النوع الثالث: الوصية

النوع الثالث كان الأموال التي يوصي بها بعض الشيعة بشكل خاص لآل محمد عليهم السلام:

ألف – كما جاء في كتاب «من لا يحضره الفقيه» باب نوادر الوصايا (ص539، طبع سالك): «رَوَى عَلِيُّ بْنُ مَهْزِيَارَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ فِي بَلَدِنَا رُبَّمَا أُوصِيَ بِالْمَالِ لآِلِ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونِّي بِهِ فَأَكْرَهُ أَنْ أَحْمِلَهُ إِلَيْكَ حَتَّى أَسْتَأْمِرَكَ؟ فَقَالَ: لَا تَأْتِنِي بِهِ ولَا تَعَرَّضْ لَه‏..».

فهذا يبيِّن أنَّ بعض الشيعة كان يوصي بأموالٍ لآل محمد وكان يراجع وكلاء الأئمة عليهم السلام كي يدفعها لهم.

ب – وفي الكتاب ذاته والصفحة ذاتها: «وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ أَوْصَى رَجُلٌ بِثَلَاثِينَ دِينَاراً لِوُلْدِ فَاطِمَةَ (ع) قَالَ فَأَتَى بِهَا الرَّجُلُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (ع) فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) ادْفَعْهَا إِلَى فُلَانٍ شَيْخٍ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ (ع) وكَانَ مُعِيلًا مُقِلًّا..».

فهذه هي الأموال التي كان الشيعة يأتون بها الأئمة عليهم السلام، ولا نجد أن الأئمة الكرام كانوا يأخذون شيئاً من الخمس (خاصة خمس أرباح المكاسب) من الناس. وبالطبع فإن ما كانوا يأخذونه لم يكونوا يأخذونه لأنفسهم بل كانوا يوصلونه إلى مستحقيه. كما جاء في كتاب «التهذيب» للشيخ الطوسي (ج4/ص61): «فَلَيْسَ فِي هَذَا الخَبَرِ أَنَّهُ قَبَضَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِنَّمَا قَبَضَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ (ع) كَانُوا يَقْبِضُونَ الزَّكَوَاتِ ويَطْلُبُونَهَا ويُفَرِّقُونَهَا عَلَى مَوَالِيهِمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِك » .

وفي الكتاب نفسه، (ج4/ص130-131) الحديث 366، وكذلك في كتاب «الكافي» (ج1/ص 540-541) في الحديث المرسل: «الْحَسَنُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ عِيسَى قَالَ رَوَاهُ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ عَنِ العَبْدِ الصَّالِحِ أَبِي الحَسَنِ الأَوَّلِ (ع) [أي الإمام موسى بن جعفر عليه السلام] » وفيه يشرح تقسيم الإمام للغنائم والفيء والأنفال وأموال الزكاة ويقول: «فَيُقْسَمُ بَيْنَ الوَالِي وبَيْنَ شُرَكَائِهِ الَّذِينَ هُمْ عُمَّالُ الأَرْضِ وأَكَرَتُهَا فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ أَنْصِبَاؤُهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ ويَأْخُذُ البَاقِيَ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَرْزَاقَ أَعْوَانِهِ عَلَى دِينِ اللهِ وفِي مَصْلَحَةِ مَا يَنُوبُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ الإِسْلَامِ وتَقْوِيَةِ الدِّينِ فِي وَجْهِ الجِهَادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَصْلَحَةُ العَامَّةِ لَيْسَ لِنَفْسِهِ [أي الوالي والإمام] مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ ولَا كَثِير » . وقبلها بأسطر يقول بشأن الخمس: «وَ لَهُ أَنْ يَسُدَّ بِذَلِكَ المَالِ جَمِيعَ مَا يَنُوبُهُ مِنْ قَبْلِ إِعْطَاءِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ مَا يَنُوبُه » .

فهذا يُبَيِّن أنه ليس لرئيس المسلمين أو قائدهم أو من بيده زمام أمورهم وبعبارة مختصرة ليس لإمام المسلمين شيء من الأموال المذكورة يملكه ملكاً خاصاً به، بل أمره فيها أمر سائر المسلمين يأخذ منها كما يأخذون.

فما يدَّعيه الغلاة وأتباعهم من أن الأرض وما فيها ملك للإمام وله أن يأخذ منها ما يشاء ويفعل فيها ما يشاء، والناس كلهم عبيد وعيال على سفرته، ليس سوى ادعاء باطل وهُرَاءٍ فارغٍ. أعاذنا الله من هفوات اللسان ومضلات الفتن.