الإشكال الثاني: من ناحية التاريخ

لاحظنا في بداية ذلك الحديث عبارة: «أَوْجَبْتُ فِي سَنَتِي هَذِهِ وهَذِهِ سَنَةُ عِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ » !

هذا التاريخ المذكور في الحديث والحوادث التي تضمَّنها متن الحديث لا  ينسجمان مع حقائق التاريخ ووقائعه، وهذا ما يدعو إلى الشكّ في صحته. ذلك أن وفاة الإمام محمد التقي (الجواد) كانت، طبقاً للتواريخ المعتمدة، سنة 219 أو 220هـ، وفي بداية السنة التي توفي فيها الإمام كان المعتصم العباسي قد دعاه إلى طرفه في بغداد وأنزله بكل احترام وإجلال في القصور الخاصة بالخليفة حيث بقي الإمام هناك إلى حين وفاته. فصدور مثل هذه الرسالة عن الإمام في تلك السنة بعيدٌ.

1- قال المؤرخ المسعودي في كتابه «مروج الذهب» (ج2/ص348، طبع مصر، 1346هـ): «وفي هذه السنة - وهي سنة تسع عشرة ومائتين - قبض محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك لخمس خلون من ذي الحجة، ودفن ببغداد في الجانب الغربي بمقابر قريش مع جده موسى بن جعفر.». فالمسعودي، المؤرخ الشيعي الكبير، يذكر أن وفاة الإمام الجواد كانت في الخامس من ذي الحجة سنة 219هـ.

2- وذكر ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (ج2/ص33، طبع طهران) أيضاً أن وفاة الإمام كانت في الخامس من ذي الحجة سنة 219 أو 220هـ.

3- وكتب المرحوم الحاج الشيخ عبّاس القميّ في كتابيه «منتهى الآمال» و«تتمة المنتهى» أن وفاة ذلك الإمام كانت سنة 219 أو 220هـ.

4- والخبر الذي أورده المرحوم الصدوق في كتابه «عيون أخبار الرضا عليه السلام» يؤيد أيضاً وفاة الإمام الجواد سنة 219هـ حيث ذُكر في ذلك الخبر قصة انطلاق الإمام الرضا من المدينة المنورة وسفره إلى مدينة طوس ومرضه قبل سبعة أيام من وصوله إلى طوس وعيادة المأمون إياه، وفي ذلك الحديث يقول الإمام الرضا للمأمون: «أَحْسِنْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مُعَاشَرَةَ أَبِي جَعْفَرٍ، فَإِنَّ عُمُرَكَ وَعُمُرَهُ هَكَذَا، وَجَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْه‏» أي أن وفاة أحدكما تتلو وفاة الآخر. ولما كان المأمون قد توفي سنة 218هـ، فإن الإمام الجواد توفي في السنة التالية لها أي سنة 219هـ.

5- جاء في كتاب «إثبات الوصية» المنسوب للمسعودي أن ولادة حضرة الإمام الجواد كانت في التاسع عشر من شهر رمضان سنة 195هـ. وذُكر أن عمره بلغ أربعة وعشرين عاماً وبضعة شهور، في حين أنه ذُكر أن وفاته كانت لخمس خلون من ذي الحجة سنة 220هـ، ولكن هذا خطأ! لأن شهر الحجة من الأشهر العربية ولو كان الإمام قد توفي في الخامس من ذي الحجة سنة 220هـ لكان عمره المبارك حين وفاته خمسةً وعشرين عاماً وبضعة أشهر، هذا ولمّا لم يكن هناك أي اختلاف بشأن تاريخ ولادته، فلا بد أن نعتبر أن وفاته كانت سنة 219هـ. وبناء على ذلك فقد توفي حضرته قبل سنة من كتابة تلك الرسالة المزعومة فكيف تسنى لِعلِيِّ بن مهزيار أن يظهر تلك الرسالة سنة 220هـ في طريق مكة ويطالب بالخُمس وبحقوق كيت وكيت للإمام في حين أنه حتى لو فرضنا أن الإمام لم يكن قد توفي بعد بل كان حياً سنة 220هـ فإنه كان في ضيافة الخليفة وتحت رقابته، فكيف كتب مثل هذه الرسالة ولأجل من كان يطالب بذلك المال والخُمس؟! لعله طلبها لأجل «علي بن مهزيار» ذاته حتى يحللها له كلها دفعة واحدة فيما بعد!!! ولما كان سلوك طريق مكة لأجل الحج يتم عادة في شهر ذي القعدة وذي الحجة فإن المطالبة بهذه الحقوق تمت بعد وفاة الإمام، وهذا كان جيداً ومفيداً لعلي بن مهزيار.

والإشكال الآخر الذي يَرِدُ على هذه الرسالة هو أن من جملة عباراته هذه العبارة التي قيل إن الإمام كتبها: «ومِنْ ضَرْبِ مَا صَارَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ مَوَالِيَّ مِنْ أَمْوَالِ الخُرَّمِيَّةِ الْفَسَقَةِ فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَمْوَالًا عِظَاماً صَارَتْ إِلَى قَوْمٍ مِنْ مَوَالِيَّ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُوصِلْ إِلَى وَكِيلِي » .

فلننظر مدى توافق هذه العبارة مع تاريخ الخُرَّمِيَّةِ:

طبقاً للتواريخ المعتمدة علا شأن «بابك الخُرَّميّ» سنة 211هـ (أي بعد سنتين من وفاة حضرة الإمام الجواد) واتجهت عساكره نحو القرى والبلدات، وفيما يلي نصّ عبارة المؤرخ المسعودي في «مروج الذهب» (ج2/ص351):

«وكان بَدء ما وصفنا فيما فعله المعتصم سنة إحدى وعشرين ومائتين. خروج بابك الخرمي: واشتدَّ أمر بابك الخرمي ببلاد الران والبيلقان، وكثرت عترته في تلك البلاد وسار عساكره نحو تلك الأمصار، ففرق الجيوش، وهزم العساكر، وقتل الوُلاةَ، وأفنى الناس، فسيَّر إليه المعتصم الجيوش وعليها الأفشين، وكثرت حروبه واتصلت، وضاق بابك في بلاده حتى انفضَّ جمعه، وقُتل رجاله..».

إذن الهزيمة التي تعرض لها «بابك» إنما كانت سنة 212هـ فما بعد، وإذا كان أحد من الناس – ربما كان بعضهم من الشيعة – قد نال شيئاً من أموال الخُرَّميَّة فإن هذا كان في تلك السنة وما بعدها، فكيف إذن حصل الشيعة سنة 220هـ على أموال من الخُرَّميَّة حتى يطالبهم الإمام بأداء خمسها؟ كما أن قتل «بابك» كما صرح المسعودي في «مروج الذهب» كان في يوم الخميس الموافق للثاني من صفر سنة 223هـ.، ورغم أن بقية المؤرخين اختلفوا في سنة قتله، إلا أنه لم يذكر أي منهم أنه قتل قبل سنة 223هـ. فمثلاً في تاريخ «گزيده» [أي المنتخب] ذُكر أن مقتل بابك كان في رجب من سنة 228هـ، في حين ذكر العوني في «جوامع الحكايات» أن قتله كان سنة 226هـ. أما المرحوم المحدث القمي فقد ذكر في تتمة المنتهى (ص223) أن خروج بابك كان سنة 221هـ. وفي موسوعة «لغت نامه دهخدا» جاء شرح إرسال أفشين لحرب «بابك» سنة 220هـ ولكن في تلك السنة كان الفتح والظفر من نصيب «بابك» ولم يتعرض لهزيمة حتى تعود أمواله الطائلة لشيعة حضرة الإمام الجواد، فالقضيَّة سالبة بانتفاء الموضوع!.

نعم الطبري وحده فقط ذكر في تاريخه (ج7/ص224، طبع القاهرة سنة 1358هـ) ضمن بيانه لحوادث سنة 209هـ ما نصه: «وفي هذه السنة قدم إسحاقُ بن إبراهيم بغدادَ من الجبل يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى ومعه الأسرى من الخرَّمية والمستأمنة، وقيل إن إسحاق بن إبراهيم قتل منهم في محاربته إياهم نحواً من مائة ألف سوى النساء والصبيان » .

رغم أنه لم يأت في هذه الحادثة ذكرٌ للغنائم ولكن كثرة الأسرى دليل على أن كثيراً من الغنائم قد وقعت بأيدي المجاهدين، وربما يكون هذا الأمر بالذات هو الدافع لكتابة تلك الرسالة التي تمت المطالبة فيها بالخمس!

وكما قلنا توفي حضرة الجواد عليه السلام سنة 219 أو 220 هـ أي في السنة ذاتها التي كان المعتصم قد أحضره في بدايتها إلى بغداد وأقامه في قصر من قصوره ووضعه تحت مراقبته.

كما كتب الكُلَيْنِيّ في «الكافي» ذيل بيانه لأحوال حضرة الإمام الجواد عليه السلام:

«وُلِدَ (ع) فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وتِسْعِينَ ومِائَةٍ وقُبِضَ (ع) سَنَةَ عِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ فِي آخِرِ ذِي الْقَعْدَةِ وهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً وشَهْرَيْنِ وثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً ودُفِنَ بِبَغْدَادَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ عِنْدَ قَبْرِ جَدِّهِ مُوسَى (ع) وَقَدْ كَانَ المُعْتَصِمُ أَشْخَصَهُ إِلَى بَغْدَادَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا (ع»)(149).

وقال العلامة المجلسي في كتابه «مرآة العقول» (ج1/ص412): «فورد بغداد لليلتين من المحرم سنة عشرين ومائتين، وأقام بها حتى توفي في هذه السنة.».

وقد نقل المجلسي هذا الكلام عن ابن شهرآشوب، وبناء عليه فإن حضـرة الجواد عليه السلام كان في الثاني من محرم من سنة وفاته أي منذ بداية السنة في قصـر الخليفة في بغداد وتحت نظره ورقابته، فكيف تسنَّى له أن يكتب مثل هذه الرسالة ولمن كتبها ولماذا؟! إذْ إنه لم يكن بحاجة إلى ذلك المبلغ ولا كانت لديه إمكانية للوصول إلى أقربائه وشيعته. وكما ذكرنا سابقاً كان حضرة الإمام ينال كل سنة في زمن المأمون مليون درهم من بيت المال، ومن المعلوم أنه لم يكن للإمام خدم أو حشم أو جند أو حرس بل حتى لم تكن له عائلة كبيرة تحتاج إلى نفقات كبيرة حتى يحتاج إلى أخذ مثل هذه الأشياء. أما الأشخاص الذين كانوا يأخذون الأموال باسم الإمام فليت شعري هل كان لهم من هدف سوى سرقة أموال الناس وجمعها في جيوبهم؟!

تلك كانت بعض الإشكالات التي تتعلق بهذه الرسالة، وما أحسن ما قاله الشهيد الثاني في كتابه «الدراية» (ص 50، طبع النجف): «وقد افتُضِحَ قومٌ ادَّعُوا الروايةَ عن شيوخٍ ظهرَ بالتاريخ كذب دعواهم » . ثم يقول الشهيد الثاني بعد ذلك: «و کم فتح الله علینا بواسطة معرفة ذلک العلم (أي علم التاريخ) بکذب أخبار شائعة بین أهلالعلم فضلاً عن غیرهم حتى کانت تبلغ قرینة الاستفاضة ولو ذکرنا لطال الخطب » .

أجل لو لم يذكر ذلك الراوي أخَّاذ الخمس في رسالته تلك ذلك التاريخ لكان أفضل له بكثير ولكن ماذا نفعل إذا كان حبل الكذب قصير!.

وحتى لو فرضنا أن حضرة الإمام محمد التقي عليه السلام توفي سنة 220هـ، فإنه لما كان منذ بداية السنة أي في الأيام العشر الأولى من شهر محرم إما في الخامس منه أو في الثامن قد قدم إلى المعتصم وأُسكن إلى جواره فإنه من البعيد جداً أيضاً أن تصدر عن حضرته مثل تلك الرسالة وأن يفرض فيها مثل ذلك الخمس على شيعته أو يطالبهم به لأنه كان في ضيافة الخليفة وتحت نظره، فلمن كان يريد مثل تلك الأموال؟ خاصة أنه توفي في شهر ذي القعدة من السنة ذاتها.

 

الهوامش:

(149) الكُلَيْنِيّ في «الكافي»، ج1/ص 492. (المترجم)