نتيجة كل ما تقدم

قلنا في الصفحات الماضية إن «الخُمُس» الرائج اليوم بين الشيعة الإمامية ليس له أثر ولا سند لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في سيرته ولا في عمل وسلوك الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورغم أن حضـرة أمير المؤمنين عليه السلام كان يأخذ الخمس من الأموال التي اختلطت بحرام إلا أنه لم يكن يأخذ ذلك الخمس لنفسه ولا يعطيه لأي من بني هاشم وذلك لأنه كان يرى ذلك الخمس جزءاً من أموال الزكاة والصدقات التي تصرف في مصارف الزكاة. كما أنه لم يأخذ أحد من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم تحت أي عنوان مثل ذلك الخمس من الناس، إلى درجة أننا لا نجد بين كل هذه الأحاديث من صحيح وضعيف ولا في جميع كتب التاريخ للموالين والمخالفين أي خبر يثبت أن أولئك الأجلاء الكرام كانوا يأخذون شيئاً تحت عنوان الخمس من أرباح الناس ومكاسبهم الناس، إلى الحد الذي كان حضرة سيد الساجدين علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول ذلك القول المشهور والمعروف: «مَا أَكَلْتُ بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم شَيْئاً قَطّ.»(167)، وجاء في قصة خروج زيد بن موسى بن جعفر عليه السلام التي روتها كتب العامَّة والخاصَّة «أن زيد بن موسى خرج بالبصرة على المأمون وفتك بأهلها. فبعث إليه المأمون أخاه علي بن موسى الرضا عليه السلام يردُّه عن ذلك. فسار إليه فيما قيل وَحَجَّهُ وقال له: ويلك يا زيد! فعلت بالمسلمين ما فعلت، وتزعم أنك ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! والله لأشد الناس عليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ينبغي لمن أخذ برسول الله أن يعطي به.

فبلغ كلامه المأمون فبكى، وقال: هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت النبوّة. » (168).

وكلام حضرة الإمام الرضا عليه السلام هذا مأخوذ من سيرة وكلام حضرة الإمام زين العابدين عليه السلام الذي كان إذا أراد السفر كتم نسبه وأخفى قرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرِّفْقَةِ فلمّا سُئل عن علّة ذلك قال: «أَكْرَهُ أَنْ آخُذَ بِرَسُولِ اللهِ مَا لَا أُعْطِي مِثْلَه‏. » (169).

ولا يوجد في أخبارنا حتى زمن الإمام الصادق عليه السلام أي حديث يثبت أن الأئمة كانوا يأخذون لأنفسهم أي شيء من أموال الناس تحت أي عنوان كان، أما بالنسبة إلى الإمام الصادق عليه السلام فقد روى الشيخ الصدوق في كتابه «من لا يحضـره الفقيه» (ص159) وكذلك في كتابه «علل الشـرائع» فقال: «وَ رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لآَخُذُ مِنْ أَحَدِكُمُ الدِّرْهَمَ وإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ المَدِينَةِ مَالًا مَا أُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ تُطَهَّرُوا!!».

سند هذا الحديث معلول ومجروح لأن فيه «عبد الله بن بكير» الذي كان فطحياً فاسد المذهب. كما أن فيه «الحسن بن فضال» الذي كان فطحياً أيضاً وطبقاً لقول صاحب السرائر كان كافراً وملعوناً. هذا بمعزل عن أننا لا ندري الصفة أو العنوان التي أخذ الإمام بها ذلك الدرهم؟ رغم أن لحن الرواية يفيد أنه إذا كان الإمام يأخذ شيئاً فلم يكن ذلك من باب الخمس بل من باب الزكاة، لأنه استند إلى ما نصت عليه الآية الكريمة التي تقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا..﴾ [التوبة/103]، ومن الواضح تماماً أن الكلام فيها عن أخذ الزكاة، فعند التدقيق والتأمل في الروايات الواردة في هذا الباب يتضح أن بعض الأئمة المعصومين عليهم السلام كانوا يأخذون الزكاة والفطرة من شيعتهم كما أوردنا روايات بهذا الشأن في كتاب الزكاة وكتابنا الحالي هذا.

ولما كان من الواجب إعطاء الزكاة لرئيس المسلمين وإمامهم ومن بيده زمام أمورهم كي يصرفها في مصالح المسلمين، وكان معظم الخلفاء في زمن الأئمة عليهم السلام غير مؤهلين ولا يليقون بمنصب رئاسة المسلمين ولا يستحقونه، ومن الجهة الأخرى كان الخلفاء يبغضون فقراء الشيعة ويسعون في إفقارهم وحرمانهم لذا كان بعض الأئمة عليهم السلام الذين كانوا هم رؤساء المسلمين وأئمتهم بحق يأخذون الزكاة والفطرة ويوزِّعونها على مستحقّيها، ومتون الروايات تدل على هذا المعنى. كما ذكر الكشي في رجاله فقال: «حدَّثني أبو القاسم الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: كَانَ بَدْءُ الوَاقِفَةِ أَنَّهُ كَانَ اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ عِنْدَ الأَشَاعِثَةِ زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ ومَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهَا فَحَمَلُوا إِلَى وَكِيلَيْنِ لِمُوسَى عليه السلام بِالْكُوفَةِ...»(170).

فيتَّضح من هذا النص إذن أن الشيعة كانوا بقدر استطاعتهم يدفعون زكاة أموالهم إلى إمام زمانهم رغم أن أمثال «الأشاعثة» كانوا يأكلونها ويبلعونها!! ويظهر من التتبع في كتب الحديث أنه كان في زمن الأئمة عليهم السلام منذ زمن حضرة الصادق فما بعده أشخاص بين الناس معروفين باسم وكلاء الأئمة عليهم السلام يأخذون من الشيعة أموالاً شرعية مختلفة ذكرنا في آخر هذا الكتاب قائمة بأهمها وعلى رأس القائمة أموال الزكاة وأحياناً أموال النذورات والأوقاف التي كانت توقف لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولربما ذكرت في بعض تلك الأخبار كلمة الخمس. ومن الجهة الأخرى لما كان بعض الشيعة يعملون ضمن أجهزة خلفاء الجور من بني أمية وبني العباس وربما شاركوا في الغزوات والحروب التي كانت تتم باسم الجهاد والدعوة للإسلام ونالوا بعض الغنائم من تلك الحروب، ورغم أن أولئك الخلفاء كانوا يأخذون خمسها لهم، إلا أن بعض الشيعة كانوا يعرضون خمس مثل تلك الغنائم على أئمة زمانهم أو كانوا يدفعونه إلى وكلاء الأئمة الكرام وكان هذا يؤدي إلى اجتماع أموال كثيرة بأيدي وكلاء الأئمة. وخاصة في زمن حضرة موسى بن جعفر عليه السلام حيث كان بعض هؤلاء الوكلاء أفراداً عديمي الإيمان ومحتالين كانوا يأخذون الأموال من الناس تحت عناوين مختلفة وربما وضعوا أحاديث تؤيد عملهم هذا، ومن الطرف الآخر كان حضرة الإمام الكاظم عليه السلام محبوساً مقيداً في سجن خلفاء الجور كالمهدي العباسي وهارون الرشد فلم يكن قادراً على مباشرة القيام بشأن تلك الأموال بنفسه فاستغل بعض المحتالين الفرصة وجمعوا أموالاً كثيرةً من الناس باسم الإمام ثم ابتدعوا مذهب الواقفة لا لشيء إلا ليتذرعوا بذلك لعدم دفعهم تلك الأموال لإمام زمانهم الجديد وأخذوا يذيعون أن حضرة الإمام موسى بن جعفر لم يمت وأنه هو قائم آل محمد وأنه سيظهر عن قريب ويفعل كيت وكيت!! وكان هدفهم الأساسي من إذاعة ونشر مثل تلك البدعة – والتي تحولت فيما بعد إلى عقيدة مذهبية اتبعها بعض الناس وآمنوا بها وصارت من أصول عقائدهم الدينية واستمروا عليها! أن يتصرفوا في تلك الأموال ويبلعوها ويستمروا في أخذ مزيد من الأموال تحت ذلك الاسم.

كما جاء في «علل الشرائع» للمرحوم الصدوق وفي «رجال الكشّي» (ص397) بإسنادهما: «عن يونس بن عبد الرحمن قال مات أبو الحسن عليه السلام وليس من قوامه أحدٌ إلا وعنده المال الكثير، فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.. » .

وقد جاء في تنقيح المقال (ج2/ص247): «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ كَانَ أَحَدُ القُوَّامِ عُثْمَانَ بْنَ عِيسَى وكَانَ يَكُونُ بِمِصْرَ وكَانَ عِنْدَهُ مَالٌ كَثِيرٌ وسِتُّ جَوَارِيَ قَالَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو الحَسَنِ الرِّضَا (ع) فِيهِنَّ وفِي المَالِ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ أَبَاكَ لَمْ يَمُتْ! قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ أَبِي قَدْ مَاتَ وقَدِ اقْتَسَمْنَا مِيرَاثَهُ وقَدْ صَحَّتِ الأَخْبَارُ بِمَوْتِهِ واحْتَجَّ عَلَيْهِ فِيهِ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوكَ مَاتَ فَلَيْسَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ وإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ عَلَى مَا تَحْكِي فَلَمْ يَأْمُرْنِي بِدَفْعِ شَيْ‏ءٍ إِلَيْكَ وقَدْ أَعْتَقْتُ الجَوَارِيَ!!! » .

وهذه الرواية رواها الصدوق في علل الشرائع وعيون أخبار الرضا عليه السلام وفي آخرها عبارة: «وَ قَدْ أَعْتَقْتُ الجَوَارِيَ وتَزَوَّجْتُهُنَّ » الذي يبين أن «عُثْمَانَ بْنَ عِيسَى» هذا ضمَّ إليه جميع تلك الجواري وتزوجهن!

وكما ذكرنا في صدر هذا الفصل كان الأَشَاعِثَةُ قد جمعوا حوالي ثَلَاثينَ أَلْفَ دِينَارٍ من أموال الزكاة، ثم أسسوا مذهب الوقف كي لا يدفعوا هذه الأموال إلى إمام زمانهم، وكان ابتداء مذهب الواقفة وسبب ابتداعه هو هذا الأمر فحسب!(171).

 

الهوامش:

(167) بحار الأنوار، ج11/ص27 (طبع كمباني) [أو ج46/ص93 من طبعة بيروت]، وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب المناقب لابن شهرآشوب، [ج4/ص161]. (المترجم)

(168) الحافظ الذهبي (شمس الدين محمد بن أحمد) (748 هـ)، تاريخ الإسلام، ضمن تراجم طبقة الأعلام في أحداث الفترة بين 201 و211هـ. (المترجم).

(169) المجلسيُّ في «بحار الأنوار» ج46/ص 93. (المترجم)

(170) رجال الكشي، ص 459 – 460 (طبع جامعة مشهد، 1348هـ)، والمجلسـيُّ، «بحار الأنوار» ج48/ص 266- 267. (المترجم)

(171) يغلب على الظن من تتبع كتب الأخبار وكتب الرجال أن خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس بشكل خاص كانوا يسعون دائماً أن يسقطوا الأئمة المعصومين (ع) من أنظار الناس بكل وسيلة ممكنة، ومن جملة ذلك أنهم كانوا يقدمون لهم المال وكان الأئمة يأبون في الغالب أخذه منهم. كما أنهم كانوا يشجعون الأشخاص الذين كان الأئمة يعينونهم وكلاء ونواباً لهم بين الناس لأخذ أموال الزكاة والأوقاف والنذورات ونحوها، إذا لم يشعروا بخطرهم على جهاز الخلافة، واطمأنوا من جانبهم، فلم يكونوا يمنعونهم من أخذ تلك الأموال بل يشجعون الشيعة بشكل غير مباشر على دفع تلك الأموال إلى أولئك الوكلاء حتى يُضعفوا القدرة المالية للشيعة من جهة، ويصوروا الأئمة عليهم السلام من الجهة الأخرى بأنهم كانوا ماديين ويسعون لجمع المال. كما نجد المرحوم «عبَّاس إقبال آشتياني» يقول في كتاب «خاندان نوبختي» (أي عائلة النوبختي) (ص220): «كان للحسين بن روح في بغداد في معظم فترة خلافة الراضي بالله العباسي (322-329هـ) مقام رفيع بين الشيعة بسبب الأموال الطائلة التي كان الشيعة الإمامية يأتونه بها، وقد جذب هذا الجاه ووفرة الثروة التي كان يتمتع ها «الحسين بن روح» نظر الخليفة وعمال الدواوين الذين كانوا يعانون من ضيق اليد وكثيراً ما كان الخليفة يأخذ منه كلاماً!! ويقول أبو بكر محمد بن يحيى الصولي مؤلف كتاب (الأوراق) الذي توفي سنة 335 أو 336 وكان من المعاصرين لـ «الحسين بن روح»: «كان الخليفة الراضي يقول لنا دائماً: إني لأرغب أن يكون هناك ألف شخص مثل الحسين بن روح وأن الشيعة يعطونه أموالهم كي يفقر الله بهذا السبب الشيعة ويجعلهم محتاجين! إن استغناء الحسين بن روح من أموال هذا الطائفة أمرٌ يسرُّني ولا يزعجني» (الأوراق ص 132). وبالمناسبة من الجدير بالعلم أن الحسين بن روح كان من موظفي الدولة العباسية وعمالها ولهذا السبب كان جهاز الخلافة يثق به ويطمئن إليه.