مستمسك عليل وادعاء بلا دليل

إلى هنا عرفنا جميع أحاديث الخمس التي أوردناها في فصول هذا الكتاب وأقسامه المختلفة ووضعناها أمام طلاب الحق والحقيقة وختمناها بذكر أحاديث تحليل الخمس وإباحته للشيعة، وتبيَّن أن خمس أرباح المكاسب والتجارات والزراعات خاص بالإمام وحده وليس للآخرين حق فيه، وأن خمس المعادن والكنوز والغوص ليس سوى أحد أفراد الزكاة ومصرفه مصرف الزكاة، وأما خمس الغنائم، أي غنائم الحرب، فلم يعد لها أثر في زماننا.

إذا كان الأمر كذلك فإن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هو: ما هو منشأ هذه العقيدة؟ ولماذا امتلك الإمام الحق في خمس أرباح مكاسب الناس رغم أنه أباحها لهم فيما بعد وحللها لهم؟ إن هذه العقيدة منشأها في الواقع الغلاة، ومؤداها يعود لصالح الطفيليين الذين يعيشون على حساب الآخرين، وهي عقيدة تخالف العقل والوجدان وتخالف كتاب الله وسنة رسوله. ولما رأى واضعو هذه الفكرة أن هضم مثل هذا الكلام الكبير والادعاء الضخم ليس بالأمر السهل حتى بالنسبة للعوام البسطاء، لذا وجدوا أنه لابد لهم من وضع أدلة تدعم مقولتهم واختراع أحاديث تؤيد مدعاهم بشكل جذري، وهذا ما فعلوه.

ذكر المرحوم الحاج «آقا رضا الهمداني»(174) في باب «الخُمُس» من كتابه «مصباح الفقيه » (المجلد 3/ص108) ما نصُّه: «يظهر من جملة من الأخبار أن الدنيا بأسرها ملك لرسول الله وأوصيائه عليه وعليهم السلام ولهم التصرف فيها بما يريدون من الأخذ والعطاء(175):

1- منها روايةُ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) قَالَ قُلْتُ‏ لَهُ: أَ مَا عَلَى الإِمَامِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: أَحَلْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَ مَا عَلِمَتْ أَنَّ الدُّنْيَا والْآخِرَةَ لِلْإِمَامِ يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ ويَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يَشَاءُ جَائِزٌ لَهُ ذَلِكَ مِنَ اللهِ؟ إِنَّ الإِمَامَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَا يَبِيتُ لَيْلَةً أَبَداً ولِـلَّهِ فِي عُنُقِهِ حَقٌّ يَسْأَلُهُ عَنْهُ.(176).

2- وخبر ابْنِ الرَّيَّانِ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى العَسْكَرِيِّ (ع): جُعِلْتُ فِدَاكَ! رُوِيَ لَنَا أَنْ لَيْسَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الخُمُسُ؟ فَجَاءَ الجَوَابُ: إِنَّ الدُّنْيَا ومَا عَلَيْهَا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.(177).

3- وفي مرسل مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المضمر: قَالَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا لِـلَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى ولِرَسُولِهِ ولَنَا فَمَنْ غَلَبَ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا فَلْيَتَّقِ اللهَ ولْيُؤَدِّ حَقَّ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى ولْيَبَرَّ إِخْوَانَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَاللهُ ورَسُولُهُ ونَحْنُ بُرَآءُ مِنْهُ.(178).

4- وفي خبر آخر عن الباقر عليه السلام: قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: خَلَقَ اللهُ آدَمَ وأَقْطَعَهُ الدُّنْيَا قَطِيعَةً فَمَا كَانَ لآِدَمَ (ع) فَلِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ومَا كَانَ لِرَسُولِ اللهِ فَهُوَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.(179).

5- وفي خبر أبي سيارَ قال أبو عبد الله عليه السلام: أَوَمَا لَنَا مِنَ الأَرْضِ ومَا أَخْرَجَ اللهُ مِنْهَا إِلَّا الخُمُسُ يَا أَبَا سَيَّارٍ؟؟ إِنَّ الأَرْضَ كُلَّهَا لَنَا فَمَا أَخْرَجَ اللهُ مِنْهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ لَنَا..(180).

6- وفي خبرِ أَبِي خَالِدٍ الكَابُلِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (ع): ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِـلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَنَا وأَهْلُ بَيْتِيَ الَّذِينَ أَوْرَثَنَا اللهُ الأَرْضَ ونَحْنُ المُتَّقُونَ والْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا فَمَنْ أَحْيَا أَرْضاً مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَعْمُرْهَا ولْيُؤَدِّ خَرَاجَهَا إِلَى الإِمَامِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ولَهُ مَا أَكَلَ مِنْهَا..(181)(182)

وبعد أن ذكر المرحوم الهمداني هذه الأحاديث وذكر من أشكل على الأخذ بظاهرها قال:

«فقضيَّة التعبُّد بظاهر هذه الروايات هو الالتزام بأن حال سائر الناس بالنسبة إلى ما بأيديهم من أموالهم بالمقايسة إلى النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام حال العبد الذي وهبه مولاه شيئاً من أمواله ورخَّصه في أن يتصرَّف فيه كيف يشاء فذلك الشيء يصير ملكاً للعبد حقيقةً بناءً على أن العبد يملك ولكن لا على وجهٍ ينقطع علاقته عن السيد فإن مال العبد لا يزيد عن رقبته فهو مع ما له من المال ملكٌ لسيِّده ومتى شاء سيده أن ينتزع منه ما له جاز له ذلك. فيصحُّ إضافة المال إلى سيده أيضاً بل سيده أحقّ به من نفسه وأولى بإضافة المال إليه، فمن الجائز أن يكون ما في أيدي الناس بالإضافة إلى ساداتهم كذلك فإن الدنيا وما فيها أهون على الله من أن يجعلها ملكاً لأوليائه، ولا يمكن استكشاف عدمه من إجماع أو ضرورة فإن غاية ما يمكن معرفته بمثل هذه الأدلة هي أن الأئمة عليهم السلام كانوا ملتزمين في مقام العمل بالتجنُّب عمّا في أيدي الناس وعدم استباحة شيء منها إلا بشيء من الأسباب الظاهرية المقرَّرة في الشريعة وهذا لا يدل على أنه لم يكن لهم في الواقع إلا هذا فلا مانع عن التعبد بظواهر النصوص المزبورة المعتضدة بغيرها من المؤيدات العقلية والنقلية»(183). إلى هنا انتهى استدلال المرحوم الهمداني.

هذا الدليل هو آخر أدلَّتهم وأقواها عندهم وخلاصته أنه لما كانت الدنيا ما فيها ملكٌ لرسول الله والأئمة عليهم السلام وكان جميع الخلق عبيداً لديهم ومتطفِّلين على سفرتهم، فلهم (أي للرسول والأئمة) الحقّ في أخذ ما شاؤوا من أموال الناس، لأنهم في الحقيقة إنما يأخذون من مالهم أنفسهم.

 

الهوامش:

(174) الحاج «آقا رضا الهمداني» هو العلامة الفقيه رضا بن محمد هادي الهمذاني (1240 – 1322هـ = 1825 - 1904م) من مواليد همذان وتوفي بسامراء. كان من أعاظم وكبار فقهاء الشيعة الإمامية في القرن الهجري الثالث عشر، ومرجعاً كبيراً وأستاذاً لكثير من الفقهاء. من أشهر كتبه: (مصباح الفقيه) وهو كتاب فقهي استدلالي واسع اقتصر فيه على العبادات فقط، و(العوائد الرضوية على الفوائد المرتضوية) وكلاهما طبعا طبعة حجرية. (المترجم)

(175) يبدو أن هذه العقيدة متأثِّرة في نشأتها بتلمود اليهود (والتلمود كتاب دونه أحبار اليهود ويعتقدون أنه معادل للتوارة بل أكثر أهمية منها في نظرهم)، لأنه طبقاً لما ورد في التلمود: جميع الأموال التي على الأرض هي لِـلَّهِ، ولما كان اليهود يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأجزاء منه لذا فهم يرون أنهم ينوبون عن الله في ملك كل ما على الأرض، وبالتالي فيرون أن تصرفهم في كل ما على الأرض جائز لهم بل واجب عليهم (من كتاب الكنز المرصود في قواعد التلمود، للدكتور روه لنز، ص 19- 30).

(176) الكُلَيْنِيّ ، «أصول الكافي»، ج 1/ ص 408-409. (المترجم)

(177) الكُلَيْنِيّ ، «أصول الكافي»، ج 1/ ص 409. (المترجم)

(178) الكُلَيْنِيّ ، «أصول الكافي»، ج 1/ ص 408. (المترجم)

(179) الكُلَيْنِيّ ، «أصول الكافي»، ج 1/ ص 409. (المترجم)

(180) الكُلَيْنِيّ ، «أصول الكافي»، ج 1/ ص 408. (المترجم)

(181) الكُلَيْنِيّ ، «أصول الكافي»، ج 1/ ص 407. (المترجم)

(182) الحاج «آقا رضا الهمداني»، مصباح الفقيه، الطبعة الحجرية في 3 مجلدات من القطع الكبير، باب الخمس، ج3/ ص 108. (المترجم)

(183)الحاج «آقا رضا الهمداني»، مصباح الفقيه، باب الخمس، ج3/ ص 108. (المترجم)