ضعف الاستدلال بأخبار مُلْكِ الرسول والأئمة للدنيا وما فيها!

ليس صحيحاً ما قاله المرحوم الهمداني من أن النصوص المذكورة مؤيَّدة بقرائن ومؤيدات عقلية ونقلية، وذلك لأنه ليس لأي مخلوق من نوع البشر مثل هذا الحق والسلطان على آخرين من بني نوعه أن يختص لنفسه جزءاً من كدِّ يمينهم ونتاج عرق جبينهم، هذا فضلاً عن أن يقول أن الدنيا وما فيها ملك لي، والناس كلهم عبيد وخدمٌ لي!!

لا يملك أي فرد مثل هذا الامتياز والأفضلية على أي فرد آخر، سواء كان نبياً أو غير نبي، ولا يستثنى من هذه القاعدة رسول الله وأئمة الهدى عليهم السلام لأنهم بشر مخلوقون كسائر البشر ويخضعون لذات التكاليف والقوانين التي يخضع لها بني الإنسان.

إن السماوات والأرض وما فيهما مخلوقة لِـلَّهِ رب العالمين وملك له، والناس كلهم أيضاً مخلوقين لِـلَّهِ. وفي ديوان العدل الأهلي يتمتع جميع الناس بحق الحياة والأكل والشرب وسائر لوازم الحياة، وكل إنسان يملك الحق بالعمل والكسب والارتزاق لرفع حاجاته. وجميع البشر من حيث حاجاتهم الطبيعية متماثلون أي جميعهم لهم نفس الحاجات فكلهم يملكون البدن والبطن والفرج ذاته والحاجة إلى المسكن والملبس والغذاء والزواج ذاتها، وعليهم أن يسعوا إلى تلبية حاجاتهم في هذه الأرض التي خلق الله تعالى مخلوقاته عليها واستعمرهم فيها.

ما هو الفرق بين الحاجات الطبيعية والحياتية للنبي والإمام والحاجات الطبيعية والحياتية لسائر الناس، حتى تكون أموال الدنيا وما فيها كلّها للنبي والإمام؟! كم بطناً أو فرجاً للنبي أو للإمام حتى يكون لهم أكثر مما لغيرهم من الدنيا أو يكون لهم كل شيء وللآخرين لا شيء؟؟!!

متى وأين نجد في تاريخ الدنيا أيَّ نبي أو إمام احتاج إلى كلِّ الدنيا وما فيها وقام برفع حوائجه وتأمينها منها؟! حتى يأتي هؤلاء الحشوية الغلاة ويتكرمون بتقديم الدنيا وما فيها من الأزل إلى الأبد إلى النبي والأئمة؟! إن مثل هذه المجاملات أقرب للتخيلات والمبالغات الشاعرية منها إلى الحقائق الدينية!! مثل قول أحد الشعراء المتزلفين إلى أرباب القوة والسلطان:

ثرى تا ثريا بفرمايشت         دو عالم گيتى جزو بخشايشت

أي: الثرى إلى الثريا تحت أمرك                والدنيا والآخرة من صدقتك!!

من البديهي أن مثل هذه الخيالات لا مصداق لها أبداً في العالم الخارجي، ولكننا لا نستطيع أن نمنع الشاعر من هيامه في أودية الخيالات!!

إذا أعطى الله تعالى كل الدنيا وما فيها ملكاً للنبي والإمام أو لأي شخص آخر، ثم قيده وحصره في بدن طوله متر ونصف أو أكثر بقليل وأعطاه بطناً تشبعه عدة لقيمات وفرجاً تكفيه زيجةٌ واحدةٌ لإشباع غريزته الجنسية وبدناً تكفي لكسوته قماشة من بضعة أمتار ومسكناً يأويه وعمراً يبلغ ستين عاماً أو أكثر بقليل فإنه يكون قد قام بعمل عبثي لا يصدر عن مجنون فضلاً عن أن يصدر عن الله العليم الحكيم.

إذا قام رجل مجنون بذبح مئات آلاف الأبقار والأغنام وإعداد ملايين الأنواع من الأطعمة والأغذية لأجل ضيف واحدٍ نزل به تشبعه عدة لقم، والأسوأ من ذلك أنه لم يدع ذلك الضيف يتناول حتى تلك اللقم القليلة براحة، ألا يكون عمله مستهجناً وغريباً جداً؟! أين نجد مثل هذا المجنون في أي مكان أو زمان في تاريخ الدنيا؟ فكيف نجيز نسبة مثل هذا العمل لِـلَّهِ الحكيم العليم؟!

ماذا كان للأنبياء والأئمة في حياتهم سوى التعب والكد والقوت الضروري والحياة المحدودة والمقيدة؟ أليست أموال الدنيا لأجل الحياة؟ أَوَلَا يقيم حياة الفرد - مع كل تلك الحدود والقيود التي لها - مقدارٌ محدَّدٌ من المال؟ فما تلك المبالغات والتهويلات بلا حساب وبلا حدّ التي لا فائدة لها؟! إنها لا تعدو تجشؤٌ وقيءٌ صدر عن حفنة من الغلاة المشركين الذين لا يعرفون الله، فلماذا أصبحت جزءاً من أصول الدين لدى بعض المسلمين؟

ما هو منشأ هذه العقائد؟ ومن أي عقل رشحت؟ هل رشحت إلا من يهود معاندين بنص التلمود؟!

لا شك أن مثل هذه المبالغات والإغراق والغلوّ إنما صدر عن غلاة من أمثال «المعلى بن خنيس» و«أحمد بن هلال» و«محمد بن سنان» و«علي بن أبي حمزة البطائني» و«سهل بن زياد» و«يونس بن ظبيان» وأمثالهم. أولئك الغلاة أنفسهم الذين ارتفعوا بالأئمة إلى حد التأليه وقال بعضهم بكل وقاحة، كما أقرّ: (إنك تفعل بعبادك ما تشاء إنك على كل شيء قدير) أو نسبوا لأمير المؤمنين خُطَباً مثل خطبة البيان والخطبة التطنجية وأمثالها.

فلا يستبعد من مثل هؤلاء الغلاة عديمو الحياء الذين لا يعرفون الله حق المعرفة أن يهبوا ملك السماوات والأرض للأئمة بل أن يجعلوا الأئمة خالقي السماوات والأرض!! ليس بعيداً أن ترشح مثل تلك الأفكار عن الغلاة والمشـركين، ولا نستغرب صدور مثل ذلك الهراء والهذيان عنهم. ولكن عجبنا لا ينقضـي من العلماء الذين كانوا يعتبرون أنفسهم في زمانهم أهلاً لهداية المسلمين وإرشادهم وقيادتهم كيف قاموا بترويج مثل هذه الأفكار الخرافية وقاموا بالاستفادة منها؟!

إن تلك الآراء والأفكار الخاطئة من بقايا وآثار الجاهلية وتذكِّرنا بعهود تسلط السلاطين الجبابرة والمستبدين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكي البلاد ورقاب العباد والناس كلهم عبيد خول لهم وكان الناس في تلك الأزمنة يصدقون ذلك ويعتقدون في ملوكهم مثل ذلك الاعتقاد، كما نشاهد آثار ذلك في الكتب الدينية قبل الإسلام، أو في تلمود اليهود الذين كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وأبناء الله وأحباءه. كما نجد أثر هذه العقيدة في سفر التكوين من التوراة في الفصل العاشر: أن الملك يملك أموال الناس وأرواحهم. فهذه هي عقيدة اليهود ومن قبلهم من أصحاب الملل المنسوخة، كما ذكرنا فيما سبق نموذجاً على ذلك من تلمود اليهود.

أما الإسلام فإنه يعتبر جميع الناس عباداً لإله واحد وأبناءً لأب واحد وأم واحدة ويعتبر أن الأرض خُلِقت لعيش جميع بني آدم وقد أعلن الإسلام في أصقاع الدنيا حرية البشر بنحو كامل فلا علاقة له بمثل تلك العقائد وهو بريء منها.

وأساساً إن مثل ذلك الإدعاء يتنافى مع فلسفة بعثة الأنبياء والحكمة من إرسال الرسل ويتناقض معها لأن علة إرسال الر سل وحكمة بعثة الأنبياء هي أنه لما كان الإنسان مدنياً بطبعه وكان لابد له أن يعيش في مجتمع مع الناس، وكان من الجهة الآخرة ظلوماً جهولاً أنانياً لا يريد أن يقنع بحقه بل يسعى للاستيلاء على حق الآخرين لذا وقع النزاع والصراع بين بني البشـر. من هنا جاءت أهمية القوانين والتشريعات التي تحدد لكل من الفرد والمجتمع حدوده وتعين له حقوقه وواجباته. ولما كان الإنسان مبتلى بالشهوات والأغراض والحرص والطمع والأنانية وكان فاقداً للبصيرة الكافية بعواقب الأمور ونتائجها كان ذلك كله مانعاً له من أن يتمكن وحده من وضع القوانين العادلة وتشريع نظام الحياة الأمثل لذا أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله كي يقوم الناس بالقسط وتنتظم أمور مجتمعاتهم ويستقر بينهم العدل، كما قال تعالى في سورة الحديد:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد/25). وكما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف/25).

فكيف يمكن بعد ذلك أن يأتي رسول الله وأئمة الهدى سلام الله عليهم ويقولوا إن جميعَ أموال الدنيا هذه التي تتنازعون عليها والتي يسعى بعضكم أن يأكل مال البعض الآخر ويستولي على نتيجة كد يمينه، كلّها لنا وليست لأي أحد منكم. إنها مالي ومال ذريتي فقط!!