولى... » (204).

5- وقال المرحوم الشيخ المفيد في «المقنعة» (ص 46) وهو يحكي اختلاف الشيعة بشأن وجوب دفع الخمس زمن غيبة الإمام: «قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَدِيثِ الخُمُسِ عِنْدَ الغَيْبَةِ وذَهَبَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِيهِ إِلَى مَقَالٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يُسْقِطُ فَرْضَ إِخْرَاجِهِ لِغَيْبَةِ الإِمَامِ (ع) بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الرُّخَصِ فِيهِ مِنَ الأَخْبَارِ..».

6- وقال المحقق الحلي رحمه الله في كتابه «شرائع الإسلام» (ص 35): «الثاني: في كيفية التصرف في مستحقه (أي مستحق الخمس) وفيه مسائل:.......

الثالثة: ثبت إباحة المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة، وان كان ذلك بأجمعه للإمام أو بعضه، ولا يجب إخراج حصة الموجودين من أرباب الخمس».

7- ونقل صاحب الحدائق (ج12/ص442) عن صاحب المدارك قوله: «والأصح إباحة ما يتعلق بالإمام عليه السلام من ذلك خاصة، للأخبار الكثيرة الدالة عليه..»(205).

8 – وقال الشيخ الطوسي في «التهذيب» (4/142) في الرد على الإشكالات المتعلقة بالخمس ما نصه: «أَمَّا الغَنَائِمُ والمَتَاجِرُ والمَنَاكِحُ ومَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِمَّا يَجِبُ لِلْإِمَامِ فِيهِ الخُمُسُ فَإِنَّهُمْ (ع) قَدْ أَبَاحُوا لَنَا ذَلِكَ وسَوَّغُوا لَنَا التَّصَرُّفَ فِيه.» ثم أورد بعد ذلك أخبار التحليل.

9- وبحث المرحوم الملا محسن الفيض الكاشاني في كتاب «المفاتيح» موضوع الخمس والاختلاف فيه وتحليله للشيعة من قِبَل الأئمة عليهم السلام، وقال في آخر بحثه: «الأصح عندی سقوط ما یختص بهم علیهم السلام لتحلیلهم علیهم السلام ذلک لشیعتهم » .

وقد فصَّل هذا الرأي في كتبه الأخرى: مثل «الوافي» و«المحجَّة البيضاء» و«النخبة الفقهية» بشكل واف.

10 – ونقل صاحب «رياض المسائل» القول بالتحليل عن العماني والإسكافي ثم أيَّد هذا القول وصوَّبه.

11- وقال المرحوم المجلسي الأول (محمد تقي) (1070هـ) في شرحه على «من لا يحضره الفقيه» (ج2/ص51) في موضوع تحليل الخمس: «ذهب جماعة إلى سقوطها جميعاً بقرينة قول الإمام هَلَكَ النَّاسُ‏ فِي بُطُونِهِمْ وفُرُوجِهِمْ إلا الشيعة، وعبارة «بطونهم» تدل على جميع الأشياء، كما قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا  تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ [البقرة/188].».

12 – قول المرحوم الشيخ حسن [صاحب المعالم] ابن زين الدين الشهيد الثاني في كتابه الشريف «منتقى الجمان»(ج2/ص145) الذي أوردناه فيما سبق والذي يبين ذهابه إلى إباحة الخمس وعدم وجوبه [في عهد الغيبة](206).

13 – قول المحدث الجليل عبد الله بن صالح البحراني الذي نقله صاحب «الحدائق الناضرة» وقال: «یکون الخمس بأجمعه مباحاً للشیعة وساقطاً عنهم فلا یجب إخراجه علیهم».

نكتفي بما ذكرناه من أقوال من ذهب إلى عدم وجوب الخمس زمن الغيبة.

 

الهوامش:

(200) يقصد الشيخ: حمزة بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني، أبو يعلى، الملقب بسلار أو سالار (المتوفى سنة 463هـ)، في كتابه «المراسم العلوية والأحكام النبوية»، كما مرت الإشارة إلى ذلك ص 241 من هذا الكتاب فراجعه. (المترجم)

(201) قال المحقق السبزواري في «ذخيرة المعاد» (ج 1 ق 3 / ص 492، من الطبعة القديمة): «... وقد ذكرنا سابقاً ترجيح سقوط خمس الأرباح في زمان الغيبة والمستفاد من الأخبار الكثيرة السابقة في بحث الأرباح "كصحيحة الحرث بن المغيرة النضري وصحيحة الفضلاء وصحيحة زرارة وصحيحة علي بن مهزيار وصحيحة ضريس وحسنة الفضيل ورواية محمد بن مسلم ورواية داود بن كثير ورواية الحرث بن المغيرة النضري ورواية معاذ بن كثير ورواية إسحاق بن يعقوب ورواية عبد الله ابن سنان ورواية حكم مؤذن بني عبس إباحة الخمس ( مطلقاً ) للشيعة". لكن يبقى على القول به إشكالات منها أن التحليل يختص بالإمام الذي يصدر منه الحكم إذ لا معنى لتحليل غير صاحب الحق فلا يلزم عموم الحكم وجوابه أن ظاهر التعليل بطيب الولادة المذكور في بعض الأخبار والتصريح بدوام الحكم في بعضها وإسناد التحليل بصيغة الجمع في بعضها يقتضى تحقق التحليل منهم (ع) جميعاً ويكفى في ثبوته إخبار بعضهم (ع) بذلك وقد أشار إلى ذلك المحقق وغيره».

(202) الشيخ يوسف البحراني (1186هـ)، «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة»، قم: مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين، قام بنشره الشيخ على الآخوندي. ج12/ ص 438-439. (المترجم)

(203) العلامة الحلي (726هـ)، «مختلف الشيعة»، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1413هـ. ج3 / ص314. (المترجم)

(204) المصدر السابق، ج3 / ص 351. (المترجم)

(205) جاء هذا القول لصاحب «مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام» في آخر كتاب الخمس على النحو التالي: «والأصح إباحة ما يتعلق بالإمام عليه السلام من ذلك خاصة، للأخبار الكثيرة الدالة عليه، كصحيحة علي بن مهزيار، قال : قرأت في كتاب لأبي جعفر عليه السلام من رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: "من أعوزه شيءٌ من حقي فهو في حل".». ثم أورد أخبار التحليل، ونقل أقوال وأراء فقهاء الشيعة في هذا الموضوع ثم ختم ذلك بقوله: «و کیف کان فالمستفاد من‌ الأخبار المقدمة إباحة حقوقهم من جمیع ذلک». (المترجم)

(206) ونص عبارته: «لا يخفى قوة دلالة هذا الحديث على تحليل حق الإمام عليه السلام في خصوص النوع المعروف في كلام الأصحاب بالأرباح فإذا أضفته إلى الأخبار السالفة الدالة بمعونة ما حققناه على اختصاصه عليه السلام بخمسها عرفت وجه مصير بعض قدمائنا إلى عدم وجوب إخراجه بخصوصه في حال الغيبة وتحققت أن استضعاف المتأخرين له ناشئٌ من قلّة التفحص عن الأخبار ومعانيها والقناعة بميسور النظر فيها .». (المترجم)