المقدِّمة

﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الحَقَّ (النساء/171)

ميَّز اللهُ الإنسانَ وحدَه عن جميع كائنات الكرة الأرضية من جمادات ونباتات وحيوانات بالعقل والذكاء واختصَّه بالقدرة على التمييز بين الأمور. وهذه الميّزة هي التي منحته القدرة المنفردة على تسخير الطبيعة واستغلال ثرواتها وذخائرها، فأخضع جميع كائنات الأرض البسيطة لسيطرته وجعلها مطيعة له. أجل لقد منح هذا الامتياز الإنسان تسلطاً على الكائنات والموجودات الأخرى في هذا العالم فاستغلها لمنافعه أو استخدمها لتحقيق أغراضه وأهوائه واستفاد منها في تلبية حاجاته وتحقيق آماله، ونتيجةً لذلك توسَّع في رغباته يوماً بعد يوم. ولكن من الجهة الأخرى أدت هذه الميّزة والخاصيّة التي اختُصَّ بها الإنسان إلى قلقه الروحي واضطراب وجدانه حتى فقد راحة البال وسلبت عنه السكينة والطمأنينة، لأنه رغم استطاعته، بفضل امتلاكه لمزية الذكاء والتفكير هذه، أن يدرك حقيقة كثيرٍ من الأمور التي قد لا تدركها الموجودات الأخرى، إلا أن نور عقل الإنسان – مهما كان قوياً - يبقى شعلةً ضعيفة مثلها مثل مصباحٍ صغير أعطي لسائرٍ في وسط صحراء الوجود المظلمة المترامية الأطراف، كي يستكشف بها طريق عيشه ومعاده البعيد والطويل ويقطعه بسلام.

فالإنسان الذي يحركه دافع حب السيطرة على العالم والوقوف على جميع أسرار الكون، يجد نفسه بهذه الوسيلة الضعيفة التي مُنِحت له غير قادرٍ على تحقيق مناه. لأن سعة عالم الوجود وتعقيد أسراره أكبر بكثير من أن يستطيع الإنسان بعقله المجرَّد وتفكيره الذي يشبه الساق الكسيرة العرجاء أن يدركها. رغم ذلك يبقى الإنسان دائماً في حالة سعي وتلاطم وبحثٍ واستكشافٍ للأسرار. وهذه الحالة تسيطر أحياناً بشكل مفرط على بعض الناس فتجعلهم أسرى للأوهام والعواطف التي يعرف الجميع ما تؤدي إليه من جنون. هذا المد والجزر الروحي والصعود والهبوط العقلي والبحث يمنةً ويسرةً بالعاطفة والمنطق جعلت الإنسان في مسرح الحياة وفي معمعة أعمال معيشته تختلط أفعاله الحكيمة بأفعاله الجنونية وتمتزج ببعضها حتى لكأن الطبيعة تسخر منه وتستهزئ به أو تمزح معه.

وأياً كان الأمر فإن هذا الإنسان يعيش في بحثٍ وسعيٍ دائبين كي يصل إلى شيءٍ يُسَكِّن روحه الهائجة المضطربة ويهدِّئُ ذهنه المشوش المتزلزل. ويبدو أنه لو حقق أمله هذا فإنه سيؤمِّن أيضاً حاجاته الجسمية التي توقعه باستمرار -من بداية حياته وحتى نهايتها- في متاعب ومشقات، أو على الأقل ستصبح حياته أسهل إذْ من البديهي أن راحة الجسم مرتبطةٌ تماماً براحة الروح وسكينتها.

إن ما يطرحه تاريخ البشرية الطويل أمامنا بشأن هذه الحالة الإنسانية هو أن الإنسان خلال عمره الطويل قد وصل بعد سعيه الحثيث لتحقيق ذلك الهدف المنشود [سكينة الروح وطمأنينة النفس] إلى تلك الظواهر التي تُعرف باسم الأديان وخلّفها لنا. جميع أديان العالم بدءاً من المذاهب والنحل الأسطورية القديمة ومروراً بالأديان الحيَّة الموجودة حالياً تعكس هذه الحقيقة.

إن هذا الإنسان لم يستطع أن يعيش في هذه الدنيا لحظةً واحدةً دون دينٍ وعقيدةٍ وإذا بحثنا بدقةٍ وجدنا على وجه اليقين أن ارتقاء وانحطاط كل أمة وشعب ناتجٌ مباشرةً عن دينه ونحلته التي يتبعها في حياته. ذلك لأن الأديان التي أخذت على عاتقها قيادة المجتمعات البشرية المختلفة في العالم لا تنبع جميعها من مصدرٍ واحد وحتى لو كان مصدرها واحداً فإن آراء وأهواء أتباعها أو أغراضهم تدخَّلت بشكل مباشر أو غير مباشر فقامت بتحريفها وحرفها عن مسارها وغالباً ما أدّت هذه الأغراض والأهواء إلى نتائج عكسية ومضرة.

إذا نظرنا بعين الإنصاف والبحث والتفكير العميقين نجد أن دين الإسلام المقدس وحده - من بين جميع أديان العالم الحية أو البائدة – هو أوضح الطرق وأسهلها وأكثرها منحاً للطمأنينة والسكينة لهذه البشرية التي تقف اليوم على مفترق طريقي الفناء والبقاء بأرجلها المرتجفة وقلبها الخائف قلقةً بشأن مستقبلها ومتحيرةً في طريقها، إذ يمكن للإسلام أن يأخذ بيد جميع المجتمعات البشرية إلى طريق النجاة الواسع والفلاح الكامل، وهذا الادعاء إنما يمكن تصديقه إذا درس الباحث سائر أديان العالم دراسةً معمّقةً وقرأ بدقَّةٍ آراء العلماء المنصفين المتعمِّقين في أمور الدنيا من كل أمةٍ وشعبٍ حول هذه القضية وحلَّل وجهات نظرهم وألقى نظرةً أيضاً على المدارس الفكرية الموجودة والأنظمة السياسية لشعوب العالم المختلفة. والشرط الثاني لتصديق هذا الادعاء أن يتعرَّف الباحث على دين الإسلام من منابعه الأصلية وعلى رأسها وأساسها القرآن الكريم وسنة الرسول الكريم المتواترة التي عاشها نبي الإسلام الكريم خلال ثلاثة وعشرين عاماً من فترة نبوته المضيئة، أي أن يتعرَّف على الإسلام من مصدريه الأصيلين ومنبعيه النقيين قبل أن يختلط هذا الدين بالآراء والأهواء التي دخلته بعد نصف قرنٍ أو قرنٍ من غروب شمس الرسالة المحمدية حتى أصبحت الرسالة ميداناً واسعاً لحملات كل مغرضٍ وبدع وأمراض أرباب الأهواء والنزعات.

إن دراسةً ولو مختصرة لتاريخ العالم تظهر بشكلٍ لا يقبل الجدل أن ظهور الإسلام كان أعظم حادثةٍ مرت على حياة البشرية وغيَّرت مسيرها واتجهت بها نحو الرقي والتعالي فانتشلتها من مستنقع الهلاك إلى أرفع مقامٍ من الحضارة والإنسانية وارتقت بجسمها وروحها إلى أعلى مقامٍ يليق بهذا الإنسان وأرفعه.

لقد أنقذ الإسلام جسم الإنسان بتخليصه من الأعمال الشاقة لحمل أثقال طاعة الجبابرة أو مشقات الرياضات الروحية القاسية لتعاليم الأحبار والرهبان كما أنقذه من رجس وخبائث الأطعمة والأشربة وهداه إلى الراحة والرفاه بطيبات ملذات الحياة من طعام ونكاح، كما أنقذ الإسلام روح الإنسان التي كانت مكبلة بقيود الشرك والوثنية وأسيرةً للخضوع لكائنات حية من أمثاله أو للفراعنة والجبابرة وعبادتها فحرَّرها من تلك العبوديات وعرج بها إلى مجالسة الملائكة الكروبيين في الملأ الأعلى، وأوصل كرامة الإنسان وشرفه إلى مقام مسجود الملائكة الذي سُخِرت له الكواكب السماوية وكائنات عالم الوجود كلها(1) فعليه أن يعرف قدر نفسه وأن يطوي سير كماله بالتوجه إلى ذات خالق العالم ويسعى إلى لقاء رب الوجود جاعلاً هذا الهدف نصب عينيه حيث بُشِّر بلذَّات النفس والروح إلى ما لا يمكن تصوره وبالرضوان الإلهي الذي يوصله إلى عندية الذات اللامتناهية التي هي غيب الكمال ويمنحه نعماً وبركاتٍ أخرى لا تُحصى ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا..﴾ (إبراهيم/34).

ولكن واحسرتاه، وواأسفاه، لم تمضِ عدة سنوات على غروب شمس النبوَّة حتى انبعثت من جديد تلك الآفات ذاتها التي كانت تتعقب هذه البركات على الدوام، ونبت التقليد والتعصب لنحلة الآباء والأجداد من سبخة الجاهلية المالحة فصار كالأعشاب الضارةِ التي تحيط بورود روضة أزهار الشريعة الأحمدية لتخنقها من كل حدبٍ وصوب وتضيّق على أزهار التعاليم الإسلامية وتعكّر أنظار عقلاء العالم الذين كانوا مبهوتين من عظمة الإسلام، فتسحب أنظارهم تلك نحو أوهامها المظلمة... وهكذا بدأت تصعد غصون وأوراق تلك الأعشاب والنباتات المُرّة الضارة وتغطي بأوراقها شجرة الدين المبين الطيبة وتلتف حولها فتكاد تخنقها.

حتى أصبح من الصعب بمكان على كثيرٍ من الخبراء والمتخصصين اليوم أن يميزوا الحق من الباطل والصالح من الطالح وابن الحلال من ابن الحرام بل حتى تمييز الكفر من الإيمان أصبح صعباً أيضا وغير يسير! وإذا صرفنا النظر عن المسائل العقائدية والإيمانية - حيث يشكل التوحيد قاعدة الإسلام وحقيقته التي لوثتها مع الأسف الشديد [الأعمال والعقائد الشركية] - ونظرنا فقط إلى فروع الإسلام وأحكامه العملية: نجد كثيراً منها قد طُمِسَت حقيقته فمثلاً:

إحدى تعاليم الإسلام الأصيلة والعظيمة والرفيعة فريضة «الزكاة»، حيث أن العمل بهذه الفريضة الإلهية كفيلٌ بحل مشاكل الحرمان والحاجة الاجتماعية والإنسانية التي لا مفر منها في الحياة في هذا العالم.

فقد حدَّد الله تعالى للمسلمين في كتابه السماوي المجيد ميزانيةَ الزكاة لتأمين مصاريف ثمانية أقسامٍ من حاجات المجتمع فأمر بصرفها للفقراء والمساكين كي يستطيعوا العيش بكرامته، ثم للعاملين على جمعها ثم للمؤلفة قلوبهم الذين يميلون نحو حقيقة الإسلام ثم للمفلسين الذين ركبتهم الديون كي ينجوا من ذلك الوضع الذي وقعوا فيه، ثم للعبيد حيث أن العبودية كانت عاراً حلّ بالبشرية فأراد الإسلام بهذه الوسيلة أن يرفع هذا العار تدريجياً، ثم أمر بصرفها في قضاء جميع الحاجات الاجتماعية للبلدان الإسلامية وفي الجهاد وفي كل ما فيه قوة وصلاح لمجتمع المسلمين حسب مقتضيات الزمان من تعبيد للطرق وتعميم وتسهيل للتربية والتعليم وإعداد وسائل الصحة والعلاج وبناء السدود والجسور وسائر الإصلاحات الاجتماعية من هذا القبيل، وفي النهاية أمر بصرفها لتأمين خاطر أبناء السبيل المسافرين الذين تقطَّعت بهم السبل لمساعدتهم في العودة إلى بلدانهم. وقد جاء في أكثر من مائة آية من آيات القرآن المجيد الأمر بالإنفاق مما رُزِقه الإنسان أي مما كسبه من عمله وتجارته وغلات أرضه ومواشيه والمعادن وغيرها. قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ...﴾ (البقرة/254) و﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ..﴾ (البقرة/267) و﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ...﴾ (البقرة/3) وأمثالها. ولكن يد الفضول والجهل والهوى والغرض لعبت بهذه الميزانية العظيمة فحصرتها في تسعة أشياءٍ أكثرها لم يعد رائجاً بين أبناء البشر في زماننا.

لم يبقَ من هذه الأشياء التسعة سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر تُزرع بكميات كبيرة في مناطق من الدنيا ونصابها أيضاً يصل إلى قرابة /1000/ كيلوغرام، فإذا أخذنا تكاليف الزراعة بعين الاعتبار ثم قمنا بحساب ما سيدفعه الذين يشملهم وجوب أدائها، وحسبنا ذلك طبقاً للوثائق والمستندات الحكومية كما ذكرناه في كتابنا عن الزكاة حيث بيّنا أننا [طبقاً لما يذكره هؤلاء الفقهاء] لو طبقنا زكاة الغلات الزراعية الأربعة في إيران وافترضنا أن جميع الغلات كانت لشخصٍ واحدٍ وأنه أدى زكاته بشكل كامل وافترضنا أنه لا يوجد من بين كل ألف شخص من المسلمين سوى /25/ فقيراً فقط، فإن هذه الزكاة التي يذكرونها لو أعطيت لهؤلاء الفقراء وقُسمت بينهم تقسيماً عادلا لما نال كل واحد منهم سوى نصف ريال أو ريال واحد!! نعم ريالٌ واحد في اليوم( 2 )!!

هل يُصَدَّق أن ربَّ العالمين قرَّر مثل هذه الزكاة لتأمين حاجات الفقراء وسائر أصناف المحتاجين؟! هل تعلمون ما هو مستند الفقهاء الذين أفتوا بمثل هذه الزكاة ودعوا الناس إليها؟ إنهم صرفوا النظر عن جميع آيات كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة مسلمي صدر الإسلام التي تبيّن بوضوح أن الزكاة كانت تؤخذ من جميع المحاصيل والمداخيل والإيرادات الناتجة عن غلات الأراضي الزراعية والبساتين والحقول وعن المواشي وأرباح التجارة والكسب والإيرادات الناجمة عن استغلال المعادن والمراتع والأموال المخلوطة بالحرام والكنوز، وتعلقوا بعدد من الأحاديث والروايات الضعيفة المذكورة في كتب الأحاديث والأخبار، والتي يرويها، لحسن الحظ أو لسوئه، أسوأ الرواة سمعةً... فمثلا يستند القول بانحصار الزكاة في الأشياء التسعة في كتب حديث الشيعة إلى ستة أحاديث خمسة منها مروية عن أحد أسوء رواة الأخبار سمعةً وهو «علي بن فضال» الذي قال عنه صاحب السرائر( 3 ): «عليُّ بن فضّال ملعونٌ ورأس كل ضلال هو وأبوه»( 4 ). وقد بيّنا حال «علي بن فضال» في كتابنا (الزكاة) بشكلٍ مفصل وسنذكر مختصراً عن حاله في هذا الكتاب، وهو لم يكن شيعياً إمامياً بل كان في بداية أمره فطحيَّ المذهب ثم انتقل إلى القول بإمامة جعفر الكذاب وكان من الضالين وهو من قادة الفقهاء القائلين بانحصار الزكاة في الأشياء التسعة.

هذه هي إحدى الفرائض الإسلامية العظيمة التي شُوِّهت حقيقتها وصارت تُعرض بهذه الصورة في دنيا اليوم المتعطشة إلى صيغة اقتصادية صحيحة.

هكذا لعبوا بسائر الفرائض والقوانين والأحكام الإسلامية حتى خرجت جميع أحكام الإسلام المحيية للمجتمعات والكفيلة بتأمين سعادتها من دائرة العمل وأصبحت نسياً منسياً، إلى الحد الذي وصل الأمر فيه إلى أننا إذا أردنا اليوم أن نطبق تلك الأحكام بل حتى إذا تكلمنا بشأنها حَكَمَ علينا المُتَسَمُّون بالمسلمين المنتسبون إلى الإسلام بالزندقة والابتداع في الدين!

والأمر ذاته وقع مثلاً على «صلاة الجمعة والجماعة» حسبما أرادها صاحب الشريعة، وعلى «الحج» واجتماع عموم أغنياء المسلمين ولو مرةً في العمر لتحقيق ذلك المؤتمر الإسلامي، وعلى «الجهاد» وإعداد مقدماته من أسلحةٍ وآلات عصرية وسائر الأمور وإعداد القوى النظامية وتعليم الأتباع والأطفال والنساء فنون الدفاع وحفظ بلاد الإسلام ونصرة الأخوة في الدين والقيام بالفريضة الهامة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ومنع البدع وإحياء السنن المتروكة وتسليم الأراضي المفتوحة عنوةً إلى مال «سندات التمليك» وأخذ الخراج وإعطاء الأراضي لمن يمتلكون الأهلية والاستعداد لعمارتها واستثمارها وأخذ ريعها لصالح بيت مال المسلمين و... و... و...

والأهم والأعظم من كل ذلك هو أمر «الحكومة الإسلامية» وانتخاب وتعيين القائد السياسي للإسلام الذي يُسمَّى بلغة الفقهاء الإمام كي يقوم بتطبيق أحكام القرآن وتنفيذها.

إذا أراد المسلمون اليوم أن يسعوا إلى تطبيق أيٍٍّ من تلك الأمور والأحكام بصورتها الحقيقيَّة سارع أعداء شريعة سيد المرسلين الحقيقيون الذين يتسمى بعضهم لسوء الحظ باسم العلماء والمراجع إلى الحكم على من يريد تطبيق تلك الأحكام بالكفر والزندقة والخروج من الدين! ولا يقتصر الأمر على إدانة من يريد تطبيق تلك الأمور بل يتعدّاه إلى إدانة من يتكلّم بوجوبها وربّما حكموا بقطع لسانه وحرقه في النار!!

ومن الناحية الأخرى تم إحداث وتقوية البدع الرائجة والضلالات الموجودة والخرافات الشائعة والأوهام المتبعة مثل عبادة الأشخاص ورفع بعض مشاهير رجال الإسلام إلى مصاف الآلهة أو أبناء الله مما يفوق شرك الجاهلية، وابتداع مراسم وطقوس عزاء غير مشروعة وتوسلات شركية وزيارات للمراقد خاطئة تشبه تردُّد المجوس وأهل الجاهلية إلى معابد النيران والأصنام، وتعمير المشاهد على القبور وتزيين الأضرحة وترغيب الناس بالاعتكاف بها والإقامة عندها وكله مما نهى عنه العقل والشرع، ووقف الأرضي على مثل تلك الأمكنة والبقاع لتقوية تلك المزارات وتزيينها، وإحياء التفاخر بالنسب والعرق والقومية التي حاربها الإسلام بكل قوَّة وشدَّة، وتعيين حقوق ومزايا خاصة لِنَسَبٍ خاص (بنو هاشم) ومن جملة ذلك «الخمس» الذي شاع بين الشيعة الإمامية بنفس القوة والشدة التي شاعت بها البدع الأخرى بل بقوَّةٍ أشد...

إن «الخمس» بنص القرآن الصريح وطبقاً لسنة نبي آخر الزمان الواضحة ولسيرة عامة المسلمين اسمٌ للخمس الذي يؤخذ من غنائم الحرب التي تقع بين المسلمين والمشركين وتعود لجيش المسلمين المجاهد، فللحاكم وقائد تلك الحرب أن يأخذ خمس الغنائم ثم يوزع أربعة أخماسها الباقية طبقاً لشريعة الإسلام على المجاهدين. هذا «الخمس» تحول إلى ضريبة ظالمةٍ تؤخذ لا من أموال المشركين بل من عرق جبين الشرائح الغنية والفقيرة من شيعة أمير المؤمنين المخلصين الأوفياء وكدِّ يمينهم، تأخذها طبقة من الطفيليين الذين لا يرحمون حتى الضعفاء من أمثال الحمّالين ونجّاري الحطب أو الذين يعملون بغزل الخيوط فيأخذون منهم هذه الضريبة بعد أن يخوِّفوهم من عذاب الله إن لم يؤدوها لهم، ليديروا بها مجالس السرور والانبساط لعدد معين من الناس. ويتشـبثون بأن زكاة الأغنياء - التي هي عبارة عن عشر الغلة الزراعية الخالصة للقمح والشعير والزبيب والتمر أو واحد من أربعين جزء من البقر والأغنام السائمة (غير المعلوفة) والتي ينبغي القول إنه لم يعد لها وجود اليوم [لأن كل الأنعام والمواشي صارت تُعْلَف]، ومن الذهب والفضة المسبوكة المسكوكة التي لم يعد أحد يتعامل بها اليوم -، محرمةٌ على السادات (عنوان لم يكن له وجود في الإسلام أصلاً) ولا يصدِّق القرآن مثل هذا الادعاء.

ولما كان دين الإسلام وأحكامه لجميع أهل الدنيا فإن حكم الخمس يشمل جميع الأموال ومكاسب المسلمين بل جميع مكاسب وإيرادات جميع أهل الدنيا وجميع المعادن والثروات الطبيعية في الأرض بما في ذلك النفط (البترول) وجميع الكنوز والدفائن في العالم، وباختصار جميع ما له عنوان المال والقيمة، فكل ذلك يجب أن يؤدى خمسه من أي نوع كان ليُعطى لطبقة خاصة ذات امتياز كي يقوم الشيخ أو ما يُسمَّى بالمرجع بصرف نصفها في أمور لا يسأل عنها ويعطي النصف الآخر إلى مساكين السادة [أي الأشراف من بني هاشم] وأيتامهم وأبناء السبيل منهم (مع أن هؤلاء يمكنهم أن يستفيدوا من الزكوات والصدقات من أمثالهم من الأشراف وأحياناً من غيرهم أيضاً). وَيُعْطَوْنَ منه حتى لو كانوا أغنياء، وفي الواقع يبقى المساكين والفقراء من أصحاب هذا النسب في مأمن من الفقر والعوز جميع حياتهم!! حيث يقوم السيد [أي الهاشمي أو علوي النسب] بأخذ المال سنةً بعد سنة حسب حاله كي يعيش كل سنته مرتاح البال وينشغل بتكثير نسل الكسالى والمتواكلين أمثاله!

لو أدِّيت هذه الضريبة الباهظة والعجيبة لأمكن أن توفر دخلاً عظيماً وموائد متنوعة دسمة وفرشاً فاضحة ومخزية لطبقة معينة معدودة! ولو تم دفع الخمس من جميع الأموال في بلد مثل إيران لا يُعَدُّ غنياً جداً من حيث مداخيله ويُعَدُّ من أغنى البلاد من ناحية وجود السادات فيه، بل لو لم يؤدَّ فيه إلا خمس المعادن فقط، لنال كل سيد [أي الهاشمي أو علوي النسب] ألف تومانٍ( 5 ) يومياً. وقد يُقال إنه كلما زاد الإنفاق على هذه الشريحة في المجتمع فإنهم سيصرفونها في الأمور الاجتماعية ذات النفع العام، لكن فتوى فقهاء الشيعة الكبار صريحة في تحريم إعطاء أحد من هذا المال إلا لهذه الشريحة فقط [أي الهاشميين] ولا يمكن صرفه في أي أمر آخر، كما سنبين فتاواهم في هذا الأمر في كتابنا هذا عن قريب.

وأما إنفاق النصف الثاني الذي يؤخذ باسم سهم الإمام، فبغض النظر عن عدم وجود شيء تحت هذا العنوان في شريعة الإسلام الحقة وأنه في صدر الإسلام لم يكن أي مسلم يعطي أحداً من أئمّة الإسلام - سواء كان إمامتهم حقة أم باطلة - ديناراً واحداً باسم سهم الإمام، ولم يكن يصرفه في ذلك، ولسوء حظ هذا الإمام، إنه لا يستفيد شيئاً من هذا الخمس المأخوذ باسمه: أي أنه لا وجود لإمام ظاهر حتى يستفيد منه لأن مال الشخص هو لأجل مصاريفه الخاصة به.

بمعزل عن أن أكثر فقهاء الشيعة القدماء لم يوجبوا دفع مثل هذا المال بل لم يوجبوا دفع الخمس كله إذْ اعتبروا أن الخمس أصبح زمن الغيبة مباحاً للشيعة وحلالاً لهم، إلا أنه طبقاً لفتوى بعضهم يجب دفعه احتياطاً، أي أنهم أعملوا عقلهم وفكرهم وخرجوا بفتوى تقول إنه لا بد من أن يعزل المسلم سهم الإمام عن ماله ويضعه جانباً وينتظر ظهور حضرة القائم كي يقدّمه له فور ظهوره! فإن لم يظهر الإمام الغائب حال حياة المسلم وجب عليه أن يوصي عند احتضاره بتلك المبالغ التي حفظها إلى وصيه الأمين كي يقوم بدفعها للإمام الغائب إذا تمكَّن من لقائه، وإلا وجب على الوصيِّ أن يفعل مثل ذلك أيضاً عند احتضاره بأن يوصي بهذه الأموال لوصيه الأمين وهكذا تتوالى الوصية بهذا المال جيلاً بعد جيل لعلَّ أحد الأوصياء ينال ذلك الفضل العظيم بتمكُّنه من دفع مال الإمامة الذي تمَّ حفظه خلال مئات السنوات بل ربّما آلاف السنوات إلى صاحبه الأصلي وإيصال الحق لمن له الحق؟ هذا أحد الطرق!

وأما الطريق الثاني فهو أسهل وهو أن يقوم المسلم بدفن سهم الإمام في صحراء أو بادية ما حتى يظهر الإمام الغائب فيستدعي تلك الدفينة ويأتي بها كي يصرفها في مصارف فترة الإمامة التي تصل إلى سبع سنوات أو على أكثر تقدير أربعين سنة (مدة إمامة حضرة المهدي حسب الروايات والأخبار سبع سنوات وبعضها ذكر أنه أربعين سنة).

والطريق الأفضل والأسهل والأكثر اطمئناناً أن يرمي بتلك الأموال في البحر إذ يُخشى إذا دفنها في الصحراء أن يكتشفها أحد الأحياء فيأخذها، أما عندما ترمى في البحر فإنها تصبح باستقرارها في قاعه بمأمنٍ السرقة فتبقى في قعر البحر إلى أن يظهر الإمام فيصرفها!.

هل تدركون ما هي نتيجة هذا الحكم العظيم الذي تفتقت عنه عقول مروجي الدين المبين ونسبوه ظلماً لشريعة السماء الإلهية التي جاء بها سيد المرسلين؟

إن معنى هذا الحكم أن كل سنة لا بد من إلقاء خمس كل درهم من الثروة الموجودة على سطح الأرض في البحر كي يأتي الإمام الغائب بعد عدة آلاف من السنين فيأخذ هذه الثروة الهائلة من قعر البحر (ليصرفها فترة إمامته التي يُقال إن المعاملات فيها ستكون بالصلوات ولن يحتاج أحدٌ فيها لدرهم ولا دينار) ربما ليبني بها ناطحات سحاب من ذهب وفضة!!

لذلك جزى الله خيراً المشايخ ومراجع التقليد في عصرنا الذين قدموا لإنفاق هذه الميزانية العظيمة حلا آخر – رغم أن الخمس لا يُؤدَّى بشكل كامل لأنه يستند إلى خطأ يدرك بطلانه من له أدنى شعور – إذ يعطيه أكثرهم لطلاب العلوم الدينية رغم أن أكثرهم من العاطلين الباطلين الذين يعملون على ترويج تلك الأباطيل والبدع ذاتها التي سبق ذكرها. أما لو عمل الناس بفتوى ذلك الفريق من الفقهاء القدامى الذين اقترحوا رمي ذلك السهم من المال في البحر لأصيبت أسماك البحر بالشقاء ولزكمت غلاصمَها بتراكم الفضة والذهب من سهم الإمام!

إذا كان تحمل كل تلك الفضائح الناجمة عن قلة العقل وشدة الجهل وتلوث المذهب الذي ابتلي به المسلم الشيعي ممكناً، فإن ما لم يُطِقْ وجدانُنا تحمُّلَه وما نراه فضيحةً وعاراً كبيراً هو أن ننسب وضع تلك الفتوى أو الحكم لِـلَّهِ الحكيم، وننسب تبليغه للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو رحمة للعالمين.

هذا في حين أن ذلك النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد أمره ربُّه بنص آيات القرآن الكريمة وتبعاً لنهج جميع الأنبياء أن لا يسأل على رسالته أجراً من أحد وأن لا يأخذ - احترازاً ومن باب الاحتياط - ديناراً من مال مسلم ليصرفه على حاجاته وحاجات عائلته، وقد قامت سيرته العطرة في جميع مراحلها على ذلك النهج والطريقة الحكيمة الرفيعة. هذا بعكس ما يدعيه هؤلاء الذين ينسبون إليه أنّه أعدَّ لورثته ميراثاً أبدياً وافياً من مال المسلمين ترثه منه ذريته وعشيرته وأقربائه من بعده إلى يوم القيامة، مما لم يقم بمثله أي سلطان جبار أو فرعونٍ جائر في كل التاريخ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (النور/16).

إن ضجرنا ونفورنا من أن ينسب مثل هذا الأمر لِـلَّهِ ورسوله وأن توصم حقيقة الدين بمثل هذا الأمر هو الذي حفزنا على أن نخوض غمار هذا البحث رغم معرفتنا بالمخاطر التي سيجلبها علينا ذلك وبآثاره الوخيمة التي ستصيبنا من قبل المغرضين والجاهلين، لكننا لم نستطع أن نسكت ونضغط على أسناننا ونكظم غيظنا ونحبس ألمنا في صدورنا ونحن نرى بأم أعيننا هذه الجريمة ترتكب أمام ناظرينا فنقف صامتين متفرجين بل نهضنا لبحث هذا الموضوع كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة المسلمين لنضع أمامك أيها القارئ العزيز هذا البحث المختصر إن كنت طالباً للحق وباحثاً عن الحقيقة كي ترى منصفاً ماذا فعلوا بشريعتك التي هي عين حياة سعادتك في الدارين؟! ومن هذا النموذج ستدرك أي مصائب وكوارث أوقعوها بهذه الشريعة! عسى أن تنهض أنت أيضاً وتقوم بالبحث والتحقيق بقدر وسعك في دينك العزيز لتنقذه من مخالب حراس الطلاسم والسحر والخرافات كي تصل قبل حلول أجلك لمنبع الحقيقة فترحل عن هذه الدنيا إلى الحياة الأبدية برفقة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع جميع مسلمي العالم. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو مؤسس شريعة الإسلام المقدسة لم يجمع في جميع مدة حياته ديناراً ولا درهماً ولم يأخذ لنفسه من أحدٍ حبةً أو فلساً باسم خمس الأرباح أو يختصها لنفسه بوصفه إمام المسلمين أو يعطيها لأهل بيته الطاهرين، ورغم أن الوضاعين نسبوا إليه كثيراً من الأكاذيب حتى قام في زمن حياته فقال: «قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»( 6 ) رغم ذلك لم نجد، لحسن الحظ، حديثاً واحداً بل نصف حديث ولو موضوعاً ومكذوباً لدى جميع المسلمين يفيد أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمثل هذا الخمس من مكاسب الناس وأرباحهم!

والواقع أن ظهور هذه البدعة يعود إلى قرنٍ ونصف بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث وضعها الغلاة والكذابون من أمثال «علي بن أبي حمزة البطائني» و«علي بن فضال» الضال المضل و«أحمد بن هلال» و«سهل بن زياد» و«سماعة بن مهران» و«علي بن مهزيار» الذين كانوا يعدون أنفسهم ممثلين ونواباً للأئمة المعصومين فكانوا يأخذون ذلك الخمس بهذه الحجة من شيعة الأئمة. وسنطلع في هذا الكتاب على الهوية الحقيقية لأولئك الرواة.

لكن الذي أدى إلى حيرة فقهاء الشيعة هو أن هناك أحاديثَ عن خمس غنائم الحرب وهذا «الخُمْس» كان يؤخذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أموال المشركين التي يتم غنيمتها في الحرب وربما كانت عائلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستفيد من ذلك المال حال حياته الشريفة، واستناداً إلى تحوُّل كلمة «الخُمْس» التي هي رقمٌ كسري معروف، إلى حقيقة شرعية معناها ذلك «الخُمْس» الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه يأخذونه من المسلمين من قيمة بعض المعادن والكنوز وأمثالها من باب الزكاة، ثم أصبحت مثل هذه المسائل من المسائل التي ابتلي بها المسلمون فكانوا يسألون فقهاء زمانهم مثلا: كم يجب أن ندفع زكاة المعادن كالنفط والكبريت والنحاس والحديد؟ فكان كلُّ واحدٍ من الفقهاء يجيب سائليه في ذلك الزمن بفتوى حسب رأيه، فاشتبه الأمر على الفقهاء، حيث أن الإمام مالك يقول أن زكاة المعادن والركاز هي العشر والشافعي يقول إنها الخمس.

وكذلك سأل بعض الشيعة من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم عن هذه المسائل وأجاب أولئك الكرام بأنه الخمس. مثل هذه الأحاديث أدت إلى أن يخلط بعض الناس زكاة المعادن التي مقدارها الخمس ومصارفها هي مصارف الزكاة عينها بالخمس الذي مصارفه مصارف خمس غنائم الحرب، وإلا فإن الأئمة لم يخترعوا شريعة في مقابل شريعة سيد المرسلين ولم يقولوا بأي حكم سوى ما بيّنه القرآن المجيد وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونسبة مثل هذا الأمر والعياذ بالله إلى الأئمة الكرام أسوأ ألف مرة من قتلهم بالسيف والسنان لأنه في مثل هذه الصورة يجب اعتبارهم مدّعين لنبوة جديدة بعد خاتم الأنبياء والعياذ بالله أو محرفين لكتاب الله ومثل هذه العقيدة والقول كفر صريح.

إذا كان أساس الدين كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كتاب الله وسنة رسول الله لا يعرفان شيئاً من مثل هذا الخمس الذي يتكلمون عنه وإلا فإن طريق الضلال واسعٌ!

ومن عجائب الأمور أنه عندما قمت بإظهار هذه الحقيقة في إحدى مدن إيران الكبيرة احتجَّ أحد علماء هذه الديار ممن يرتدي العمامة والعباءة وله أصحاب وأنصار بأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذ من المسلمين في زمنه خمس أرباح المكاسب فعلَّة ذلك أنَّ المسلمين كانوا حينها في غاية الفقر والحرمان ولذلك لم يكن بينهم أي شخص يشمله حكم وجوب أداء الخمس!

وهذا القول أشبه بالهذيان منه بالبرهان، والتفوُّه به من قبل شخص عالمٍ يتطلَّب جرأةً وجسارةً، لأن هذا الشخص يعلم تمام العلم بحكم القرآن وآياته الصريحة وسنة رسول الله المتواترة أن سيد الكائنات عظيم البركات صلى الله عليه وآله وسلم كان يأخذ الزكاة والصدقات زمن حياته من المسلمين رغم أن للزكاة نصاب محدد فهي لا تشمل إلا أغنياء الأمة، فمثلاً لا بد أن يكون مقدار المحاصيل الزراعية زائداً عن قرابة طن من الغلة حتى تجب على صاحبه الزكاة وكذلك من يملك أقل من أربعين رأساً من الغنم لا تجب عليه الزكاة وكذلك من يملك أقل من عشرين مثقالاً من الذهب المسكوك أو مائتي مثقال من الفضة المسكوكة لا تجب عليه زكاتها، وهذا كله بعد مضي الحول. هذا في حين أن الخمس الذي يتكلمون عنه يشمل كل حمال وبقالٍ وجامع حطب وامرأة تغزل الخيوط على نولها ولو كان ما يزيد على مصروفها اليومي نصف ريال فقط ولا يشترط فيه مضي الحول بل يجب أداء الخمس بمجرد الحصول على نصف الريال الفائض عن الحاجة، غاية ما في الأمر أنه يحق لمالكه أن يدفعه بعد المؤونة. فهل أولئك المسلمين الذين كانت تشملهم الزكاة زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن منهم شخصٌ واحدٌ يشمله مثل هذا الخمس الذي يتحدثون عنه؟! أجل هذه هي حجّة أولئك الذين يهربون من الحق ويضطرون للتوسل بمثل هذا الهذيان.

نسأل الله تعالى أن ينقذ الإسلام من تلك المفتريات.

وآمل أن تُظهرَ مطالعة هذا الكتاب الحقيقة كما هي لأنظار أولي الألباب.

إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

حيدر علي قلمداران

 

     الهوامش:

 (1) كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً..﴾ (لقمان/20) وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء/70) (المترجم).

(2) هذا الحساب كان حين تأليف المؤلف للكتاب أي عام 1347هـ شمسية. (أي 1968م).

(3) صاحب السرائر هو الفقيه محمد بن إدريس الحلي، من كبار فقهاء الإمامية في القرن السادس الهجري وصاحب كتاب السرائر الذي عُرِفَ فيه بآرائه الجديدة الجريئة في الفقه وانتقاده لمن سبقه من الفقهاء، توفي سنة 598هـ. (المترجم)

(4) انظر ابن إدريس الحلي، كتاب «السرائر» (ج1/ص495) حيث قال في معرض تعليقه على روايتين مرسلتين: «وراوي أحدهما فطحي المذهب، كافر ملعون، وهو الحسن بن الفضال، وبنو فضال كلهم فطحية، والحسن رأسهم في الضلال..». (المترجم)

(5) هذا الحساب تم زمن تأليف الكتاب أي عام 1347 هـجرية شمسية. (أي 1968م)

(6) الكليني، أصول الكافي، 1/62. وجاء نحوه في نهج البلاغة، الخطبة 210.