تحقيق في خمس آل محمد عليهم السلام

جاء في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يعطي مقداراً من الخمس الذي يأخذه من غنائم دار الحرب لأهل بيته أي زوجاته الطاهرات كما يعطي مقداراً منه لذي قرباه مثل أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام، كما يعطي مقداراً منه أيضاً لأصحابه ومواليه مثل أبي بكر وزيد بن حارثة وأمثالهما، ثم يصرف بقية الخمس في صالح المسلمين ويعطي منه المؤلفة قلوبهم ونفقة الأيتام والمساكين وأبناء السبيل من عامة المسلمين. كما ذكرنا سابقاً أن الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قَالَ: «اخْتَلَفَ النَّاسُ في هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ [أي سهم رسول الله وسهم ذوي القربى المذكوران في آية خمس الغنائم في سورة الأنفال] بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَقَالَ قَائِلُونَ سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَقَالَ قَائِلُونَ لِقَرَابَةِ الخَلِيفَةِ وَقَالَ قَائِلُونَ سَهْمُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ(194)، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ في الْخَيْلِ وَالْعُدَّةِ في سَبِيلِ اللهِ فَكَانَا عَلَى ذَلِكَ في خِلاَفَةِ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ»(195).

وجاء في الكتاب ذاته (أي سنن البيهقي) رواية أخرى «عن حضـرة الصادق عليه السلام عن أبيه الهمام الإمام الباقر عليه السلام: أَنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ سَأَلُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَصِيبَهُمْ مِنَ الخُمُسِ فَقَالَ: هُوَ لَكُمْ حَقٌّ، وَلَكِنِّى مُحَارِبٌ مُعَاوِيَةَ فَإِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُمْ حَقَّكُمْ مِنْهُ » (196).

وفي (ص342) من الكتاب ذاته روايةٌ أخرى عن «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَعْنِى الْبَاقِرَ كَيْفَ صَنَعَ عَلِىٌّ (رض) في سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى؟ قَالَ: سَلَكَ بِهِ طَرِيقَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ (رض). قَالَ قُلْتُ: وَكَيْفَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ مَا تَقُولُونَ؟ قَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا كَانُوا يَصْدِرُونَ إِلاَّ عَنْ رَأْيِهِ وَلَكِنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ خِلاَفُ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ. » (197).

وقد وردت بعض الأحاديث الأخرى بنفس المضمون حتى من طريق الخاصة، من ذلك ما روي أن علي السلام امتنع عن إعطاء خمس الغنائم لذي قرباه حتى لا  ينسبه الناس إلى مخالفة أبي بكر وعمر(198).

وقد ذكرنا أن هذا الكلام مردود في نظرنا لأننا نعتبر أن أمير المؤمنين عليه السلام أرفع شأناً من أن يترك العمل بالواجب ويضيع حقوق ذوي الحقوق خوفاً من مخالفة أبي بكر وعمر. بل كان حضرته لا يخاف أحداً سوى الله ولم يكن يضيع حقاً لذي حق، ونسبة مثل هذا الأمر إليه ظلم كبير في حقه.

وكذلك يظهر من أحاديث الإمامية وكتبهم المعتمدة أن ما كان الإمام يأخذه من خمس غنائم الحرب كان يصرفه على مصالح المسلمين، كما جاء في تفسير «علي بن إبراهيم القمِّيّ» (ص 254) أو المجلد العشرين من «بحار الأنوار» (ص51)(199) نقلاً ذلك التفسير:

«يُخْرَجُ الخُمُسُ ويُقْسَمُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ سَهْمٍ لِـلَّهِ وسَهْمٍ لِرَسُولِ اللهِ وسَهْمٍ لِلْإِمَامِ فَسَهْمَ اللهِ وسَهْمَ الرَّسُولِ يَرِثُهُ الإِمَامُ فَيَكُونُ لِلْإِمَامِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ سِتَّةٍ والثَّلَاثَةُ الأَسْهُمِ لِأَيْتَامِ آلِ الرَّسُولِ ومَسَاكِينِهِمْ وأَبْنَاءِ سَبِيلِهِمْ وإِنَّمَا صَارَتْ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ مِنَ الخُمُسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِأَنَّ اللهَ قَدْ أَلْزَمَهُ بِمَا أَلْزَمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ تَرْبِيَةِ الأَيْتَامِ ومُؤَنِ المُسْلِمِينَ وقَضَاءِ دُيُونِهِمْ وحَمْلِهِمْ فِي الحَجِّ والْجِهَاد. » .

بناء على ذلك يتبين أن تمييز بني هاشم وتفضيلهم بحق مالي معلوم واختصاصهم بذلك الخمس (الذي يشمل خمسةً وعشرين شيئاً أو أكثر) لا يتفق أبداً مع روح الشريعة والكتاب والسنة. أما العذر الذي يذكرونه من أنه لما كانت الزكاة قد حُرِّمت على بني هاشم فقد عوضهم الله عنها بإيجاب الخمس لهم، فهو عذرٌ أقبح من ذنب! لما يلي:

أولاً: كما ذكرنا سابقاً لم تثبت حرمة الصدقة على بني هاشم وذرية النبي إلى الأبد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا كان النبيُّ قد حرَّم عليهم ذلك في حياته من باب المصلحة فإن ذلك لم يكن تشريعاً أبدياً، كما رأينا أنه بعد رحيله صلى الله عليه وآله وسلم كان جميع أهل بيته وبنو هاشم يستفيدون من بيت المال الذي كانت الصدقات وأموال الزكاة أحد مصادره.

ثانياً: لو فرضنا جدلاً أن زكاة غير بني هاشم على بني هاشم محرَّمةٌ فإنه من المتفق عليه أن زكاة أغنياء بني هاشم على فقرائهم لا تحرم. وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة، نعتذر عن الإتيان بها منعاً للتطويل، وفتوى عامة فقهاء الشيعة هي على ذلك.

وقد شاهدنا على الدوام أن الأغنياء من السادة الهاشميين أكثر من الأغنياء في غير السادة، فلو أنهم أعطوا زكاتهم كما أمر الله بها لفقرائهم لكفاهم ذلك، فما الحاجة إذن لمثل هذا الخمس الذي ليس له قاعدة ولا حساب ولا ميزان ولا ملاك والذي يُعَدُّ من أكثر الامتيازات والحقوق الخاصة بأسرة معينة ظلماً، والذي يؤدي بالمآل إلى توجيه التهمة لصاحب الشريعة والعياذ بالله وللإسلام. (نعوذ بالله من عدو جاحد وولي جاهل) وما تأليفنا لهذا الكتاب إلا لغرض الدفاع عن الإسلام ورسوله وتبرئته وتنزيهه من مثل هذه التهمة الباطلة وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.

 

الهوامش:

(194) روى السيد المرتضى في رسالة «المحكم والمتشابه» (ص 59) عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ».

(195) البيهقي، السنن الكبرى، ج6/ص 342. وقد ذكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني في «المصنف» (ج5/ص238) نحوه أيضاً حيث أورد أن الحسن بن محمد بن على ابن الحنفية قال لما سُئل عن: قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِـلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى...﴾ [الأنفال/41] قال: «هذا مفتاح كلام، لِـلَّهِ الدنيا والآخرة، وللرسول ولذي القربى، فاختلفوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين، قال قائلٌ: سهم ذي القربى لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال قائلٌ: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، واجتمع رأي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، وكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر». (المترجم)

(196) البيهقي، السنن الكبرى، ج6/ص 343. (المترجم)

(197) البيهقي، السنن الكبرى، ج6/ص 343، ح (13342). (المترجم)

(198) يشير المؤلف إلى ما رواه الحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني الشيعي في كتابه «المصنَّف»، ج 5/ص 238، ح (9482)، وقد أورد المؤلف هذه لرواية سابقا في ص94 من هذا الكتاب فراجعها ثمة. (المترجم)

(199) وهو في «بحار الأنوار»، ج 93 / ص 198 من طبعة بيروت الحديثة. (المترجم)