بعض الإشكالات الممكنة على أخبار التحليل رغم كل ما فيها من تأكيد

الإشكال الأول: هو في سند هذه الأحاديث، إذ إن معظم هذه الأخبار ضعيفةٌ سنداً وفي أسانيدها أسماءٌ لغلاةٌ وكذَّابين.

ويُقال في الإجابة عن هذا الإشكال إنه رغم إقرارنا بضعف هذه الأخبار إلا أن درجتها لا تقل عن درجة الأخبار التي توجب الخمس في أرباح المكاسب والتجارات، إن لم تكن أقوى منها، لأن جميع تلك الأخبار كما حققناه ضعيفة قد وضعها حفنة من الغلاة والكذابين والمغرضين، فالخمس الذي أوجبته عشرة من مثل تلك الأحاديث يمكن لثلاثين حديثاً مشابهاً أن يحللوه ويتصدقوا به على الشيعة، فكثرة أخبار تحليل الخمس كافية لحل هذا الإشكال.

الثاني: قيل إن «الخُمُس» الذي تمت هبته للشيعة وإباحته لهم هو «خُمُس» غنائم الحرب التي كانت تُؤخذ زمن خلفاء الجور. فلما كانت هناك إماء من ضمن تلك الغنائم وكان بعضُهُنَّ يقع بأيدي الشيعة، وكان الواجب أن تكون تلك الحروب تمَّت بإذن الإمام، وأن يكون الإمام صاحب الحق في أخذ خمس تلك الغنائم وتقسيم الباقي على المقاتلين المستحقين بوصفه الإمام الشرعي، وكل ذلك لم يحصل، فإن الذين تصرفوا بتلك الغنائم إنما تصرفوا في مال حرام لا يحلُّ لهم؛ فلأجل ذلك كان الأئمة يحلون تلك الأموال لشيعتهم كي يصبح نكاحهم لأولئك الإماء حلالاً ويصبح الأولاد الذين تولدوا من تلك الزيجات أولاد حلال، ولكي تصبح أموال تلك الغنائم التي استخدمها الغانمون من الشيعة في دفع مهور نسائهم حلالاً كي يكون زواجهم صحيحاً وأولادهم أولاد حلال!

وأقول في الإجابة عن هذه الشبهة، رغم أننا نعتقد أن «الخُمُس» لا يكون إلا من غنائم دار الحرب، وأن «الخُمُس» الموهوب للشيعة والذي تصدَّق به الأئمة وأحلوه هو خُمُس غنائم الحرب فقط، إلا أن الأخبار التي أوردناها صريحةٌ في أن «الخُمُس» الذي تمَّت هبته للشيعة والتصدق به عليهم وتحليله لهم إنما هو جميع أنواع الخمس التي يدَّعونها. إذْ نجد مثلاً في الحديث الأول: «قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع): هَلَكَ النَّاسُ‏ فِي بُطُونِهِمْ وفُرُوجِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا إِلَيْنَا حَقَّنَا، أَلَا وإِنَّ شِيعَتَنَا مِنْ ذَلِكَ وآبَاءَهُمْ فِي حِلٍّ » والذي يظهر منه أن ما تمت هبته وتحليله هو الأموال ذات العلاقة بجميع أمور الحياة التي أهمها ما يتعلق بالبطن (المآكل والمشارب) والفرج (الزيجات). وفي الحديث الرابع يقول أمير المؤمنين: «فَقَدْ وَهَبْتُ نَصِيبِي مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ مِنْ شِيعَتِي لِتَحِلَّ لَـهُمْ مَنَافِعُهُمْ مِنْ مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ ولِتَطِيبَ مَوَالِيدُهُمْ » فتحليل المأكل والمشرب ناظرٌ إلى جميع الأشياء.

وكذلك وجدنا في الحديث السابع عبارة: «قَالَ: هِيَ واللهِ الإِفَادَةُ يَوْماً بِيَوْمٍ إِلَّا أَنَّ أَبِي (ع) جَعَلَ شِيعَتَنَا مِنْ ذَلِكَ فِي حِلٍّ لِيَزْكُوْا » ومعلومٌ أن الإفادة يوماً بيوم إنما تتعلق بالأشياء والأموال التي يكسبها الإنسان كل يوم والتي أبحت حلالاً.

وكذلك نجد في الحديث الرابع عشر أن السائل سأل فقال: «تَقَعُ فِي أَيْدِينَا الأَرْبَاحُ والْأَمْوَالُ وتِجَارَاتٌ نَعْرِفُ أَنَّ حَقَّكَ فِيهَا ثَابِتٌ » والعبارة واضحة تماماً أن الأمر لا يتعلق بغنائم الحرب أو الإماء. ومثله ما جاء في الحديث السادس عشر أن «الحَارِثَ بْنَ المُغِيرَةِ النَّصْرِيَّ» قال: «إِنَّ لَنَا أَمْوَالًا مِنْ غَلَّاتٍ وتِجَارَاتٍ ونَحْوِ ذَلِكَ وقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ لَكَ فِيهَا حَقّاً » ، مثله ما جاء في الحديث التاسع عشر: «إِنِّي كُنْتُ وُلِّيتُ الغَوْصَ » وكلها لا علاقة لها أبداً بغنائم الحرب.

وفي الحديث الحادي والعشرين يقول الإمام: «فَمَا سَقَتْ أَوِ اسْتَقَتْ فَهُوَ لَنَا ومَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِشِيعَتِنَا » إلى أن يقول: «وإِنَّ وَلِيَّنَا لَفِي أَوْسَعَ فِيمَا بَيْنَ ذِهْ إِلَى ذِهْ يَعْنِي بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ » ومن الواضح تماماً أن الأموال التي سعتها ما بين السماء والأرض ليست هي غنائم الحرب التي لا تقع إلا في حالات قليلة. وهكذا جاء في الحديث الثالث والعشرين كلامٌ عن الميراث والتجارة والجائزة، وفي الحديث السابع والعشرين الحديث عن المأكل والمشروب الذي يفيد عموم الأموال، وأن التحليل خمسها للشيعة يفيد تحليل جميع أنواع الخمس لهم من جميع الأموال المُتَصَوَّرة.

الإشكال الثالث: الذي طرح في هذا الصدد وهو إشكال واه جداً ولا مورد له بل لا يستحق الالتفات إليه أصلاً، هو أن كل إمام يحق له أن يتصدق بسهمه على شيعته ويحلله لهم، ولكنه لا يحق له أن يحلل سهم الإمام الذي بعده، بل إن الذين أشكلوا هذا الإشكال وذكروا هذه الشبهة قالوا ليس للإمام الحق في تحليل السهم المتعلق بالسادة (بني هاشم) من أرباح المكاسب للشيعة والتصدق به عليهم.

ونحن لن نتعرض للقسم الأخير من هذا الإشكال وذلك لأنه قد ثبت لمن قرأ ما أوردناه في كتابنا هذا حتى الآن أنه ليس للسادة من بني هاشم حق في خمس أرباح المكاسب والتجارات وأنه لو فرض أن ثمة حق فإنه خاص بالإمام وحده فقط. أما قولهم بأن كل إمام يحق له أن يتصدق بسهمه على الشيعة ولا يحق له التصرف بسهم الإمام الذي بعده، ولعلهم يريدون القول أنه لا بد من أخذ سهم إمام الزمان من الشيعة في هذا العصر؟!

فالجواب أن هذا الإشكال باطل من جميع الأوجه: أولاً لأن الأحاديث صريحة بأن الحقوق التي تم التصدق بها وتحليلها تتعلق بجميع الأزمنة ولا تنحصر بزمان إمام الوقت. فمثلاً جاء في الحديث الأول: الذي روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «..أَلَا وإِنَّ شِيعَتَنَا مِنْ ذَلِكَ وآبَاءَهُمْ – وفي رواية الصدوق: وأبناءَهم - فِي حِلٍّ » فمن الواضح أن الكلام لا يتعلق بزمن أمير المؤمنين فقط لأن كلمة الآباء والأبناء تفيد العموم ولا تتعلق بزمن خاص، خاصة أن هذا الحديث إنما رواه الإمام الباقر عليه السلام عن الإمام علي عليه السلام، ومن البديهي أن الإمام الباقر لا يريد القول أن الشيعة في زمن عليٍّ عليه السلام أو أبناءهم أو آباءهم فقط كانوا في حلٍّ من الخمس وأن هذا التحليل لا يشمل الآخرين، بل قصده أن التحليل شامل لعامة الشيعة في كل زمن.

وفي الحديث 18 يقول حضرة الصادق عليه السلام: «مُوَسَّعٌ عَلَى شِيعَتِنَا أَنْ يُنْفِقُوا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ فَإِذَا قَامَ قَائِمُنَا (ع).. »

وفي الحديث 19 يقول: «وكُلُّ مَا كَانَ فِي أَيْدِي شِيعَتِنَا مِنَ الأَرْضِ فَهُمْ فِيهِ مُحَلَّلُونَ ومُحَلَّلٌ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَقُومَ قَائِمُنَا...»

وفي الحديث 23 يقول: «هَذَا لِشِيعَتِنَا حَلَالٌ الشَّاهِدِ مِنْهُمْ والْغَائِبِ والْمَيِّتِ مِنْهُمْ والْحَيِّ ومَا يُولَدُ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَهُوَ لَهُمْ حَلَالٌ... »

فهذا الإشكال لا محل له وهو في غاية التهافت والسقوط. وأما فيما يتعلق بحق إمام الزمان وسهمه فلسنا بحاجة – بعد تلك البيانات – إلى إقامة البرهان عليه خاصةً لأن الحديث 28 يروي خروج توقيع من صاحب الزمان وفيه: «وأَمَّا الخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا وجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ » ، والعبارة بمثابة توقيع وتصديق على كل ما قاله الأئمة السابقون في هذا الصدد، وهي لم تبقِ لأحدٍ مجالاً للتأويل أو التشكك والإشكال.

فاتَّضح لكلِّ ذي إنصاف أن ليس لذلك الخمس الشامل الذي يقولون به والرائج اليوم بين الشيعة الإمامية حقيقةٌ.